النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: وقفة مع قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها )

  1. #1
    روعة الاسلام غير متصل مُتابعة قسمي الترحيب والأسرة فارس الفرسان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    فرسان السنة
    المشاركات
    7,406

    افتراضي وقفة مع قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها )


    بسم الله الرحمن الرحيم



    وقفة مع قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها )



    السؤال: بعض أعداء الإسلام من الملحدين يحاولون النيل والطعن في هذا الدين وإثارة الشبه ، فحاولوا تفسير الآية من سورة الإسراء المباركة ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) (16) , وفق تفسيرات ونظرة مجردة توهم القارئ الغافل ويدّعون بأن الآية الكريمة تُظهر الله عز وجل وكأنه - تنزَّه الله عن ذلك - الإله الظالم المستبد , وأن إرادته للشر تفوق خيره وأنا وللأسف الشديد جدّاً , لست على دراية كاملة بقرآني , ولكن والله إني لما سمعت هذا الكلام : انتفض الدم في عروقي ، أنا من نظري وعلمي المحدود أفادنا الله منكم - بأن هذه الآية المباركة وثيقة الصلة بما قبلها من آيات , وأنها مربوطة بحال بني إسرائيل ، وظلمهم ، وكفرهم البين , مع الإصرار على المعصية ، وتجاهل العقاب الرباني العادل ، فالله عز وجل لما رأى منهم الإصرار على المعصية مع سبق الإصرار والترصد في الذنب أراد أن يحكم عليهم بأن أدام المترفين في غيهم ، فهم الفئة التي يلجأ إليها الناس دوما ، وهم القدوة ، لتكون حجة قاطعة من عنده سبحانه وتعالى . أفيدوني فوراً ، أفادكم الله تعالى



    الجواب:
    الحمد لله
    هذه الآية فيها أقوال للعلماء مشهورة ، وملخصها : أن الأمر فيها إما أن يكون أمراً شرعيّاً وهو موجه للمترفين ، لكنه أمر بالطاعة ، فأبوها ، وإما أن يكون من الأمر الكوني لله تعالى ، كما هو الحال في القضاء الكوني في قوله تعالى ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) الإسراء/ 4 ، والقول الثالث : أنه " أمَرنا " بمعنى أكثرنا ، وليس ثمة عاقل يقول إن الأمر في الآية هو الأمر الشرعي للمترفين بالفسق ؛ يعني : أن الله شرع الفسق ، وجعله دينا لهم ، جل الله عما يقول الجاهلون ، وتقدس وتنزه ؛ كما قال تعالى عن نفسه ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 28 .
    قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - : قوله تعالى : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) .
    في معنى قوله ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير :
    الأول : وهو الصواب الذي يشهد له القرآن ، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله ( أَمْرُنَا ) هو الأمر الذي هو ضد النهي ، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره . والمعنى : ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) بطاعة الله وتوحيده ، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به ( فَفَسَقُواْ ) أي : خرجوا عن طاعة أمر ربهم ، وعصوه وكذبوا رسله .
    ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) أي : وجب عليها الوعيد ( فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) أي : أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً ، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم .
    وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ، كقوله : ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ... ) .
    فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ ) أي : أمرناهم بالطاعة فعصوا ، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا ؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء .
    ومن الآيات الدالة على هذا : قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) .
    فقوله في هذه الآية ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ ... ) الآية : لفظ عام ، في جميع المترفين ، من جميع القرى ، أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم : ( إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم ، والآيات بمثل ذلك كثيرة ...
    وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف ، من قولهم : " أمرتُه فعصاني " ، أي : أمرته بالطاعة فعصى ، وليس المعنى : أمرته بالعصيان ، كما لا يخفى .
    القول الثاني في الآية هو : أن الأمر في قوله ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) أمرٌ كوني قدري ، أي : قدَّرنا عليهم ذلك ، وسخرناهم له ؛ لأن كلاًّ ميسرٌ لما خُلق له ، والأمر الكوني القدري كقوله ( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ ) ، وقوله : ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) ، وقوله ( أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ) ، وقوله ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) .
    القول الثالث في الآية : أن ( أَمَرْنَا ) بمعنى : أَكْثرنا ، أي : أكثرنا مترفيها ، ففسقوا .
    وقال أبو عبيدة : ( أَمْرُنَا ) بمعنى : أكثرنا ، لغة فصيحة ، كآمرنا ، بالمد .
    وقد علمتَ أن التحقيق الذي دل عليه القرآن : أنَّ معنى الآية : أمَرْنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمْرَنا ، فوجب عليهم الوعيد ، فأهلكناهم ، كما تقدم إيضاحه .
    تنبيه :
    في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، وهو أن يقال : إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ) مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع، المترفين وغيرهم ، في قوله ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) يعني : القرية ، ولم يستثن منها غير المترفين ؟ .
    والجواب من وجهين :
    الأول : أن غير المترفين تبع لهم ، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم لأن غيرهم تبع لهم ، كما قال تعالى : ( وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ ) ، وكقوله ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) ، وقوله : ( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا ) ، وقوله تعالى : ( وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ ) ، وقوله : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ ) إلى غير ذلك من الآيات .
    الوجه الثاني : أن بعضهم إن عصى الله ، وبغى ، وطغى ، ولم ينههم الآخرون : فإن الهلاك يعم الجميع ، كما قال تعالى : ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً ) ، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها : أنها لما سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شرٍّ قد اقتربْ ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها ، قالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم ، إذا كثر الخبث )
    " أضواء البيان " ( 3 / 75 – 79 ) باختصار .
    وبه يتبين أنه لا يتعلق بتلك الآية لتشكيك الناس في أمر دينهم ، أو الطعن في كتاب ربهم ، إلا جاهل بلغة العرب ، جاهل بكتاب الله ، جاهل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    والله أعلم



    الإسلام سؤال وجواب


    " اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك "

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    32

    افتراضي رد: وقفة مع قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها )

    جزاكم الله خيرا على النقل الطيب

    وأحسن اليكم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •