هطل الغمامة
على فراق شيخ الكل أسامة



وما لك تربة فأقول تُسقى
لأنك نصب هطل الهاطلاتِ

عليك تحية الرحمن تترى
برحمات غوادٍ رائحاتِ



للشيخ
أبي همام بكر بن عبد العزيز الأثري
حفظه الله



(جنود الحق قد دارت رحاها)

ذُرى الأمجاد معقودٌ لواها
وترويها الأحبة من دماها

أقامتْ ليلة الإسراء عرساً
لمن صنع المفاخر واعتلاها

فكم عبّ الردى من صدر حرٍّ
وكم شمساً توارتْ في ضحاها

وكم بدراً غفا في ظلّ رمحٍ
سما فوق الطوالع في عُلاها

سترتقب الجنان بكلّ فجرٍ
عروجَ الباذلين إلى جناها

وتشتاق الحواري في حبورٍ
لمن ركب المنية واشتراها

نذرنا للرزايا كلّ يومٍ
نفوساً قتلها أغلى مُناها

رواعفها تفيض بكلّ ثغرٍ
إذ الرحمن خالقنا اصطفاها

بكلّ غدٍ جحاجحنا تُلبّي
وسوق البذل مشتعلٌ لظاها

يفيض لنا بكلّ غدٍ شهيدٌ
يسير على خطى أوفى أُلاها

مفاخرَ خطّها بالدمّ جيلٌ
تَمَثّلَ "بدرَ" يرضعُ من لباها

ألا كُفّي دموعك واكتميها
فقاعدة الجهاد مضى فتاها

يحثّ الباذلين إلى المعالي
وجند الحق قد دارت رحاها

يصدّ المعتدين بصدر حرٍّ
وعينٍ لا تنام على قذاها

ألا أبلغ كلاب الغرب عنّي
ومن تبعوا الكلاب على عماها

أسامة "لم يزل" حيّاً ويزجي
جحافلَ "لم تزل" تُعلي لواها

ألا لفّي حزامكِ أشعليها
لظىً يُردي لخيبر من بناها

عواصف من شواظٍ واجعليها
تسدُّ لمكمن الأحقاد فاها

كُماة الحيّ تزأرُ في الفيافي
ولم ينعم عدوٌ في رباها

ولن تهوي بيارق خضّبوها
نجيعَ دمٍ وما انفصمتْ عُراها

وإن يمضي أسامة عاد فينا
أسامة والمثنى وانتضاها

فوارس لن تجد فيهم ضنيناً
كرام النفس مشهودٌ تقاها

مضى لله فلتبكِ العوالي
وسرج الضابحات على أساها

وتفتقد البدور وقد تداعت
جيوش الكفر تقتل من عصاها

ستزأر تورا بورا في شموخٍ
وتصهل قندهار وما تلاها

سأكسر غمد قافيتي وأنضو
سهاماً لا تخالف من رماها

لقاعدة الغيارى ألفُ ثأرٍ
بلاد الكفر ما طاقت لقاها

سنحرق قلب أمريكا ونُعلي
لقاعدة الجهاد ومن بناها

بيارقَ لم تزل بالدمّ تُروى
ونسحق من رماها وازدراها


لشاعر القاعدة
محمد الزهيري حفظه الله



بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله مدبر الأمور، وناصر أهل الثغور، وخاذل كل مرتد وكفور، الحمد لله الذي جعل هذه الدنيا دار غرور، وجعل أرواح الشهداء في أجواف طيور، تسرح من الجنة حيث تشاء بسرور وحبور، وأراهم مقاعدهم من الجنة والذنب لهم مغفور، وأمنهم من الفزع الأكبر وفتنة القبور، وألبسهم تاج الوقار وشفعهم في أهل الدور، وحلاهم بحلة الإيمان وزوجهم سبعين من الحور، والصلاة والسلام على من بُعث (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، وعلى آله وصحبه وكل مؤمن بالله صبور، وعلى من باعوا أرواحهم لله وجعلوا جسومهم كالجسور، وعلى الصادقين الذين حملوا العلم في السطور والصدور، ممن يصلي عليهم أهل السماء والأرض والحيتان في البحور، وعلى من سار على طريق الحق إلى يوم النشور، أما بعد:
فإنني لا زلت أذكر جيداً أول يوم رأيت فيه شيخ الكل أسامة بن لادن رحمه الله عبر إحدى وسائل الإعلام، فاقتحم قلبي بلا استئذان، وأخذ بتلابيب فؤادي والجنان، فسألت أحد أقاربي –ولم تبقل لحيتي آنذاك-: من يكون هذا الرجل؟ فأجابني: "إنه أمير المجاهدين العرب".اهـ فتمنيت –حينئذ- أن أكبر سريعاً لأكون من رجالاته، وثمرة من ثمراته..
كبرت وكبر حبي للشيخ أسامة، ولم أخش من إظهار حبي إياه أي ملامة، حتى هجرت من هجرت من أقراني في ذلك، وخاصمت من خاصمت من أساتذتي ومشايخي لأجل ذلك..

أروحُ وقد خَتَمت على فؤادي
بحُبكَ أن يحِلّ به سِواكَا

فلو أني استطعتُ خفضتُ طرفي
فلم أبصرْ به حتى أراكا

وكيف لا يُحب الشيخ وقد جُمعت فيه أخلاق الرجال، وجسدت فيه صفات الأبطال، حتى غار منه البحر وكذا الهلال!

يا أيها القمرُ المباهي وجهَهُ
لا تكذبنَّ فلستَ من أشكالِهِ!

وإذا طمى البحرُ المُحيطُ فقل لهُ
دَعْ ذا فإنكَ عاجزٌ عن حالِهِ!

وإنني أحسب أن حب الشيخ أسامة من أفضل القربات، وأجل الطاعات، وقد كنت إذا اشتدت بيّ الأمور، اسأل الله الرءوف الغفور، فأقول: "اللهم إني أتوسل إليك بحبي للشيخ أسامة بن لادن..".اهـ فوالذي نفسي بيده: لا أبرح حتى يعطيني الله ما سألته.
عن مؤمل بن إسماعيل قال: "جاء رجل شامي إلى سوق الخزازين، فقال: عندك مُطرف بأربع مائة؟ فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين، فنادى المنادي: الصلاة. فانطلق يونس إلى بني قشير ليُصليَ بهم. فجاء وقد باع ابن اخته المُطرف من الشامي بأربع مائة. فقال: ما هذه الدراهم؟ قال: ثمن ذاك المطرف. فقال: يا عبد الله هذا المطرف الذي عرضته عليك بمائتي درهم. فإن شئت فخذه وخذ مائتين، وإن شئت فدعه. قال: من أنت؟ قال: أنا رجلٌ من المسلمين. قال: أسألك بالله من أنت؟ وما اسمك؟ قال: يونس بن عبيد. قال: فوالله إنا نكون في نحر العدو، فإذا اشتد الأمر علينا قلنا: اللهم ربَّ يونس فرّج عنا، أو شبيه هذا.. فقال يونس: سبحان الله، سبحان الله".اهـ [سير أعلام النبلاء 6/289].
بل يصدق في شيخنا أسامة ما قاله الإمام ابن عيينة عن الإمام ابن المبارك حين قال: "نظرتُ في أمر الصحابة، وأمر عبد الله، فما رأيتُ لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغزوهم معه".اهـ [تاريخ بغداد 10/163، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/390]. نحسبيه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً.
حتى أصبحت يوم الاثنين على تلك الواقعة، ويا لمرارتها من باقعة! فلقد تلقفني نبأ عظيم، وخبر جسيم، ونزلت تلك الداهية، وفوجئنا بصدمة قاسية، حتى قعدتُ برهة ولم استطع الحراك، والدمع على الخدود في اشتباك..

وفي الأحباب مختصٌّ بجودٍ
وآخرُ يدعي معه اشتراكا

إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ
تبين من بكى ممن تباكى!

ترجل حامل راية التوحيد والحديد، وصاحب المنهج المستقيم والرأي السديد، أسد الجهاد وإمامه؛ شيخ الكل ابن لادن أسامة..

فليبكهِ شرقُ البلادِ وغربُها
وليبكهِ مُضرٌ وكلُّ يمانِ

وليبكهِ الطَّودُ المُعظِّم جُودَهُ
والبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ

ووالذي نفسي بيده: لم أفجع في دنياي بمثله، ولم أر بعيني كربة كقتله.

أكبرتُ يومَك أن يكون وداعا
يا مالئ الوادي هدى وشعاعا

يا باعثاً هِمَمَ الشباب إلى العلى
لولاك كادوا يذهبون ضياعا

يا داعياً لله أفنى عمره
سعياً ليهدمَ للفساد قلاعا

إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها.
دمعة وابتسامة، في رثاء شيخنا أسامة
لا استطيع أن أصف شعوري والإحساس، أو أدونه في كاغد وقرطاس؛ لما جاء خبر مقتل حبي الأول بين المعاصرين من الناس!

وإني أراني كلّ ما مرّ طيفكم
يقلبني طرفي لعلِّي أشاهدُك

ونفسي التي تهواك باتت حزينة
تراودها الدنيا وأخرى تراودك

فيا أسد الإسلام إني وأحرفي
وشعري وأبياتي وقلبي نعاهدك

فتحتارُ أبياتي وتحتارُ أحرفي
وتُعجزني في كل أمر قصائدك

لقد تأخرت كثيراً بعد خبر مقتل الشيخ أسامة، عن أن أكتب رثاءً فيه بحبر الدمع وأقلامه، ولا أخفي أخي القارئ أنني حاولت المرة والمرة، ولكن تصدني حشرجة الصدر والمرارة المُرة!

طلب الفؤادُ من الفُؤادِ قصيدةً
وعلامةً أني أُحبُّ أكيدَا

فأجابَهُ إنَّ الكلامَ مكبلٌ
بينَ الدّموعِ على الحبيبِ وئيدَا

فلا يعتب عليّ بعض الأحبة الكرام، أنني لم أبادر برثاء شيخنا في غضون ساعات أو أيام! فالأمر ليس كما يتصورون، إنه أسامة وقد تخطفته يد المنون!

إذا التوديعُ أعرضَ قال قلبي:
عليكَ الصمتَ لا صاحبتَ فاكا!

فأسترُ منكَ نجوانا وأُخفي
هُمُوماً قد أطلْتُ لها العِراكا

وعزاؤنا أن هذا الدين القويم، والصراط المستقيم، ليس بمعلق على رجل ولا عظيم، فلو كان كذلك، لانتهى بموت سيد الخلق أجمعين، وأعزهم على رب العالمين، صلى الله عليه وسلم.. قال الله في كتابه المحكم: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)) [آل عمران].
قال سواد بن قارب:

إن النبيّ وفاتُهُ كحياته
الحقُّ حقٌّ، والجهادُ جهادُ

لو قيل تفدونَ النبيّ محمداً
بُذلتْ لهُ الأموالُ والأولادُ

هذا، وهذا لا يردُّ نبيّنا
لو كان يَفديهِ فَداهُ سَوادُ

فلو كان الدين ينتهي ويزول، والجهاد ينقطع وتذال الخيول، لكان ذلك وتم بوفاة الرسول، ولكن:

إذا سيّدٌ منّا خلا قامَ سيدٌ
قؤولٌ لما قال الكرامُ فعول

وأيامنا مشهورةٌ في عدونا
لها غرَرٌ معلومةٌ وحجول

وأسيافنا في كل شرقٍ ومغربٍ
بها من قراع الدارعين فلول

قال الإمام ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عديّ ابن النجار. قال: "انتهى أنس بن النضر –عم أنس بن مالك-؛ إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار –أي يوم أحد-، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يُجلسُكم؟! قالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فماذا تصنعونَ بالحياة بعدهُ؟! فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قُتل..".اهـ
قال الإمام ابن إسحاق رحمه الله: "فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: "لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذٍ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه".اهـ [السيرة لابن هشام 3/76].
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه –أي في أنس بن النضر- وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) [الأحزاب].
جهاد وجهد، من المهد إلى اللحد
أسامة بن لادن اسم وافق المسمى، وكما قيل: كل له من اسمه حظ أسمى! فأسامة: معناه الأسد، قال العلامة ابن منظور رحمه الله: "أسامة: من أسماء الأسد.. قال ابن السكيت: يقال هذا أسامة، وهو الأسد، وهو معرفة".اهـ [لسان العرب 1/152].
ولادن: من اللدن، وهو التريث في الأمور والتلبث، قال العلامة ابن منظور رحمه الله: "تلدَّنَ في الأمر: تلبَّث وتمكَّث".اهـ [لسان العرب 8/65].

عجبتُ لمنْ سما بِسْمٍ عجيبِ
كإسم الليث في شكْلٍ مَهِيبِ

وزلْزلَ إِسْمُهُ الصُّلبان َحيَّا
وحَيَّر موتُه أهلَ الصَّليبِ

فهو أسامة على كل كافر ومرتد، ولدن بالإيقاع والتربص بهم كل مرصد، وحياته برمتها شاهدة على ذلك؛ إذ هي سفر من الأسفار، وشمس نيرة في كبد سماء التاريخ والأخبار.

فلا زالتِ الشمسُ التي في سَمائِهِ
مُطالِعَةَ الشمسِ التي في لثامِهِ

ولا زالَ تجتازُ البُدُورُ بوجْهِهِ
فَتَعْجَبُ منْ نُقْصَانِهَا وتَمَامِهِ!

افتتح حياته في سبيل الله، كما اختتمها في سبيل الله، فبدايته بين غبار الجهاد، ونهايته مضرج بدماء الاستشهاد، فهو من الله، وبالله، ومع الله، وإلى الله، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) [الأنعام].

يا رافعاً للحق راية نصره
والحق تحرسه ظُباً وبنود

أفنيت عمرك بالجهاد مصابراً
لله فيما تبتغي وتريد

لك في الجهاد عزيمة مشبوبة
لا تعتريها فترة وخمود

كالليث في وَثباتِه وثباتِهِ
شهدت بذاك خنادق وجنود

ولم تُعرف للشيخ أسامة رحمه الله صبوة أيام الشباب، بل لم يُر إلا في الساحات أو المحراب!

جمع الشجاعةَ والخضوعَ لربه
ما أحسنَ المحراب في المحرابِ!

روي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليست له صبوة) [قال في مجمع الزوائد 10/477: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم: (وشاب نشأ في عبادة الله)، وفي رواية: (وشاب نشأ بعبادة الله) [متفق عليه].
قال الإمام النووي رحمه الله: "ومعنى رواية الباء، نشأ متلبساً للعبادة أو مصاحباً لها أو ملتصقاً بها".اهـ [شرح صحيح مسلم 7/170].
والشيخ أسامة رحمه الله نشأ متلبساً بذروة سنام العبادة، مصاحباً لها، وملتصقاً بها، ليس في اليقظة فحسب، بل حتى في النوم! فكثيراً ما يستيقظ من نومه وهو يردد قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: 36].

قضيت العمر مرتحلاً
ومن يبقى سيرتحلُ

فكم حررت من وطنٍ
وشعبٍ طالما خُذِلوا

هزمتَ الروسَ لولا اللهُ
والأبطالُ ما انخزلوا

فلما جاءت أمريكا
وجاء الغرب يهتبلُ

ثبتَّ لهم كما يرسو
بكل شموخه الجبلُ

ولقد كانت أمنية الشيخ الرفيق، طوال الدرب والطريق، بكل عزم وحزم، ما قاله الإمام ابن حزم:

مُنايَ من الدنيا عُلومٌ أبُثها
وأنشرها في كلِّ بادٍ وحاضرِ

دُعاءٌ إلى القرآن والسننِ التي
تَنَاسى رِجالٌ ذِكرَها في المحاضرِ

وأَلزمُ أطرافَ الثغورِ مجاهداً
إذا هيعةٌ ثارتْ فأوّلُ نافرِ

لألقى حمامي مُقبلاً غير مُدبرٍ
بِسمرِ العوالي والرِّقاق البواتِرِ

كِفاحاً مع الكفارِ في حومةِ الوغى
وأكرمُ موتٍ للفتى قتلُ كافرِ

فيا ربِّ لا تجعل حِمامي بغيرها
ولا تَجعلني من قطينِ المقابرِ

فهذه الأبيات تجسدت في شخص الشيخ أسامة، وكأنه لم يُخلق إلا لنصرة دينه وإسلامه! ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في كتابه "البداية والنهاية" في "سنة أربع وثمانين وخمسمائة" أنه قد: "دخل السلطان –أي صلاح الدين- دمشق، ووجد الصفي بن القابض وكيل الخزانة قد بنى للملك داراً بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي فغضب عليه وعزله من وظيفته وقال: إنا لم نُخلق للمقام بدمشق، وإنما خلقنا للعبادة والجهاد".اهـ

خلق الله للحروبِ رجالاً
ورجالاً لقصعة وثريدِ!

قال شيخ المجاهدين أسامة بن لادن رحمه الله: "ونحن بفضل الله تعالى نحمل سلاحنا على عواتقنا، نقاتل قطبي الشر في الشرق والغرب، منذ ثلاثين سنة، ولم تسجل عندنا حالة انتحار واحدة! رغم المطاردة الدولية لنا، فلله الحمد والمنة، وهذا يُنبؤكم عن سلامة عقيدتنا، وعدالة قضيتنا، ونحن بإذن الله ماضون في طريقنا، لتحرير أرضنا، سلاحنا الصبر، ومن الله نبتغي النصر، ولن نتخلى عن الأقصى، فتمسكنا بفلسطين أعظم من تمسكنا بأرواحنا، فطاولوا في الحرب ما شئتم، فوالله لن نساوم عليها أبداً:

ما تنقم الحربُ العوان مني
بازل عامين حديثُ سني

لمثل هذا ولدتني أمي!".اهـ
فثلاثة عقود من الأعوام، قضاها الشيخ في ذروة السنام، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟) فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) [أخرجه أحمد وغيره].
وما من ساحة من ساحات الجهاد والنزال، إلا وللشيخ المفضال، عليها أفضال وأفضال؛ إما بنفسه، وإما برجاله، وإما بماله..

يا شيخَ أمتنا وحاملَ همّها
أفنيت عمرك متعباً ملتاعا

جاهدتَ في عرض البلاد وطولها
تَتجاوز الأقطار والأصقاعا

ولا أخال هذا القول الطيب، من أبي الطيب، إلا في شيخنا أسامة، حيث وصف مكانته وشجاعته وإقدامه، بقوله:

الجيشُ جيشكَ غيرَ أنكَ جيشهُ
في قلبهِ ويمينهِ وشِمالِهِ

كلٌّ يريدُ رجالَهُ لحياتِهِ
يا منْ يُريدُ حياتَهُ لرجالِهِ

وبلغ اهتمام الشيخ باستمرار مسير عجلة الجهاد، أنه رحمه الله كان يصرف معاشاً شهرياً لكل مجاهد من الآساد، بل ويُوفر السكن للعزاب والمتزوجين، من المجاهدين، على الرغم من تضيق الكفرة عليه اقتصادياً ومتابعة اتجاره وأعماله، وحجر المرتدين على كثيرٍ من أمواله! قال الله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)) [المنافقون].
عن عمر بن حفص الصوفي قال: "خرج ابنُ المبارك من بغداد، يريد المصِّيصة، فصحبه الصُّوفية، فقال لهم: أنتم لكم أنفسٌ تحْتشِمون أن يُنفق عليكم. يا غلام هاتِ الطَّست، فألقى عليه منديلاً، ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه، فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين، فأنفق عليهم إلى المصيصة، ثم قال: هذه بلاد نفير. فنقسم ما بقيَ، فجعل يُعطي الرجل عشرين ديناراً، فيقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أعطيتُ عشرين درهماً! فيقول: وما تُنكر أن يباركَ اللهُ للغازي في نفقته؟!".اهـ [تاريخ بغداد 10/157-158، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/385].

بنيتَ بناءً ما بنى الناسُ مِثلَهُ
يكادُ يُساوى سُورُهُ بالفراقِدِ

فإن الذي أنفقتَ حزمٌ وقوةٌ
فأبشر بأضعافٍ من الربحِ زائِدِ!

وكذلك فقد بارك الله تعالى في مال شيخنا أسامة رحمه الله بركات وبركات، حتى بذله في أفضل العبادات والقربات، يقول به: هكذا، وهكذا، وهكذا.. في شتى الساحات.
يقول شيخ الكل أسامة بن لادن رحمه الله وهو يروي قصة مأسدة الأنصار: "من باب الحديث بالنعمة التي منَّ الله سبحانه وتعالى علينا.. وتحريضاً للمؤمنين على هذا الأمر العظيم.. فمن فضله سبحانه وتعالى أنه في عام 1399هـ سمعنا أن الروس قد دخلوا إلى بلاد المسلمين في أفغانستان.. وذهبت في تلك الفترة إلى باكستان من أجل نصرة إخواننا المسلمين في أفغانستان.. واستمر ذهابي إلى باكستان إلى أن منَّ الله عليّ ودخلت أفغانستان.. وكان وضع المجاهدين ضعيفاً في العدد والعدة.. خاصة مستلزمات القتال وشعرت بأننا مقصرين في حق إخواننا الأفغان إذا لم نقم بكامل واجبنا نحوهم.. وإن أفضل ما يكفر عن هذا التقصير أن يقتل الفرد وهو يجاهد في سبيل الله".اهـ

بُغضُ الحياةِ وخَوفُ اللهِ أخرجني
وبيعُ نفسي بما ليستْ لهُ ثَمنا

إني وزنتُ الذي يبقى ليعدِلَه
ما ليسَ يبقى فلا واللهِ ما اتَّزنا


مختصر طريق الجنة
جاء عن الحسن أنه قال: "إن لكل طريق مختصراً، ومختصر طريق الجنة الجهاد".اهـ [حلية الأولياء 6/157].
ولقد سلك شيخنا أسامة بن لادن رحمه الله هذا المختصر، وعاش حياته في الثغر، بين قتال ومطاردة وسفر، حتى حط رحاله حيث النعيم المستقر –نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً من البشر-.

إن كان بالناس ضيق عن منافستي
فالموت قد وسع الدنيا على الناسِ

مضيت والشامت المغبون يتبعني
كل لكاس المنايا شارب حاسي

أخرج الإمام مسلم في صحيحه: عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم.
فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)) [التوبة].
وفي هذا الطريق المفضل لدى علام الغيوب، خاض الشيخ أسامة رحمه الله أشرس الحروب، ودهمته كروب في إثر كروب، فنازل الروس والشيوعيين في أعنف المعارك، وناضل الأمريكان والمرتدين بشتى السبل والمسالك! حتى شابت لحيته وشحب وجهه في ذلك؛ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفس محمد بيده ما شحب وجه، ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة، بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله) [أخرجه ابن المبارك في الجهاد 1/77، وأحمد في المسند 5/245، بإسناد حسن].

ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خُلقي
ولا ولائي ولا ديني ولا كرمي

وإنما طال رأسي غيرُ صبغته
والشيب في الرأس غيرُ الشيب في الهممِ!

وعن عبد الرحمن بن جبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) [أخرجه البخاري].
هذا في تغبر القدم، فكيف بالجراحات والكلم؟! بل وكيف بالقتل في سبيل الله ونضح الدم؛ كما هو حال شيخنا رحمه الله وأهل الهمم؟! لا شك ولا ريب، وليس رجماً بالغيب، أن نقول: إنه أعظم وأعظم!
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم في جوف عبد أبداً) أخرجه النسائي، وأحمد، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن حبان، وابن المبارك في قصيدته المشهورة التي أرسل بها للفضيل:
عن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكينة، قال: "أملى عليَّ ابنُ المبارك سنة سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي إلى الفُضيل بن عياض من طَرسُوس:

يا عابدَ الحرمينِ لو أبصرتَنَا
لعَلِمتَ أنكَ بالعبادةِ تَلعبُ

من كانَ يخضبُ جيدَه بِدُمُوعِه
فنُحورُنا بدِمائِنا تَتَخضَّبُ

أو كانَ يُتعبُ خَيلَه في بَاطِلٍ
فخُيولُنا يومَ الصبيحةِ تتعبُ

ريحُ العبير لكم ونحنُ عبيرنا
رَهَجُ السَّنابِكِ والغُبَارُ الأطيبُ

ولقد أتانا من مقالِ نبينا
قولٌ صحيحٌ صادِقٌ لا يُكْذَبُ

لا يستوي وغُبَارُ خيل اللهِ في
أنفِ امرئ ودُخانُ نار تَلهبُ

هذا كِتابُ اللهِ يَنطقُ بيننا
ليس الشهيدُ بميتٍ لا يُكْذَبُ

فلقيت الفضيلَ بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح".اهـ [سير أعلام النبلاء 8/412-413].
وقال الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله: "إن يونس –أي: ابن عبيد- نظر إلى قدميه عند الموت وبكى، فقيل: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرَّ في سبيل الله".اهـ [سير أعلام النبلاء 6/291].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة) [أخرجه الحاكم وابن عساكر وصححه الألباني].
فكم من الساعات تلك التي قامها الشيخ القائد، الزاهد العابد أسامة رحمه الله في الصف، ونازل الكفار فيها وصد عدوانهم وكف؟!
ثم لو أننا وضعنا هذه الساعات في كفة، وعبادة المثربين على الشيخ في كفة، يا ترى؛ أي الكفتين سترجح على الأخرى؟!

فمنْ يسعَ أو يركبْ جناحَي نعامةٍ
ليُدْركَ ما قدّمتَ بالأمس يُسبَقِ

وكنتَ تشوبُ العدلَ بالبرِّ والتُّقى
وحُكمٍ صَليبِ الدِّينِ غير مُرَقَّقِ

عن شعيب بن حرب قال: قال سفيان: "إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام!".اهـ [تاريخ بغداد 10/162، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/389].
وعن محمد بن أعين، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، واجتمع إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: جالستَ الثوري، وسمعت منه، ومن ابن المبارك، فأيهما أرجح؟ قال: "لو أن سفيان جَهِدَ على أن يكون يوماً مثل عبد الله لم يقدر!".اهـ [تاريخ بغداد 10/161، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/388].
فتأمل كلام السلف في تفضيل الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك، على أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري، لتعلم بيقين إن من العبث والهذيان، والاستخفاف بالأذهان: أن تقارن أعمال أولئك الأقزام، بما قدمه الشيخ الإمام!

ألم تر أن السيف ينقص قدره
إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا!

أخرج الحافظ ابن عساكر رحمه الله بإسناده عن المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: "استأذن قوم على عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، وهو شديد المرض، فدخلوا عليه فقال: إنكم دخلتم عليّ في حين إقبال آخرتي، وإدبار دنياي وإني تذكرت أرجى عمل لي فوجدته غزوة غزوتها في سبيل الله، وأنا خلو من هذه الأشياء فإياكم وأبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها".اهـ
وأخرج الخطيب البغدادي رحمه الله في تاريخ بغداد 1/168، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق، عن محمد بن الفضيل قال: "رأيت ابن المبارك في النوم فقلت: أي العمل وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة".اهـ [وانظر: سير أعلام النبلاء 8/419].
وهذا أمر قد حكم الله فيه بإيضاح، وجاء بيانه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح.. قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)) [النساء].
قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: "القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار".اهـ [انظر: جامع العلوم والحكم ص468].
فشتان شتان بين القاعدين، والقاعدين! شتان بين القاعدين للكفار كل مرصد، وبين القاعدين عن ذلك بالتثبيط والصد!
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله).. [متفق عليه].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعونه)، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: (لا تستطيعونه) ثم قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) [متفق عليه].
قال الإمام ابن النحاس رحمه الله: "فـ..أولو الهمم العلية، والنفوس الأبية، والشهامة الدينية، المضاعفة أجورهم بالصحبة النبوية، الفائزون بالسبق إلى كل كمال، الحائزون على رتب الاجتهاد كل مقام عال، لا يستطيعون عملاً يعدل الجهاد!..".اهـ [مشارع الأشواق 1/149 باختصار يسير].
وعن معاذ بن أنس الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة أتته فقالت: يا رسول الله انطلق زوجي غازياً وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله، فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع، قال لها: (أتستطيعين أن تقومي ولا تقعدي؟! وتصومي ولا تفطري؟! وتذكري الله ولا تفتري حتى يرجع؟!)، قالت: ما أطيق هذا يا رسول الله. فقال: (والذي نفسي بيده لوْ طُوّقْتْيهِ ما بلغتِ العشر من عمله) [رواه أحمد، والحاكم وقال فيه: حديث صحيح الإسناد].
وعن الحسن بن أبي الحسن أن رجلاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -له مال كثير فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل أدرك به عمل المجاهدين في سبيل الله. فقال: (كم مالك؟)، قال: ستة آلاف دينار. فقال: (لو أنفقتها في طاعة الله لم تبلغ غبار شراك نعل المجاهد في سبيل الله)، وأتاه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل أدرك به عمل المجاهد في سبيل الله؟ فقال: (لو قمت الليل، وصمت النهار، لم تبلغ نوم المجاهد في سبيل الله). [رواه سعيد بن منصور في سننه، وهو مرسل].
وفي رواية عند ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعاً: (لو أنفقتها ما بلغت نفقتك قبال امرئ انقطع في سبيل الله).
وعن مكحول قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الناس قد غزوا –وقد- حبسني شيء، فدلني على عمل يُلحقني بهم؟ قال: (هل تستطيع قيام الليل؟) قال: أتكلف ذلك. قال: (هل تستطيع صيام النهار؟) قال: نعم. قال: (فإن إحياءك ليلك، وصيامك نهارك، كنومة أحدهم). [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وهو مرسل].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الطاعم في سبيل الله كالصائم في غيره سرمداً) [ذكره في شفاء الصدور، وانظر: مشارع الأشواق 1/160].
وعن صفوان بن سليم أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "أيستطيع أحدكم أن يقوم فلا يفتر، ويصوم فلا يفطر ما كان حياً؟!"، فقيل: يا أبا هريرة ومن يطيق ذلك؟ قال: "والذي نفسي بيده إن نوم المجاهد في سبيل الله أفضل منه".اهـ
قال الإمام ابن النحاس رحمه الله: "إذا كان –أكرمكم الله- هذه درجة نائمهم فكيف بقائمهم؟! وإذا كانت هذه رتبة غافلهم فكيف بعاملهم؟! وإذا كان هذا خطر شراك نعالهم فكيف بخطير فعالهم؟!".اهـ [مشارع الأشواق 1/159].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة".اهـ
وعن سعيد بن عبد العزيز قال: "نومة في سبيل الله خير من سبعين حجة تتلوها سبعون عمره".اهـ [ذكره في شفاء الصدور، وانظر: مشارع الأشواق 1/160].
وقد رُوي: (غزوةٌ لا قتال فيها أفضل من سبعين حجة).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المفاضلة بين المرابطة بالثغور والمجاورة بالحرم، قال: "المرابطة أفضل؛ فإنها من جنس الجهاد، وتلك من جنس الحج، وجنس الجهاد أفضل من جنس الحج".اهـ [مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة ص31].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم جلوس في مجلس لهم فقال: (ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل).. [أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي، وغيرهم].
وفي رواية عند ابن عساكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خطب الناس بتبوك: (ما في الناس مثل رجل أخذ رأس فرسه يجاهد في سبيل الله..).
وفي رواية عند النسائي والبيهقي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس عام تبوك.. فقال: (ألا أخبركم بخير الناس.. إن خير الناس رجل عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال: يا رسول الله أي الناس خير منزلة عند الله عز وجل بعد أنبيائه وأصفيائه؟ قال: (المجاهد في سبيل الله عز وجل بنفسه وماله حتى تأتيه دعوة الله عز وجل وهو على متن فرسه أو آخذ بعنانه) [رواه ابن المبارك].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المرابطة في ثغور المسلمين –وهو المقام فيها بنية الجهاد- أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم.
وليست هذه المسألة من المُشكلات عند من يعرف دين الإسلام؛ ولكن لكثرة ظُهور البدع في العبادات وفساد النيات في الأعمال الشرعيات صار يخفى مثل هذه المسألة على كثير من الناس!".اهـ [مسألة المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة ص17-18].
وقال أيضاً: "المقام بالثغور لأجل الجهاد في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ما أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء".اهـ [مجموع الفتاوى 27/51].
قلت: وهذا كله في الجهاد الكفائي –جهاد الطلب-، فكيف إذا كان الجهاد فرض عين –جهاد الدفع- كالذي قام به شيخ الكل أسامة بن لادن رحمه الله وقضى حياته فيه؟!
ولفقه سلف الأمة رضي الله عنهم فإنهم كانوا لا يعدلون بالجهاد والرباط أي شيء! حتى في غير زمن تعينه، فكيف بهم لو شهدوا زمن تعينه؟!
إلى درجة أن الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه خشي تفرق الناس عنه لأجل ذلك! فعن أبي صالح مولى عثمان بن عفان قال: سمعت عثمان يقول على المنبر: "أيها الناس إني كتمتُكُم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية تفرُّقكم عني، ثم بدا لي أن أُحدِّثَكُموه، ليختار امرؤٌ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) [أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد واللفظ له].
"فقد بين لهم عثمان هذا الحديث مع كونهم كانوا مقيمين عنده بالمدينة النبوية؛ مقيمين في المسجد الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)!".اهـ
وهذا الفضل العميم، والأجر العظيم، إنما هو لمن جاهد أو رابط ثم رجع، أما من جاهد ورابط ثم قُتل وأبكى أحبابه وفجع! كما هو حال شيخ الكل أسامة، فهذا يعظم أجره وتضاعف له الكرامة، ولا أعلم من أعمال البر ما يقوم مقامه! عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) [أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وصححه الألباني].
صدق الله فصدقه
قال الله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)) [النساء].
عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: (أن يسلم قلبك لله عز وجل، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك)، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (الإيمان)، قال: وما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت)، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: (الهجرة)، قال وما الهجرة؟ قال: (أن تهجر السوء)، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (الجهاد)، قال: وما الجهاد؟ قال: (أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم)، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من عُقر جواده، وأهريق دمه) [أخرجه أحمد والطبراني والبيهقي، ورجاله رجال الصحيح].
قال الإمام ابن النحاس رحمه الله: "فانظر رحمك الله كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد خلاصةَ خلاصةِ خلاصةِ الإسلام، والشهادةَ في سبيل الله خلاصةَ الجهاد، وأفضل أنواعه".اهـ [مشارع الأشواق 1/143].

تمنيت الشهادةَ ها
فقد جاءتك تحتفلُ

سموت بها كما يسـ
ـمو على أفلاكه زحلُ

ومن نعم الله تعالى الجسيمة، وأفضاله العظيمة، على الشيخ أسامة خاصة، والأمة الإسلامية عامة، أن الشيخ قد قُتل في اشتباك، ولم يؤسر في شباك!

بي لوعةُ الحزنِ لكنْ بينَهُ فرحٌ
فلم نرَ الليثَ في قيْدٍ وإذلالِ

فأشكرُ الله في سرِّي وفي عَلَني
أبى لَهُ الله أن يُمْسِي بأغلالِ

أبى لهُ الله إلاَّ الموتَ في شَمَمٍ
أبى له اللهُ نقْصاً بعْد إكمالِ

وإنني –والله- لا زلت أذكر أنني بعد ضربات (11/9) المباركة، كنت أجلس مع بعض معارفي للتهنئة والمباركة، فقال لي أحدهم: "أين سيذهب ابن لادن من قبضة الولايات المتحدة الأمريكية؟! لا شك أنهم سيأسرونه؛ إذ هم يمتلكون الأقمار الصناعية، والوسائل المتطورة جداً!".اهـ وكان منبهراً جداً لقدرات الأمريكان ومفتتن بهم.
فقلت له بيقين وحسن ظن بالله تعالى: "أقسم بالله العظيم أنهم لن يستطيعوا أن يأسروا الشيخ أسامة بن لادن..
قد يتمكنون من قتله كما يُقتل الأبطال؛ نعم، أما الأسر فهو مستحيل".اهـ
فصُدم حينها من أسلوبي في الطرح، ودار لقط حينها بين ردٍ وشرح، ثم انفض المجلس على ذلك.. فرأيته بعد عام من الضربات المباركة (2002م) فذكرته بذلك المجلس! ثم رأيته بعد عامين (2003م) فذكرته، ثم وفي العام الثالث (2004م) والرابع على التوالي (2005م) في كل ذلك أذكره، فلا يزيد على ابتسامة خجلة عريضة!
وهاهو الشيخ رحمه الله بعد أكثر من عقد من المطاردة، من قبل أكبر دولة متجبرة متمردة، يُقتل كما يُقتل الرجال، في ساح النزال:

وإني إذا أبصرت عينيك هالني
حياء بها إذ ودَّع النوم ساهدك

وأبصر وجه الأرض يبكيك حسرة
وأنت الذي جادت بخير مواردك

فتذهب بالأبصار في ساحة الوغى
بروق بها يلقى إلى الموت حاسدك

وجاش عليك الغرب والعرب خلفه
وظلت جيوش الكفر دهراً تطاردك

وعلى الرغم من عدم التكافؤ في العدد والعدة، بين الكفر العالمي والشيخ أسامة وجنده؛ إلا أن الشيخ لم يستأسر للكفار، آخذاً بمذهب الأبرار، ومقتدياً بعاصم بن ثابت الأنصاري، كما جاء خبره في صحيح البخاري:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا.
قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة..إلخ
وقال عاصم بن ثابت رضي الله عنه:

ما علتي وأنا جلد نابلُ
والقوسُ فيها وترٌ عنابلُ

تزلُّ عن صفحتِها المعابلُ
الموتُ حقٌّ والحياةُ باطلُ

وكلُّ ما حمّ الإلهُ نازلُ
بالمرءِ والمرءُ إليه آيلُ

إن لم أقاتلكم فأمي هابلُ!

ولما قال الروم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "اذهب إلى أصحابك، إنا لنرجوا أن نقرنكم في الحبال".
قال معاذ رضي الله عنه: "أما الحبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا، أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون".. ثم انصرف.
وقال الشيخ المجاهد عمر المختار رحمه الله: "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت".اهـ
وقال شيخ المجاهدين أسامة بن لادن رحمه الله: "شئنكم شئن أجدادكم الأحرار الأبرار؛ الذين يستحبون الموت على الكفر والذل والعار، فوقع السيف على وجوهكم يهون، وأما الصفع واللطم فدونه المنون.

نُعرض للسيوف إذا التقينا
وجوهاً لا تُعرض للطامِ

ونأبى أن نذل وفينا عرقٌ
نقاتل من غشانا بالحسامِ".

حتى اعترف الأعداء بضراوة القتال، فبعضهم قال: استمر الاشتباك لمدة أربعين دقيقة، وبعضهم قال: بل لمدة ساعتين. وقال مسئول في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) "إني أعلم يقينا أنه جرى تراشق بالنيران خلال هذه العملية".اهـ

وإنا لقومٌ لا نرى القتل سبةً
إذا ما رأته (للصليب فلولُ)

يُقرّبُ حبُّ الموتِ آجالنا لنا
وتكرهُه أجيالهم فتطولُ

تسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنا
وليستْ على غيرِ الظباتِ تسيلُ

ولا يضير الشيخ أسامة رحمه الله أن يُقتل في هذه المعركة وهو صابر، في أكبر عملية مطاردة في التاريخ المعاصر، بعدما أرعب جيوش الكفرة والزحوف، وقتل من علوجهم الألوف، إما بيده الشريفة، وإما بقيادته المنيفة.

إن يَفعلا فلقد تركتُ أباهُمَا
جَزَرَ السِّبَاعِ وكلّ نَسرٍ قَشعَمِ

وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً) [أخرجه مسلم].
نقل الإمام النووي رحمه الله عن القاضي قوله: "..أن هذا مختص بمن قتل كافراً في الجهاد فيكون ذلك مكفراً لذنوبه، حتى لا يعاقب عليها".اهـ [شرح صحيح مسلم 13/55].

جزاه رب العرش خير الجزا
في جنة المأوى بقصر رحيب

وزاده فضلاً على فضله
من الكرامات بأوفى نصيب

يُصلحُ في تاريخه بالكم
(نصرٌ من الله وفتح قريب)

وإننا لنحسب أن سيد الشهداء أسامة بن لادن رحمه الله قد صدق الله فصدقه، حيث قال نصرة لإخواننا في فلسطين وشفقة: "إلى إخواننا في فلسطين، نقول لهم: إن دماء أبناءكم هي دماء أبناءنا، وإن دمائكم دماؤنا، فالدم الدم، والهدم الهدم، ونُشهد الله العظيم، أننا لن نخذلكم حتى يتم النصر، أو نذوق ما ذاق حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه".اهـ [هوامش على متن انتفاضة الأقصى: 01:37 وما بعدها].
عن أنس رضي الله عنه قال: "لما كان يومُ أحد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد جُدِع ومُثِّل به، فقال: (لولا أن تَجِدَ صفيةُ في نفسها، لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير)، وفي رواية: (لولا أن تجد صفية لتركته حتى تأكله العافيةُ حتى يُحشر من بطونها) [أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر يوم أحد إلى حمزة، وقد قُتل ومثل به، فرأى منظراً لم يرَ منظراً قط أوجع لقلبه منه، ولا أوجل. فقال: (رحمة الله عليك، قد كنت وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات. ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تجيء من أفواه شتى..) [أخرجه الحاكم].
قال الحافظ أبو العلا المباركفوري رحمه الله: "(حتى يُحشر يوم القيامة من بطونها)؛ إنما أراد ذلك ليتم له به الأجر، ويكمل، ويكون كُلُّ البدنِ مصروفاً في سبيله تعالى إلى البعث.
أو البيان أنه ليس عليه فيما فعلوا به من المثلة تعذيب، حتى إن دفنه وتركه سواء، قاله أبو الطيب".اهـ [تحفة الأحوذي 4/77].
وإن الذي قد ذاقه حمزة، ذاقه أسامة في ثبات وعزة، ولله در أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، حين قالت لابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما حين قال لها: "يا أمه أخاف أن يمثلوا بي ويصلبوني". فقالت: "يا بني؛ الشاة إذا ذبحت لا تتألم بالسلخ، فامض على بصيرتك واستعن بالله".اهـ [انظر تاريخ ابن خلدون 3/47].
وإن جموع الأعداء البائسة اليائسة، زعموا أنهم لم يجدوا للشيخ قبراً على اليابسة!

بحرٌ من الآمال تيّاه المدى
تفنى به الأسماع والأبصارُ

طودٌ من العرفان كيف تضمُّه
في الترب تلك السبعة الأشبارُ؟!

ولا يضير الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله أن يكون جسده " in the sea with fish "، وروحه تحت العرش؛ عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) [آل عمران].
قال: أما إنا سألنا عن ذلك فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) [أخرجه مسلم].
فالشيخ عاش جبلاً في الجبال، ومات بحراً في البحار!

كنا جبالاً في الجبال وربما
صرنا على موج البحار بحاراً!

لن تنس أمريكا ولا أذنابها
ضحكاتنا والبرج يقذف ناراً


(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)
قال الله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) [طه].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالمدينة فرأى جماعة يحفرون قبراً، فسأل عنه، فقالوا: حبشي قدم فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها). [رواه البزار، وابن النجار، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: (1858)].
ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، هو عم إبراهيم بن أبي يحيى، وأنيس ثقة معتمد، ولهذا الحديث شواهد، وأكثرها صحيحة".اهـ
ورواه الطبراني، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"، والخطيب البغدادي في "الموضح". عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن حبشياً دفن في المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دفن في الطينة التي خلق منها). قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف".اهـ
ورواه الطبراني في "الأوسط"، أيضاً؛ من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، قال: "كنا عند أبي أسامة يوماً فقال للمستملي: خذ إليك، حدثني الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد وأبي الزاهرية قالا: سمعنا أبا الدرداء يقول: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر قبراً فقال: (ما تصنعون)؟ قلنا: نحفر قبراً لهذا الأسود. فقال: (جاءت به منيته إلى تربته).
قال أبو أسامة: تدرون يا أهل الكوفة لم حدثتكم بهذا الحديث؟ لأن أبا بكر وعمر خلقا من تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ [قال الهيثمي: "فيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلي، وضعفه الجمهور".].
وجاء بمعناه أحاديث وآثار لا تسلم من ضعف أو وضع، منها:
ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا وفي سرته من تربته التي تولد منها. فإذا رد إلى أرذل عمره رد إلى تربته التي خلق منها حتى يدفن فيها، وإني وأبا بكر وعمر خلقنا من تربة واحدة وفيها ندفن). [رواه الخطيب البغدادي، وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من آدمي إلا ومن تربته في سرته، فإذا دنا أجله قبضه الله في التربة التي منها خلق، وفيها يدفن وخلقت أنا وأبو بكر وعمر من طينة واحدة، وندفن فيها في بقعة واحدة). [رواه ابن عساكر].
ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق أخرى عن أبي عاصم، عن ابن عون به، بلفظ: (ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته).
قال أبو عاصم: "ما نجد لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فضيلة مثل هذه، لان طينتهما من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ
قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث ابن عون، عن محمد- يعني ابن سيرين -، لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل عنه، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة".اهـ
ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة، قال: "ما من مولود يولد إلا بعث الله ملكاً، فأخذ من الأرض تراباً، فجعله على مقطع سرته، فكان فيه شفاؤه، وكان قبره في موضع أخذ التراب منه".اهـ
وروي عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) [آل عمران: 6].
قال: "إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين يوماً، ثم تكون مضغة أربعين يوماً، فإذا بلغ ان يخلق بعث الله ملكاً يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصورهما كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما رزقه؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب). [رواه الطبري، واللفظ له، والحكيم الترمذي بمعناه].
وروي عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: "يدفن كل إنسان في التربة التي خلق منها".اهـ [رواه عبد الرزاق].
وروي عن محمد بن سيرين رحمه الله، أنه قال: "لو حلفت، حلفت صادقاً، باراً غير شاك ولا مستثن، أن الله عز وجل ما خلق نبيه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ولا عمر رضي الله عنهما إلا من طينة واحدة، ثم ردهم إلى تلك الطينة".اهـ [رواه الحكيم الترمذي].

تفاخر البحر أن يلقى به بحرُ
وغار مما قاله في فخره البر

وقال للبحر: ما قدمت من عمل
فجاءك العز والأمجاد والخير؟!

فقال: لا شيء إلا أنه قدرٌ
فكل شبه له في شبهه قبرُ!

وها قد شاهدنا (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)) [الرحمن]. وهذا من غباء الأمريكان، إذ صيروا البحر -كل البحر- محرضاً لأهل الإيمان، للثأر لشيخهم الأمير من قحطان!
فكل من ركب البحر أو وقف أمام الشاطئ، وكان صاحب منهج صحيح غير خاطئ، لابد أنه سيذكر شيخه المفضال، وسيحدث نفسه بالثأر من الأنذال!

يا غائباً عنّا وذكرك حاضرٌ
والبعضُ غيّابٌ وهم حُضّارُ

لا يستوي البحران هذا سائغ
رهوٌ، وهذا مالحٌ زخّارُ

وكأني بصوت الشيخ أسامة رحمه الله يجلجل في الأذان، مخاطباً الكفرة من الأمريكان، قائلاً:

اقتلوني مزقوني
أغرقوني في دمائي

لن تعيشوا فوق أرضي
لن تطيروا في سمائي!

جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي عن الإمام الشهيد أبي بكر النابلسي 5/249: "فسلخوه وحشوا جلده تبنا وصلبوه. وعن أبي الشعشاع المصري قال: رأيت أبا بكر النابلسي في المنام بعدما قتل وهو في أحسن هيئة فقلت له: ما فعل الله بك؟ فأنشد يقول:

حباني مالكي بدوام عز
وأوعدني بقرب الانتصارِ

وقربني وأدناني إليه
وقال: انعم بعيش في جواري"

فنم يا شيخنا قرير العين، بعدما أثخنت في الكفار ونصرت الدين، فإنك خلّفت رجالاً يواصلون المشوار، ويبنون بجماجمهم الظفر والانتصار، ويتسابقون لنيل ما ذقت كما تتسابق المضمرة في المضمار!

فإن نمت في قبرٍ فإنّا ومجدنا
وأمتنا الثكلى بقبرٍ نواسدك

وأنت الذي وسع المحيطات قبره
على ما تشتهي قد وسع اللحد لاحِدُك


"بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز"
هاهم أهل الإسلام، بعلمائهم والعوام، قد قاموا في الأرض بأسرها، من مشرقها إلى مغربها، -في أندنوسيا، وباكستان، وكشمير، وتركيا، وجزيرة العرب، ولبنان، وفلسطين، ومصر، والجزائر، والسودان، بل وفي عقر ديار أهل الصلبان، في بريطانيا وغيرها من البلدان.. إلخ-
قاموا ليصلوا على الشيخ أسامة رحمه الله صلاة الغائب، على الرغم من منع كل طاغوت خائب، ولم نر أن مثل هذه الأعداد الضخمة من المسلمين، قد خرجت في جنازة أحد من المعاصرين، لا من العلماء ولا من الأمراء، وذلك فضل الله يؤته من يشاء! وكما روي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز".اهـ
عن أشعث بن شعبة المصِّيصي، قال: "قدم الرشيد الرَّقة، فانجفل الناسُ خلفَ ابن المبارك، وتقطعت النِّعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أمُّ ولد لأمير المؤمنين من بُرج من قصر الخشب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خرسان، قَدِمَ. قالت: هذا والله المُلْكُ، لا ملكُ هارون الذي لا يجمع الناسَ إلا بشرط وأعوانٍ".اهـ [تاريخ بغداد 10/156، ووفيات الأعيان 3/33، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/384].

تودعك المساجدُ إن
أبت توديعك الدولُ

شهيدَ اللهِ والإسلا
مِ عذراً أيها الرجلُ

فأنت أجلُّ عند اللهِ
أن ينعاك من خبلوا

ولم نسمع في هذه الأثناء، إلا المديح والثناء، على الشيخ المجاهد المهاجر، إلا من النزر القليل النادر، "والنادر لا حكم له!".
عن أنس بن مالك قال: "مر بجنازة فأثنى عليها خيراً فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت وجبت) ومر بجنازة فأثنى عليها شراً فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت وجبت) قال عمر: فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثنى عليها خيراً فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثنى عليها شراً فقلت وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض) وفي رواية: (شهادة القوم المؤمنون شهداء الله في الأرض) [متفق عليه].
قال الشيخ العلامة علي بن خضير الخضير فك الله أسره: "الشيخ أسامه بن لادن من أهل الجهاد والعلم.
وهو من أهل السنة والجماعة، ونحسبه -إن شاء الله-؛ من الطائفة المنصورة -ولا نزكي على الله أحداً-.
ولا نعلم عنه إلا خيرا، أمضى حياته في الجهاد، وباع دنياه لله ورسوله، نسأل الله أن يُربح له البيع.
وقد استفاض الثناء عليه بين أهل الخير والعامة، وفي الحديث: (أنتم شهداء الله في الأرض).
وكان شيخنا حمود العقلاء الشعيبي رحمه الله يثني عليه كثيرا ثناء عاطرا ويمدحه ويذب عنه ويدعو له، وسمعت شيخنا حمود رحمه الله يقول عنه؛ إنه ممن أعز الله به الإسلام في هذا الزمان، وهو اليوم غصة في حلوق أعداء هذا الدين".اهـ
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض) [متفق عليه].
وإننا لنحسب أنه قد وضع لشيخنا أسامة رحمه الله القبول، وهذه علامة صدق كما أخبرنا الرسول –صلى الله عليه وسلم-، فالمسلمون يحبونه، وغيرهم يجلونه!
بل إن من المسلمين من مات بسبب موت الشيخ أسامة رحمه الله، جاء في عدد من وسائل الإعلام، أنه قد: "توفيت حماة زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، بعد إصابتها بسكتة دماغية في الرأس، حزناً على زوج ابنتها نجوى إبراهيم الغانم، وقال مقربون من العائلة، لجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية، الأحد 8/5/2011، إن حماة بن لادن السبعينية لم تتحمل صدمة إعلان الرئيس الأمريكي عن مقتل زعيم "القاعدة" في آبوت آباد، ففقدت الوعي ونُقلت إلى مستشفى اللاذقية في سورية، حيث فارقت الحياة".اهـ رحمها الله رحمة واسعة، وجمعها بالشيخ في الجنة الواسعة..

لعمرك ما الرزية فقد مال
ولا شاة تموت ولا بعيرُ

ولكن الرزية فقد حر
يموت بموته خلق كثيرُ!

ومن أعجب ما رأيت في هذا الشأن، بل هو أعجب شيء، ما طالعته منذ زمن في "البداية والنهاية" في أحداث "سنة خمس وثمانين ومائتين": أن المبرد النحوي دخل يوماً هو وأصحاب معه بالرقة: "فإذا شاب قريب عهد بالمكان فلما أبصرنا قال: حياكم الله من أنتم؟ قلنا: من أهل العراق. فقال: بأبي العراق وأهلها، أنشدوني أو أنشدكم؟ قال المبرد: فقلت: بل أنشدنا أنت. فقال:

الله يعلم أنني في كمد
لا استطيع أبث ما أجد

روحان لي؛ روح تضمنها
بلد وأخرى حازها بلد

وأرى المقيمة ليس ينفعها
صبر ولا يقوى لها جلَد

وأظن غائبتي كشاهدتي
بمكانها تجد الذي أجد

قال المبرد: فقلت: والله إن هذا لظريف فزدنا.
فأنشأ يقول:

لما أناخوا قبيل الصبح عيرهمُ
ورحَّلوها فثارت بالهوى الإبل

وأبرزت من خلال السجف ناظرها
ترنو إلي ودمع العين ينهمل

يا راحل العيس عجل كي أودعهم
يا راحل العيس في ترحالك الأجل

إني على العهد لم أنقض مودتهم
فليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟

فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا. فقال الشاب: إذاً أموت. فقال له: إن شئت. فتمطى واستند إلى سارية عنده ومات! وما برحنا حتى دفناه رحمه الله".اهـ
بل قد أسلم بسبب مقتل الشيخ بعض من كان على دين الكفر، كما جاء في بعض وسائل الإعلام، خبر: "إسلام جونينيو، اللاعب البرازيلي جونينهو يعلن إسلامه.. في مفاجأة من العيار الثقيل، قائد الغرافة اللاعب الخلوق جونينهو: استشهاد أسامة بن لادن أثر بي كثيراً".اهـ
لا يضر السحاب، نبح الكلاب
إن من المضحكات المبكيات؛ أن أوباما العبد المرتد، وخادم البيت الأنكد، يتكلم في الدين الحنيف، ويُفتي في أحكام الجهاد والسيف!
جاء في واشنطن - (د ب أ)-: "قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما الخميس: إن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة لم يكن شهيداً، وإنما كان يمارس القتل الجماعي وقدم رسالة للكراهية مصراً على أن المسلمين يجب أن يحملوا السلاح ضد الغرب..".اهـ

وما من أعجب الأشياء علجٌ
يعرفني الحلال من الحرامِ!

وبالإسناد المتصل عن باراك أوباما، تلقف كلامه بعض خبالة المنتسبين للإسلام وأقزامه؛ فهذا الرقيع الملبس، عبد العزيز الريس، يقول بالامتناع عن الترحم على سيد الشهداء أسامة بن لادن رحمه الله.. وفي الوقت الذي يمنع الريس الدعاء للموحدين، نراه –ومن شاكله- يمنع الدعاء على المشركين، ويأمر بالدعاء لهم لا عليهم!

تُحبكَ يومَ عِيدِهِمُ النصارى
ويومَ السبتِ شيعتُكَ اليهودُ

تَتَبّعُ من علِمْتَ لَهُ مَتاعاً
كما تُعطى للعبَتِهَا القُرُودُ

ثم يقول بحقد دفين: "ماذا قدم أسامة بن لادن للإسلام والمسلمين؟!".

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ
وينكر الفم طعم الماء من سقمِ!

عن أبي مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [أخرجه البخاري].
فكلام الريس هذا؛ إضافة إلى أنه من قلة الحياء، كذلك هو من خلق النساء! عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أُرِيتُ النارَ، فإذا أكثرُ أهلها النساءُ يَكفُرنَ. قيل: أيكفرنَ باللهِ؟ قال: يكفرنَ العشيرَ، ويكفرنَ الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهر ثم رأت منكَ شيئاً قالت: ما رأيتُ مِنكَ خيراً قطُّ).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "أي تجحد حق الخليط –وهو الزوج– أو أعم من ذلك".اهـ [فتح الباري 1/527].
فهذا الريس لما رأى شيئاً –فيما يزعم- أنكر كل أفضال شيخنا أسامة، نسأل الله العافية والسلامة!

تبعتُم قادة الكفر
إلى التضليل والزورِ

(وخضتُم كالذي خاضوا)
بلا علم ولا نورِ

وثالثة الأثافي أنه يقول: "يتساءل الكثير هل نفرح لمقتل أسامة بن لادن؟
أولاً: نحزن كثيراً أن يكون موته على أيدي الكافرين الأمريكان، ونتمنى أن يكون على أيدي المسلمين!".اهـ (فهو بنيته فوزرهما سواء)، كما قال سيد الأنبياء.

يا قاتلَ الله قوماً كان شأنُهُمُ
قَتلَ الإمامِ الأمينِ المسلمِ الفطنِ

ما قاتلوهُ على ذَنبٍ أَلمَّ بهِ
إلا الذي نَطَقوا زوراً ولم يَكُنِ

إذا تذكّرتُهُ فاضتْ بأربعةٍ
عَيْني بدمعٍ على الخدَّينِ مُحْتَتِنِ

وقد قيل في المثل القديم: "إن كنت خاملاً فتعلق بعظيم!".اهـ

على كَتِفَيهِ يَصعدُ المجدَ غيرُهُ
وهل هو إلا للتسلُّقِ سُلَّمُ؟!

وبنفس الإسناد عن أوباما يروي العرعور، والقرني، والجذلاني، وغيرهم..

خفافيش ليست تطيق الضياء
فتهرب منه إلى الغيهبِ

تَعافُ الضفادع صفو الغدير
فتمضي (تنقنق) في الطحلبِ

ولقد وقفت على كلامهم، فرأيتهم ما ينقمون من شيخنا أسامة رحمه الله إلا جهاده للكفار الأصليين والمرتدين! وتشنيعهم عليه خروجه بالسيف على من حكم بالقوانين!

إذا محاسني اللائي أدلّ بها
كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذرُ!

قال الله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)) [النمل].. فهؤلاء جرّموا من يقوم بالتطهر من النجاسة والأدران، وأولئك جرموا من يقوم بتطهير الأرض من أهل الكفران! وكأن التاريخ يعيد نفسه المرة بعد المرة، فليكن لنا في ذلك اتعاظ وعبرة!
قال العماد ابن كثير رحمه الله: "أهل الشام كانوا يعيرون ابن الزبير ويقولون له: يا ابن ذات النطاقين! فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين، وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين فجعلت في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما، واوكيت قربته بالآخر، لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة. فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيروه بالنطاقين يقول: إنها والله تلك شكاة ظاهر عنك عارها".اهـ [البداية والنهاية 8/344-345].

ومنا من يقول لهم:
عقيدتكم بها خللُ

معاذ الله هذا الإفك
مما ليس يحتملُ

خوالف أمتي مهلاً
بصيرتكم بها حولُ!

وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على عدم خوف هؤلاء الطعانين في خيرة الرجال، من الله ذي الجلال، الذي تكفل أن يدافع بنفسه عن الصادقين من المؤمنين كما قال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)) [الحج].
وقال في موطن آخر في بيان صفات الذين آمنوا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)) [الحجرات].
والشيخ أسامة رحمه الله كان –كما نحسبه- في مقدمة الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، وهؤلاء الصادقون قد أمرنا الله تعالى أن نكون معهم لا أن نكون عليهم فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) [التوبة].

أنا مع أسامة حيث آل مآله
ما دام يحمل في الثغور لوائي

أنا مع أسامة نال نصراً عاجلاً
أو نال منزلة مع الشهداءِ

وقال الله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)) [يونس].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من كان مؤمناً تقياً، كان لله ولياً".اهـ
وحدثني من أثق به عن الشيخ الإمام، عبد الله عزام رحمه الله أنه قال: "لو قيل لي: أن هناك ولي لله يمشي على الأرض. لقلت: هو الشيخ أسامة بن لادن".اهـ
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) [أخرجه البخاري].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: من أهانّ لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة).
وروى الإمام أحمد في كتاب "الزهد" بإسناده عن وهب بن منبه، قال: "إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام حين كلمه: اعلم أن من أهانّ لي ولياً، أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة، وعاداني، وعرّض نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إليّ نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟! أو يظن الذي يعاديني أنه يعجزني؟! أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟! وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، فلا أَكِل نصرتهم إلى غيري".اهـ
وعن يوسف بن يعقوب عن أشياخه قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا أذى المجاهدين؛ فإن الله يغضب للمجاهدين كما يغضب للأنبياء والرسل، ويستجيب لهم كما يستجيب للأنبياء والرسل، ولا طلعت شمس ولا غربت على أحد أكرم على الله من مجاهد) [ذكره في شفاء الصدور، ورواه ابن عساكر مسنداً من حديث علي بنحوه، وانظر مشارع الأشواق 1/157].
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع الصدر على المجاهدين، ويعرف لهم سابقتهم في الدين، كيف لا، وهو القائل: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) [أخرجه أبو داود، وصححه الألباني].
فأهل الجهاد والاستشهاد، هم أول من يدخل في ذوي الهيئات من جملة العباد، ولا يماطل في ذلك إلا أهل الزيغ والعناد.
فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [متفق عليه].
وعن جابر: أن عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية) [أخرجه مسلم].
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار. قال الحسن بن واقع: وكان في موضع آخر من كتابي؛ في كمه حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبنا في حجره ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين. [أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني].
وعن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة. فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر وهو يقول: (ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه) [رواه الترمذي].
وكذلك حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المجاهدين؛ احترام وتوقير وأدب رصين..
فعن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك: ".. ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت معي أمُّ مسطح قِبل المناصِع، وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرُّز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي ابنة أبي رُهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أُثاثة- فأقبلتُ أنا وأم مسطح قبل بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مِرطها، فقالت: "تعس مسطح" فقلت لها: "بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟!..".إلخ [متفق عليه].
وكذلك حال من بعدهم من أهل الإسلام، مع أهل ذروة السنام.. فقد حُكي أن العالم المبارك، عبد الله بن مبارك، مر على رجل يتكلم في أهل الثغور، فقال له: "أغزوت الفرس؟" قال: لا. قال: "أغزوت الروم؟" قال: لا. فقال ابن المبارك رحمه الله: "عجباً سلم منك الفرس والروم، ولم يسلم منك المجاهدون!".
ونحن أيضاً نقول، لكل من يطعن في أهل الثغور، ويتكلم فيهم بكل زهو وغرور: "أغزوت الروس؟ أغزوت الأمريكان؟ عجباً سلم منك الروس والأمريكان، ولم يسلم منك المجاهدون!".

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالكل أضداد له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها
كمداً وغيظاً إنه لدميم!

ولذلك قال أسودُ بن سالم عن إمام المجاهدين في زمنه: "إذا رأيتَ رجلاً يغمزُ ابنَ المبارك، فاتهمهُ على الإسلام!".اهـ [تاريخ بغداد 10/168، وانظر: سير أعلام النبلاء 8/395].
وهذا الإمام المبجل، أحمد بن حنبل، لما بلغه مسير المعتصم إلى عمورية وتحريقه لها، عفا عنه، على الرغم من أنه هو من باشر جلد الإمام أحمد في مسألة القول بخلق القرآن، فتأمل حال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل مع المجاهدين، ثم قسه بحال من ينتسبون إلى مذهبه –زوراً وبهتاناً- في الأصول والفروع!

بيضٌ وجوه الصادعين بحقهم
والساكتون لهم وجوه سودُ

الضالعون مع الطغاة بركبهم
قد أرهقتهم ذِلة وقيودُ

والأمر للسلطان يمليه الهوى
وعليهم الإقرار والتأييدُ

فكأنهم (خشبٌ مسنَّدةٌ) لها
فوق المتون طيالس وبرودُ

وليت شعري هل يظن أولئك الإمعات، أذناب الطغاة، أنهم بتناولهم لعرض شيخنا أسامة بالتجريح، وللحمه بالتشريح، سوف يصدون عن منهجه الصحيح! ألا فخابت ظنونهم، وخرط القتاد دونهم..

وإذا أتتكَ مذمَّتي من ناقِصٍ
فهيَ الشهادةُ لي بأني كَامِلُ!

ومنذ متى كان أمثال هؤلاء الخوالف، أوصياء على الجهاد ووكلاء للرد على المخطئ –زعموا- أو المخالف؟! عن خالد بن عبد الله قال: "أراد يونس بن عبيد أن يلجم حماراً، فلم يحسن. فقال لصاحب له: ترى الله كتب الجهاد على رجل لا يلجم حماراً؟!".اهـ [سير أعلام النبلاء 6/294].

فدىً لكَ من يُقصرُ عن مداكا
فلا مَلِكٌ إذنْ إلا فدَاكَا

ومن أعتاضُ منكَ إذا افترقنا
وكلُّ الناسِ زُورٌ ما خلاكَا


الخاتمة
إلى الشيخ الكريم، والعالم الحكيم، الدكتور الزاهد، والمجاهد القائد، أيمن الظواهري حفظه الباري، نقول:
لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء بأجل مسمى، اصبر واحتسب، واعلم: أن أمة طليعتها أنتم –بإذن الله- لا تخب..
وإننا –والله- نحبكم في الله، نحبكم لعلمكم، ونحبكم لبذلكم وعملكم، ونسأل الله تعالى أن يثيبنا على ما نكنه لكم، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه: أنه جمع قومه فقال: "..ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: (يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله!).
فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم؟! انعتهم لنا حلهم لنا -يعني صفهم لنا- شكلهم لنا؟ فسر وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
ولتعلم يا شيخنا أيمن، أننا على رؤوس الأشهاد نعلن، ونشهد الله تعالى، بصوت جهوري يتعالى: أننا على العهد سائرون، وبالعروة الوثقى مستمسكون، لن نقيل ولن نستقيل، ودم شيخنا أسامة يضيء لنا الطريق كالقنديل.

بقيت لنا آثاركم من بعدكم
خلفاً، ووارث علمكم (مغوارُ)

بالباقيات الصالحات وبالنهى
تتفاضلُ الأعمالُ والأعمارُ

وكأني بالشيخ أسامة بن لادن، يقول لكل ثابت على الحق لم يهادن:

كفكف دموعك
ليس في عبراتك الحرّى ارتياحي

هذي سبيلي
إن صدقت محبتي فاحمل سلاحي!

نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ أن يغفر لشيخنا أسامة بن لادن ويسكنه الفردوس الأعلى، ويجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويلحقنا بهم غير مغيرين ولا مبدلين، إنه على ذلك كفيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى كل سلك السبيل..
وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الاثري
يوم الاثنين 20/6/1432هـ - 23/5/2011م

ولست أبالي حين أقتل مسلما
على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزعِ