النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الدراسات اللسانية عند ابن جني من خلال كتاب الخصائص

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    64

    افتراضي الدراسات اللسانية عند ابن جني من خلال كتاب الخصائص

    تهميد:
    رست أسس علم اللسانيات الحديث، وتنظمت قواعده في مطلع القرن العشرين، عندما ألقى عالم اللسانيات فردنان ده سوسر- محاضرات في علم اللسانيات العامة، حدد من خلالها المسائل التي يعالجها هذا العلم.
    ومن المعروف أن الدرس اللغوي العربي قام أساسا على نص منزل وهو النص القرآني، ذلك أن قضايا اللغة كانت ملابسة لقضايا المعتقد في كل الحضارات التي عرفت بكتاب سماوي.
    لذلك لا يمكن القول بأن علم اللسانيات دخيل على اللغة العربية، لأن هناك تناسبا بين علم اللسانيات وعلوم اللغة العربية التي وضعها العلماء في أواخر القرن الأول الهجري، وبلغ رشده في زمن أبي عمرو بن العلاء (70-154)، واكتملت مادته ووسائله على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي (100-170)، وتلميذه سبويه (148-180)، ومما لا شك فيه أن الدراسات اللسانية الحديثة لن يكون لها شأن فيما يتعلق بالعربية- إذا لم يرجع أصحابها إلى أعلام العربية، وتراثهم العلمي الضخم، ويفهموا مقاصدهم وتعليلاتهم لظواهر اللغة, فإذا تم ذلك فإن علماء اللسانيات سيحضون بذخر علمي، ومنهج واضح يساعدهم في أبحاثهم، وإلا فليس لعلم من العلوم أن يتفاعل مع العلم الذي يقف عند تخومه إذا لم يحط بدقائق مباحثه.
    إن معرفة اللغويين القدماء ببعض القضايا اللسانية كانت بطريقة غير مباشرة، كما تدل المؤلفات التي كتبت في فترة زمنية معاصرة أو قريبة من مرحلة الخليل وسبويه، سواء تلك المؤلفات التي وضعت في مجال التأليف المختلط بين الموضوعات الدينية واللغوية والأدبية، أم المؤلفات اللغوية التي وضعت في مرحلة زمنية تالية.
    ولتوضيح ذلك سأكتفي بتناول منهج ابن جني في عرض بعض القضايا اللسانية وذلك من خلال كتاب الخصائص.
    وقبل الخوض في صلب الموضوع لابد من إعطاء نبذة شاملة عن حياة أبي الفتح ابن جني، ثم نبين بعد ذلك استشرافه لآفاق علم اللسانيات.
    1- التعريف بابن جني:
    أ- نسبه:
    هو عثمان بن جني، ولا يعرف من نسبه من وراء هذا، وذلك أنه غير عربي، وكان أبوه جني روميا يونانيا، وكان مملوكا لسليمان بن فهد الأزدي، يقول-ابن جني- في آخر كتاب (المنصف شرح تصريف المازني): "قال أبو الفتح عثمان بن جني الأزدي..". وجني بكسر الجيم، وكسر النون مشددة، وسكون الياء، فلا تشدد الياء كياء النسب. ليس منسوبا، وأنما هو معرب.
    ب- مولده:
    ولد ابن جني في الموصل. ويقول من ترجم له: إنه ولد قبل الثلاثين والثلاثمائة من الهجرة، ولا يعينون مولده بعد هذا، يقول ابن قاضي شهبة في طبقات النحويين: "إنه توفي وهو في سن السبعين". فإذا أخذ بهذا وروعي أن وفاته كانت في سنة 392 فإن ولادته تكون في سنة 322 أو سنة 321.
    ج- نشأته:
    نشأ بن جني بالموصل وتلقى العلوم بها، وقد أخذ النحو عن أحمد بن محمد الموصلي الشافعي المعروف بالأخفش. ويذكر ابن خلكان أنه قرأ الأدب في صباه على أبي علي الفارسي، ولم يذكر أين كان ذلك. والمعروف عن أبي علي أنه دخل بغداد سنة 307، فهل أخذ عنه في بغداد إذا صح ما رواه ابن خلكان؟.
    ويقول ابن ماكولا: "سمع جماعة من المواصلة والبغداديين". وظاهر الأمر أن ذلك كان في صباه.
    - صحبته لأستاذه أبي علي الفارسي:
    توثقت الصلات بين أبي الفتح وأستاذه أبي علي الفارسي بأوثق الأسباب وأمتن العرى، وكان ابن جني يظهر من التعلق به، والتقبل لرأيه والانتفاع بعلمه، أحسن ما يظهر تلميذ لأستاذه، وهو لا يفتأ في كتبه يذكر أبا علي ويرجع علمه ومكانته إلى فضل أستاذه، ويتبجح بالانتساب إليه والتشبث بأسبابه.
    وتجمع الروايات على أن أبا الفتح صحب أستاذه أبا علي سنة 337, ولازمه في السفر والحضر، وأخذ عنه وصنف كتبه في حياة أستاذه، فاستجادها ووقعت عنده موقع القبول، وهو كثير الاعتزاز بأبي علي، كثير الرواية عنه في كتبه، وهو يثني عليه الثناء الجم، يقول في كتاب الخصائص: "ولله هو وعليِه رحمته، فما كان أقوى قياسَه، وأشدَّ بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه، فكأنه إنما كان مخلوقا له، وكيف لا يكون كذلك، وقد أقام على هذه الطريقة مع جِلَّة أصحابها، وأعيان شيوخها سبعين سنة..".[1]
    - صحبته للمتنبي:
    اجتمع ابن جني بالمتنبي بحلب عند سيف الدولة بن حمدان، وفي شيراز عند عضد الدولة. وكان المتنبي يجله، ويقول فيه: هذا الرجل لا يعرف قدره كثير من الناس.
    وكان المتنبي إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح.
    وكان أبو الطيب المتنبي إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب، حصل فيه إغراب، دل عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور ابن جني فسلوه فإنه يقول ما أردت وما لم أرد.
    وترجع مقالة المتنبي الأخيرة إلى سعة علم ابن جني، وتشعب مذاهبه، فقد يقع له في الكلام من المعاني ما لم يقع لقائله.
    وكان ابن جني يحسن الثناء على المتنبي في كتبه، ويستشهد بشعره في المعاني والأغراض، ويعبر عنه بشاعرنا، ويقول في الخصائص: "وحدّثني المتنبي شاعرنا وما عرفته إلا صادقا..".[2]
    وقال:" ذا كرتُ المتنبئ شاعرنا نحوا من هذا وطالبته به في شيء من شعره فقال: لا أدري ما هو إلا أن الشاعر قد قال:

    لسنا كمن حلّت إياد دارها)

    فعجبت من ذكائه وحضوره مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقبته عليه من شعره. واستكثرت ذلك منه. والبيت قوله :
    [COLOR=**********]وفاؤكما كالرَبْع أشجاه طاسُمهْ[/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]

    [COLOR=**********]بأن تُسعِدا والدمعُ أشفاه ساجمُهْ".[3][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]


    [COLOR=**********]
    [/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]


    د- مذهبه النحوي:
    كان ابن جني- كشيخه أبي علي الفارسي- بصريا. فهو يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب، وهو ينافح عنه ويذب، ولا يألو في ذلك جهدا. وتراه في (سر صناعة الإعراب) في حرف النون يقول: "..كما قال الآخر:
    [COLOR=**********]أن تهبطين بلاد قو[/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]

    [COLOR=**********]م يرتعون من الطلاح[/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]


    فهذا على تشبيه (أن) ب (ما) التي في معنى المصدر، في قول الكوفيين. أما على قولنا نحن فإنه أراد (أن) الثقيلة, وخففها ضرورة. وتقديره: أنك تهبطين.
    ك شعره:
    كان لابن جني شعر. يقول ابن الأثير وابن ماكولا: "وله شعر بارد".[4]
    وكأن أساس هذا الحكم منها أن ابن جني كان يتعاطى في شعره الغريب، والمعقد من الأساليب، وأنه لم يكن يعنى بالشعر، فقد كان همه العلم، وكان غناه به، فلم يكن يحتاج إلى الشعر يستميح به. قال الثعالبي: "وكان الشعر أقل خلاله, لعظم قدره، وارتفاع حاله".[5]
    وابن الجوزي أحسن رأيا فيه إذ يقول: "وكان يقول الشعر ويجيد نظمه".[6]
    ومن شعره مرثيته في المتنبي التي نوه بها كثير من الأدباء منهم الباخرزي، وفيها يقول:
    [COLOR=**********]غاض القريض[/COLOR][COLOR=**********]وأودت نضرة الأدب[/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]


    وصوحت بعد ري دوحة الكتب







    سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه


    كما تخطف بالخطية السلب
    ما زلت تصحب في الجلى إذا انشعبت


    قلبا جميعا وعزما غير منشعب


    وقد حلبت لعمري الدهر أشطره


    تمطو بهمة لا وانٍ ولا نصب
    فاذهب عليك سلام الله ما قفلت


    خوص الركائب بالأكوار والشعب"[7]





    م- مكانته بين علماء العربية:
    احتل أبو الفتح مكانة كبرى في صفوف علماء العربية، حيث وصفه من ترجم له بجملة من الأوصاف تدل على رفعة مكانته، وعلو كعبه في ميدان علوم اللغة العربية، وهذه أقوال بعض من ترجم له تثبت ما ذكرنا.
    يقول صديق حسن خان: "كان من أحذق أهل الأدب، وأعلمهم بالنحو والتصريف، وعلمه بالصرف أقوى وأكمل من علمه بالنحو".[8]
    وقال الباخرزي: "وليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات، وشرح المشكلات، ما له سيما في علم الإعراب. ومن تأمل مصنّفاته وقع على بعض صفاته، فوربيّ إنّه كشف الغطاء عن شعر المتنبّي، وما كنت أعلم به أنّه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض[9]، حتّى قرأت له مرثيّته في المتنبّي".[10]
    ن- نهايته:
    بلغ ابن جني المنهل الذي يرده كل من على ظهرها، وألقى عصى التسيار في هذه الحياة في يوم الخميس السابع والعشرون من صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة.
    ويكاد الرواة يجمعون على سنة وفاته، إلا ما كان من ابن الأثير في تاريخه، فهو يضع وفاته سنة 393. ويبدو أن وفاته كانت ليلا, أي ليلة الجمعة. ففي فهرست ابن النديم: "توفي ليلة الجمعة من صفر".[11]
    وقد كانت وفاته ببغداد، حيث استقر في آخر أيامه. وتولى الصلاة عليه الشريف الرضى، وكانت بينهما صداقة وكيدة.
    وقد رثاه الشريف الرضى بقصيدة عامرة عدتها تسع وخمسون بيتا، مثبتة في ديوانه يقول في أولها:
    [COLOR=**********]ألا يا لقوم للخطوب الطوارق[/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]

    [COLOR=**********]وللعظم يرمى كل يوم بعارق[/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]

    وللنفس قد طارت شعاعا من الجوى


    لفقد الصفايا وانقطاع العلائق
    لها كل يوم موقف من مودع


    وملتفَت في عقب ماض مفارق


    نجوم من الإخوان يرمي بها الردى


    مغاربها فوت العيون الروامق
    لتبك أبا الفتح العيون بدمعها


    وألسٌننا من بعدها بالمناطق



    [COLOR=**********]إذا هب من تلك الغليل بدامع[/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]

    [COLOR=**********]تسرع من هذه الغرام بناطق[/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR]
    [COLOR=**********][/COLOR][COLOR=**********][/COLOR]


    هـ مصنفاته:
    لقد خلف كتبا حسانا تدل على فضله الجم وعلمه الغزير. وقد تخير لها أسماء حسانا كذلك، حتى يقال أن أبا إسحاق الشيرازي المتوفى سنة: 476 سمى بعض كتبه بأسماء كتب لابن جني، وذلك أن لأبي إسحاق المهذب والتنبيه في الفقه (فقه الشافعية)، واللمع والتبصرة في أصول الفقه. وهذه أسماء كتب لابن جني فمن كتبه:
    (التمام) وهو تفسير ما أغفله السكري من أشعار الهذليين، ويبلغ على حسب ما يذكر المؤلف أن حجمه خمسمائة ورقة، نحو نصف الخصائص.
    (سر الصناعة) أورده صاحب كشف الظنون، وذكر أن عليه حاشية لأبي العباس أحمد بن محمد الإشبيلي المعروف بابن الحاج المتوفى سنة 647.
    (اللمع في العربية) يقول عنه في كشف الظنون: "جمعه من كلام شيخه أبي علي الفارسي".[12]
    وهذا الكتاب عليه شروح كثيرة، يوجد معظمها في المكتبات مخطوطا.
    (تفسير ديوان المتنبي) ويسمى الفسر. يذكر صاحب كشف الظنون أنه في ثلاث مجلدات، ويذكر بروكلمان أنه يوجد الثاني منه في الإسكريال، وأنه يوجد منه نسخة في المتحف الأسيوي في بطرس بورج.
    ولأبي سهل محمد بن الحسن الزوزني استدراك على هذا الكتاب باسم: (فسر الفسر).
    وغيرها كثير، وهي مصنفات رائقة فائقة جيدة في موضوعها.
    2- التعريف بكتاب الخصائص:
    وكتاب الخصائص هو أعظم هذه المصنفات نفعا، وأكثرها شهرة, وهو نقطة بحثنا، وقد صنفه صاحبه ليقدمه إلى بهاء الدولة الذي تولى الملك في بغداد مع الخضوع للخليفة العباسي سنة 379 إلى سنة 403. وذلك إذ يقول في دباجة الكتاب: "هذا أطال اللّه بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد بهاءِ الدولة وضياء الملّة، وأدام ملكه ونصره، وسلطانه ومجده، وتأييده وسموّه، وكبت شانئه وعدوّه، كتاب لم أزل على فارِط الحال وتقادم الوقت، ملاحظاً له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي والرويّة إليه..".[13]
    قال السيوطي: "وضعه في أصول النحو وجدله، ولكن أكثره خارج عن هذا المعنى".[14]
    وقد اختصره ابن الحاج الإشبيلي كما في البغية[15]، وكشف الظنون[16] تحت اسم الخصائص.
    ويذكر صاحب كشف الظنون أن لموفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي حاشية على الخصائص.
    3- الدراسات اللسانية عند ابن جني:
    يحتوي كتاب الخصائص لأبي الفتح ابن جني على إشارات متعددة للدراسات اللسانية، وسأحاول عرض هذه الإشارات، ليتبن استشراف ابن جني لآفاق اللسانيات.
    1- من ناحية علم الأصوات:
    كان عمل ابن جني ذا أهمية كبيرة في كونه السباق إلى بعض النقاط التي تدل بوضوح على اكتمال نضج دراسة الأصوات عنده، ومن ذلك:
    أ- يعد ابن جني أول من أفرد للأصوات كتابا مستقلا، ويدل على ذلك قوله: "وما علمت أن أحدا من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض ولا أشبعه ذلك الإشباع".[17]
    ب- هو أول من فرق بين الصوت والحرف- حسب ما ظهر لبعض الكتاب- "فالصوت عام غير مختص".[18] في حين أن الحروف "أينما وقعت في الكلام، يراد بها حد الشيء وحدته.. وذلك أن الحرف حد منقطع الصوت وغايته وطرفه".[19]
    ج- كما تكتسب دراسة ابن جني أهمية من خلال بيانها لبعض القضايا، مثل اعتماد همزة الكسر المكسورة، لمعرفة مخرج الصوت، ومن الجدير ذكره أن الخليل كان يعتمد همزة الوصل المفتوحة.
    كل ذلك يدفع إلى القول بأن دراسة ابن جني تعتبر الأنموذج الأكثر نضجا الذي انتهى إليه النحويون القدماء، وقد ساعده تأخره الزمني عنهم، فجاء بخلاصة دراسة القدماء، إضافة إلى شرح وتفصيل الدرس الصوتي عند القدماء.
    2- من ناحية علم الدلالة:
    لقد درس ابن جني في إطار علم الدلالة- الفعل الرباعي الذي قرر أنه يتكون منمقطعين وستة (صوتيمات)، سقط صوتيم واحد من كل مقطع، بسبب إدغام المقطعين، فالفعل (دحرج)، يتكون من فعلين عند ابن جني وهما (دحر)، و(رجّ رجج)، والأول يعني دفع الشيء إلى الوراء، والثاني يعني تحريكه، ولدى اجتماع المقطعين أفاد معنى (دحرج) الذي يعني: رجّ الشيء في مكانه ليسهل دفعه إلى الوراء، وهكذا أعطى إدغام المقطعين قيمة معنوية مدلولاً مركّباً..‏
    ولدى اجتماع المقطعين في الرباعي (دحرج) أصبح للفعل (رجّ) مدلول آخر، وهو الدفع إلى الوراء بعد رج المدفوع! وذلك هو الفرقبين مدلول المقطعين كلاّ على حدة، ومدلولهما بعد الإدغام بدليل وجود الفعل(دحل) فياللغة، والذي يعني دفع الشيء إلى الوراء بسهولة اكتسبها الفعل من مدلول (صوتيماللاّم)، الذي يفيد التسهيل حيثما وقع غالباً.
    أماحرف (الراء) فيفيد التكرار في أغلب وقوعه: مرّ، جرّ، خرير، كما تفيد (الغين) معنىالغيبوبة إذا اجتمعت مع (الألف): (غاب)، (غاض)، (غادر) إلخ..‏
    فإذااجتمعت (الغين) و(الراء) و(القاف) في الفعل (غرق)، تشكل سياق جديد مركب من اجتماعالحروف الثلاثة، وأعطى كل حرف منها مدلولاً أسهم في تشكيل المدلول العام الناتج عن اجتماع الأصوات الثلاثة في المركب الجديد (غرق).‏
    (فالغين) تفيدالغيبوبة والاختفاء، و(الراء) تفيد التكرار والاستمرارية، و(القاف) تفيد الاصطدامومجموع المعانيالجزئية للصوتيمات الثلاثةتساوي (الغرق)، بحركاتهالثلاث التيأسهم في الدلالة عليها كل صوتيم.
    قال ابن جني: "وقالوا : أُفل كما قالوا: غبر لأن أفل: غاب والغابر غائب أيضا. فذاك من (أ ف ل) وهذا من (غ ب ر) فالهمزة أخت الغين، والفاء أخت الباء، واللام أخت الراء.
    وهذا النحو من الصنعة موجود في أكثر الكلام، وفَرْش اللغة، وإنما بقى مَنْ يثِيره ويبحث عن مكنونهِ".[20]
    3- من ناحية العلاقة بين الألفاظ والمعاني:
    وهو مما اتفق عليه الخليل وابن جني، وأن الحروف هي أصوات خالصة مشبها- ابن جني- صوتها بصوت الناي".[21]
    وقد عقد في الخصائص باباً لمناسبة الألفاظ للمعاني، وقال: "هذا مَوْضع شريف نبَّه عليه الخليل وسيبويه وَتَلَقَّتْه الجماعة بالقبول، قال الخليل: كأنهم تَوَهَّموا في صوت الجُنْدُب استطالةً ومَدّاً فقالوا: (صَرّ)، في صوت البازي تقطيعاً فقالوا: (صرصر).
    وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفَعَلاَن: إنها تأتي للاضطراب والحرَكة، نحو: النَّقَزَان و الغَليان والغَثيان، فقابلوا بتَوَالي حركات الأمثال تواليَ حركات الأفعال.
    قال ابنُ جني : وقد وجدتُ أشياء كثيرة من هذا النَّمَط، من ذلك المصادرُ الرُّباعية المضعّفة تأتي للتكرير، نحو: الزَّعْزَعَة والقَلقلة والصَّلصلة والقَعْقَعَة و الجَرْجَرة والَقْرقَرة. والفَعلى إنما تأتي للسرعة نحو: البَشَكى و الجَمَزى والوَلقى.
    ومن ذلك باب اسْتفعل، جعلوه للطَّلب لما فيه من تَقَدُّم حروفٍ زائدة على الأصول، كما يتقدَّم الطلبُ الفعل..
    وكذلك جعلوا تكرير العين، نحو: فرَّح وَبشَّر، فجعلوا قوّة اللفظ لقوّة المعنى، وخصُّوا بذلك العين، لأنها أقْوى من الفاء واللام إذ هي واسطة لهما ومكنوفةٌ بهما، فصارا كأنهما سيَاج لها، ومَبْذولان للعَوارض دونها، ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها".[22]
    وقال أيضا: "فأما مقابلةُ الألفاظ بما يُشاكل أصواتها من الأحداث، فبابٌ عظيم واسع، ونَهْج مُتْلَئبّ عند عَارفيه مَأمُوم، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سَمت الأحداث المعبّر بها عنها، فَيَعدلونها بها، ويَحتذُونها عليها، وذلك أكثرُ مما نقدّره، وأضعافُ ما نستشعره، من ذَلك قولهم: (خَضَم وقضم)، فالخَضْم لأكل الرَّطْب، كالبطّيخ والقثَّاء وما كان من نحوها من المأكول الرطب، والقضْمُ لأكل اليابس، نحو: قَضَمَت الدَّابة شعيرها، ونحو ذلك. وفي الخبر : (قد يُدْرَكُ الخَضْم بالقَضْم)، أي: قد يُدرك الرخاء بالشدة واللّين بالشَّظَف. فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حَذْواً لمسموع الأصوات على مَحْسوس الأحْداث، ومن ذلك قولهم: النَّضْح للماء ونحوه، والنَّضْخ أقوى منه، قال اللّهُ سُبْحَانه: (فيهمَا عَيْنَان نَضّاخَتاَن)، فجعلوا الحاء لرقتها للماء الخفيف، والخاءَ لغَلظها لما هو أقوى منه. قال: وهذا الباب واسعٌ جداً لا يمكنُ اسْتقْصَاؤُه".[23]
    قال السيوطي معلقا: "فانْظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فَاوَتَت العربُ في هذه الألفاظ المُقْتَرنة المتقاربة في المعاني، فجعلت الحرفَ الأضْعف فيها والألْين والأخْفَى والأسْهل والأهْمس، لما هو أدْنى وأقلّ وأخفّ عملاً أو صوتاً، وجعلت الحرفَ الأقْوى والأشدّ والأظهر والأَجهر لمَا هو أقوى
    عملاً، وأعظم حسّاً".[24]
    4- من ناحية علم الاشتقاق:
    يعد ابن جني أول من أطلق اسم الاشتقاق على مفردات هذا العلم، بل توسع فيه، ونوع أمثلته، فمهد بذلك الطريق أمام اشتقاق جديد يعتمد على إيجاد معنى مشترك عام للألفاظ التي تشترك في حرفين، وتتغاير في الحرف الثالث الذي يعطي الكلمة معنى مختلفا عن أختها، ويخصص ذلك المعنى لها.
    من ذلك، قوله: "واستعملوا تركيب: (ج ب ل)، و (ج ب ن)، و (ج ب ر) لتقاربها في موضع واحد وهو الالتئام والتماسك. ومنه الجَبَل لشدّته وقوّته. وجَبُن إذا استمسك وتوقّف وتجمع، ومنه جَبَرت العَظْم ونحوه أي قوّيته".[25]
    وعن وجود بعض الكلمات المركبة من كلمتين، أقر ابن جني بوجود ذلك في بعض الأدوات، نحو: (لن) المركبة من اندماج (لا) و (أن)، وكذلك (كأن) مركبة من (كاف التشبيه) و (أن).[26]
    خاتمة:
    إنهذه المناقشات والتحليلات العلمية التي أجراها العلماء -خاصة ابن جني- في تلك العصور، والنتائج التي تمخضت عنها، دليل على تفاعل علم اللسانيات بين أهله، ومروره بمرحلة علمية حيوية منذ نشوئه، واستمرار ذلك إلى قرون عديدة.
    كما تدل هذه المناقشات والتحليلات أيضا على أن العلماء القدماء كانوا على قدر كبير من الدقة والعمق في تناول الموضوعات اللسانية، وعلى جانب أكبر من استيعاب ظواهر اللغة وفهم قوانينها. والله أعلم.
    وكتبه رشيد الزات المغربي المراكشي غفر الله له ولوالديه لا تنسونا من خالص دعائكم.

    [1] الخصائص: (1/276).

    [2] الخصائص: (1/239).

    [3] المصدر نفسه: (2/403).

    [4] الكامل في التاريخ حوادث: (393). وكتاب الإكمال لابن ماكولا.

    [5] يتيمة الدهر: (1/77).

    [6] المنتظم: (7/220).

    [7] الوافي بالوفيات: (1/736).

    [8] أبجد العلوم: (3/32).

    [9] الجَرَضُ، بالتحريك: الريقُ يُغَصُّ به. يقال: جَرَضَ بريقه يَجْرِضُ، وهو أن يبتلع ريقَه على همٍّ وحزنٍ بالجهد. والجَريضُ: الغصَّةُ. أنظر الصحاح في اللغة: (1/88).

    [10] دمية القصر وعصرة أهل العصر: (1/230).

    [11] الفهرست: (ص:95).

    [12] (1/706).

    [13] الخصائص: (1/2).

    [14] بواسطة كشف الظنون: (1/706).

    [15] بغية الوعاة للسيوطي.

    [16] وهو لحاجي خليفة، واسم الكتاب الكامل: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.

    [17] سر صناعة الإعراب: (1/56).

    [18] المصدر السابق: (1/10).

    [19] المصدر نفسه: (1/13-14).

    [20] الخصائص: (2/152).

    [21] سر صناعة الإعراب: (1/8-9).

    [22] الخصائص: (2/152).

    [23] المصدر نفسه: (2/152).

    [24] المزهر في علوم اللغة: (1/44).

    [25] الخصائص: (2/149).

    [26] سر صناعة الإعراب: (1/304-305).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    2,719

    افتراضي رد: الدراسات اللسانية عند ابن جني من خلال كتاب الخصائص

    بحث رائع

    أحسنت أحسن الله إليك

    لشدما أحب هذا العلم الفذ رحمه الله
    لا تعجبوا لغياب قلبي عنكمُ
    فلسان حالي قائلٌ :

    ثكلتك أمك.......لا أبا لك مدلهم !
    فكيف تنعم بالحياة......و صُير الإسلام رمّ !
    و كيف تسعد بالنعيم.....و أهل دينك في عمم !
    و كيف جرعات المياه.......و يجرع الإسلام سم !
    مـــاذا فـــعلت مـــباذلاً.....ديناً و مـــالاً أو بـــعلــــم ؟!

    خــذهـا و لا تـتـرددن.....فاهنأ بنومك أو فـقــم !!
    إن لم تعش ذخراً لدينك......موت مثلك لا يهم !

    -: حـــوار شعري مـــع صـــوفـــي :- | -:رمضان ولى فاسقنا يا ساقي !:-
    -:مــتــفرد بــمــنــاحــتــي مــتــفــرد:-
    بالله عليك لا تبخل علي بالأجر و استمع
    http://www.archive.org/download/qura...ssam/Audio.mp3
    بفرط تصفحي و كثير سعيي......... سئمت من المجاجة و المجون
    و أحـمد ربـي الأعلـى بـأني......... رزقـت الآن أن قــرت عـيـونـي
    بصحب قد رأيت -ولا أزكي-.........حــريــاً أن تـشـيـد بـه مـتـونـي
    أحـبـكـم الـفــؤاد بــلا لـقــاء.........و في أشخاصكم حسنت ظنوني
    و أغبطـكم على جـهد جـهيد.........بـرد الـنـاس لـلـديـن المصون
    وقد ألقيت نفسي في حماكم.........عـلى أمـل بـأن تـتـقـبـلـوني


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    64

    افتراضي رد: الدراسات اللسانية عند ابن جني من خلال كتاب الخصائص

    أشكر أخي الحبيب المفضال المدلهم على كلماته الطيبة وشعوره الرقيق وتعليقه الرائق وأسأل الله أن يجمعني وإياه وسائر المسلمين تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
    أخوكم وزات المغربي المراكشي

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •