معالم منهج أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال :

إن اعظم المشكلات تتحدد في الاختلاف في طريق التلقي والاستدلال فأحيانا يكون الرجل منا في واد والذي ناقشه في واد آخر ولا يحصل أي قدر من الالتقاء ..

والسبب في ذلك هو أنهم لم يتفقا على منهج التلقي وما الذي يصلح للاحتجاج ويصح في الاستدلال ..

ولذلك وجب قبل كل شيء وضع يدينا على منهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها ...


أولا : معنى أهل السنة والجماعة : وهم بأيسر طريقة الذين يتبعون الكتاب والسنة بفهم السلف ولا يحيدون عن فهم السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم قيد انملة ولا يقولون برأيهم ولا بتأولاتهم في مسائل الاعتقاد ولا يقدمون رأيهم على الكتاب أو السنة او اتفاق السلف في مسائل الدين عموما وخصوصا .. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "الذين على ما انا عليه اليوم وأصحابي" .

ثانيا : الفارق بينهم وبين الأشاعرة والماتريدية وبيان خطأ من قال بأن الثلاثة واحد : وذلك لأن منهج الاستدلال على القضايا عند الأشعرية والماتريدية يختلف عنه عند أهل السنة حتى في مسائل الاتفاق بينهم فإن استدلال أهل السنة عليها بالنقل اولا أما الماتريدية والاشاعرة فبالعقل متأثرين بمنهج الاعتزال وإن خالفوهم وهو فارق مهم للمستبصر إذ العبرة ليست فقط بصحة النتيجة وإنما بصحة المقدمة من باب أولى .

هذا إلى جانب مخالفتهم لأهل السنة في مسائل كثيرة من التأويل والنفي لكن نحن هنا في باب المخالفة في منهج التلقي ..
ولذلك يظهر فساد قول من قال إن أهل السنة يدخل فيهم الأشاعرة والماتريدية وهذا للأسف موقف بعض الذين يشار إليهم بالبنان الان على الساحات و الفضائيات

• ضوابط وأصول في المنهج السلفي :

نتحدث هنا عن ضوابط التلقي والاستدلال ويتعلق به أصول الاستدلال وطلب الحق وتلقيه ومناقشة المخالفين ومناظرتهم .

فأهم هذه الأصول والخصائص :

1- التسليم المطلق لنصوص الكتاب والسنة : ففارقوا المعتزلة الذين غلوا في العقل والأشاعرة الذين جعلوه حجة مستقلة عن النصوص ، أو منعوا الاحتجاج حديث الآحاد في الاعتقاد وهو ضلالة ضالة وبدعة طامة .والصوفية الذين أدخلوا الذوق والمنامات والمكاشفات وأهل الرأي الذين قدموا المقاييس وغيرهم ممن قدم الطرائق الأخرى على النص . قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) سورة الحجرات .

2- الاحتجاج بكل صحيح من الحديث سواء كان آحادا او متواترا أو مشهورا .
ولي في ذلك تفصيل ياتي إن شاء الله ، لكن راجعوا إن شئتم (رسالة الشافعي : تثبيت خبر الواحد وهي في الأم وأفردت بالنشر ، ورسالة الشيخ الألباني : حديث الآحاد حجة بنفسه في العقائد والأحكام) ، ورسائل كثيرة في العمل بحديث الآحاد

3- اعتبار أقاويل الصحابة وإجماعهم وإجماع السلف الصالح حجة لا يجوز الحيدة عنها ولا الميل إلى غيرها حين الاحتجاج او الاستدلال ، قال اللالكائي في إثبات القدر: " فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار فهو في هذه المسألة فمن خالف قوله فيها فهو معاند مشاقق يلحق به الوعيد وهو داخل تحت قوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " اعتقاد أهل السنة - (ج 4 / ص 656) .

4- ترك ضعيف الحديث في الاحتجاج : فكم من مفت أو متكلم في الإسلام بضاعته في الحديث مزجاة يستدل بالضعيف والمنكر والشاذ وهذا كثير نسمعه في المحافل والقنوات الفضائية ممن لا علم عنده .... وهذه طريقة الخلف لا طريقة السلف فقد كانوا يتثبتون في الأخبار ولا يستدلون إلا بما صح عندهم من الآثار .

5- ترك مذاهب المبتدعة في الاحتجاج كالذوق والمنامات والمكاشفات والعقل المجرد .قال ابن تيمية في المكاشفات : "وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا فتبقى النفس فارغة فيلقي اليها الشيطان ما يلقيه ويوهمه أن ذلك من علوم المكاشفات والحقائق وغايته وجود مطلق هو في الاذهان لا في الاعيان" النبوات - (ج 1 / ص 84) وقال : "فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسول ص - وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله ولا يكتفوا بمجرد ذلك فإن سند المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر ابن الخطاب وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله ص - أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه عن ربه" . دقائق التفسير - (ج 2 / ص 222)
وأما المنامات فذكر ابن القيم انها من ضروب الظنيات قال في تعليقه على قصة ذكرها : "وعلم تقدمه المعرفة لا تختص يما ذكره المنجمون بل له عدة اسباب يصيب ويخطىء ويصدق الحكم معها ويكذب منها الكهانة ومنها المنامات ومنها الفأل والزجر ومنها السانح والبارح ومنها الكف ومنها ضرب الحصى ومنها الحظ في الأرض ومنها الكشوف المستندة إلى الرياضة" مفتاح دار السعادة - (ج 2 / ص 217)

6- وضع العقل في موضعه الصحيح من الاحتجاج وعدم الطغيان به وجعله حكما على النصوص أو ميزانا لقبولها ورفضها ، وذلك يفرق أهل السنة عن المعتزلة والأشاعرة . (يراجع لزوما : منهج المتكلمين في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة د. سليمان الغصن ط/دار العاصمة - الرياض وكذلك منهج علماء الحديث في أصول الدين ص183 : 195 ، ومسالك أهل السنة فيما أشكل من نصوص العقيدة د. عبد الرزاق معاش ط/دار ابن القيم).

وتجدرالإشارة إلى وجود معتزلة جدد في واقعنا يؤلهون العقل بدرجات متفاوية يتمثلون في :
مدعي التجديد الفكري والتنوير في مصر والمغرب العربي وكذلك بدأت أنشطتهم في بعض بلدان الخليج .
بعض المفتونين بالحضارة الغربية ومقاييسها في نقد الأخبار وغيرها وتمجيد دور العقل في العامل مع النصوص من الباحثين .
بعض الدعاة الذين تسلل إليهم انهزام فكري أمام فكر الغرب مع انهم يعلنون العداء له ، فجعلوا يثورون على مقايس السلف في نقد السنة ويضيفون قواعد لنقد المتون بلا ضوابط صحيحة وللأسف انزلق في هذا المزلق الكثير من الدعاة
ويكفي التدليل على ذلك بكتاب الشيخ محمد الغزالي (السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث) الذي اتسم بغربة منهجه عن طريقة أهل العلم وانتمائه إلى طرائق الغربيين والماحدة في الفهم والمجادلة.


يتبع لو أعجبكم فهناك تفاصيل مهمة يجب إبرازها وبيانها .....

=====