حديث السبعة (9).. رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (خطبة مقترحة)


كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- تذكير بالحديث وطرح السؤال الذي تبنى على إجابته الخطبة. لماذا نال هذه المكانة؟
الجواب من ثلاثة وجوه:
الأول: لأنه كان من الذاكرين.
الثاني: لأنه كان في خلوة بربه بعيدًا عن الناس.
الثالث: لأنه فاضت عيناه.
1- فضل الذكر:
قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا)(الأحزاب:41-42)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله -تعالى- لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)"(النساء:103).
- الذكر عبودية الكائنات جميعًا؛ قال الله -تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء:44).
ولأهمية الذكر حفت به حياة المسلم: "في العبادة - وفي نواحي الحياة".
أما العبادة:
فـ"الصلاة" تقوم على الذكر ومحفوفة بالذكر: "الأذان - الوضوء وذكر الله عليه - السعي إلى المسجد وغيره".
و"الزكاة" معها الدعاء للمتصدق: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)(التوبة:103).
و"الصيام" مقرون بشهر الذكر: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185)، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).
و"الحج" محفوف بالذكر في كل مناسكه؛ عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَىُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). الْعَجُّ: يَعْنِى التَّلْبِيَةَ، وَالثَّجُّ: يَعْنِى إِهْرَاقَةُ الدَّمِ.
وأما نواحي الحياة:
فقالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) (رواه مسلم)، "عند النوم - الاستيقاظ - عند الخلاء - عند الخروج والدخول - عند الأكل والشرب - عند الملبس وغيره".
- الذكر حسنة الدنيا، ومثبت قلوب المؤمنين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا)(رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).
- الذي لا يذكر الله إما شيطان أو غبي؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ سَبَّحَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِحَمْدِهِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ الشَّيَاطِين وأغْبِيَاء بَنِي آدَمَ)(رواه ابن السني وأبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).
- الذكر حياة النفوس والبيوت؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ) (متفق عليه).
- جزاء الذاكرين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ. قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمِّرُ فِي الإِسْلاَمِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ)(رواه أحمد، وصححه الألباني).
2- فضل الذكر خاليًا:
- أول ما بدئ به سيد المرسلين؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ)(رواه البخاري).
- خلوته بعد البعثة في قيام الليل؛ عن عائشة -رضي الله عنها-: (أنَّ نَبِيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ)(متفق عليه).
تنبيه: الخلوة المطلقة ليست من هديه -صلى الله عليه وسلم-.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)(رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
3- ففاضت عيناه:
- بكاء الصادقين أنواع ثلاثة:
الأول: بكاء من خشية الله؛ كبكاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما سمع الرجل يقرأ آية: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)(الطور:7)، فبكى ومرض شهرًا.
الثاني: بكاء رغبة فيما عند الله؛ كبكاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- بعد موت مصعب بن عمير وحمزة -رضي الله عنهما-.
الثالث: بكاء رحمة ورقة؛ كبكاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عند موت ولده إبراهيم.
- وبكاء الكاذبين على نوعين:
الأول: كذب وادعاء الصدق؛ كبكاء أخوة يوسف (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ)(يوسف:16).
الثاني: ضلال وجهل؛ كبكاء الرهبان والأحبار بعد الإسلام (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ... )(الغاشية:2).
- الرجل فاضت عيناه؛ لأنه خاف الله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... ) (الأنفال:2)، وهناك رواية: (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَة اللَّه).
- ترغيب النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته في البكاء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً)(متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
خاتمة وعود على بدء:
- تذكير بالحديث، وقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأصحها وأعمها".
نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف