النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: كتاب تذكير أولى الألباب فى فرضية النقاب للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان ( الجزء 2

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    29

    Sahm كتاب تذكير أولى الألباب فى فرضية النقاب للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان ( الجزء 2

    أقوال علماء المذاهب الأربعة رحمهم
    الله فى حكم ستر الوجه والكفين
    صرح جمهور الفقهاء على وجوب ستر الوجه ونص بعضهم على جواز كشف الوجه عند عدم خوف الفتنة وإلا فيحرم كشفه وفى هذا تفصيل نعرضه على النحو الآتى :

    أولا : علماء المذهب الحنفى :

    عند الحنفية كما فى الهدية العلائية ( وينظر من الأجنبية ولو كانت كافرة إلى وجهها وكفيها فقط للضرورة وتمنع الشابة من كشف وجهها خوف الفتنة ) .
    قال الشيخ أحمد عز الدين البيانونى رحمه الله تعالى : فى كتابه الفتن قول الأئمة عند عدم خوف الفتنة إنما يعلم فى ناظر خاص وأما النظر إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم فلا يُتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل وبهذا يظهر مذهب أبى حنيفة وأصحابه فى المسألة .

    وجاء أيضا فى الهدية العلائية : " والنظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام أما بدونها فلا بأس ولو إلى جسدها المستور بثياب لا تصف ولا يظهر حجمها .

    قلت : البعض يخاف من لفظة " عند خوف الفتنة " مستدلين أن معنى هذا أنه عند عدم خوف الفتنة يجوز للمرأة أن تكشف وجهها وهذا من غريب وعجيب الاستدلالات . فإن الله عز وجل عندما أوجب على المرأة وفرض عليها ستر وجهها إنما كان ذلك منعاً وسداً لباب الفتنة .
    فثبت المطلوب وهو ستر الوجه عند خوف الفتنة والفتنة واقعة لا محالة لا يشك فى ذلك إلا مكابر ومنكر للحقائق والوقائع وعليه اتفاق الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين لأن الفتنة أمرها محقق لا يحتاج إيراد وحجة وإقامة برهان أو تقديم دليل ولا يمترى فى ذلك إلا من كل ينكر الشمس فى رابعة النهار .

    وجاء فى ( مجمع الأنهر ) وهو من أعظم كتب المذهب الحنفى .
    وفى " المنتقى " تمنع الشابة عن كشف وجهها لئلا يؤدى إلى الفتنة وفى زماننا المنع واجب بل فرض لغلبة الفساد وعن عائشة رضى الله عنها جميع بدن الحرة عورة إلا إحدى عينيها فحسب لاندفاع الضرورة .
    قلت : تأمل قول صاحب " المجمع " وفى زماننا المنع واجب بل فرض وتأمل ما جاء فى شرح " الطحاوى " ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة والضرورة كالشهادة والمرض ..... إلخ .

    ثم جاء فى " در المنتقى " لو سدلت على وجهها ... وقيل بل يجب وهذا هو المشهور فى المذهب والمعتبر من الأقوال فى حكاية الخلاف وأقوال المذاهب هو القول الصحيح الراجح فى المذهب .

    وما قرره علماء المذهب " الحنفى " من وجوب بل فرضية ستر الوجه هو الموافق للقرآن الكريم والسنة المطهرة وفهم الصحابة والتابعين لدين الله ، أما الشغب واعتماد على الأقوال الضعيفة فى المذهب فلا يصح مطلقا .

    قال أخونا الكريم " محمد بن أحمد بن إسماعيل " فى رسالته القيمة " تحريم حلق اللحى " ولا شك أن اعتماد الأقوال الضعيفة فى المذاهب رغم مخالفتها للدليل الصحيح احتجاجا بأن الخلاف فى الفروع يتسامح فيه مطلقاً لا شك أن هذا يفتح باب شرٍ وفتنة على المسلمين يتعسر إغلاقه .
    وصدق من قال :
    وليس كل خلاف جاء معتبراُ إلا خلافاً له حظ من النظر

    ثانيا : علماء المذهب المالكى :

    وهو واضح كما ذكره ابن باز فى الحجاب والسفور وكما ذكره ابن المقدم فى عودة الحجاب وكذا أيضا ذكره درويش مصطفى حسن فى كتابه فصل الخطاب فى مسألة الحجاب والنقاب نقول ما ذكره أبو مصعب الهنداوى فى كتابه اللباب فى فرضية الحجاب فى أقوال علماء المذهب المالكى .

    ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى : فى كتابه ( حجاب المرأة ) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال : " كل شيئ منها ـ أى المرأة ـ عورة حتى ظفرها " وهو قول الإمام مالك .

    ثالثا : علماء المذهب الشافعى :

    قال البيضاوى رحمه الله تعالى : عند تفسير قوله تعالى " إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" (النور31 ) فإن كل بدن المرأة الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيئ منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة " .

    نص النووى رحمه الله تعالى : فى المنهاج على حرمة كشف وجه المرأة وكفيها وإن انتفت الفتنة وأمنت الشهوة وهو قول أيضاً الأصطخرى والطبرى وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازى والرويانى وغيرهم وجاء ذلك فى كتاب فقه النظر صـ 35 .

    قال العلامة تقى الدين السبكى رحمه الله تعالى :
    " إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة فى النظر لا فى الصلاة " .

    وقال البلقينى رحمه الله تعالى :
    " والفتوى والمذهب على ما جاء فى المنهاج من الحرمة مطلقاً وهو الراجح "

    قلت : يقصد " حرمة " كشف الوجه والله أعلى وأعلم .

    قال الإمام السيوطى : فى قوله تعالى : " ُيدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ " هذه آية الحجاب فى حق سائر النساء ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن .

    وفى كفاية الأخبار للإمام تقى الدين الحصنى جـ 1 / 93 .
    قال ويكره أن يصلى فى ثوب فيه صور وتمثيل والمرأة منتقبة إلا أن تكون فى مسجد وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر فإن خيف من النظر إليها ما يجر إلى الفساد حرم عليها رفع النقاب وهذا كثير فى مواضع الزيارة كبيت المقدس .

    رابعا : علماء المذهب الحنبلى :

    جاء فى " الإقناع " على مذهب الحنابلة :
    والحرة البالغة كلها عورة فى الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها قال جمع وكفيها وهما
    ـ أى الكفان ـ والوجه عورة خارجها باعتبار النظر كبقية بدنها . نقلاً عن فقه النظر صـ 36 .

    وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : وثبت فى الصحيح " أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معرفين فى النساء اللاتى لم يُحرمن . ( 1 )
    ----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) اللباب فى فرضية النقاب صـ 139 .
    الرد على شبهات المبطلين
    وإدحـاضـهـا

    تدور شبهة المغرضين حول أقوال ، لا رصيد لها من المعنى ، الذى يمكن أن يتقبله العقل السليم ؛ لأنها من نوع ما يسميه علماء المنطق : بالسفسطة التى لها شكل الجملة ، وليست لها حقيقتها .

    وهى أقوال يراد بها إخضاع النفس ، أكثر مما يراد بها إقناع العقل . هذا فيما يتعلق بالمغرضين من أعداء الدين الذين يتخذون السفور ذريعة لمقاصدهم السيئة ، أما الفريق الآخر الذى يبيح السفور بناء على اجتهاد فقهى مخلص فى طلب الحق فأغلب ما تعلقوا به :
    ـ إما أحاديث ضعيفة لا تثبت عند أهل العلم بالحديث .
    ـ وإما وقائع لا أحوال لها .
    ـ وإما نصوص يفهم منها إباحة السفور فى حالة من حالات الترخيص فيه مثل : الخطبة ، والشهادة ، والتطبيب ، وغيرها . وهذه فى الحقيقة تؤيد أن الأصل منع السفور .
    ـ وإما نصوص يفهم منها إباحة السفور ، ولكنها كانت قبل نزول الحجاب .
    ـ وإما نصوص غير صريحة يطرقها الاحتمال ، فيسقط بها الاستدلال .

    نقول وبالله التوفيق :

    الشبهة الأولى والرد عليها

    ما أخرجه أبو داود فى سننه باب فيما تبدى المرأة من زينتها ، قال :
    حدثنا يعقوب بن كعب الانطاكى ومؤمل بن الفضل الحرانى ، قالا : أخبرنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد ـ قال يعقوب : ابن دريك عن عائشة رضى الله عنها " أن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه " .
    قالوا هذا نص صريح فى أنه يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب .

    جواب هذه الشبهة :

    كما ذكر العلماء أنه لا يتكلف الجواب عن الحديث حتى يصح ، والضعيف يكفى فى رده كونه ضعيفاً ، فمن باب أثبت العرش ثم أنقش . نناقش .

    أولا : إسناد الحديث
    فى الحديث علل فادحة :

    العلة الأولى :

    انقطاع سنده ، كما صرح بذلك الإمام أبو داود رحمه الله نفسه فقد قال عقب روايته الحديث :
    ( هذا مرسل ، خالد بن دريك لم يدرك عائشة ) .
    انظر فى هذا " عون المعبود " جـ 11 / 162 .
    وأخرج هذا الحديث الإمام البيهقى فى " السنن الكبرى " جـ 2 / 226 ،
    جـ 7 / 86 من هذا الوجه فى موضعين .
    * وقال الحافظ ابن كثير فى تفسيره جـ 1 / 183( قال أبو داود وأبو حاتم الرازى : هو مرسل خالد بن دربك لم يسمع من عائشة رضى الله عنها والله أعلم .
    * وقال الحافظ صلاح الدين العلائى فى جامع التحصيل للعلائى جـ 1 / 363
    ( قال الحافظ عبد الحق الإشبيلى : خالد بن دريك لم يسمع من عائشة وحديثه فى أبى داود ) ثم ذكر الحديث .
    * وقد أخرجه الحافظ عبد الحق الاشبيلى من هذا الوجه .
    وقال الحافظ ابن حجر فى ترجمة خالد بن دريك ( إنه لم يدرك عائشة ) .
    وذكر الإمام (ابن حبان) خالد بن دريك من إتباع التابعين وأنظر فى ذلك كتاب الثقات جـ 2 / 255 وتهذيب التهذيب جـ 3 / 86 وتقريب التهذيب جـ1 / 212

    وقد اتفق العلماء الذين يحتجون بالحديث المرسل والذين لا يحتجون به على أن مراسيل صغار التابعين وأتباع التابعين لا يصح العمل بها وقد ذكر الشافعى رحمه الله تعالى " أن مراسيل غير كبار التابعين لا تقبل " وانظر فى ذلك " الرسالة " بتحقيق الشيخ " أحمد شاكر " صـ 465

    * وذكر الشوكانى فى " إرشاد الفحول " صـ 65 .
    ما رواه عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين مع كون ذلك التابعى ثقة محتجاً به فى الصحيحين .

    * ولقد ذكر ابن كثير فى كتابه ( الباعث الحثيث ) صـ 37 وابن حزم فى كتابه ( الإحكام فى أصول الأحكام ) جـ 2 / 602 . قول ابن الصلاح : ( وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل ، والحكم بضعفه ، هو الذى استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ، ونقاد الأثر ، وتداولوه فى تصانيفهم . )

    العلة الثانية :

    أن فى سنده ( سعيد بن بشير الأزدى مولاهم أبو عبد الرحمن البصرى أو الواسطى نزيل دمشق عن قتادة والزهرى وأبى الزبير وعنه الوليد ابن مسلم وعبد الرحمن ابن مهدى وعبد الرازق وخلق .
    ورد ترجمته فى " الكامل " لابن عدى و" ديوان الضعفاء والمتركين للذهبى " وكتاب
    " الضعفاء " للعقيلى " ولابن الجوزى و " المجروحين " لابن حبان .
    ­
    * تركه ابن مهدى وضعفه أحمد وابن معين وابن المدينى والقائى وقال أبو حاتم محله الصدق وقال ابن سعد كان " قدرياً " وقال ابن عدى الغالب على حديثه الاستقامة . ذكر ذلك الخزرجى فى كتابه " خلاصة تهذيب الكلام فى أسماء الرجال " صـ 116 الطبعة الأولى .

    * وذكره أبو زرعه فى الضعفاء وقال لا يحتج به وكذلك قال أبو حاتم وقال العباس عن ابن معين ليس بشئ قال الفلاس . حدثنا عنه ابن مهدى ثم تركه وقال عبد الله بن نمير يروى عن قتادة المنكرات .


    * ولقد جاء فى كتاب عون المعبود جـ 11 / 162
    ما قاله البخارى " يتكلمون فى حفظة "وقال المنذرى تكلم فيه غير واحد ."

    * وقال ابن حبان فى كتاب " الجوهر النقى هامش سنن البيهقى "
    جـ 7 / 86 فاحش الخطأ .
    * وقال ابن حجر فى كتاب " التقريب " جـ 1 / 292 . " ضعيف " .
    * وقال ابن مسهر لم يسكن فى بلدنا أحفظ منه وهو منكر الحديث .
    * وذكر أبو بكر أحمد الجرجانى هذا الحديث وقال : لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة . كما أن سعيد ابن بشير ضعيف فيما يرويه عن قتادة خاصة .

    * وقد بين الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندى فى كتاب " الحجاب " صـ 66 : أن إسناد هذه الرواية عند أبى حاتم فى تفسيره والبيهقى فى سننه وإسماعيل القاضى فى بعض كتبه وكذا الحافظ أبى بكر أحمد الجرجانى فى كتابه الكامل فى ترجمة سعيد بن بشير دائر على سعيد بن بشير وحاله كما تقدم بيانه . ( 1 )
    * و فى سعيد بن بشير :
    قال الذهبى : منكر الحديث . و قال البخارى : متكلمون فى حفظ .
    قال ابن معين : ضعيف وقال أيضاً مدلس . و قال النسائى : ضعيف .
    قال عبد الله بن نمير : يروى عن قتادة المنكرات .
    وذكره أبو زُرعة فى " الضعفاء " وقال : لايحتج به وكذا قال أبو حاتم ثم قال : هذه الرواية لا تصلح أن تكون صالحة للمتابعات والشواهد فضلاً عن أن تكون حجة عند أهل الحديث فكيف تكون فيه دلالة على أنه ليس الوجه والكفان من العورة وحال إسنادها كما ذكر . فيكون إسناد هذا الحديث ضعيفاً جداً مع إرساله . ( 2 ) وفى معرض رد صاحب الشهب والحراب على من حرم النقاب الشيخ عادل بن يوسف العزازى فى رده على إسماعيل منصور الذى احتج بحديث أسماء هذا فى السفور يقول :
    أولاً : بالنسبة للسند : فيه علل لا يقوى لتحسين الحديث معها وهذه العلل هى :
    الأولى : الإرسال ( بالانقطاع ) : فخالد بن دريك لم يدرك عائشة فروايته عنها منقطعة ومقصودى بالإرسال المعنى الأعم له الذى يشمل الإنقطاع .
    -------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) عودة الحجاب جـ 3 / 236 .
    ( 2 ) اللباب فى فرضية النقاب صـ 39 .
    العلة الثانية : الضعف وفيه خالد بن بشير وهذه علة قادحة للحديث فقد قال الذهبى فى ترجمته له : منكر الحديث وقال البخارى : يتكلمون فيه وقال ابن معين ضعيف وقال مرّة : ليس يشئ ، قال النسائى وقال عبد الله بن نمير : يروى عن قتادة المنكرات .

    العلة الثالثة : التدليس ، فقتادة والوليد بن مسلم كلاهما مدلس وقد عنعنا ولا يقبل حديث المدلس إلا إذا صرح بما يفيد السماع .
    ثانيا : بالنسبة للمتن :
    ففى متن الحديث غرابة وشذوذ فأسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها عمرها وقت نزول آية الحجاب 27 سنة فكيف يقال لها : إنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بثياب رقاق بعد نزول الآيات التى أمرت بسترهن ؟ وهى من ؟ بنت الصديق وأختهاعائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وفى مجتمع تخرج فيه النساء متلفعات بمروطهن فأسماء هذه هى التى ثبت عنها أنها كانت تخمر وجهها من الركبان فى الإحرام وبهذا يبطل الاستدلال بهذا الحديث على دعوى السفور . لعل الشيخ العلامة " السندى " يرد بقوله : " هذه الرواية لا تصلح أن تكون صالحة للمتابعات والشواهد ..... إلخ " لعله يردُ بذلك على محدث الديار الشامية العلامة " الألبانى " فى كتابه حجاب المرأة المسلمة صـ 24 على الهامش ( الطبعة الخامسة ـ دار الجهاد والاعتصام ) عفا الله عنه
    قال الشيخ الفاضل " القرضاوى " فى كتابه " الحلال والحرام " تعليقا على هذا الحديث السابق الذكر " لكن تقويه أحاديث صحاح فى إباحة رؤية الوجه والكفين عند أمن الفتنة .!!! "
    عجباً!! ماهى حدود هذه الفتنة ؟ ألها ضوابط ؟ أم هى تختلف ؟ بإختلاف الأمزجة والمشارب ؟ ! فهذا يرى الجمال فى بياض لونها ، وهذا فى سواده ، وذلك فى نحافة وجهها .... إلخ فما هى حدود هذه الفتنة وضوابطها يا دعاة الفتنة والسفور ؟ استغفر الله .
    قال الشيخ " صالح بن فوزان " فى الرد على الشيخ " القرضاوى " فى دعواه " ونحن نطالبه ـ أى القرضاوى ـ أن يعين هذه الأحاديث التى ادعى أنها تقويه وأنها صحاح كما نطالبه أيضا : ببيان الحد الذى تؤمن عنده الفتنة حين النظر إلى وجه المرأة الأجنبية وهل هناك أحد يأمن على نفسه الفتنة فى هذا النظر ، أليس النظر وسيلة إلى الافتتنان " ( 1 ) .



    ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

    ( 1 ) الأعلام لصالح بن فوزان صـ 65 .
    ما رواه ابن جرير الطبري على نحو حديث أسماء
    وقبل أن ننتقل إلى علة أخرى من العلل التي ضعفت حديث أسماء في كشف الوجه لابد وان نشير إلى إن الحديث الآنف له طريق آخر نقله لنا أبو مصعب في كتابه ( اللباب في فرضية النقاب) صـ 41 إذ قال : نقل ابن جرير الطبري في تفسيره رواية في هذا المعنى عن عائشة رضي الله عنها إذ قال رحمه الله تعالى : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج عن ابن جريج قال : قالت عائشة رضي الله عنها : دخلت عليّ ابنة أخي لأمى عبد الله بن الطفيل مزينة ، فدخل النبى صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها ثم ذكر الحديث نحو حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما . ( 1 )

    قال العلامة السندى : إسناده ضعيف جداً لثلاث عللٍ خطيرة :
    1 ـ ضعف الحسين واسمه : سنيد بن داود المصيصى المحتسب . قال الإمام الذهبى : قال أبو داود : لم يكن بذاك . وقال النسائى : الحسين بن داود ليس بثقة .
    وأورده الذهبى فى كتابه ديوان الضعفاء والمتروكين . وقال : ضعفه أبو داود ( ميزان الاعتدال جـ 2 / 226 ) .
    2 ـ ضعف حجاج بن محمد الأعور المصيصى واختلاطه اختلاطاً فاحشاً رأه ابن معين يخلط فقال لابنه : لا يدخل عليه أحد .
    3 ـ انقطاع هذه الرواية لأن " ابن جريج " الذى هو عبد المالك ابن جريج المتوفى بعد المائة والخمسين ( 150 ) لم يدرك عائشة رضى الله عنها مع أنه متهم بتدليس التسوية الذى هو من شر أنواع التدليس .

    قال الإمام الدارقطنى : فيما نقل عنه الحافظ فى التهذيب : تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح .

    وقال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائى : ذكر ابن المدينى أنه لم يلق أحداً من الصحابة ثم ذكر العلائى : إرساله عن جملة كبيرة من التابعين .
    ثم قال : هاتان الروايتان ليستا صالحتين للمتابعات والشواهد فضلاً عن أن تكون حجة ولو كانتا صحيحتى الإسناد لكانتا شاذتين غير محفوظتين فكيف الحال بما ذكر من إسنادهما وليس هناك حديث صحيح مرفوع فى هذا المعنى .



    ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) تفسير اطبرى جـ 18 / 119 .
    قلت : مما سبق يتضح أن الحديثين السابق ذكرهما يجمعان بين صفة واحدة وهى صفة الإرسال والمعروف كما هو مقرر فى علم " مصطلح الحديث " أن المرسل هو " ما رفعه التابعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول أو فعل أو تقرير صغيراً كان التابعى أو كبيراً " ثم إن " المرسل " قسم من أقسام الضعيف فلا يصح الاحتجاج به .

    قال ابن حزم : فى كتابه الفذ " الإحكام فى أصول الأحكام " جـ 2 / 169 .
    قال : أبو محمد : المرسل من الحديث هو الذى سقط بين أحد رواته وبين النبى صلى الله عليه وسلم ناقل واحد فصاعداً وهو المنقطع أيضاً وهو غير مقبول ولا تقوم به حجة لأنه عن مجهول .

    وذكر الإمام البخارى : فى كتابه خير الكلام فى القراءة خلف الإمام تعريف الحديث الضعيف فى مقدمة كتابه تحت عنوان تعريف بأقسام الحديث وأنواعه .
    فقال : الحديث المرسل : هو الذى سقط منه الصحابى سواء كان راويا مرسلا تابعيا كبيرا أو صغيراً والإمام الشافعى يعتبر المرسل ضعيفاً فلا يحتج به .
    كما ذكر فى تعريف الحديث الضعيف : هو الذى فقد شرطاً من شروط الصحة والحسن .
    ولقد استطرد أبو مصعب فى كتابه اللباب تعليقات بعض الأئمة والعلماء فى توضيحهم بعدم العمل بالأحاديث الضعيفة فقال : فاعلم ـ رحمك الله ـ أن العمل بالأحاديث الضعيفة ليس على إطلاقه كما يحلو للبعض والاستشهاد به فى كل ما هب ودب بل وضع لها العلماء شروطاً إن فقد واحد منها فهى فى مهب الريح لا تصلح لشيئ البتة فضلاً عن قضية خطيرة كهذه .
    قال بعضهم : " إن الضعيف يعمل به عند المحدثين والأصوليين فى فضائل الأعمال بشروط مقررة فى محلها .

    ** قال ابن تيمية فى ( القاعدة الجليلة ) صـ 84 المطبعة السلفية :
    لا يجوز أن يعتمد فى الشريعة على الأحاديث الضعيفة والتى ليست ضعيفة ولا حسنة ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيئ واجباً أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع ( القاعدة الجليلة بتصرف يسير ) .
    ثم ختم محدثنا الكبير الألبانى هذا الفصل الرائع فى مقدمة كتابه ( ضعيف الجامع الصحيح ) بقوله وجملة القول " أننا ننصح أخواننا المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها أن يَدعوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقاً وأن يوجهوا همتهم إلى العمل بما ثبت منها عن النبى صلى الله عليه وسلم ففيها ما يغنى عن الضعيفة ..... إلخ .
    ولولا خشية الإطالة لنقلت كلامه بطوله ولكن حسبنا ما نحن بصدده ففيه الشاهد وكفى .

    وقبل الانتقال إلى ثانى الأدلة التى يحتج بها المبيحون لسفور الوجه يحسن بنا أن ننقل ما كتبه الشيخ التويجرى فى كتابه الممتع " الصارم المشهور" فقد قال وأسهب القول فى الرد على الحديث السابق وختمه بقوله وأيضاً فهذا الحديث معارض بالحديث الصحيح .
    فقد تقدم من خلال بحثه عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطنى .

    وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما قالت : كنا نغطى وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك فى الإحرام . رواه الحاكم فى مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين .
    ولم يخرجاه ووافقه الذهبى فى تلخيصه وهذه الأحاديث الصحيحة معارضة لما فى حديث خالد بن دريك فإنه لو كان صحيحاً ومعمولاً به لما كان النساء يغطين وجوههن عن الرجال الأجانب ولاسيما فى حال الإحرام .

    وعلى تقدير ثبوته إن ثبت فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب فيكون منسوخا لما تقدم عن عائشة وأسماء بنت أبى بكر .
    وإذا كان النساء يغطين وجوههن عن الرجال الأجانب فى حال الإحرام فكذلك فى غيره بطريق الأولى والأحرى والله أعلم .






    الشبهة الثانية والرد عليها

    ما أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى جـ 2 صـ 86 من طريق ابن لهيعة قال :
    عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصارى يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء ابنة عميس أنها قالت : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنهما وعندها أختها أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج فقالت عائشة رضى الله عنها : تنمى فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً كرهه فتنحت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضى الله عنها : لم قام ؟ قال : أو لم ترى إلى هيئتها ؟ ! إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا أخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ثم نصب كفيه على صًدغيه حتى لم يبد إلا وجهه . " .

    قال البيهقى : إسناده ضعيف .
    وعلة الحديث ابن لهيعة واسمه عبد الله الحضرمى أبو عبد الرحمن المصرى القاضى وهو ثقه فاضل لكنه كان يحدث من كتبه فاحترقت فحدث من حفظه فخلط .

    وذكره الهيثمى : فى مجمع الزوائد جـ 5 / 137 وقال :
    وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح وقال ( ابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف ولقد ذكر أن الحديث رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط .

    ولقد ذكر فى كتاب " علل الحديث " لأبى حاتم جـ 1 / 482 .
    قول الإمام أبو محمد عبد الرحمن الرازى ابن الإمام أبى حاتم الرازى بعدما ساق سندين فى كل منهما ابن لهيعة : ( قلت لأبى فأيهما أصح ؟ قال : لا يضبط عندى جميعاً ضعفين ) .

    قال الجوزجانى : فى " الضعفاء الصغير " صـ 66 .
    ابن لهيعة لا يوقف على حديثه ولا ينبغى أن يحتج به ولا يغتر بروايته .

    وقال ابن حبان : فى " الضعفاء والمتروكين " صـ 95 .
    سيرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم .


    وذكر الزبيدى فى " تيسير الوصول " جـ 3 / 157 .
    عبد الله بن لهيعة لا يحتج بحديثه .
    ولقد ذكر البوصيرى : فى " الزوائد " ابن لهيعة ضعيف .
    وقال الألبانى : ضعيف من قبل حفظه وجاء ذلك فى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة برقم 319 ، 461 . وذكر الألبانى أيضاً فى كتاب " حجاب المرأة المسلمة " صـ 25 إن بعض المتأخرين يحسن حديثه وبعضهم يصححه . والذى لا شك فيه أن حديثه فى المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن ، وهذا منها . ويستطرد الشيخ محمد بن المقدم فى كتابه " عودة الحجاب " جـ 3 / 354 على هذه الفقرة الأخيرة للشيخ الألبانى بقوله :
    ومن الجدير بالذكر فى هذا المقام أن فضيلة الشيخ الألبانى يخالف كلاً من ابن عباس رضي الله عنهما ومن وافقه من الصحابة ومن بعدهم كالبيهقي والقرطبي ممن استدلوا بقوله تعالى " إلا ما ظهر منها " على أن المراد : الوجه والكفين أنظر كتابه صـ 33 . ورجح فضيلته أن الآية تستثنى ما ظهر منها بدون قصد فلا يسوغ أن تُجعل دليلاً شاملا لما ظهر منها بالقصد فحديث عائشة رضى الله عنها عند أبى داود هو الأصل الذى بنى عليه الشيخ مذهبه وإذا كان هذا الأصل ضعيفاً فى سنده ومعناه كما تقدم ولا تقوم به حجة فإن الفرع الذى ساقه لتقويته أولى بالطرح ومن المعلوم أن من أباح السفور من العلماء إنما استدل مع حديث عائشة بدليلين هما :
    1 ـ أن الوجه والكفين ليسا من العورة فى الصلاة .
    2 ـ تفسير قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) بالوجه والكفين وكلاهما يبطل الشيخ الاستدلال به على إباحة السفور فلم يبق له حينئذ من دليل على مذهبه سوى حديث عائشة .

    وبعض من صحح أحاديث ابن لهيعة إنما صححها من رواية العبادلة عنه لكنه هنا يرويه عن محمد بن رمح وفى إسناده أيضاً عياض بن عبد الله الفهرى ، قال الحافظ فى
    " التقريب " ( فيه لين ) .

    ومع تصنيف الإمام البيهقى رحمه الله هذا الحديث فإنه إلى جانب ذلك أعرض عن الاستشهاد به لتقوية حديث عائشة رضى الله عنها مع أنه ـ دون غيره من المحدثين ـ أخرجهما معاً فكأنه رحمه الله لم يعده صالحاً فى المتابعات والشواهد . هذا والله أعلم وبه التوفيق .

    الشبهة الثالثة
    حديث السفعاء الخدين

    عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال :
    شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ الصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ووعظ الناس وذكَّرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال " تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم " فتكلمت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت " ولم يا رسول الله " ؟ قال : " لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير " قال : " فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين فى ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن " .

    والحديث رواه وأخرجه البخارى فى خمسة عشر موضعاً ومسلم فى العيدين والنسائى والدارمى والبيهقى والإمام أحمد فى مسنده بإسناد صححه السندى .

    كما ذكر الحديث معظم الذين تكلموا فى قضية الحجاب وذلك للرد على شبهات المبطلين وأصحاب الفهم الخاطئ .

    قال المبيحون :

    " لو كان الوجه من العورة والزينة فكيف اطلع جابر رضى الله عنه على وجهها ثم وصف وجهها فى هذا الحديث وكانت زيادة " من سفلة النساء وسفعاء الخدين " لم يخرجها البخارى فى الجامع الصحيح فى خمسة عشر موضعاً إلا أن مسلماً وأبو داود والدارمى وأحمد فى مسنده قد أخرجوها. وإسناده صحيح .

    الجواب :

    أولا : قول الشيخ محمد بن إسماعيل فى كتاب عودة الحجاب جـ 3 / 357 :
    أن الحديث ليس فيه حجة لإثبات ما أورده من أجله العلامة القرآنى محمد الأمين الشنقيطى رحمه الله تعالى : " وأجيب على حديث جابر هذا بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها وأقرها على ذلك بل غاية ما يفيده الحديث أن جابراً رأى وجهها وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصداً وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد فيراه بعض الناس فى تلك الحال كما قال نابغة ذبيان :
    سقط النصيف ولم تُرد إسقاطه
    فتنــاولته واتقتنــا باليـــد
    فعل المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها سافرة الوجه وأقرها على ذلك ولا سبيل له إلى إثبات ذلك .

    ثانيا : قول العلامة السندى رحمه الله قال :
    قد تكون من القواعد اللائى قال الله تعالى فى حقهن فى محكم كتابه :
    " وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " النور 60 أو كانت هذه القضية قبل نزول الحجاب .
    أو كانت هذه المرأة أمة كما جاء فى مسند الإمام أحمد أنها كانت من سفلة النساء وليس فى الحديث دليل على كشف الوجه للمسلمة الحرة العفيفة ولا شبهة دليل .

    ثم ذكر قول الشيخ " التويجرى " فى صارمة المشهور . حيث قال :
    وأما حديث جابر رضى الله عنه فليس فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى تلك المرأة سافرة وجهها وأقرها على ذلك حتى يكون فيه حجة لأهل السفور .
    وغاية ما فيه أن جابراً رضى الله عنه رأى وجه تلك المرأة فلعل جلبابها انحسر عن وجهها بغير قصد منها فرآه جابر وأخبر عن صفته ومن ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم قد رآها كما رآها جابر وأقرها فعليه بالدليل .
    ومما يدل على أن جابراً رضى الله عنه قد انفرد برؤية وجه المرأة التى خاطبت النبى صلى الله عليه وسلم أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد الخدرى رضى الله عنهم رووا خطبة النبى صلى الله عليه وسلم وموعظته للنساء ولم يذكر واحد منهم ما ذكره جابر رضى الله عنه من سفور تلك المرأة وصفة خديها .

    فأما حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فرواه الإمام أحمد فى مسنده والحاكم فى مستدركه وقال : " صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ووافقه الذهبى ، وقال :
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر النساء تصدقن ولو من حُليكن فإنكن أكثر أهل جهنم ! فقالت امرأة ليست من علية النساء : ( وبم يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم ؟ ) قال : ( إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير ) .
    فوصف ابن مسعود رضى الله عنه المرأة التى خاطبت النبى صلى الله عليه وسلم أنها ليست من علية النساء ، أى ليست من أشرافهن ولم يذكر عنها سفوراً و لا صفة الخدين .

    وأما حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فرواه الإمام أحمد ومسلم وابو داود وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    " يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإنى رأيتكن أكثر أهل النار . فقالت : امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول الله ؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير . " . فوصف المرأة بأنها كانت جزلة ولم يذكر ما رواه جابر من سفع خديها .
    قال ابن الأثير : امرأة جَزلة أى تامة الخلق ويجوز أن تكون ذات كلام جزل أى قوى شديد .

    وقال النووى : جزلة بفتح الجيم وإسكان الزاى : أى ذات عقل ورأى . أ.هـ

    فهذا ابن عباس رضى الله عنهما لم يذكر عن تلك المرأة سفوراً ، ولا عن غيرها من النسوة اللائى شهدن صلاة العيد مع النبى صلى الله عليه وسلم وكان شهود ابن عباس رضى الله عنهما لصلاة العيد فى آخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم .

    وحديثه رواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذى وفيه " فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن " إلخ .
    فإذا كان ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حكى ما شاهده ولم يذكر عن تلك المرأة سفوراً ولا غيرها من النسوة اللاتى شهدن صلاة العيد مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم وكان شهود ابن عباس رضى الله عنهما صلاة العيد فى أخر حياة النبى صلى الله عليه وآله وسلم . أ .هـ .

    وأما حديث أبى هريرة رضى الله عنه فرواه الإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذى ، وقال :
    ( حديث حسن صحيح ) وفيه : ( فقالت امرأة منهن : ولم ذلك يا رسول الله ؟ ) الحديث .
    وأما حديث أبا سعيد رضى الله عنه فأخرجاه فى الصحيحين وفيه : ( فقلن : وبم يا رسول الله ؟ ) الحديث .

    وأما حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه فلم يذكر أدنى إشارة لحديث هذه المرأة وهو فى الصحيحين .





    قال التويجرى :
    فهؤلاء خمسة من الصحابة رضى الله عنهم ذكروا نحو ما ذكره جابر رضى الله عنه من موعظة النبى صلى الله عليه وسلم للنساء وسؤالهن له عن السبب فى كونهن أكثر أهل النار ولم يذكر واحد منهم سفوراً لا عن تلك المرأة التى خاطبت النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن غيرها وهذا يقوى القول بأن جابراً رضى الله عنه قد انفرد برؤية وجه تلك المرأة ورؤيته لوجهها لا حجة فيه لأهل التبرج والسفور لأنه لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رآها سافرة بوجهها وأقرها على ذلك .

    وقال الشيخ البليهى :
    من المعروف والمتقرر إن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتعارض ولا تتضارب ولا يرد بعضها بعضاً لأنها من عند الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أوتيت القرآن ومثله معه " ولكن إذا حصل تعارض بين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فحينئذ لابد من سلوك طريق الجمع ، فنقول إذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها وأنها لم تكن من القواعد وأنها لم تكن أمة وقد جاء فى المسند أنها كانت من سفلة النساء " . ( 1 )

    وقال الشيخ عبد الله بن جار الله : فى كتابه ( مسئولية المرأة المسلمة ) صـ 58 : هذا وإن وجوب الحجاب ناقلة عن الأصل وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل والناقل عن الأصل مقدم كما هو معروف عند الأصوليين لأن مع الناقل زيادة علم وهو إثبات تغيير الحكم الأصل .

    قلت : الملاحظ من خلال تلك النقول المستفيضة أن الاحتمال قد تطرق وتسرب إلى هذا الحديث بشكل ملحوظ بين مما يسقط الاستدلال به والقاعدة الأصولية تقول
    " ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال "
    هذا وبالله التوفيق .

    ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

    ( 1 ) عودة الحجاب جـ 3 / 362
    الشبهة الرابعة
    حديث المرأة الخثعمية
    عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : ( أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي الله عنهما يوم النحر خلفه على عُجر راحلته وكان الفضل رجلاً وضيئاً ، فوقف النبى صلى الله عليه وسلم يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخاً كبيرا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة فهل يقضى عنه أن أحج عنه ؟ قال : نعم . )
    أخرجه البخارى جـ 3 / 295 ، وجـ 4 / 54 واللفظ له كما رواه مسلم جـ 4 / 101 ، وابو داود جـ 1 / 286 ، والنسائى جـ 2 / 5 ، وابن ماجه جـ 2 / 314 ، والإمام مالك صـ 309 .

    وفى رواية لعلى بن أبى طالب قال : ( ولوى عنق الفضل ، فقال له العباس : يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما . )
    رواه الترمذى برقم 885 فى الحج ، باب ما جاء أن عرفه كلها موقف وقال : ( حسن صحيح )
    كما رواه أبو داود برقم 1735 فى المناسك باب الصلاة بجمع ،
    وكذا الإمام أحمد فى مسنده جـ 1 / 76 .

    أقول : وهذا الحديث مما احتج به القائلون بالسفور فى لفظ ( وضيئة ) .

    وردا على هذه الشبهة نقول :

    قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندى :
    قلت : لا حجة فى الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر على الفضل بن عباس إنكارا باتاً بأن لوى عنقه وصرفه إلى جهة أخرى وكان فى هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكارا واضحا لأنه أنكر باليد .



    وقال فى " الفتح " مشيراً إلى هذا الحديث " ويقرب ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى بإسناد قوى من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله عنهما قال : " كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ رجاء أن ييتزوجها وجعلت التفت إليها ويأخذ النبى صلى الله عليه وسلم برأسى فيلويه فكان يلبى حتى رمى جمرة العقبة " .

    ثم قال الحافظ : ( فعلى قول الشابة : إن أبى ، ولعلها أرادت جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبى صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها .
    ثم قال الحافظ : وفى الحديث منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر وقال عياض : وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة ، قال و عندى أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ عن القول ، ثم قال : لعل الفضل لم ينظر نظراً يُنكر بل خشى عليه أن يئول إلى ذلك أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب .

    ثم قال الحافظ : روى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه " هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له " .

    أقوال المبيحين :

    يقول المبيحون أن الإخبار عن الخثعمية بأنها كانت وضيئة فيه دليل على أنها كانت كاشفة عن وجهها حال السؤال
    قال ( الألبانى ) عفا الله عنه وغفر له :
    الحديث يدل على أن الوجه ليس بعورة لأنه كما قال ابن حزم : لو كان الوجه عورة تلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليها من فوق ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء .

    الجواب :

    قلت : عجباً لقول ابن حزم رحمه الله تعالى : " لما أقرها على كشفه بحضرة الناس فأين نجد هذا الإقرار ؟ أين هو بل إن الإنسان لا يشم من الحديث تصريحاً ولا تلويحاً من ألفاظ الحديث أو مفهومه أو من اقتضاء النص ما يدل على ذلك ولكن ما علينا . فما زلت ملتزماً أننى سأترك القلم للسلف ومن اقتفى آثارهم يتكلمون فما ترك السلف للخلف شيئاً . (1 )
    ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) اللباب فى فرضية النقاب صـ 51 .
    قال الأستاذ الشيخ " محمد أديب كلكل : فى كتابه ( فقه النظر فى الإسلام ) :
    " إن المفهوم العام لهذا الحديث يؤكد عدم جواز النظر إلى المرأة الأجنبية والإنكار العملى من الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن عمه دونها يؤكده والمرأة حسب نص الحديث كانت محرمة بالنسك ومعلوم أن إحرامها فى كشف وجهها وكفيها فالإنكار إنما كان من أجل النظر المؤدى إلى الفتنة وليس فى هذا الحديث ما يشير إلى جواز كشف الوجه وستر الكفين من المرأة .

    فعلم مما تقدم أن حجاب الوجه وستر الكفين من المرأة مطلوب وأن على الرجال أن يغضوا أبصارهم عنها إذا عصت وخالفت الأمر أو طرأ للمرأة طارئ يدعوها للتكشف .
    ( كهذا الذى نحن حياله فالمرأة كانت محرمة والنبى الكريم يقول : " لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين " رواه البخارى ، وأحمد ، وأهل السنن إلا ابن ماجه ، وقال الترمذى : ( هذا حديث صحيح ) فكيف يستدل به هؤلاء على جواز كشف الوجه واليدين ) . اللهم غفرانك ......... أ .هـ

    قال الشيخ " التويجرى " :
    وأما حديث ابن عباس رضى الله عنهما فالجواب من وجوه :
    1 ـ أن ابن عباس رضى الله عنهما لم يصرح فى حديثه بأن المرأة كانت سافرة بوجهها وأن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كذلك وأقرها حتى يتم الاستدلال به على جواز سفور المرأة بوجهها بين الرجال الأجانب .
    وغاية ما فيه أنه ذكر أن المرأة كانت وضيئة وفى الرواية الأخرى حسناء فيحتمل أنه أراد حُسن قوامها وقدها ووضاءة ما ظهر من أطرافها .
    2 ـ أن ابن عباس رضى الله عنهما ، لم يكن حاضراً حين كان أخوه الفضل ينظر إلى الخثعمية وتنظر إليه لأنه كان ممن قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الضعفة بليل كما ثبت ذلك
    عنه فى الصحيحين والمسند وروايته للقصة إنما كانت من طريق أخيه الفضل بن عباس رضى الله عنهما .
    وعلى تقدير أن الفضل قد رأى الخثعمية فيحتمل أنه قد انكشف بغير قصد منها فرآه الفضل وحده.

    يوضح ذلك الوجه الثالث وهو أن الذين شاهدوا قصة الفضل والخثعمية لم يذكروا حسن المرأة ووضاءتها ولم يذكروا أنها كانت كاشفة عن وجهها فدل هذا على أنها كانت مستترة عنهم .



    ثم يستدل الشيخ بحديثين لم يذكر فيهما حسن المرأة ووضاءتها وإنما جاء فى الحديث الأول : الذى رواه الإمام أحمد ، والترمذى .
    عن على بن أبى طالب رضى الله عنه : " واستفتته جارية شابة من خثعم " وهكذا ولم يذكر فيه البتة حسن ولا وضاءة ."
    وفى الحديث الثانى الذى رواه مسلم فى صحيحه ، وابو داود فى سننه ،
    وابن ماجه ، والدارمى
    عن جابر رضى الله عنه " مرت به ظُعُن يجرين ، فطفق الفضل ينظر إليهن "

    جاء فى " الإعلام " الشيخ صالح بن فوزان وهو يستنكر على الشيخ القرضاوى استدلاله بهذا الحديث على جواز كشف المرأة وجهها .
    " وأما إستدلال القرضاوى فى " الحلال والحرام " على جواز نظر الرجل الأجنبى إلى وجه المرأة بحديث الفضل بن العباس ونظره إلى الخثعمية وصرف النبى صلى الله عليه وسلم وجه الفضل عنها ، فهذا من غرائب الإستدلال لأن الحديث يدل على خلاف ما يقول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقر الفضل على ذلك بل صرف وجهه وكيف يمنعه من شئ مباح "

    قال النووى رحمه الله عند ذكره لفوائد هذا الحديث :
    ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه .
    وقال الإمام ابن القيم فى " روضة المحبين " وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزاً لأقره عليه .

    أجوبة أخرى

    قال العلامة المفسر الشنقيطى : فى كتابه " أضواء البيان " جـ 6 / 600
    مجيبا على هذا الاستدلال ما نصه :
    الأول : بأنه ليس فى شئ من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها وأن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه وأقرها على ذلك بل غاية ما فى الحديث أنها كانت وضيئة وفى بعض الروايات أنها حسناء ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كاشفة عن وجهها وأنه صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها كما أوضحناه فى رؤية جابر سعفاء الخدين . ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها .
    ومما يوضح أن ابن عباس رضى الله عنهما الذى روى الحديث لم يكن حاضرأً وقت نظر أخيه إلى المرأة ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبى صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى فى ضعفه أهله .
    ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل وهو لم يقل له أنها كانت كاشفة عن وجهها واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم ...قصدأً .
    لاحتمال أن يكون رأى وجهها وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها إلى أن قال : مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهى مختمرة وذلك لحسن قدها وقوامها وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم ولذلك فسر ابن مسعود " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " بالملاءة فوق الثياب كما تقدم ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر :
    طافت أمامه بالركبان آمنه يا حسنها من قوام ما ومنتقبا
    إذاً فهذا الحديث لا دليل لهم فيه ولا شبه دليل لأنها كانت محرمة كما تقدم بيانه وهو عين كلام الحافظ ابن حجر العسقلانى فى " الفتح " فى رده على ابن بطال . هذا وبالله التوفيق .

    يقول الألبانى رحمه الله : وهذا الحديث ما دل عليه الذى قبله من أن الوجه ليس بعورة لأنه كما قال ابن حزم : لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبُل عليه من فوق ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء .

    يرد الشيخ حمود التويجرى على قول ابن حزم بقوله : وأما قول ابن حزم : لو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء فجوابه أن يقال : إن عبد الله بن عباس لم يشهد قصة الحثعمية ولم ير وجهها وإنما حدثه بحديثها أخوه الفضل بن عباس رضى الله عنهما

    ثم قال : وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته له لا تدل على أنها كانت مستديمة لكشفه ، ولا أن النبى صلى الله عليه وسلم قد رآها سافرة بوجهها ، وأقرها على ذلك وكثيراً ما ينكشف وجه المتحجبة بغير قصد منها إما بسبب اشتغال بشئ أو لسبب ريح شديدة أو لغير ذلك من الأسباب فيرى وجهها من كان حاضرا عندها وهذا أولى ما حُملت عليه قصة الخثعمية ، والله أعلم .

    وقد جاء رداً أيضاً لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدى فى كتابه " أصول السيرة المحمدية " صـ 165 حول حديث ابن عباس هذا قال فيه :
    أما حديث ابن عباس فليس فيه أن الخثعمية كانت كاشفة وجهها نصاً ومن زعم ذلك فقد أقحم فيه ما ليس فى لفظه وإنما فيه أنها وضيئة وحسناء .
    والوضاءة والحسن : البياض والجمال مطلقاً وهو لا يختص بعضو دون آخر كما يصدق هذا النعت والوصف على كل عضو على إنفراده من أعضائها ومن الجائز أن الفضل لما رأى بياض وجمال بعض ما بدا منها بغلبته لها واضطرارها لإظهاره كسائر النساء إذا ركبن الدواب أعجبه لشدة بياضه وحسنه .

    كما قال رحمه الله : ويحتمل أنها كانت كاشفة وجهها أمام الناس فسكت عنها النبى صلى الله عليه وسلم كسكوته عن الكلام مع الفضل مكتفياً بتحويل وجهه عن النظر إليها لقربه منه ولم ينكر عليها لحداثة عهدها بالإسلام كما سكت عن المرأة التى بايعت على الإسلام وشرط عليها ألا تنوح على ميت فقالت : أسعدتنى فلانه أريد أن أجزيها فما قال لها شيئاً ولا أنكر عليها ولا أبى عن مبايعتها لعلمه أنها إذا تمكن الإيمان من قلبها لابد أن تنقاد لأوامره وتنتهى عن نواهيه وتحريم النياحة ، وقال : واحتمال آخر قريب هو أن البدويات ومن لم يتعودن ركوب الدواب ولا الأسفار إلا قليلاً يعرضن لهن ما يضطرهن إلى كشف بعض ما وجب ستره عليهن وما اعتدن أن يحجبه عن الأجنبى . انتهى
    والحاصل أن كل ما قدمناه من ردود على هذا الحديث من أقوال العلماء كاف لرد ما جاء به المبيحون للسفور واستدلالهم بهذا الحديث .

    والله تعالى أعلم وهو الموفق .


    الشبهة الخامسة

    قال الإمام ابن جرير الطبرى : حدثنا أبو كريب قال : ثنا مروان ، قال :ثنا مسلم الملائى ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : " لا يبدين زينتهن " قال : الكحل والخاتم . أخرجه الطبرى فى تفسيره جـ 18 / 1419 ، والبيهقى فى السنن الكبرى جـ 2 / 182 ، وجـ 7 / 86 .

    قال المبيحون :

    وهذا دليل آخر من أدلة جواز كشف المرأة وجهها ويديها وهو تفسير حبر الأمة ابن عباس رضى الله عنهما .

    الجواب :

    قال السندى فى كتابه " الحجاب " إسناده ضعيف جداً ، بل هو منكر .
    وقال الإمام الذهبى : مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضبى الكوفى الملائى الأعور عن أنس وإبراهيم النخعى وقال الحافظ أبو حجاج المزى فى ترجمة مسلم بن كيسان الملائى روى عن سعيد بن جبير وهو يروى هذا الإسناد عن سعيد بن جبير ثم قال الإمام الذهبى فى ترجمته عن الثورى ووكيع بن الجراح بن مليح قال الفلاس : متروك الحديث .
    وقال أحمد : لا يكتب حديثه ، وقال يحيى : ليس بثقة .
    وقال البخارى : يتكلمون فيه ، وقال يحيى أيضاً : زعموا أنه اختلط .

    وقال يحيى القطان : حدثنى حفص بن غياث قال : قلت لمسلم الملائى : عمن سمعت هذا ؟ قال : عن إبراهيم عن علقمة ، قلنا : علقمة . عمن ؟ قال : عن عبد الله قلنا : عبد الله عمن ؟ قال : عن عائشة . وقال النسائى : متروك الحديث .
    قال السندى : هذا الإسناد ساقط لا يصلح للمتابعات والشواهد كما لا يخفى هذا على أهل هذا الفن الشريف .

    وأما رواية البيهقى والتى قال فيها : أخبرنا أبو طاهر الفقيه ، أنبأ أبو بكر القطان ، ثنا أبو الأزهر ، ثنا روح ، ثنا حاتم ـ هو ابن أبى صغيرة ـ أنبأ خصيف عن عكرمة ، عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها "
    قال : الكحل والخاتم .
    قلت :( 1 ) وهذا الإسناد لا ينزل درجته عن درجة الحسن ولكن أين فى هذا الأثر جواز كشف الوجه فضلاً عن تحريم تغطيته ؟ إن الكحل موضعه العين وإن المنتقبة تكشف عن عينها ، أو عينا واحدة ، ثم إن هذا يعرضه أثر ابن عباس السابق الذى رواه أبو داود فى كتاب المسائل بإسناد صحيح عنه قال " تدنى الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به . فقلت ـ أى أبو الشعثاء لابن عباس " وما لا تضرب به " ؟ فأشار لى : كما تجلبب المرأة ـ ثم أشار لى ما على خدها من الجلباب قال : تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها ( فهذا ابن عباس يشرح معنى إدناء الجلباب وفيه تغطية الوجه فيمكن الجمع بين هذين الأثرين بإحدى هاتين الصورتين .
    الأولى : أن يكون ابن عباس يرى اظهار الكحل ( وموضعه العين فقط ) والخاتم على الأصبع ( ولم يقل بكشف الكف أصلاً ) ولم يقل أنها تتعمد إظهاره بل إن الحاجة قد تضطرها إلى كشفه فعندئذ يعفى عن ذلك .
    الثانى : أن يكون ابن عباس فسر الزينة الظاهرة باعتبار أن آية النور متقدمه وفسر إدناء الجلباب باعتبار تأخرها وبذا لا يكون تفسيره للزينة الظاهرة بالكحل والخاتم فتوى منه ، إنما هو شرح لمعنى الآيات وتكون الفتوى بمجموع ما ثبت عنه ، فإن قيل إن سورة النور متأخرة عن سورة الأحزاب ، فالجواب انه قد تنزل بعض الآيات فى سورة ، ثم تنزل سورة أخرى ، ثم تنزل آيات فى السورة التى قبلها فتأمل .
    وأيا كان الأمر ، فالأثر ليس فيه إباحة السفور للوجه والكفين ولكن المذكور فيه فقط الكحل والخاتم ولا شك أن بينهما وبين إباحة الوجه بكشفه ( على عمومه ) والكفين ( على عمومهما ) فرقا شاسعاً ، وهو معارض كذلك لأثر ابن عباس الأخر ثم هو معارض كذلك لتفسير ابن مسعود لمعنى الزينة بحيث خصها بالثوب والرداء وهذا التفسير هو الموافق لظاهر الآية كما سيأتى .
    وقد ذكر المؤلف أن ابن عمر فسر الآية أيضا بالوجه والكفين ولم يذكر لنا السند بل ولا المصدر ولا أظنه إلا نفس المصدر الذى فيه الآثار السابقة حيث قال البيهقى جـ 2 / 226 : وروينا عن ابن عمر ....... إلخ فلم يذكر البيهقى سند الأثر لينظر فيه الناظر ولكنه اكتفى بإيراده بصيغة التمريض التى تدل على ضعف الأثر .




    ------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) كتاب الشهب والحراب على من حرم النقاب صـ 50 وذلك فى معرض الرد على شبه صاحب كتاب تذكير الأصحاب فى تحريم النقاب
    ثم ذكر المؤلف حديث ( سبيعة الاسلمية ) وسيأتي الجواب عليه وأنه لا حجة له فيه . ثم قال : أي مؤلف كتاب تذكير الأصحاب :
    ( وهذا الذي ذهبنا إليه هو ما ذكره العلماء والمفسرون الأفاضل من ذلك ما ذكره الطبري في تفسيره بقوله (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عني بذلك الوجه والكفين ويدخل في ذلك : إذا كان كذلك ـ الكحل والخاتم والسوار والخضاب وما ذكره ابن كثير بعد أن استعرض أقوال السلف في معنى الزينة ما بين الرداء والثياب وبين الوجه والكفين يقول ( وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله قال في قوله " ولا يبدين زينتهن " الزينة القرط والدملج والمعضدي من الحلي والخلخال والقلادة ) .
    قلت : ( 1 ) : ليس في كلام ابن جرير ما يفيد أو يشير إلى فتوى المؤلف الشاذة بحرمة النقاب إنما هو يشرح معنى الزينة المقصودة من الآية علما بأنني قد نقلت لك من قبل تفسير ابن جرير عند قوله تعالى "وإذا سألتموهن متاعا ........ " الآية قال رحمه الله : (وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين ..... فاسألوهن من وراء حجاب ) .
    وأما كلام ابن كثير الذي خرج به المؤلف فهو حجة عليه لو أنه تمعن القراءة لما قبله وما بعده فلا يجوز أن يقتطع جمله من الكلام ليدلس بها على الناس ولو أنه أبيح هذا الفعل القبيح لكان لقائل أن يحرم الصلاة بحجة قول الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة " دون أن يقرأ " وأنتم سكارى "
    فإليك ما ذكره ابن كثير رحمه الله فى تفسيره جـ 3 / 283 ليتكشف أمر ذلك المؤلف :
    وقوله تعالى " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " أي لا يظهر شيئ من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه . قال ابن مسعود كالرداء والثياب ، يعنى على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التى تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكن إخفاؤه .
    فابن كثير يقرر فى هذه الفقرة كلام ابن مسعود لكن المؤلف أهمل هذا كله ثم قال ابن كثير بعد ذلك ( عن ابن عباس " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " قال : وجهها وكفيها والخاتم ... وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزينة التى نهين عن إبدائها ..... إلخ .
    ------------------------------------------------------------------------------------------------------
    ( 1 ) الكلام هنا لصاحب كتاب الشهب والحراب فى الرد على صاحب كتاب تذكير الأصحاب فى تحريم النقاب .
    فأنت ترى أن ابن كثير يقرر الرأى الأول ويستدل له بأثر ابن مسعود فلما عارضه أثر ابن عباس حمله على معنى الزينة الخفية ، فتأمل .
    وأخيراً أقــــــول :
    إن الآية نهت النساء عن إبداء الزينة فى الموضعين " ولا يبدين زينتهن " ثم جاء استثناء فى كل موضع ففى الموضع الأول جاء الاستثناء مسنداً إلى الزينة وليس إلى النساء " إلا ما ظهر منها " فهو شيئ ظاهر يصعب أو يتعذر إخفاؤه فلا تكلف المرأة بإخفاء ما هو ظاهر بنفسه وهذا واضح جداً بخلاف الموضع الثانى فإن الاستثناء مخاطبة به المرأة " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن .... " إلخ . فهذا أولا .
    ثانيا : إن الله تعالى قال فى آخر الآية " ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ....." فعلم بذلك أن الزينة هو الشئ الذى تتحلى به المرأة ولا جسد المرأة نفسه ـ مما تضيفه إلى نفسها من كحل وخضاب وسوار وخلخال وزينة إذا علم ذلك فكيف يليق بحكمة أحكم الحاكمين أن يمنع المرأة من مجرد الإعلام بخلخال رفيع فى قدمها ثم هو يبيح لها أن تظهر خواتمها وسوارها الكبار فضلاً عن مواضع هذه الزينة ؟ ! !
    هذا والله تعالى أعلم . ،



    الشبهة السادسة
    قال البيهقى : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا حفص بن غياث ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " قال : ما فى الكف والوجه . أخرجه البيهقى فى سننه جـ 2 / 225 ، جـ 7 / 852 .

    قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندى :
    إسناده مظلم ضعيف لضعف راويين هما : أحمد عبد الجبار العطاردى . قال الإمام الذهبى أحمد عبد الجبار العطاردى روى عن أبى بكر بن عياش وطبقته ، ضعفه غير واحد .
    قال ابن عدى : رأيتهم مجمعين على ضعفه ، ولا أرى له حديثاً منكراً ، إنما ضعفوه لأنه لم يلق الذين يحدث عنهم .
    وقال مطين : كان يكذب وقال أبو حاتم : ليس بالقوى .
    وقال ابنه عبد الرحمن كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه .
    وقال ابن عدى : كان ابن عقدة لا يحدث عنه وذكر أن عنده قمطراً على أنه كان لا يتورع أن يحدث عن كل أحد ( الميزان جـ 1 / 112 ، 113 ) .
    وكذا يوجد فى هذا الإسناد عند البيهقى : عبد الله بن مسلم بن هرمز المكى عن مجاهد وغيره .
    قال الحافظ الذهبى : ضعفه ابن معين . وقال : وكان يرفع أشياء .
    وقال أبو حاتم : ليس بالقوى .
    وقال ابن المدينى : كان ضعيفاً ( مرتين ) عندنا .
    وقال أيضاً : ضعيف وكذا ضعفه النسائى . ( ميزان الاعتدال جـ 2 / 503 ) .
    وقال الحافظ فى ( التقريب ) : ضعيف
    قال العلامة السندى : هذان الاسنادان ـ أى هذا الحديث والذى قبله ـ ساء حالهما إلى حد بعيد لا يحتج بهما ولا يكتبان وهناك أسانيد أخرى لا تقل درجتها فى الضعف والنكارة وبذلك يمكن أن يقال إن هذه النسبة غير صحيحة إلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ولو صح الإسناد إليه لما كن فيه حجة عند علماء أهل الحديث فكيف فى هذه الحال ، وقد صحت الأسانيد إلى عم المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى غيره من الصحابة رضى الله عنهم عكس هذا المعنى .


    وأما أثر ابن عباس فورد بلفظين أحدهما يشرح معنى الزينة ( الوجه والكفين ) . والآخر يقول فيه ( الكحل والخاتم ) .
    وأما ما رواه البيهقى فى سننه جـ 2 / 226 بقوله :
    أخبرنا أبو عبد الله أنبأ عبد الرحمن بن الحسن القاضى ، ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا أدم بن أبى أياس ثنا عقبة بن الأصم عن عطاء بن أبى رباح عن عائشة رضى الله عنها قالت : " ما ظهر منها : الوجه والكفان " .

    قلت : هذا إسناد ضعيف علته عقبة بن عبد الله الأصم قال الحافظ فى التقريب " ضعيف وربما دلس " وأورده الذهبى فى الميزان ( جـ 3 / 86 ). وقال : قال : يحيى : " ليس بشئ . وقال أبو داود : ضعيف . وقال الفلاس : كان واهى الحديث ليس بالحافظ وقال النسائى : ليس بثقة .
    وانظر كذلك ( الكامل فى الضعفاء ) لابن عدى جـ 5 / 1916 .
    فبهذا يتبين ضعف إسناد هذا الأثر وأيضاً فهذا مخالف للأثر الصحيح المروى عنها رضى الله عنها وفيه نقول : " تسدل المرأة الجلباب على وجهها " وقد تقدم

    تتمة لرد شبهة تمسكهم برواية ابن عباس
    تحت هذا العنوان ذكر أحمد بن حجر آل بوطامى البنعلى فى كتابه الأدلة من السنة والكتاب فى حكم الخمار والنقاب صـ 150 قال :
    وأما تشبثهم برواية ابن عباس وأن الكثيرين من المفسرين والفقهاء قالوا بجواز كشف الوجه ولم يكونوا جاهلين باللغة العربية حتى يقال لم يعرفوا معنى الآية .

    الجواب :

    إن أولئك الذين قالوا فى تفسير سورة النور بجواز ظهور الوجه والكفين قالوا فى تفسير آيات الأحزاب فى قوله تعالى : " ويدنين عليهن من جلابيبهن " بستر الوجه ومنهم ابن عباس رضى الله عنهما الذين جعلوا الرواية الواردة عنه أقوى حجة يعتمدون عليها وكذلك ابن جرير الطبرى رحمه الله فما بالهم تمسكوا برواية ابن عباس ومن قال بقول ابن جرير بتفسير قوله تعالى " إلا ما ظهر منها " ولم يتمسكوا ويعتبروا أقوالهم فى تفسير قول الله تعالى " يدنين عليهن من جلابيبهن " وقد ذكرنا فيما مضى أقوال كثير من المفسرين فى أن إدناء الجلباب هو تغطية وجه المرأة وتبدى عيناً أو عينين فإن قيل هذا تناقض بين المفسرين .


    فالجواب :

    1 ـ سبق غير مرة أن ابن عباس قال فى تفسير قوله تعالى " إلا ما ظهر منها " هو الرداء والثياب التى عليها ونحن نقول أن ابن عباس فى تفسير سورة النور كما ذكرنا وفى سورة الأحزاب فسر بما يرفع كل شك وارتياب .
    2 ـ لو فرضنا أن ابن عباس رضى الله عنهما لم ترد عنه فى سورة النور ولا تفسير سورة
    الأحزاب إلا ما زعم المجوزون .
    فالجواب : إن قول الصحابى ليس حجة إذا خالفه غيره وقد خالفه ابن مسعود وعائشة أم المؤمنين وغيرهما كما سلف بيانه .
    وهذا والله تعالى أعلى وأعلم .
    الشبهة السابعة
    عن سهل بن سعد رضى الله عنه " أن امرأة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله جئت لأهب لك نفسى . فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فلما رأت أنه لم يقصد منها شيئاً جلست" .
    الحديث رواه البخارى فى صحيحه جـ 9 / 107 ، ومسلم جـ 4 / 143 ، والنسائى جـ 2 / 86 ، والبيهقى جـ 7 / 84 ( باب نظر الرجل إلى المرأة ليتزوجها )

    الجواب :

    أولاً : ليس فى الحديث أنها كانت سافرة الوجه ونظر النبى صلى الله عليه وسلم
    إليها لا يدل على سفورها لأن تصويب النظر لا يفيد رؤية الوجه فيمكن
    أن يكون نظره إليها لمعرفة نبلها وشرفها وكرامتها فإن هيئة الإنسان قد
    تدل على ذلك .
    ثانيا : ما ذكره القاضى أبو بكر بن العربى من أنه يحتمل أن ذلك قبل الحجاب
    أو بعده لكنها كانت متلفعه كما ذكر الحافظ فى الفتح ( جـ 9 / 210 )
    وسياق الحديث يبعد ما قال سيما الأخير ، بل أنه يشير إلى وقوع ذلك فى
    أوائل الهجرة لأن الفقر كان قد تخفف كثيرا بعد بنى قينقاع ، والنضير ،
    وقريظة ، ومعلوم أن نزول الحجاب كان عقب قريظة ، وفى الحديث
    إشارة إلى شدة فقر الرجل الذى تزوجها حتى أنه لم يكن يملك خاتما من
    حديد .
    ثالثا : أن النبى صلى الله عليه وسلم معصوم ولا يقاس عليه غيره من البشر
    كما ذكر الحافظ ابن حجر ( و الذى تحرر عندنا أنه صلى الله عليه
    وسلم كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره .
    رابعا : أنه ثبت فى صحيح السنة أنه يباح للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة لقصد
    الخطبة ويباح لها النظر إليه وكشف وجهها له وعليه فلا حجة فى
    الحديث على إباحة كشف الوجه لأجنبى غير خاطب ومن استدل به على
    ذلك فقد حمل الحديث على غير محمله . والله أعلم .

    قال الحافظ ابن حجر فى الفتح : ( جـ 9 / 173 . السلفية ) :
    " وفيه جواز تأمل المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدم الرغبة فى تزويجها ولا وقعت خطبتها ..... إلى أن قال : و الذى تحرر عندنا أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره " .

    قال الشيخ التويجرى :
    حديث سهل بن سعد وقصة المرأة التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ليس فيها ولا فى غيرها من الأحاديث التى تقدم ذكرها ( وقد ذكر الشيخ فى مقدمة كتابه جملة من الأحاديث التى تبيح للخاطب أن ينظر إلى وجه المخطوبه ) ما يدل على جواز كشف المرأة عن وجهها لأجنبى غير خاطب وعلى هذا فلا وجه للاستدلال بحديث سهل بن سعد رضى الله عنه على جواز السفور ولكل أحد لأن ذلك من حمل الحديث على غير محمله .

    الردود السابقة فالحديث ورد عليه عدة احتمالات مستقاة من:
    1 ـ أنها جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم لتهب نفسها له صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنها
    كشفت عن وجهها لينظر إليها حال هذه الواقعة فقط فلا وجه للاستدلال بهذا الحديث على
    جواز السفور لكل أحد كما تقدم ذكره .
    2 ـ يحتمل أن ذلك قبل نزول آية الحجاب ( وهذا الاحتمال يرده الشيخ ناصر الدين الألبانى بقوله
    : " وسياق الحديث يبعد ذلك " .
    3 ـ يحتمل أن ذلك بعد الحجاب ولكنها كانت متلفعة لا أنها كانت سافرة الوجه حيث أن سياق
    الحديث يبعد أنها كانت كاشفة لكل أجنبى وجهها الأمر الذى يجعلنا نضع هذه الاحتمالات .
    والحديث بهذه الصورة قد تسرب إليه الاحتمال ، بنص الإمامين ( ابن حجر ) و ( أبى بكر بن العربى ) مما يسقط الاستدلال به ثم أن هذه الأحاديث التى تحمل بين طياتها الاحتمالات المتعددة لا تقوى بمجموعها أمام الأدلة التى تثبت أن على المرأة ستر وجهها وكفيها .
    هذا والله تعالى ولى التوفيق .









    الشبهة الثامنة

    عن ابن عباس رضى الله عنهما قيل له : أشهدت العيد مع النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ولولا مكانى من الصغر ما شهدته ، حتى أتى العلم الذى عند دار كثير بن الصلت ، فصلى فنزل نبى الله صلى الله عليه وسلم كأنى أنظر إليه حين يجلس الرجال بين يده ثم أقبل يشقهم ثم أتى النساء ومعه بلال فقال : " يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا " فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها " أأنتن على ذلك " فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن : نعم يا نبى الله ثم قال : " هلم لكن فداكن أبى و أمى فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه وفى رواية فجعلن يلقين الفتح والخواتم فى ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته
    رواه البخارى جـ 2 / 273 ، وأبو داود جـ 1 / 174 ، والبيهقى فى سننه جـ 3 / 307 ، والنسائى جـ 1 / 227 ، والإمام أحمد فى مسنده جـ 1 / 331

    قال ابن حزم : ( المحلى جـ 3 / 217 ) :
    فهذا ابن عباس بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة وما عداهما ففرض ستره .

    الجواب :

    أنه ليس فى الحديث ذكر الوجه بحال فأين فيه ما يدل على أن وجه المرأة بعورة ؟
    وفى الحديث ذكر الأيدى ولكن ليس فيه تصريح بأنها كانت مكشوفة حتى يتم الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة ، وغاية ما فيه أن ابن عباس رضى الله عنهما رآهن يهوين بأيديهن ولم يذكر حسرهن على أيديهن وإذا كان الحديث محتملاً لكل من الأمرين لم يصح الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة فإن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال والله أعلم .

    و لعل صغر سنه المنوه فى صدر الحديث يقضى بأن يغتفر له حضور موعظة النساء

    قال الشيخ التويجرى :
    ليس فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما ما يدل على أن وجه المرأة ليس بعورة ومن أين فى الحديث ما يدل على ذلك .
    ومن العجيب تقليد الألبانى لابن حزم فى الاستدلال به على أن وجه المرأة ليس بعورة مع أنه خالٍ من الدلالة على ذلك كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم .
    وأما اليد فليس فى الحديث تصريح بأن أيدى النساء كانت مكشوفة حين رآهن ابن عباس رضى الله عنهما يقذفن بالصدقة فى ثوب بلال حتى يتم الاستدلال به على أن يد المرأة ليس بعورة .
    وغاية ما فيه أن ابن عباس رضى الله عنهما رآهن يهوين بأيديهن فيحتمل أنه رأى أيديهن حين كن يهوين بها ويحتمل أنهن كن يهوين بأيديهن وهن مستورات بأطراف الثياب كما هى عادة كثير من المتحجبات فأنهن يأخذن و يعطين بأيديهن وهن مستورات بأطراف الثياب وإذا كان الحديث محتملاً لكلا الأمرين لم يصح الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة . والله أعلم .

    قلت : وما الذى يمنع من أن هؤلاء النسوة كن يلبسن " القفازين " حيث أن الحديث لا يشير من قريب ولا من بعيد إلى أن أيدى النساء كانت مكشوفة وهل لبس " القفازين " ينفى عن اليد صفتها حتى يتغاضى المبيحون عن هذا ويثبتون أنها كانت مكشوفة بلا دليل ولا غيره اللهم إلا الظن بلا قرينة قاطعة " إن الظن لا يغنى عن الحق شيئاً " .

    قال التويجرى : " لا ينبغى أن يلتفت إلى كلام ابن حزم فى السفور والنظر إلى الأجنبيات فإنه كان متساهلاً فى هذا الباب جداً بل كان مائعاً فيه كما قد كان مائعاً فى باب استحلال الغناء والمعازف ومن طالع كتابه " طوق الحمامة " عرف ما ذكرناه عنه من التساهل فى النظر المحرم .

    وردا على ما ذكره صاحب كتاب تذكير الأصحاب فى تحريم النقاب واحتجاجه بقول ابن حزم بجواز كشف الوجه والكفين مستدلا بالحديث السابق نقول :
    أولا : ليس فى الحديث ذكر الوجه أصلاً أو الإيماء إليه فكيف استجاز المؤلف
    أن يذكر كلام ابن حزم تعليقاً على هذا الحديث دون أن ينتقد منه شيئاً ؟
    الجواب : أنه ناقل فحسب لكنه يدعى الاجتهاد وأعجب من ذلك أن ينقل
    عبارات ابن تيمية وابن حزم وغيرهما من كتاب ( حجاب المرأة
    المسلمة ) للألبانى دون أن يبين ذلك .
    ثانيا : قول ابن عباس " ولو لا مكانى من الصغر " دليل على عدم صحة
    الإحتجاج بهذا الحديث فيما ذهب إليه المؤلف إذ إن جميع المسلمين
    مجمعون على جواز أن يرى الصغير وجه وكف المرأة عموما لقوله
    تعالى " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " .




    بل أقول : إن الحديث حجة على وجوب النقاب وتغطية اليدين لأن ابن عباس بين أن من الدواعى التى أعانته على رؤية الحادثة أنه صغير ولو لا ذلك ما شهد هذه الحادثة انظر إلى أصحاب الأهواء لترى بأى عين ينظرون ولتعلم كيف غلب الهوى على قلوبهم .
    ثالثا : من المعلوم أن صلاة العيد شرعت قبل نزول آيات الحجاب فكيف يصح الجزم بأن هذه الحادثة كانت بعد ذلك بدون دليل أو برهان وقد قررنا القاعدة أن الناقل عن الأصل مقدم على الأصل فإن الأصل الذى كان عليه النساء كشف وجوههن وأيديهن فمن ادعى أن ذلك الأصل استمررن عليه بعد نزول آيات الحجاب ـ كما يدعى الدكتور صاحب الكتاب المذكور ـ فعليه أن يبين لنا الدليل الناقل وإلا فلا ينسب صاحبه إلى طلبة العلم فضلاً عن المجتهدين .
    رابعاً : قوله : " فرأيتهن يهوين بأيديهن " ليس فيه دليل ـ نصا ـ على رؤية ابن عباس لأيديهن لأن الرؤية المذكورة عن وصف " الهوى بالأيدى " لا عن وصف الأيدى . ألم تر إلى قوله " فرأيتهن يهوين بأيديهن " ولم يقل رأيت أيديهن مثلاً وبين اللفظين فارق لا يخفى إلا على من اتبع هواه بغير هدى من الله وبذلك يكون ادعاء الدكتور المؤلف .
    أن ابن عباس رأى أيديهن فى مقام حضور النبى صلى الله عليه وسلم إدعاء باطل .












    الشبهة التاسعة
    عن فاطمة بنت قيس رضى الله عنها أن أبا عمرو بن حفص رضى الله عنه طلقها البته وهو غائب فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمرها أن تعتد فى بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابى
    ( اعتدّى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ) .
    وفى رواية " فإنى أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين .
    رواه مسلم برقم 9242 ، رقم 1480 ، وأبو داود برقم 2284 ، والترمذى برقم 1135 ، والنسائى جـ 6 / 71 ، والإمام أحمد جـ 6 / 373

    يقول صاحب كتاب تذكير الأصحاب مستدلا بعدم تغطية الوجه بنص هذا الحديث قوله :
    ( وهذا دال ـ لدى كل ذى عقل ـ على أن سقوط الخمار عن الرأس أو عن جيب الثوب ( أعلى الصدر ) أو انكشاف الثوب عن الساقين هى المحظورات أصلاً بالنسبة لما يستر بدن المرأة من اللباس وليس لتغطية الوجه فيها سبيل ) .

    قلت :
    على الرغم من دلالة الحديث على عكس ما ذهب إليه المؤلف إلا أنه يحاول أن يصيح قبل أن يطعن به وكما قيل ( لدغتنى وانسلت ) .
    فهل يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم فإنى أكره أن يسقط خمارك أن ذلك خاص بالرأس جيب الثوب ؟ ! من أين للمؤلف هذه القيود التى يقيدها لمعنى الخمار وقد بينت من قبل معنى الخمار بالرأس والعنق ثم يلزمنا بما ليس بلازم لنا ويجعل هواه لفهم الكلمة حجة فى محل النزاع ؟ !

    القائلون بسفور الوجه والكفين استدلالا بهذا الحديث :
    قال الشيخ " الألبانى " ـ عفا الله عنه ـ ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر ( !!! ) وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار ـ وهو غطاء الرأس ( !!! ) فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها ولكنه صلى الله عليه وسلم خشى عليها الفتنة أن يسقط الخمار عنها فيظهر ما هو محرم بالنص فأمرها عليه الصلاة والسلام بما هو أحوط لها ، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى .


    الجواب :

    الملاحظ من سياق كلام الشيخ " الألبانى " أنه يجهد نفسه كثيرا فى إثبات جواز كشف الوجه واليدين وهو فى استنباطه لهذا الحديث على هذا الجواز المزعوم يأتى بغرائب فهو يفسر " الخمار تفسيراً يخالف ما قاله علماء التفسير واللغة ..... إلخ .
    ثم يذكر إقرار الحبيب صلى الله عليه وسلم لابنة قيس مع أن الحديث يدل على غير ذلك كما سيتضح عند الرد .
    ومن العجيب حقاً أنه فى الوقت الذى نجد فيه الشيخ " الألبانى " يستدل بهذا الحديث على جواز كشف الوجه واليدين نجد الشيخ " التويجرى " فى كتابه القيم ( الصارم المشهور صـ 77 ) يستدل بنفس الحديث على فرضية النقاب والحق معه ، ولكن الشيخ الألبانى أتى فى هذه المسألة بغرائب وعجائب ومتناقضات ـ عفا الله عنا وعنه ـ ولنعد سويا إلى ما قاله العلماء فى الرد عليه وبالله التوفيق .

    قال التويجرى فى الصارم المشهور :
    ليس فى هذا الحديث حجة للألبانى !! وإنما هو حجة عليه !!
    وقد تقدم إيراد الحديث وبيان وجه الاستدلال به على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب وتغطيتهن وجوههن .
    وأما قوله إن الخمار هو غطاء الرأس
    فجوابه أن يقال : إن الخمار ما غطى الرأس والوجه جميعاً ، قالت السيدة عائشة رضى الله عنها : " يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " شققن مروطهن فاختمرن بها " . رواه البخارى وأبو داود وابن جرير .

    قال الإمام الحافظ ابن حجر فى الفتح
    قوله فاختمرن بها أى غطين وجوهن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع .
    قال الفراء : كانوا فى الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها ، فأمرن بالاستتار .
    قال الحافظ فى تعريف الخمر : ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها .

    والله تعالى أعلم
    الشبهة العاشرة

    عن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفى عنها فى حجة الوداع وكان بدرياً فوضعت حملها قبل أن ينقضى أربعة أشهر وعشر من وفاته فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت واختضبت وتهيأت فقال لها أربعى على نفسك أو نحو هذا ـ لعلك تريدين النكاح ، إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت : فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك ، فقال : قد حللت حين وضعت . رواه الإمام أحمد جـ 6 / 432 ، والبخارى جأ 9 /414 ، ومسلم برقم 1485 ، والترمذى برقم 1193 ، والنسائى جـ / 190 كلهم فى كتاب الطلاق .

    قال الألبانى : أخرجه الإمام أحمد من طريقين عنها ، أحدهما صحيح والآخر حسن وأصله فى " الصحيحين وغيرهما وفى روايتها : " تجملت للخطاب " وفيها أن أبا السنابل كان خطبها فأبت أن تنكحه والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة فى عرف النساء الصحابيات وكذا الوجه او العينان على الأقل وإلا لما جاز لسبيعة رضى الله عنها أن تظهر ذلك أمام أبى السنابل لا سيما وكان قد خطبها فلم ترضه .

    والجواب كما ذكره محمد بن إسماعيل وذلك على قول الألبانى يقول :
    والجواب بعون الله الملك الوهاب :

    أولا : ليس فى الحديث دليل على أنها كانت سافرة الوجه حين رآها أبو السنابل بل غاية ما فيه أنه رأى خضاب يديها وكحل عينيها ورؤية ذلك لا يستلزم رؤية الوجه .

    قال الشيخ عبد العزيز بن خلف :
    والمستمسك من الحديث هو أنه عرف منها أنها كانت مكتحلة ومخضبة وله أن يعرف أنها مكتحلة حين تكون لوت الجلباب على وجهها وأخرجت عينا كما وصف ابن عباس رضى الله عنهما فعل المؤمنات بعد نزول آية إدناء الجلابيب ( انظر فى ذلك نظرات فى حجاب المرأة المسلمة صـ 75 ).

    وقد أشار الألبانى فى الحاشية إلى هذا الاحتمال بقوله والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة فى عرف نساء الصحابة وكذلك الوجه والكفين على الأقل .




    ثانيا : قال الحافظ ابن حجر فى الفوائد المستنبطة من قصة سبيعة :
    فيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها لأن فى رواية الزهرى التى فى المغازى : ( فقال مالى لآراك تجملت للخطاب ) وفى رواية ابن اسحق ( فتهيأت للنكاح واختضبت ) وفى رواية معمر عن الزهرى عند أحمد : ( فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت ) وفى رواية الأسود : ( فتطيبت وتعطرت ) " فتح البارى جـ 9 / 475 " .
    ويتضح من هذا أن اظهار زينتها إنما كان للخطاب وعليه ينبغى حمل هذه الروايات وقد سبق ذكر جملة من النصوص فى الترخيص فى نظر الخاطب إلى المخطوبة بإذنها أو بغير إذنها فعلم أبو السنابل بخضابها واكتحالها وقال أبت أن تنكحه ، جاء فى رواية البخارى أنه كان ممن خطبها فأبت أن تنكحه فقال لها ما قال ولذا قال صلى الله عليه وسلم " كذب أبو السنابل " رواه أحمد وفى رواية الموطأ ( فخطبها رجلان أحدهما شاب وكهل فحطت إلى الشاب فقال الكهل " لم تحلى " وكان أهلها غيبا فرجا أن يؤثروه بها .
    فأين الحديث على جواز كشف الوجه والكفين لغير الخاطب ؟

    ثالثا : أما استدلال محدث الشام بقصة سبيعة على أن الكفين لم يكونا عورة فى عرف نساء الصحابة فيرده ما سبق ذكره مرارا من أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء على أن عرفهن الغالب كان الاستتار الكامل عن الرجال ويرده كذلك قول سبيعة نفسها فى رواية أخرى : ( فلما قال لى ذلك ـ أبو السنابل جمعت على ثيابى حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك الحديث .
    فقولها ( جمعت على ثيابى ) يوحى بأنها خرجت عن حال التزين المذكورة . وإذا ضممنا إليه قولها ( حين أمسيت ) فهمنا من سلوكها رضى الله عنها حرصها الشديد على الاستتار عن الأجانب ليس فقط بالحجاب بل أيضاً بظلام الليل .

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
    وفيه مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحى النساء من مثله لكن خروجها من منزلها ليلاً ليكون استر لها كما فعلت سبيعة .

    هذا والله تعالى الموفق .




    الشبهة الحادية عشر

    عن عائشة رضى الله عنها قالت : " أومت ـ وفى لفظ . أومأت ـ امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : ما أدرى أيد رجل أم يد امرأة ؟ قالت : بل امرأة ـ وفى لفظ : بل يد امرأة ـ قال : لو كنت امرأة لغيرت أظفارك ـ يعنى الحناء . ( أخرجه الإمام أحمد فى مسنده جـ 6 / 262 ، وأبو داود فى الترجل برقم 4148 باب فى الخضاب للنساء ، والنسائى جـ 8 / 142 فى الزينة باب الخطاب للنساء ) .

    أقوال المبيحين :

    يحتج المبيحون للسفور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى يدها ولم ينكر عليها هذا .

    أولا : أن إسناده مطيع بن ميمون العنبرى قال فى " التقريب " لين الحديث .
    وقال فى تهذيب التهذيب جـ 10 / 183 " روى عن حنفية بنت عصمه ......
    قال ابن عدى : له حديثان غير محفوظين
    قلت : أحدهما فى اختضاب النساء بالحناء والآخر فى الترجل والزينة قال وذكر له ثالثا وقال وهما جميعا غير محفوظ ......

    ثانيا : وفيه أيضا صفية بنت عصمة قال الحافظ فى التقريب ( لا تُعرف ) وقال المناوى ( رمز المصنف ـ أى السيوطى ـ ) لحسنه ، ظاهر سكوته عليه أن مخرجه أحمد أخرجه وأقره والأمر بخلافه فقد قال فى " العلل " حديث منكر وفى الميزان : ( وعن ابن عدى أنه غير محفوظ ) وقال فى المعارضة أحاديث الحناء كلها ضعيفة أو مجهولة .
    وقد ضعفه الألبانى فى " ضعيف الجامع الصغير " .

    ثالثا : وعلى فرض صحته ليس فيه دليل على إباحة السفور بل هو مختص بذكر اليد . ( 1 )

    هذا وبالله التوفيق .





    ( 1 ) عودة الحجاب جـ 3 / 366 .
    الشبهة الثانية عشر

    احتج المبيحون بالسفور بنصوص وردت فى الأمر بغض البصر على أن هذا يلزم منه أن تكون وجوه النساء مكشوفة ، وإلا فعمن يُغض البصر إذا كانت النساء مستورات الوجوه ، وذلك مثل قوله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون " التوبة ( 30 ) .
    وقوله صلى الله عليه وسلم : " يا على لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الأخيرة "
    وفى حديث جرير بن عبد الله رضى الله عنه قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى " فاستنبطوا من الآية القرآنية الآمرة بغض البصر أن فى المرأة شيئاً مكشوفاً .
    ثم أثبتوا باجتهادهم أن هذا الشيئ المكشوف هو الوجه والكفان ثم استشهدوا لذلك بالأحاديث التى فيها أيضاً أمر بغض البصر .

    الجواب :

    إن هذا الأمر بغض البصر أمر من الله سبحانه وتعالى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضى بوجوب التزامه طاعة لله عز وجل وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم أما كونه يقضى بأن هناك شيئاً مكشوفا للأجانب من المرأة المسلمة هو الوجه والكفان فهذا قول غير صحيح يرده النقل والعقل ويأباه الواقع وبيان ذلك من وجوه :

    الأول : أن المدينة المنورة فى زمن التنزيل كان فيها نساء اليهود والسبايا والإماء ونحوهن وربما بقى النساء الغير مسلمات فى المجتمع الإسلامى سافرات كاشفات الوجوه فأمرن بغض البصر عنهن وغاية ما فى هذا الأمر بغض البصر إمكان وقوع النظر على الأجنبيات وهذا لا يستلزم جواز كشف الوجوه و الأيدى أمام الأجانب .
    والقرآن الكريم يخاطبنا كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم من قبل ، فنحن اليوم أيضا لا نخاطب الكوافر والفواسق بستر الوجه ، وإنما نخاطب المؤمنين والمؤمنات ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .


    وإذا كانت المرأة غير مسلمة ، أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر الله ، وتعمدت كشف زينتها ـ وهذا ما عمت به البلوى فى زماننا ـ فالواجب هنا ـ على الأقل ـ أن يؤمر الرجل بغض البصر مع العلم بأن هذا لا يقتضى أن ما فعلته هذه المرأة من كشف الوجه وغيره تجيزه الشريعة بغير عذر أو مصلحة
    الثانى : إن الله تبارك وتعالى أمر بغض البصر ، لأن المرأة ـ وإن تحفظت غاية التحفظ ، وبالغت فى الستار عن الناس ـ فلا بد أن يبدوا بعض أطرافها فى بعض الأحيان كما هو معلوم بالمشاهدة من اللاتى يبالغن فى التحجب والتستر ، فلهذا أمر الرجال بغض البصر عن ما يبدوا منهن فى بعض الأحوال .
    وهذا الأمر بالغض لا يستلزم أنها تكشف ذلك عمداً وقصداً ، فكم من امرأة تحرك الرياح ثيابها ، أو تقع فيسقط الخمار عن وجهها من غير قصد منها فيراها بعض الناس على تلك الحال ، كما قال النابغة الزبيانى :

    سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
    فتناولته ، واتقتنا باليد

    ومن هنا قال الله تعالى : " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " ولم يقل " إلا ما أظهرنه " لأن ( أظهر ) فيه معنى التعمد بخلاف ( ظهر ) أى من غير قصد منها فهذا معفى عنه ، لا تتظاهر هى بقصد فعليها حرج فى تعمد ذلك وكثيرا ما يصادف الرجل المرأة وهى غافلة ، فيرى وجهها أو غيره من أطرافها ، فأمره الشارع حينئذ بصرف بصره عنها كما فى حديث جرير بن عبد الله رضى الله عنه ، قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى " فهذا هو موقع نظر الفجأة ، وفى سؤال جرير عن نظرة الفجأة دليل على مشروعيه استتار النساء عن الرجال الأجانب وتغطية وجوههن عنهم ، وإلا لكان سؤاله عن نظر الفجأة لغواً لا معنى له ، ولا فائدة فى ذكره .

    الثالث : عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أذن لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم فى الحج فى آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان رضى الله عنه ، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال : فكان عثمان ينادى ألا يدنوا إليهن أحد ، ولا ينظر إليهن أحد وهن فى الهوادج على الإبل ، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب ، وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد .




    ومن المقطوع به أن أمهات المؤمنين كن يتحجبن حجاباً شاملاً جميع البدن بغير استثناء ومع هذا قال عثمان بن عفان رضى الله عنه : ( ولا ينظر إليهن أحد ) يعنى إلى شخوصهن تعظيما لحرمتهن ، وإكباراً وإجلالاً لهن ، وذلك لشدة احترام الصحابة رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين رضى الله عنهن ، ويستفاد من هذا أن من حِفظ حرمة المؤمنة المحجبة غض البصر عنها ـ وإن تتنقب ـ خاصة وإن جمالها قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهى مختمرة وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه وقد يعرف وضاءتها وحسنها من مجرد رؤية بنانها كما هو معلوم ولذلك فسر ابن مسعود رضى الله عنه قوله تعالى : " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " بأن الزينة هى الملاءة فوق الثياب .

    الرابع : أن اعتبار أمر الله تعالى المؤمنين بغض الأبصار دليلاً على أن وجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب مجرد وهم وظن ، بدليل ترتيب قوله عز وجل حسب ترتيب آيات الحجاب حسب نزولها فى قوله تعالى " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى " الأحزاب ( 33 ) وقوله سبحانه وتعالى " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ" الأحزاب ( 53 )
    وقوله جل وعلا :
    " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " الأحزاب ( 59 )
    كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت فى سورة الأحزاب فى السنة الخامسة من الهجرة النبوية وشاع الحجاب بعدها فى المجتمع المسلم بعد نزولها وقبل الأمر بغض النظر الذى نزل فى سورة النور التى نزلت فى السنة السادسة من الهجرة .

    ومما يدل على ذلك أيضاً قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فى قصة الإفك " بينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى ، فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلى فرأى سود إنسان نائم فأتانى فعرفنى حين رآنى وكان يرانى قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى فخمرت ـ وفى رواية : فسترت ـ وجهى بجلبابى "


    فهذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد فى سورة النور متأخر عن الأمر بالحجاب الذى ورد فى سورة الأحزاب التى نزلت فى السنة الخامسة ثم جاء الأمر بغض البصر فى السنة السادسة بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامى للأمر بالحجاب حتى صار هو القاعدة .

    ومن هنا يتضح أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولاً و امتثله نساء المؤمنين ثم نزل فى السنة التى تليها الأمر بغض البصر . ( انظر عودة الحجاب جـ 3 / 372 ) .



    الشبهة الثالثة عشر
    هل إباحة السفور من الرفق بالنساء

    ذكر هذه الشبهة محمد بن إسماعيل وكان الجواب :
    أولا : استدل بعضهم إلى جانب الأحاديث المشيرة إلى يسر الإسلام وسماحته بقوله صلى الله عليه وسلم " استوصوا بالنساء خيراً " وقوله صلى الله عليه وسلم " رفقاً بالقوارير " على أن هذه النصوص تقتضى إباحة السفور لهن وجواب ذلك أن وصيته صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرا حسن لا ريب فيه ولكن السؤال :
    هل السفور من الخير الذى أوصى به النبى صلى الله عليه وسلم ؟
    إن النصوص الواردة فى الوصية بالنساء خيراً فى جملتها تأتى بحسن العشرة وإلزامهن بالخير لهن فى أمرى الدين والدنيا بأسلوب الرفق وحسن الخلق وما إلى ذلك فالحق الذى يصح به إتباع وصيته صلى الله عليه وسلم هو إتباع هديه القائم بنفسه وفى أهله وبناته ونساء المؤمنين من الأقوال والأفعال ومن خالف ذلك فإنه لم يعمل بوصيته صلى الله عليه وسلم .

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم " رفقا بالقوارير " فهو يعنى أمهات المؤمنين ومن خالطهن من نساء الصحابة رضى الله عنهم وعنهن ، وأما قياس السافرات عليهن فى هذا الخطاب فهو خطأ وليس من الحق فى شيئ ، ويأخذ من وصفه صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير أن ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم " فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها "
    وفى رواية هشام عن قتادة : " رويدك سوقك ولا تكسر القوارير " .
    قال أبو كلابه : يعنى ضعفه النساء ، قيل فى تفسيره شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا وقلة دوامهن على الوفاء ، كالقوارير يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر ، وقد استعملت الشعراء ذلك ، قال بشار :
    أرفق بعمرو إذا حركت نسبته
    فإنه عربى من قوارير
    والمقصود أن من أراد تقويم الزجاجة كسرها ومن هذا الوجه جاءت وصيته صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً وباستعمال الرفق بهن فى كل أمر يطلب منهن الاستقامة عليه وهذا من أهداف حسن العشرة .
    ومعلوم أن غلب النساء ضعيفات بالخير قويات بالشر والفتنة فالرجل قائم على المرأة مسئول عنها بالمعنى الكامل فى جميع أوجه الخير وإلزامها بلوازم الإسلام وما يجب عليها من إيصال النفع ودفع الشر .
    هذا كله داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم " لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً " أو " لتقصرنه على الحق قصراً " .
    و الأطر معناه العطف أى : تعطفونه وتردونه والقصر : معناه الحبس أى يحبس عن فعل الشر هكذا قال العلماء .
    فكل من لا يمتثل الحق ويأخذ الواجبات الشرعية فإنه ظالم يجب وجوباً شرعيا على من خاطبهم الخبر الأخذ على أيديهم ما أمكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

    إذا تبين هذا فإننا نقول :
    إن استجابة المرأة للحق أو عدم استجابتها ليس شرطاً فى تحريم السفور أو إباحته وإنما يبنى ذلك على أمرين :
    الأول : أن السفور شر عام للمرأة والرجل سواء فى ذلك من رضى ومن كره ولا يمكن لفرد مسلم أن يقول : إنه من الخير وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب علينا وجوبا شرعيا محاربة الشر أيا كان مصدره ، سواء تغلبنا عليه بمحاربتنا إياه أولا ، وعلى قدر المراتب التى أقامها صلى الله عليه وسلم كأساس لمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فى قوله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "
    الثانى : أن النزاع فى إثبات الواجب إنما يكون فى الدعوة إلى ما هو الحق الذى شرعه الله تعالى وشرعه نبينا صلى الله عليه وسلم وعليه السلف الصالح وامتثلته المرأة المؤمنة فى عهده صلى الله عليه وسلم وهم القدوة الحسنة فى الإتباع .

    هذا وبالله التوفيق .












    الشبهة الرابعة عشر
    " كبرت كلمة تخرج من أفواههم "

    يشيع أعداء الإسلام حول الحجاب أراجيف ينطق بها الشيطان على ألسنتهم مثل قولهم : إن الحجاب يسهل عملية إخفاء الشخصية وقد يتستر وراءه بعض الناس اللواتي يقترفن الفواحش و يتعاطين المآثم " ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿30﴾ التوبة

    انه قول بوار لا يصدر إلا ممن أكلهم الهوى وأعجزهم البيان فغفلوا عن حرمة الحق الذي أنزله علام الغيوب ونسوا أن الله سبحانه وتعالى يحكم ولا معقب لحكمه ويقضي ولا راد لقضائه " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴿23﴾" الأنبياء
    فما حكم الله به عدل وما أخبر به صدق " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿115﴾" الأنعام
    فقد حكم سبحانه بوجوب النقاب أو استحبابه على الأقل وأخبر أنه أذكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات .

    ثم يقول :
    إن هؤلاء المنافقين مرضى القلوب من فساق هذا الزمان الذين يتشدقون بأن الحجاب يمكن أن يكون وسيلة لإخفاء هوية البغي يجب أن يؤدبوا ويعزروا أشد التأديب وأعنف التعزير لأن لهم نصيبا وافرا من قوله تعالى : " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿58﴾" الأحزاب







    ولقد كان إخوانهم من منافقي المدينة أفقه منهم وأعقل حينما كانوا يتجرؤون على السافرة فإذا أخذوا في ذلك قالوا تخفيفا لجريمتهم حسبناها أمة لأنهم فهموا من المبالغة في التستر أن صاحبتها عفيفة محصنة .
    واليوم انعكس الحال وانقلبت المفاهيم رأسا على عقب بفضل أنصار المرأة ومحرريها فصارت التي تحتجب مستعبدة وصارت المتبرجة امرأة حرة متحررة لقد شرع الله سبحانه وتعالى حكمة في مثل هؤلاء المنافقين فقال مباشرة بعد الأمر بإدناء الجلابيب : " لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴿60﴾ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴿61﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿62﴾" الأحزاب .


    هذا والله تعالى نسأل أن يوفقنا ويهدينا .
    إلى ما فيه خير ديننا ودنيانا وآخرتنا .
    تتمة
    ألفت انتباه أختى المسلمة و أخى المسلم وكل من يقرأ هذا الكتاب ألا ينسى الدعاء لكل الأخوة والأخوات الذين ساهموا بجهودهم المادية فى نشر هذا الكتاب بأن يجعل الله هذا الجهد فى ميزان حسناتهم وأن يجعله صدقة جارية لهم
    وأن يجمعنا فى مستقر رحمته إنه ولى ذلك والقادر عليه
    ولا تنسونا من دعائكم

    الخاتمة
    لقد اجتهدت وسعى فى جمع أدلة هذا الكتاب والردود على القائلين بالسفور وكان من المفترض أن يخرج هذا الكتاب فى أعقاب الهجمة الشرسة ، التى جرت فى أواخر الثمانيات على النقاب والمنتقبات ، ولكن لم يقدر المولى سبحانه وتعالى أن يخرج فى هذا التوقيت ، وقد سخر الله عز وجل جهابذة العلم الشرعى من هذه الأمة فتصدوا لها .
    فما كان فى هذا الكتاب من توفيق ، فمن الله وحده ، وما كان فيه من خطأ أو نسيان فمنى ومن الشيطان .
    وإنى لأرجو أن ينفع الله عز وجل به المسلمين والمسلمات فى بقاع الأرض جميعا .
    وإنى لأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه ، ولى فى هذه الخاتمة تذكرة للمؤمنين والمؤمنات والتأبين والتائبات فأذكرهم بقول الله تعالى " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿55﴾الذاريات
    وقوله تعالى " فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿9﴾الأعلى .
    وإن هنا كما فسرها العلماء من أهل التفسير بمعنى قد تنفع الذكرى
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة المؤمن : " إن المؤمن خلق مفتنّا ، توابا ، نسيا . إذا ذُكر ذكر " رواه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الطبراني في " الكبير " و " الاوسط " وقال الهيثمي : ( أحد إسناد الكبير رجاله ثقات )
    فيا أيتها الأخت المسلمة :
    تدبري قول الله تعالى :
    " ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ " ( الحديد 16 )





    فهلا يكون جَوابُك " بلى آن يا رب " ؟ وهلا تدبرتِ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نح الاذى عن طريق المسلمين " فإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان التى أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيهما اشد أذى : شوكة أو حجر في الطريق أم فتنة تفسد القلوب وتعصف بالعقول وتشيع الفاحشة ؟
    وفى خاتمة هذا الكتاب ما أبغى إلا الدعاء بأن ينفعنى الله وإياكم بما جاء فيه وأن يهدينى وإياكم إلى طريق الحق والصواب ، وأن لا يخزنى وإياكم يوم يبعثون ، إنه ولى ذلك والقادر عليه .
    الناغي بن عبد الحميد العريان
    ترعة غنيم ـ شربين ـ دقهلية
    جمهورية مصر العربية
    غرة المحرم 1428 هـ












    فهرس الكتاب
    المــوضــــوع الصفحة
    مقدمة الكتاب ---------------------------------------------------------------------------- 1
    مشروعية وجوب النقاب والرد على جهالات زنادقة الكتاب ------- 3
    الأدلة الواردة من الكتاب بستر الوجه والكفين ---------------------------- 3
    أدلة أخرى من الكتاب والسنة فى وجوب النقاب ------------------------- 8
    فصل فى تصريح بعض العلماء بكفر من قال بالسفور ---------------- 18
    الرد على أصحاب الفهم الخاطئ لتفسير آيات الحجاب ---------------- 19
    أدلة أخرى فى النقاب ------------------------------------------------------------------- 26
    الأدلة على وجوب الحجاب والنقاب بالأحاديث النبوية ---------------- 29
    الأثار المباركة عن الصحابة الكرام فى النقاب --------------------------- 36
    الآثار الواردة عن التابعين رحمهم الله فى النقاب ----------------------- - 41
    نقول متفرقة -------------------------------------------------------------------------- 43
    حكم ستر الوجه والكفين فى المذاهب الأربعة ----------------------------- 46
    من أقوال السلف فى النقاب --------------------------------------------------------- 49
    أقوال علماء المذاهب الأربعة رحمهم الله فى النقاب -------------------- 50
    الرد على شبهات المبطلين وادحاضها ---------------------------------------- 53
    الشبهة الأولى ------------------------------------------------------------------------- 54
    الشبهة الثانية --------------------------------------------------------------------------- 61
    الشبهة الثالثة --------------------------------------------------------------------------- 63
    الشبهة الرابعة ---------------------------------------------------------------------- 67
    الشبهة الخامسة --------------------------------------------------------------------- 73
    الشبهة السادسة ------------------------------------------------------------------------- 77
    الشبهة السابعة ------------------------------------------------------------------------- 80
    الشبهة الثامنة -------------------------------------------------------------------------- 82
    الشبهة التاسعة -------------------------------------------------------------------------- 85
    الشبهة العاشرة -------------------------------------------------------------------------- 87
    الشبهة الحادية عشر ------------------------------------------------------------------ 89
    الشبهة الثانية عشر --------------------------------------------------------------------- 90
    الشبهة الثالثة عشر ---------------------------------------------------------------------- 94
    الشبهة الرابعة عشر -------------------------------------------------------------------- 96
    تتمه ----------------------------------------------------------------------------------------- 98
    الخاتمة ------------------------------------------------------------------------------------ 99

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: كتاب تذكير أولى الألباب فى فرضية النقاب للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان ( الجز

    بارك الله فيك وجزاك خيرا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    29

    افتراضي رد: كتاب تذكير أولى الألباب فى فرضية النقاب للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان ( الجز

    وبارك فيك أخى الكريم وأتمنى أن تقرأ الجزء الأول من الكتاب على نفس الموقع فرسان السنة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    11

    افتراضي رد: كتاب تذكير أولى الألباب فى فرضية النقاب للشيخ الناغى بن عبد الحميد العريان ( الجز

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إنا لله وإنا إليه راجعون
    توفى الشيخ / الناغى عبد الحميد بتاريخ 30/5/2011 بعد صراع شديد مع المرض
    وندعو له من الله عز وجل أن يجعل مرضه كفارة له يا رب العالمين
    أنا أحمد الناغى عبد الحميد ابن الشيخ الناغى رحمه الله
    موقع الشيخ الناغى /
    التعديل الأخير تم بواسطة يـــــونـــــس ; 06-27-2011 الساعة 10:19 PM

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •