النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    50,708

    افتراضي فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )

    فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )
    يقال إن الذكريات الجميلة أو الإيجابية تعين الإنسان على مقاومة الضغوط النفسية السلبية وتخفف بعض الأحزان.
    وهناك أمر مؤكد وهو أن النظر في تاريخ الأمة - أي أمة – يعطي للأجيال المتلاحقة فرصة التزود بالدروس والعبر لمواجهة الحاضر والإعداد للمستقبل والنجاح فيه؛ لأن حياة كل أمة كحياة الإنسان (ماض وحاضر ومستقبل)، والمهم حسن الاستفادة من الماضي.
    وهذا ما تحتاجه أمتنا الإسلامية في ظل وضعها المنهار في هذا العصر.. فذكرياتها في تاريخها وذاكرتها في تراثها. فقط نحتاج إلى إعمال العقل وتهيئة النفس لأخذ الدروس والعبر من تاريخنا بإيجابياته وسلبياته؛ لهدف واحد هو معالجة أزماتنا ودفع مآسينا لا لغرض التسلية أو الاستعراض الأجوف كالمتاحف الصماء.
    وسوف نستعرض في هذا التقرير خلاصة الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام تذكيراً وتحفيزاً يقوم به موقع عودة ودعوة بين فترة وأخرى كإحدى وسائل فهم مآسي المسلمين والحلول المطلوبة في مواجهة ذلك.
    البداية:
    كان أبو بكر يفكر في فتح الشام ويجيل النظر، ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق مشغولاً بذلك الأمر جاءه شرحبيل بن حسنة أحد قواد المسلمين في حروب الردة فقال: يا خليفة رسول الله أتحدث نفسك أنك تبعث إلى الشام جنداً؟، فقال: نعم قد حدثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحداً، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إني رأيت يا خليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل (يعني مسلكاً وعراً) حتى صعدت قُنَّةً من القنات العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنات إلى أرض سهلة دمثة (يعني لينة) فيها الزرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح الله لك وألقوا إليك السَّلَم، ووضع الله لك مجلساً فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك، واعمل بطاعته، ثم قرأ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} ثم انتبهت.
    فقال له أبو بكر: نامت عينك، خيراً رأيت وخيراً يكون إن شاء الله، ثم قال: بشَّرت بالفتح، ونعيت إليّ نفسي. ثم دمعت عينا أبي بكر وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا فيها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعدو يعلو أمرنا. وأما نزولنا من القنّة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش. وأما قولي للمسلمين: شنُّوا على أعداء الله الغارة فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين.
    وأما الراية التي كانت معك، فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها، واستأمنوا فأمّنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين في فتح الشام، ويفتح الله على يديك. وأما الحصن الذي فتح الله لي، فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسًا فإن الله يرفعني (ويقصد بذلك المسلمين) ويضع المشركين.
    وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ علي السورة فإنه نَعَى إلي نفسي، وذلك أنّ النبي نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سالت عيناه فقال: لآمرنّ بالمعروف، ولأنهين عن المنكر، ولأجهدن فيمن ترك أمر الله، ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله (أي المشركين) في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحدٌ أحد لا شريك له، أو يؤدّوا الجزية عن يد وهم صاغرون. هذا أمر الله وسنة رسول الله، فإذا توفاني الله لا يجدني الله عاجزًا ولا وانيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهداً؛ فعند ذلك أَمَّر الأمراء، وبدأ يُعدّ العُدَّة لبعث البعوث إلى الشام.
    الإعدادللفتح
    وشجعت هذه الرؤيا أبا بكر الصديق على المُضيّ قُدمًا فيما كانت تحدثه نفسه به من إرسال الجيوش لفتح الشام وحرب الروم، إلا أنّه مع ذلك لم يعجل في اتخاذ القرار، وإنما بدأ بإعداد العُدة، وجمع في البداية مجلسًا للحرب من المسلمين، حتى يأخذوا القرار في الحرب على الروم، وهذا القرار خطير، يجب أن يجمع له أبو بكر كبار مفكري الدولة الإسلامية آنذاك، ذلك المجلس الذي ضم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبا عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
    فدعاهم أبو بكر ليفكروا في اتخاذ قرار الحرب، وهؤلاء العشرة هم المبشّرون بالجنة، ولا شكّ أن قرارهم سيكون قراراً موفقاً بتوفيق الله.
    وفي هذا دلالة على كيفية اختيار البطانة الصالحة التي تحمل كل صفات التقوى والمعرفة وحسن التدبير لما فيه مصلحة الأمة.
    فبدأ الصديق بالحديث فقال لهم:
    "إن الله لا تحُصى نعماؤه، ولا يبلغ جزاء الأعمال، فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا به، ولا تتخذوا إلهاً غيره، فالعرب اليوم أمة واحدة بنو أم وأب (وهذا بعد أن جمع الله كلمة المسلمين من جديد بعد حروب الردة)، وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته هي العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الوافر؛ لأنّه من هلك منهم هلك شهيداً، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله ثواب المجاهدين..".
    ثم قال: "هذا رأيي الذي رأيت، فأشيروا عليّ". فيقوم عمر بن الخطاب فيقول: الحمد لله الذي يخصّ بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي رأيت، فما قُضِى أن يكون حتى ذكرتَه، فقد أصبتَ أصاب اللهُ بك سبيل الرشاد، سرِّبْ إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعثْ الرجالَ بعد الرجال، والجنود تتبعها الجنود؛ فإن الله ناصر دينه، ومعزٌّ الإسلام وأهله، ومنجزٌ ما وعد رسوله.
    ثم قام عبد الرحمن بن عوف وقال: يا خليفة رسول الله، إن الروم وبني الأصفر حدٌّ حديد وركنٌ شديد، والله ما أرى أن تُقحم الخيل عليهم إقحاماً، ولكن تبعث الخيل فتغير في أدنى الأرض؛ فتأخذ منهم وترهبهم ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك بهم مرارًا أضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم، فقووا بذلك على عدوهم، ثم تبعث إلى أرضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعًا إليك، فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت أغزيتهم. ثم سكت وسكت الناس.
    وكان لكلٍّ من الصحابة - رضوان الله عليهم - وجهة نظر تتعلق بالإستراتيجية العسكرية، ورؤيتهم لطريقة إنفاذ الجيوش، فإذا كان عمر يرى أن يخرج الجيش كله لقتال الروم - كما فعل في حروب فارس - فإن ابن عوف يقيس تلك الحرب على ما فعله الصديق نفسه في فتح فارس، حيث جاء المثنى بن حارثة من قبائل بكر بن وائل شمال الجزيرة العربية إلى حدود العراق، وطلب من الصديق أن يسمح له بالإغارة على حدود العراق، فوافقه أبو بكر الصديق على ذلك، وبدأ المثنى يُغير غاراتٍ متعددة، حتى ذهب خالد بن الوليد بجيش المسلمين لفتح فارس، في حين لم يكن ذلك تفكير عمر، إذ سنراه في فتح فارس يرسل الجيوش الإسلامية كلها دفعة واحدة، ويجهز في فتح القادسية 32 ألف مجاهد، ثم 60 ألفًا لموقعة المدائن؛ ولذا يقترح أن يكون الجيش مقسمًا إلى مجموعات تحارب ثم تعود بالغنائم، حتى يتمرن المسلمون على حرب الروم؛ لأنهم مرهوبو الجانب.
    فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون يرحمكم الله؟، فقام عثمان بن عفان وقال: رأيي أنك ناصح مخلص لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيًا تراه لعامتهم صلاحًا فاعزم على إمضائه؛ فإنك غير ظَنِين ولا متهم.
    وانتظر الصديق ليسمع رأي بقية المسلمين، فقام طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار فقالوا: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فأمضه، فإنا سامعون لك مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهمك، ولا نتخلف عن دعوتك.
    وهكذا اتفق الجميع على رأي عثمان، وعلى الخروج إلى الشام بشكل عام، وبقي واحد منهم لم يُدلِ برأيه، وهو عليّ، فسأله أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟، فقال علي: أرى أنك مباركُ الأمر، ميمون النقيبة، وإن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم الجنود، نُصرت عليهم إن شاء الله.
    فقال أبو بكر: بشرك الله بخير، من أين علمت هذا؟، قال: سمعت رسول الله يقول: "لا يزال هذا الدين ظاهرًا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون". أي أنه إذا التقى المسلمون والمشركون في موقعة وكان المؤمنون على إيمان صحيح، وأخذوا بأسباب النصر، فإن الله ناصرهم على المشركين.
    فقال أبو بكر: سبحان الله ما أحسنَ هذا الحديث، لقد سررتني به سرّك الله في الدنيا والآخرة. وهكذا قام المجلس على هذا الاتفاق بالخروج لحرب الروم.
    وبعد أن عزم الصديق على فتح الشام استنفر أهل اليمن للجهاد، وأرسل لهم كتاباً جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم من خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى من قُرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن سلام عليكم. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعدُ فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا خفافاً وثقالاً ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة والثواب عند الله عظيم، وقد استنفرنا المسلمين إلى جهاد الروم بالشام وقد سارعوا إلى ذلك، وقد حسنت في ذلك نيتهم، وعظمت حسبتهم. فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه فإنكم إلى إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة فإن الله تبارك وتعالى لم يرضَ من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم الكتاب.. حفظ الله لكم دينكم وهدى قلوبكم وزكى أعمالكم ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين".
    وبعث بهذا الكتاب مع أنس بن مالك رضي الله عنه، فاستجابت إليه جموع كثيرة من أهل اليمن.
    ثم عقد الخليفة الألوية للقادة وأرسل أربعة جيوش لبلاد الشام، وكان قادة الجيوش كل من يزيد بن أبي سفيان، أبي عبيدة بن الجراح، عمرو بن العاص، شرحبيل بن حسنة.
    ولما اجتمعت الجيوش خطب الخليفة فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أمرهم بالمسير، وبشرهم بالفتح، وقال: ".. حتى تبنوا فيها المساجد، فلا يعلم أنكم تأتونها تلهيًا، والشام أرض شبيعة، يكثر لكم فيها من المطعم والمشرب، فإياكم والأشر، أما ورب الكعبة لتأشرنَّ، ولتبطرن. أوصيكم بتقوى الله عز وجل، ولا تهدموا بيتاً ولا بيعة، ولا تقطعوا شجراً مثمراً، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تعزقوه، ولا تعصوا، ولا تجبنوا..".
    توحيد جيوش المسلمين في الشام
    كانت الجيوش المكلفة بفتح الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها فراسلوا الصديق وأعلموه بوضعهم الحرج، فأمر الصديق الجيوش بالانسحاب إلى اليرموك والتجمع هناك، وأمر خالد بن الوليد بالسير بنصف جيش العراق نحو جبهات الشام وأمره بقيادة الجيوش هناك.
    انطلق خالد بجيشه وتحرك إلى الشام، ولكنه سلك طريقاً مختلفاً تماماً، حيث عبر منطقة وعرة جدًا هي (صحراء السَّمَاوَة) التي لم تكن تعبر فيها أية قوافل، وكان الطريق المعروف إلى دمشق بالنزول منها جنوباً إلى دومة الجندل ثم غرباً حتى جنوب البحر الميت حتى تصعد شمالاً إلى دمشق، وهو طريق آمن ومأمون بالنسبة للمسلمين، وكان خالد يهدف من تغيير طريقه إلى عدة أمور:
    - أراد خالد أن يصل إلى أرض الشام بسرعة، وهذا الطريق على الرغم من وعورته إلا أنه أقصر. بل إنه طريق مباشر إلى دمشق؛ وذلك لأن خالدًا يثق في سرعة جيشه، وقوة أدائه، فقد كان معروفا بأنه يُسرع من خُطا الجيش، حتى وصل لمنطقة قبل (الشجرة العظيمة) التي ذكر له الدليل أنه إن لم يقطعها في يوم واحد هلك هو وجيشه، لقلة الزاد فيها، فاستطاع فعلاً أن يتجاوزها في يوم واحد وصَبَّح القوم عند الشجرة العظيمة..
    - أراد خالد كذلك أن يزيد من حصار الجيش الإسلامي لمنطقة الشام؛ لأن المسلمين كانوا قد حاصروا الجنوب والشرق، وهو يزيد من دخوله شمالاً في الحصار.
    - يعلم خالد أن الروم لا يمكن أن يتوقعوا أن يأتيهم جيش من الشمال أو الشرق وإنما كان كل ظنهم أن المدد سيأتي المسلمين من الغرب أو الجنوب، فمجيء خالد بجيشه من الشمال يُعَدُّ مفاجأة للروم، إذ إنهم لم يتوقعوا أبداً أن يعبر أحدٌ صحراء السماوة بجيش كبير كجيش خالد.
    يذكر الرواة أن خالداً رضي الله عنه كان دائماً يسبق الخبر، فإذا كان في المنطقة عيون (جواسيس) لجيش الأعداء، فإنه يسبقهم ويصل إلى الأعداء مباشرة.
    وقطع خالد رضي الله عنه المسافة من الحيرة إلى دمشق في ستة أيام، ويصل إلى منطقة تسمى (أرج)، وبعد أن وضع قدميه في أطراف الشام باغت أهل (أرج) فهجم عليهم وحاصرهم، فلم يجدوا لهم طاقة بخالد وجيشه، فاستسلموا، ورضوا بدفع الجزية وفُتِحَت مدينة (أرج) صلحاً. ثم ترك (أرج) وذهب إلى (تَدْمُر) وحاصرها فاستعصت عليه؛ لأن أسوارها عالية ولم يخرج أهلها لحربه، بل ظلوا داخل حصونهم،، ولما كان يريد أن يسرع حتى يلحق بالمسلمين في الشام، أرسل لهم رسالة يقول لهم فيها قولته المشهورة: "والله لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم، ولظهرنا عليكم، وما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحونها لنا، وإن أنتم لم تصالحوني هذه المرة، لأرجعنَّ إليكم، لو قد انصرفت من وجهي هذا، ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم، وأسبي ذراريكم".. ورحل عنهم، فتشاور كبار القوم فيهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم به، وأنه الذي وُعِدوا به، (كان عندهم في كتبهم أنه سيفتح المدينة أحد من هذه الجهة) فأرسلوا رسولاً في إِثْرِ خالد بن الوليد، فعاد خالد إلى (تدمر) مرة أخرى، وتسلم المدينة، وصالحوه على الجزية، وهكذا نُصِرَ بالرعب رضي الله عنه، ثم انتقل إلى (القريتين) فقاتلهم خالد، وسبى منهم السبايا وأخذ منهم الغنائم، ثم انتقل إلى مدينة (حواريين) وحاصرهم، فرفضوا قتاله، ولكنهم أرسلوا في طلب المدد، فجاءهم ألفا مقاتل من (بَعْلَبَك) وألفان من (بُصرى)، فترك جيشه، محاصراً لحواريين، وانتخب مائتي مقاتل ممن معه، وهاجم المدد القادم من (بعلبك) أولاً، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم التف حول (حواريين) وقتل المدد القادم من (بصرى)، فقتل 4 آلاف رجل خارج (حواريي)، واستمر في حصار (حواريين) حتى خرج له جيشها، ثم أيقنوا أنهم لا طاقة لهم بقتاله، فاستسلموا ودفعوا الجزية.
    يروي أحد من هُزِمَ في حواريين، ثم أسلم بعد ذلك يقول: "والله لقد خرجنا إلى خالد، وإنا لأكثر منهم بأضعافهم، فما هو إلا أن دنونا منهم فثاروا في وجوهنا بالسيوف، كأنهم الأُسْدُ، فهزمونا أقبح هزيمة، وقتلونا أشد القتل، وقد رأيت منا رجلاً كنا نَعُدُّه بألف رجل، وكان يقول: لئن رأيت أميرهم لأقتلنَّه، فلما رأى خالد قال له أصحابه: هذا أميرهم فاقتله، فأقبل على خالد، وحمل عليه، وإنا لنرجو أن يقتله من بأسه وشدته، فلما دنا من خالد استقبله خالد بالسيف، فضربه ضربة واحدة فأطار نصف وجهه وقَحْفَ رأسه، فدخلنا مدينتنا وما كان لنا من همٍّ إلا الصلح"، ويقول عن خالد عندما يقاتل: كان له هيبة، وكان يربو على القوم وهذا من نِعَمِ الله (عز وجل) على خالد الذي جعل حياته وقفا على الجهاد في سبيله أن جعل الكفار يرهبونه بمجرد رؤيته، ومنحه العلوَّ عليهم، وكذلك كل من أخلص جهاده لله.
    ذكر بعضمعارك الشام
    موقعة أجنادين
    في 27 من جمُادى الأولى سنة (13هـ) واجه الروم - بـ 100 ألف مقاتلٍ - جيش المسلمين البالغ 33 ألفاً، نظم خالد بن الوليد جيشه، فجعل على الميمنة معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وعلى الميسرة سعيد بن عامر - رضي الله عنه - وقسم قلب الجيش نصفين، نصفا للمشاة بقيادة أبي عبيدة - رضي الله عنه - وجعلهم في مؤخرة الوسط، ونصفا للخيل في المقدمة بقيادة سعيد بن زيد - رضي الله عنه - ووقف خالد بنفسه في مقدمة الجيوش الإسلامية، حتى إن إشارة البدء للجيش الإسلامي، كانت قتال خالد بن الوليد نفسه، فلم يقاتلوا إلا عندما رأوه يحمل على القوم: "إذا حملتُ على القوم فاحملوا".
    أما الجيش الرومي فقد كان قائده (وردان) في المؤخرة، وقد كان هذا ديدنهم في كل المعارك، مثلما فعل رستم في القادسية أيضاً، وهكذا يؤمِّنُ نفسه تماماً.
    كما استخدم خالد سلاحاً معنوياً لطيفاً في هذه المعركة، بأن جعل نساء وأبناء المسلمين في مؤخرة الجيش الإسلامي، وأوصاهم أن يوصوا كل مجاهد بالقتال ويحثوهم على القتال دون أولادهم ونسائهم، ويدعو لهم بالنصر والتمكين، وهو سلاح معنوي.. أضاف به عاملاً جديداً حفَّز المسلمين على الجهاد.
    وكان خالد بن الوليد لا يهدأ في مكان حتى بدء المعركة، وكان كلما مر على قبيلة من القبائل، أو طائفة من الجيش أوصاهم بتقوى الله، وقال لهم: "قاتلوا في الله من كفر بالله، ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، أقدموا كإقدام الأسد، وأنتم أحرار كرام، فقد أبيتم الدنيا، واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولنكم كثرة أعدادهم، فإن الله منزلٌ عليهم رجسه، وعقابه، إذا حملت على القوم فاحملوا".
    كان ذلك كله في صبيحة يوم السبت، وجاء وقت القتال عند صلاة الظهر، وكان خالد رضي الله عنه يفضل أن يقاتل بعد صلاة الظهر، ونلاحظ اهتمامه رضي الله عنه بالصلاة حتى في ميدان المعركة والسيوف على رقاب المسلمين، كما أن في ذلك أيضاً سيرا على سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهد في هذه الأوقات، من طلوع الشمس حتى قبيل الظهر، أو بعد صلاة الظهر، وكان يقول: "تهب نسائم النصر في هذه الأوقات".
    فلم يبدأ خالد بالقتال، ولكن الجيش الرومي استغل الفرصة وبدأ هو بالهجوم، فهجمت ميمنة الجيش الرومي على ميسرة جيش المسلمين، على فرقة سعيد بن عامر رضي الله عنه، فثبتت لها فرقة سعيد دفاعًا عن المسلمين فقط، ولكنها لم تهاجم؛ لأن خالدًا لم يعط الأمر ببدء القتال بعد.
    وبعد ذلك تحركت ميسرة الجيش الرومي إلى ميمنة المسلمين فرقة معاذ بن جبل وثبت لها أيضاً، وظل الحال كذلك فترة من الزمان، حتى قال سعيد بن زيد رضي الله عنه لخالد بن الوليد: يا خالد إن رماح الروم تنال منا، فهم قد بلغ بهم الجهد من الدفاع، وفي الوقت ذاته لا يريدون أن يخالفوا أمره، ولكن خالد رد عليه: اصبر فإن في الصبر رجاء.
    وما أجمل هذه المواقف عندما يكون الالتزام والانضباط وعدم مخالفة أمير القوم منهجاً يسير عليه المرء حتى في أحلك الظروف. وهكذا كانت معارك الصحابة كلها دروس وعبر كمعركة أحد.
    فقد كان خالد بن الوليد رضي الله عنه يرى أن الميسرة والميمنة لدى كلا الجيشين قد هاجمتا، فيكون من اليسير على قلب جيشه بقيادته أن يتقدم إلى قلب جيش الروم، مما يعجل وييسر من وصوله إلى قائد الروم، ويعلم أنه إذا قتل قائدهم، فإن الجيش لن يصمد لحظة، وسيفكر في الهرب، وسيكون قد انتصر عليهم.
    وأراد خالد أن يضرب نقطة ضعفهم، بقتل قائدهم العام، وهذا ما حدث فعلاً، بعد أن تقدمت ميمنة جيش الروم وميسرته، غدا الطريق خاليًا للوسط أمام جيش المسلمين، فأشار خالد بالبدء بأن حمل عليهم بنفسه، وقال: "احملوا عباد الله على من كفر بالله"، فكان كمن أزاح صخرة أمام الطوفان، فاقتحم المسلمون جيش الروم كالسيل الهادر، وقاتلوهم قتالاً عنيفاً شديداً، وقال معاذ بن جبل: "يا معشر المسلمين، اشروا أنفسكم اليوم لله، فإنكم إن هزمتموهم اليوم، كانت لكم هذه البلاد دار الإسلام أبداً، مع رضوان الله، والثواب العظيم من الله".
    استمر القتال بين الفريقين وقتاً قليلاً كما ذكر الرواة (فما صبروا لهم فواقًا) أي مدة حلب الناقة، أو ما بين ضم اليد على ضرع الناقة لحلبها، وبسطها، أي هذه الفترة اليسيرة جداً، وانتصر الجيش الإسلامي انتصاراً عظيماً، ووصل الجيش الإسلامي كما خطط خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى خيمة قائدهم العام، الذي قال: "والله ما رأيت يوماً في الدنيا أشدَّ عليَّ من هذا"، وكانت آخر كلماته، إذ اجتُثَّ رأسه بعد هذه الكلمة.
    بلغ عدد القتلى من الروم في هذه المعركة نحو 3 آلاف قتيل، من 100 ألف، وبمجرد أن قُتِلَ قائده، لم يكن من بقية الجيش إلا أن فرُّوا عن طريق الطرق المتشعبة الكثيرة الموجودة حول أجنادين، ولكن الجيش الإسلامي لم يتركهم، بل أخذوا في تتبعهم في هذه الطرق، قتلاً وأسراً. كان الجيش الإسلامي 33 ألفاً، فكان على كل رجل أن يقتل ثلاثة من الروم، فكانت هذه موقعة الفرد المسلم، وكان بين المسلمين من 14 إلى 24 شهيداً فقط على اختلاف الروايات.
    عزل خالد بن الوليد
    ثم وقعت معركة مرج الصفر وانتصر فيها المسلمون وتوجهوا إلى حصار دمشق، وأصرَّ الجيش الرومي على عدم الخروج، وفي هذه الأثناء حدث للمسلمين حدثٌ جلل، وهو مرض أبي بكر الصديق ومكوثه في بيته 15 يوماً، يؤم المسلمين أثناءها عمر بن الخطاب الذي أمره بأن يخلفه.
    وبعد وفاة الصديق تولى الخلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وكان أول قرار له هو عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيش وإعطاء الراية لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.
    وبعث بذلك رسالة لأبي عبيدة، جاء فيها: "أما بعد فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد توفي، فإنا لله وإنا إليه راجعون ورحمه الله وبركاته على أبي بكر الصديق العامل بالحق والآمر بالقسط والآخذ بالعرف اللين الستير الوادع السهل القريب الحكيم ونحتسب مصيبتنا فيه ومصيبة المسلمين عامة عند الله تعالى وأرغب إلى الله في العصمة بالتقى في مرحمته والعمل بطاعته ما أحيانا والحلول في جنته إذا توفانا فإنه على كل شئ قدير، وقد بلغنا حصاركم لأهل دمشق، وقد وليتك جماعة المسلمين فابثث سراياك في نواحي أهل حمص ودمشق وما سواها من أرض الشام وانظر في ذلك برأيك ومن حضرك من المسلمين ولا يحملنك قولي هذا على أن تغري عسكرك فيطمع فيك عدوك ولكن من استغنيت عنه فسيره ومن احتجت إليه في حصارك فاحتبسه، وليكن فيمن يُحتبَس خالد بن الوليد فإنه لا غنى بك عنه..".
    فمضى الرسول بالكتاب إليه، وقال أبو عبيدة لمعاذ بن جبل: والله ما أمرنا عمر أن نظهر هلاك أبي بكر للناس, وما نعاه إليهم، فما ترى أن نذكر من ذلك شيئاً دون أن يكون هو الذي يذكره، قال له معاذ: فإنك نِعْمَ ما رأيت. فسكتا فلم يذكرا للناس من ذلك شيئاً.
    وبقي الأمر على ما هو عليه على الرغم من أنه فيه مخالفة لأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تغييره لأمير جيش المسلمين. فاستبقى الأمر على ما هو عليه تحت إمرة خالد بن الوليد - رضي الله عنه -.
    ولما وصل الأمر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه أقبل حتى دخل على أبي عبيدة فقال: "يغفر الله لك يا أبا عبيدة أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية، فلم تُعْلِمْني وأنت تصلِّي خلفي والسلطان سلطانك"..
    فقال أبو عبيدة: "وأنت يغفر الله لك، والله ما كنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري، وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله، ثم قد كنت أُعْلِمُكَ بعد ذلك، وما سلطان الدنيا أريد وما للدنيا أعمل، وإنَّ ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وقُوَّام بأمر الله عز وجل، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة إلا من عصم الله عز وجل وقليل ما هم".
    وهكذا، لم يعلق خالد على مسألة عزله، وتولَّى أبو عبيدة بن الجراح إمرة جيوش المسلمين في الشام.
    وكان عمر رضي الله عنه لما رأى انتصارات خالد الباهرة وانقياد المسلمين له في جميع الوقائع واستماتتهم بين يديه خشي أن يفتتن الناس به وربما تحدثه نفسه فيشق عصا المسلمين. ورُوي أن عمر استدعاه - بعد عزله - إلى المدينة فعاتبه خالد. فقال له عمر: "ما عزلتك لريبة فيك ولكن افتتن بك الناس فخفت أن تفتتن بالناس".
    وهناك رأي يقول إن خالداً كان شديداً كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان ليناً كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون أمره معتدلاً.
    فتح دمشق
    سيطر المسلمون على منطقة الأردن وفلسطين، بعد هروب جيش الروم إِثر هزيمتهم في (بيسان)، ومن لم يقاتل منهم استسلم، ورضي بدفع الجزية للمسلمين، عدا ثلاث مدن: هي (القدس) و(عكَّا) و(حيفا) فلم تستسلم في هذا الوقت، وكان للقدس أسوار عظيمة، حالت دون دخول المسلمين إليها آنذاك، ثبَّت المسلمون أقدامهم في الأردن لمدة 3 شهور، منذ انتصارهم في ذي القعدة، حتى منتصف ربيع الأول عام 14 هـ.
    بعد أن تم استسلام هذه المنطقة، فكَّر المسلمون في المرحلة التالية، ولم يكن أمامهم من عقبة سوى مدينة دمشق، التي لا تزال تتمتع بوجود أكبر حامية رومية فيها، فبدأ الجيش الإسلامي يتجه لحرب الروم في دمشق.
    وتجدر الإشارة هنا – حسب رؤية موقع قصة الإسلام- إلى أن المسلمين تركوا (القدس)، واتجهوا إلى دمشق، على الرغم من وجود المسجد الأقصى في القدس، وأنه مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من المفترض أن يهتموا بفتحه، إلا أن المسلمين، مع عظم قدر المسجد الأقصى في قلوبهم، إلا أن همهم الأكبر لم يكن المباني والمنشآت وإنما إيصال دعوة الله إلى الأرض،.. ومنطقة القدس لم يكن بها الكثير من السكان، في حين كانت دمشق عامرة بالسكان، ومحصنة، وبها أكبر حامية للروم آنذاك، فآثر المسلمون أن يتركوا القدس، وينتقلوا إلى دمشق، حتى يكسروا شوكة الروم في هذا المكان، وينشروا الإسلام في هذه المنطقة، وهذا المفهوم في الحقيقة يجب أن يحرص عليه المسلمون دائمًا، فلا تتعارض رغبتنا في استرداد فلسطين والقدس كأراضٍ مسلمة شريفة مع تعبيد الناس إلى الله عز وجل، ونشر الإسلام في أرجاء المعمورة.
    انتقل المسلمون بقيادة أبي عبيدة من منطقة الأردن وبيسان إلى دمشق، آخذين الطريق الأقصر إليها، وكان هذا الحصار الرابع لدمشق، (كان الحصار الأول عندما جاءهم خالد من العراق، ثم انتقل لفتح بصرى، والثاني بعد عودته من فتح بصرى، ثم انطلق إلى أجنادين، وعاد بعدها مرة أخرى إلى حصار دمشق، حينما عزل خالد ووليَ الأمرَ أبو عبيدة، ثم تركها وذهب إلى "بيسان").
    وفي ليلة 14 من رجب عام 14هـ، وبعد أن أعد المسلمون العدة كاملة، من العبادة وقيام الليل، والاستعداد المادي والمعنوي، في هذا الوقت يولد مولود لـ(نسطورس) قائد الحامية الرومية، فيقيم احتفالاً كبيرًا بهذه المناسبة ويذهب إليه كل جنود الروم، وكل شعب دمشق الموجود داخل الأسوار، وانهمكوا في احتفالهم، وشربهم للخمر، ولا يزال المسلمون حول الأسوار، لم يعلموا بما يحدث، إلا خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي كان لا ينام، ولا يُنيم ـ كما يقول عنه الرواة ـ وكان له عيون في كل مكان، فلما سمع هذه الضجة، والأصوات العالية، استشرف الأمر، وإذا بأسقف يرسل له رجلاً يخبره بأن أهل دمشق قد أقاموا ذلك الاحتفال بمولود قائدهم، وأن كثيرًا من الجنود في ذلك الحفل. فأدرك خالد عندئذٍ قلة الحراسة عند الأبواب، وكان قد أعد (سلالمَ وحبالاً) أخذها من الدير القريب منه، على أن يخفف عن صاحب الدير الجزاء إذا فتحت دمشق، وكذلك أعد القِرَبَ التي تمكن المسلمين الذين لا يجيدون السباحة من عبور المياه، وتجاوز هذا الخندق الكبير الذي يحيط أسوار دمشق، وعبر هذا الخندق خالد والقعقاع بن عمرو والمذعور العجلي، وهؤلاء الثلاثة كانوا قادة المسلمين في حروب الفرس، فلم يكلوا هذا الأمر إلى صغار الجنود، بل تولاه هو، ونائبه القعقاع وأحد كبار قواده المذعور بن عدي، فعبروا الخندق، وألقوا بالسلالم والحبال على الأسوار، وتمكنوا من تسلق السور، وكانوا أول من نزل داخل الأراضي الدمشقية، وقالوا للمسلمين: إن علامة دخولكم أرض دمشق "التكبير"، ولم يكن هناك إلا عدد قليل من الحراس، قاتل خالد حراس الباب الشرقي، وقتلهم، وأشار إلى رجال فوق السور، ليكبروا، فهجمت القوات الإسلامية على الباب وفتحته، وقطعوا الحبال التي تمنع فتحه، وتدفقت الجيوش الإسلامية تدفقًا عظيمًا على الباب الشرقي (9 آلاف مجاهد) من دمشق بعد منتصف الليل.. ودخلت الجيوش الإسلامية دمشق، ويعلم الروم بدخولهم فيسرعون لتدارك موقفهم، ولكن المفاجأة أذهلتهم، وسقط منهم كثير من القتلى، ودار القتال في شوارع دمشق، وكان قتالاً صعباً على المسلمين؛ لأنهم لا يعرفون تفاصيل الشوارع، ومع ذلك فقد انتصر المسلمون، وكتب الله لهم النصر..
    معركة اليرموك
    كانت القوات الإسلامية بعد فتح حمص سنة (14 هـ) تتوزع في أماكن مختلفة، فأبو عبيدة بن الجراح في حمص، وخالد بن الوليد بقواته في دمشق، وشرحبيل بن حسنة مقيم في الأردن، وعمرو بن العاص في فلسطين.
    فلما وصلت أنباء استعدادات الروم إلى أبي عبيدة بن الجراح جمع القادة يشاورهم ويستطلع رأيهم، وانتهى الحوار بينهم على انسحاب القوات الإسلامية من المدن التي فتحتها إلى موقع قريب من بلاد الحجاز، وأن تتجمع الجيوش كلها في جيش واحد، وأن يبعث أبو عبيدة بن الجراح إلى المدينة يطلب المدد من الخليفة عمر بن الخطاب.
    وقبل أن يتحرك أبو عبيدة بن الجراح بجيوش المسلمين، دعا حبيب بن مسلمة- عامله على الخراج- وقال له: "اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئا، وقل لهم: نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما رددنا عليكم أموالكم أنَّا كرهنا أن نأخذ أموالكم ولا نمنع بلادكم..".
    فلمَّا أصبح الصباح أمر أبو عبيدة قواته بالرحيل من حمص إلى دمشق، وقام حبيب بن مسلمة برد الجزية إلى أهالي حمص، وبلغهم ما قاله أبو عبيدة؛ فما كان منهم إلا أن قالوا: "ردكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، ولكن والله لو كانوا هم ما ردوا علينا، بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا؛ لَوِلايتكم وعَوْدُكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم".
    التحركإلى اليرموك
    بعد أن أخلى المسلمون مدينة حمص، جاءت قوات الروم، فدخلت حمص، ثم تحركت جنوباً خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم تتجه إلى دمشق حيث يقيم المسلمون وإنما اتجهت إلى الجنوب.
    رأى المسلمون الذين كانوا يراقبون تحركات الروم أن في مسارهم هذا حركة التفاف تستهدف حصار المسلمين وقطع خط الرجعة عليهم؛ فاجتمع أبو عبيدة بقادته يتباحثون الأمر، فاتفقوا على الخروج من دمشق إلى الجابية، وهناك ينضم إليهم جيش عمرو بن العاص الرابض بفلسطين، وفي الوقت نفسه ينتظرون مدد الخليفة عمر بن الخطاب.
    تقدمت مجموعات من جيش الروم إلى نهر الأردن باتجاه المسلمين في الجابية، وخشي المسلمون أن يحاصروا بقوات الروم المقيمة في الأردن وفلسطين والأخرى القادمة من إنطاكية؛ فيقطعوا خطوط إمداداتهم، ويحولوا ببينهم وبين منطقة شمال الأردن والبلقاء التي تربطهم بالحجاز؛ ولهذا قررت الجيوش الإسلامية الانسحاب من الجابية إلى اليرموك.
    الاستعداد للمعركة
    تنازل أبو عبيدة بن الجراح لخالد بن الوليد عن قيادة للجيش.. وبدأ خالد في تنظيم قواته، وكانت تبلغ 46 ألف مقاتل، وقسَّم الجيش إلى كراديس، أي كتائب، وتضم ما بين 600 إلى 1000 رجل، والكردوس ينقسم إلى أجزاء عشرية، فهناك العرّيف الذي يقود عشرة من الرجال، وآمر الأعشار الذي يقود عرفاء (100 رجل)، وقائد الكردوس الذي يقود عشرة من أمراء الأعشار (1000) رجل.
    ونقل الباحث أحمد تمام إجماع المؤرخين على أن خالد بن الوليد هو أول من استحدث تنظيم الجيوش على هذا النحو، وعُدَّ عمله فتحاً في العسكرية الإسلامية؛ فقد اختار رجال الكردوس الواحد من قبيلة واحدة أو ممن يعودون بأصولهم إلى قبيلة واحدة، وجعل على كل كردوس قائدا منهم ممن عُرفوا بالشجاعة والإقدام، ثم جمع الكراديس بعضها إلى بعض وجعل منها قلبا وميمنة وميسرة، وكان على رأس كراديس القلب أبو عبيدة بن الجراح، ومعه المهاجرون والأنصار، وعلى كراديس الميمنة عمرو بن العاص ويساعده شرحبيل بن حسنة، وعلى كراديس الميسرة يزيد بن أبي سفيان.
    وبلغت هذه الكراديس 36 كردوساً من المشاة، بالإضافة إلى عشرة كراديس من الخيالة، يقف أربعة منها خلف القلب واثنان في الطليعة، ووزعت الأربعة الباقية على جانبي الميمنة والميسرة.
    أما جيش الروم فكان يضم نحو مائتي ألف مقاتل، يقودهم "ماهان"، وقد قسّم جيشه إلى مقدمة تضم جموع العرب المتنصّرة من لخم وجذام وغسان، وعلى رأسها "جبلة بن الأيهم"، وميمنة على رأسها "قورين"، وميسرة على رأسها "ابن قناطر"، وفي القلب "الديرجان"، وخرج ماهان إلى المسلمين في يوم ذي ضباب، وصَفَّ جنوده عشرين صفا، ويقول الرواة في وصف هذا الجيش الرهيب: "ثم زحف إلى المسلمين مثل الليل والسيل".
    رهبان بالليل.. فرسان بالنهار
    دعا أحد قادة الروم رجلاً من نصارى العرب، فقال له: ادخل في معسكر هذا القوم، فانظر ما هديهم، وما حالهم، وما أعمالهم، وما يصنعون، ثم ائتني فأخبرني بما رأيت. وخرج الرجل من معسكر الروم حتى دخل معسكر المسلمين فلم يستنكروه؛ لأنه كان رجلاً من العرب، لسانه عربي ووجهه عربي، فمكث في معسكرهم ليلة حتى أصبح فأقام عامة يومه، ثم رجع إلى قائده الرومي، وقال له: "جئتك من عند قوم يقومون الليل كله، يصلون ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو يسرق مَلِكُهم لقطعوا يده، ولو زنا لرجموه؛ لإيثارهم الحق، واتباعهم إياه على الهوى".
    فلما انتهى الرجل العربي من كلامه قال القائد الرومي: لئن كان هؤلاء القوم كما تزعم، وكما ذكرت لبطنُ الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.
    وفي فجر يوم الاثنين (5 من رجب 15 هـ) أصبح المسلمون طيبةً نفوسهم بقتال الروم، منشرحة صدورهم للقائهم، واثقة قلوبهم من نصر الله، وخرجوا بالنظام الذي وضعه القائد العام يحملون رايتهم.
    وسار أبو عبيدة في المسلمين يحثُّ الناس على الصبر والثبات، يقول لهم: "يا عباد الله انصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب؛ فلا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله حتى آمركم".
    وخرج معاذ بن جبل يقول للناس: "يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق، إن رحمة الله- والله- لا تُنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدّقين بما وعدهم الله (عز وجل)، أنتم- إن شاء الله- منصورون، فأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه".
    زحفت صفوف الروم الجرارة من مكانها إلى المسلمين، لهم دويٌّ كدوي الرعد، ودخل منهم ثلاثون ألفًا كل عشرة في سلسلة حتى لا يفروا، قد رفعوا صلبانهم، وأقبل معهم الأساقفة والرهبان والبطارقة.
    وحين رأى خالد إقبالهم على هذا النحو كالسيل، وضع خطته أن يثبت المسلمون أمام هذه الهجمة الجارفة؛ حتى تنكسر وتتصدع صفوف الروم، ثم يبدأ هو بالهجوم المضاد.
    وكان خالد بن الوليد رابط الجأش ثابت الجنان وهو يرى هذه الجموع المتلاحقة كالسيل العرم، لم ترهبه كثرتهم، وقد سمع جنديا مسلما قد انخلع قلبه لمَّا رأى منظر الروم، يقول: "ما أكثر الروم وأقل المسلمين. فانزعج من قولته وقال له: ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، أبالروم تخوّفني؟".
    تلاحم الفريقان وشد الروم على ميمنة المسلمين حتى انكشفت، وفعلوا كذلك بالميسرة، وثبت القلب لم يتكشف جنده، وكان أبو عبيدة وراء ظهرهم؛ ردءا لهم، يشد من أزرهم، وأبلى المسلمون بلاءً حسناً، وثبت بعضهم كالجبال الراسخات، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة وتلبية النداء، وقاتلت النساء أحسن قتال.
    تحمل المسلمون هذا الهجوم الكاسح بكل ثبات؛ إذا اهتز صفٌ عاد والتأم ورجع إلى القتال، حتى إذا جاءت اللحظة التي كان ينتظرها خالد بن الوليد صاح في القوم: يا أهل الإسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقتال والقوة إلا ما قد رأيتم، فالشدة، الشدة فو الذي نفسي بيده ليعطينكم الله الظفر عليهم الساعة.
    وزحف خالد بفرسانه الذين لم يقاتلوا، وكان يدخرهم لتلك الساعة الحاسمة، فانقضوا على الروم الذين أنهكهم التعب واختلت صفوفهم، وكانت فرسان الروم قد نفذت إلى معسكر المسلمين في الخلف، فلمَّا قام خالد بهجومه المضاد من القلب حالَ بين مشاة الروم وفرسانهم، الذين فوجئوا بهذه الهجمة المضادة؛ فلم يشتركوا في القتال، وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء، تاركين ميدان القتال. ولمَّا رأى المسلمون خيل الروم تهرب أفسحوا لها الطريق ودعوها تغادر ساحة القتال.
    انهار الروم تماماً، وتملَّكهم الهلع فتزاحموا وركب بعضهم بعضاً وهم يتقهقرون أمام المسلمين الذين يتبعونهم؛ حتى انتهوا إلى مكان مشرف على هاوية تحتهم، فأخذوا يتساقطون فيها ولا يبصرون ما تحت أرجلهم، وكان الليل قد أقبل والضباب يملأ الجو، فكان آخرهم لا يعلم ما يلقى أولهم، وبلغ الساقطون في هذه الهاوية عشرات الألوف، وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا ثمانين ألفاً، وسميت تلك الهاوية "الواقوصة"؛ لأن الروم وقصوا فيها، وقتل المسلمون من الروم في المعركة بعدما أدبروا نحو خمسين ألفاً، خلاف من سقطوا في الهاوية.
    ولما أصبح اليوم التالي، نظر المسلمون فلم يجدوا في الوادي أحداً من الروم، فظنوا أن الروم قد أعدوا كميناً، فبعثوا خيلاً لمعرفة الأمر، فإذا الرعاة يخبرونهم أنهم قد سقطوا في الهاوية أثناء تراجعهم، ومن بقي منهم غادر المكان ورحل.
    كانت معركة اليرموك من أعظم المعارك الإسلامية، وأبعدها أثراً في حركة الفتح الإسلامي، فقد لقي جيش الروم- أقوى جيوش العالم يومئذ- هزيمة قاسية، وفقد زهرة جنده، وقد أدرك هرقل حجم الكارثة التي حلت به وبدولته، فغادر المنطقة نهائياً وقلبه ينفطر حزناً، وهو يقول: "السلام عليك يا سوريا، سلاما لا لقاء بعده، ونعم البلد أنت للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك رومي بعد الآن إلا خائفاً".
    وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن استقر المسلمون في بلاد الشام، واستكملوا فتح مدنه جميعاً، ثم واصلوا مسيرة الفتح؛ فضموا مصر والشمال الأفريقي.
    فتح بيتالمقدس
    بعد أن انتصر المسلمون في اليرموك أمر أبو عبيدة خالداً أن يخرج في إثر الروم إلى أن وصل حمص، وأخذ أبو عبيدة جيشه إلى دمشق.
    قسم أبو عبيدة رضي الله عنه منطقة الشام إلى أربع مناطق، كالتالي:
    الأولى: دمشق وما حولها بإمارة يزيد بن أبي سفيان.
    الثانية: منطـقـة فلسطين بإمرة عمرو بن العاص.
    الثالثة: منطـقـة الأردن بإمرة شُرَحْبِيل بن حسنة.
    الرابعة: حمص وما حولها بإمرته هو.
    وأخذ خالد معه إلى قطاع حمص؛ لأن بقية شمال الشام لم يفتح بعد، بالإضافة إلى أنه كره أن يعطيه إمرة أحد قطاعات الشام فيغضب عمر لذلك؛ لأن عمر قرر عزله، حتى لا يفتن الناس به.
    وكانت مهمة كل قائد في كل منطقة أن يطهر المنطقة من جنود الروم وأتباعهم، فبدأ كل أمير بتنفيذ تلك المهمة في قطاعه، وقضوا بقية رجب في ذلك.. وبعد أن فتح عمرو بن العاص رفح، وانتهى من هذه المنطقة توجه بجيشه إلى القدس، وحاصرها، ومكث في حصارها مدة طويلة.
    وبعد أن أعيت عمرو بن العاص رضي الله عنه كل الحيل فكر في أن يحتال للأمر، فقام بدخول القدس بنفسه، باعتباره رسولاً من رسل المسلمين إلى أرطبون حتى يفاوضه، وغرضه أن يدخل فيبحث عن نقطة ضعف تمكنه من اقتحام تلك المدينة الحصينة، فذهب بنفسه وبمفرده لأرطبون، وتحدثا سوياً حديثاً طويلا لم يرد في كتب التاريخ. ولكن يبدو أنه كان فيه مباراة ذكاء قوية جداً، لدرجة أن أرطبون الروم قال بعد انتهاء المناقشة: "والله إن هذا لعمرو، أو الذي يأخذ عمرو برأيه"؛ لأنه يعرف عمرو بن العاص، ويسمع عن دهائه ومكره، أو الذي يستشيره عمرو، ففكر في قتله، وقال إنه لن يصيب المسلمين مصيبة أعظم من هذه، فأمر أحدَهم سراً أن يقتله، وشعر عمرو بذلك، فقال لأرطبون: إنني واحد من عشرة أرسلنا عمر بن الخطاب، لنعاون هذا الوالي (يقصد عمرو بن العاص) فإن أردت أن أذهب، وأعود إليك بالعشرة فتسمع منهم ويسمعوا منك، فإن وافقوا على رأيك، كان هو الرأي، وإن رفضوا عرفت أمرك. ففكر أرطبون أن عشرة أفضل من واحد، فتركه يخرج فخرج عمرو، وبمجرد خروجه كبر المسلمون تكبيراً شديداً، فتعجب الروم، وعلموا أنه عمرو بن العاص، وقال أرطبون: خدعني الرجل، والله إنه لأدهى الخلق.
    أرسل عمرو إلى أبي عبيدة ينبئه بتعذر فتح القدس عليه، فجاءه أبو عبيدة من مدينة بالس حتى يحاصر معه مدينة القدس، ثم جاء شرحبيل بن حسنة، ثم خالد بن الوليد من قنسرين حتى يحاصر معهم القدس، وحاصروها حصارًا شديدًا لشهور طويلة..ووجد أهل المدينة أن المسلمين مستمرون في الحصار، فلم يكن من أرطبون إلا أن هرب من القدس، وتوجه إلى مصر، ومكث هناك فترة طويلة، مع حامية الروم هناك، حتى جاءه بعد ذلك عمرو بن العاص، في فتح مصر.
    تسليم مفاتيح بيت المقدس
    لما استسلم أهل (إيلياء/القدس) للمسلمين، اشترطوا عليهم أنهم لن يسلموا مفاتيح القدس إلا لرجل تنطبق عليه مواصفات خاصة، اختلف فيها في كتب التاريخ، وقيل إنها لم تكن من طلبات أهل القدس، ولكن ذكرت مواصفات جسمية لرجل معين، وأن اسمه يتكون من ثلاثة حروف، فوجد المسلمون أن هذه المواصفات لا تنطبق إلا على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    فجاء عمر رضي الله عنه من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، واستخلف علي بن أبي طالب على المسلمين في المدينة المنورة.. وكتب لأهل إيلياء المعاهدة العمرية المشهورة: "بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارّ أحدٌ منهم، و لا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرِجُوا منها الروم، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصُلُبَهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فعليه مثل ما على أهل إيلياء، ومن شاء أن يسير مع الروم، سار مع الروم وهو آمن، ومن شاء أن يرجع إلى أهله، رجع إلى أهله، وهو آمن، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان, وكُتِبَ وحُضِرَ سنة خمس عشرة".
    باحث: فتح القدس كان خطة بدأها رسول الله
    أثار الدكتور عبد الله معروف- المُتخصّص بشؤون القدس والمقدسات - الكثير من المسائل التي اختلف حولها جمهور المؤرخين حول فتح مدينة القدس، والإستراتيجية التي تم إتباعها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في عملية الفتح.
    وأكد د. معروف - في محاضرة له بملتقى القدس الثقافي بالعاصمة الأردنية عمّان في أبريل الماضي حول إستراتيجية الفتح العمري لفتح بيت المقدس - بأن الفتح العمري أثار إشكاليات لدى المؤرخين، وتناول كل واحد منهم عملية الفتح بطريقة تختلف عن الأخرى.
    وشدّد د. معروف على أن إستراتيجية الفتح لم تبدأ بعهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقال: "لا أرى من الصواب أن نقول أن إستراتيجية الفتح هي إستراتيجية عمر لوحده، بل كانت في إطار خطة متكاملة وضعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واستمرت بعهد الصدّيق أبو بكر واكتملت بعهد الخليفة عمر بن الخطاب".
    ولفت إلى أنه وفي نفس الوقت الذي فتح لهم النبي الطريق؛ لم يُحدّد لهم كيفية فتح بيت المقدس، وقال: "أستطيع أن أقول إن إستراتيجية التفكير بفتح بيت المقدس وتحضير الأمة لهذا الفتح كانت فكرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم".
    وتساءل: "هل كانت فكرته باعتباره نبياً أم قائداً سياسيا؟"، ثم أجاب قائلاً: "علينا أن نأخذ بالصفة التي أقام بها الحكم المدني وهي شخصية النبي وليست العبقري، أو السياسي فقط".
    وأكد "أن إستراتيجية التفكير بفتح بيت المقدس كانت خطة نبوية محضة، لكن أسلوب الفتح تطور بعد النبي محمد بعهد أبي بكر ثم في عهد عمر، ومن الصعب أن نقول خطة منْ هي". حسب ما جاء في موقع (ملتقى الباحثين عن الحق)..وأشار إلى أن أبي بكر حينما أرسل عمرو بن العاص إلى المنطقة قال له: عليك بفلسطين وإيلياء ففصل بين كيانين.
    وقال: "إن أبا بكر كان ينوي التعميم ثم التخصيص فحتى ذلك الوقت كانت المسألة غير واضحة، كما أنه كان من الصعب في ذلك الوقت معرفة من أين تبدأ فلسطين وما المقصود بفلسطين".
    ولكن الدكتور معروف عاد وأكد أن الخليفة أبا بكر كانت لديه فكرة واضحة عما يريد أن يفعله، والدليل أنه أرسل ثلاثة جيوش من طريق واحد، وجيشاً من طريق آخر.
    وقال: "هناك آراء كثيرة تقول إن أبا بكر كان يريد فتح المنطقة بشكلٍ عام، لكن اعتقد أن أبا بكر كان يريد بشكلٍ خاص فتح المنطقة المقدسة"..ولفت إلى محاصرة المسلمين لبيت المقدس، وبشكل غير مُشدّد وما أن انتهوا من فتح سائر المناطق توّجوا الفتوحات بفتح القدس.
    وأوضح "أن البعض تحدث عن صراع المسلمين لفتح مدن أكبر من القدس باعتبارها "القدس" لا تمثل ثقلاً سياسياً". لكنه أكد أنه يجب ألاّ ينظر للأهمية السياسية دون النظرة الدينية والتي تثبت أنّ هدف أبي بكر الأساسي من تحركات الجيش هو ديني بحت، وهناك الكثير من الأدلة والشواهد على ذلك.
    وبخصوص من الذي كان مسؤولاً عن فتح القدس بشكل أساسي، قال: "لا أعتقد أن هناك إجابة واحدة على ذلك، وهناك مصادر كثيرة ذكرت الكثير من أسماء القادة الميدانيين، لكن عدم تطرق المؤرخين إليهم بكثير من التفصيل يعود للعديد من الأسباب منها: تعاقُب الكثير من القادة على حصار القدس أدت بالنهاية لاختلاف المؤرخين حول هوية منْ فتح بيت المقدس. كما أن هناك إشكالية تتمثل بأن كتبنا التاريخية تُغلّب الدور السياسي على التاريخي، وهناك إغفال لكثير من القادة".
    وأشار إلى أن آخر رواية حول بعض التفصيلات وردت حتى الآن هي الرواية السريانية وترجمها تيسير خلف، كانت رواية أشخاص حاربوا مع الروم ضد المسلمين ثم حاربوا مع المسلمين ورووا أسماء قادة أغفلها الكثير من المؤرخين.
    وأوضح أنه لم يتحدث أحد أبداً عن خطة لدى أبي بكر وعمر لفتح بيت المقدس، والسبب - حسب نظر د. معروف - "لعله تفاهم بين أبي بكر والقادة العسكريين الميدانيين، ودليل ذلك معرفة كل قائد جيش أين يتحرك: شرحبيل شرق الأردن، يزيد إلى أقصى الشمال، أبو عبيدة باتجاه بصرة إلى دمشق، فكل واحد عرف أين يتحرك وهذا ليس اجتهاد بل اعتقد أنه كان مرتباً مع الخليفة، ولعل وفاة الخليفة كان السبب لعدم كشف القادة واستكمال الفتح".
    وشدّد الدكتور معروف على أن الذي حدّد هذه الأمور هو أبو بكر، وقد يكون أبو بكر أخذها من رسول الله؛ لأن فتح الطريق وتحضير الفتح حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم".
    وطرح الدكتور معروف جملة من الاستفسارات، منها: هل يكون النبي قد حدّد لأبي بكر من ينطلق وكيف؟، وقال إنها تبقى مسالة مطروحة للبحث، ولماذا تحرك المسلون بهذا الشكل حول مدينة القدس ولم يفتحوها إلا بالنهاية؟، ولماذا كانت القدس الوحيدة التي ذهب عمر بنفسه لاستلامها؟.
    وقال: "إن الأصح أن عمر انتقل إلى القدس لفتحها ثم إلى الجابية (الجولان) على اعتبار ترتيب المكان إدارياً".
    ولفت الدكتور معروف إلى "أن إستراتيجية الفتح لم تكن فكرة عمر بل كانت فكرة الفتح كخطة إستراتيجية سار عليها المسلمون، وهي خطة النبي محمد عليه الصلاة والسلام من خلال الوحي، وأبو بكر كان صاحب إستراتيجية عسكرية، وقد يكون استمدها من النبي، وهي مجرد فرضية، ثم أن عمر سار على نهج أبي بكر وانفرد بتغيير قادة الجيش، وقد يكون من الممكن أن يقوم أبو بكر بنفس ما قام به عمر وهو تولية أمر الجيش وفتح القدس لأبي عبيدة باعتباره رجلا دبلوماسياً وليس حربياً بحتاً".
    معاوية يفتح قيسارية
    كانت مدينة قيسارية آخر مدن الشام التي لم تفتح فذهب إليها معاوية بن أبي سفيان وحاصرها مدة طويلة (بلغت 6 سنوات).
    ويأتيه في ليلة من الليالي رجل من اليهود، اسمه يوسف، يقول له: أَمِّنِّي على نفسي وأهلي ومالي وأنا أدلُّك كيف تدخل هذه المدينة، فيُؤَمنه معاوية، فَدَلَّه على سرداب، تحت الأرض فيه مياه، وأخبره أن هذا المجرى من الماء يصل إلى داخل الحصون.
    فدخل معاوية وجيشه من خلال هذا السرداب ليلاً، ولما دخل الجيش كله، كبر معاوية فكبر المسلمون، وقام أهل المدينة فزعين، وفوجئوا بوجود المسلمين داخل الحصن، فأسرعوا ليفروا عن طريق السرداب، فوجدوا المسلمين عنده، ودارت معركة قاسية جدًا، ولم يكن جيش المسلمين يتجاوز الـ17ألف مجاهد، مقابل 120 ألف رومي. وكتب الله النصر للمسلمين، وسقط من القتلى داخل الحصن 80 ألف رومي، وهرب الباقون، فلاحقهم المسلمون وقتلوا منهم 20 ألفاً آخرين.
    وتصل الأنباء إلى المدينة المنورة ليلاً، فيكبر عمر، ويكبر المسلمون فرحاً بهذا النصر المبين.. وبذلك تسقط آخر مدينة من مدن الشام، وأصبح الشام كله مسلماً عام 19هـ.
    الخلاصة
    هذه باختصار شديد قصة الفتح الإسلامي لبلاد الشام، فقد كانت محطة أخرى حاسمة في طريق نشر الإسلام باتجاه الغرب.. وفي قصة هذه الفتوحات أبهى الصور وأجلّ العبر وأدق المعاني جاءت على يد خير هذه الأمة.
    ومثال ذلك كيف كان حال المسلمين في معركة اليرموك واستعداداتهم لها خصوصاً في الجانب الديني التعبدي؛ حتى جعل قائد الروم يشعر الهزيمة قبل وقوعها.
    والعبرة الأساسية من ذلك هي نشر الدين الحنيف وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.. ثم إن مبدأ الالتزام بمنهج الله في أمور الدين والدنيا يعطي المسلم قوة وثباتاً وعزة تمنع عنه عوامل وأسباب الضعف.. ونفس الأمر يتحقق مع مجموع الأمة. وقد وجدنا من قصص الفتوحات الإسلامية كيف أن معالم النصر تبدأ من داخل المسلم ومجتمعه؛ فيكون لذلك أثرٌ بالغ السوء في نفوس الأعداء.
    أيضاً - وكما يقول البعض - يمكن أن نستنبط أهم معالم السياسة الخارجية في دولة الخلفاء الراشدين وهي: بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى، ومواصلة الجهاد الذي أمر به الرسول، والعدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها، رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة وإزالة الحواجز بينهم وبين الإسلام.
    وكل هذا وغيره يمثل زاداً لمن أراد أن يعرف كيف أعز الله المسلمين ورفعهم فوق الأمم.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المصادر
    - (أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره) - الدكتور علي محمد الصَّلاَّبي.
    - موقع (قصة الإسلام).
    - موقع (إسلام أون لاين).
    - موقع (ملتقى الباحثين عن الحق).
    اللهم اغفر لكاتبها وناقلها,وقارئها واهلهم وذريتهم واحشرهم معا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    440

    افتراضي رد: فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )

    جزاك الله خيرا وبارك الله فيك يا أخي الحبيب على هذا التقرير الرائع والموضوع القيم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    الدولة
    ثغر الديار المصرية
    المشاركات
    3,857

    افتراضي رد: فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )

    ما شاء الله ولا قوة الا بالله

    ذكرتنا بايام العزة والصمود ونصر الاسلام ومجده التليد

    حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم استاذنا واخونا الحبيب ابا الوليد

    ولا حرمنا الله من علمكم وفضلكم
    تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال





    لا تُهيِّئ كفني.. ما متُّ بعـدُ!<()>لم يزلْ في أضلعي برقٌ ورعدُ
    أنـا تاريخـي.. ألا تعرفـهُ؟<()>خالدٌ ينبضُ في روحي وسعـدُ
    أناصحرائي التي ما هُزِمتْ <()>كلّما استشهدَ بندٌ ثـار بنـدُ

    فـلا نـامـت أعـين الجُـبنـاء
    ============
    بـقراءة تاريخنا الاسلامي ::: نتعرف علي مجـد امتنا التليــد ....


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    112

    افتراضي رد: فتح بلاد الشام.. ومسيرة النصر الإسلامي ( تقرير )

    بارك الله فبك وجعل هدا العمل في ميزان حسناتك

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •