صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 54

الموضوع: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    50

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    بارك الله فيك
    نرجوا المواصلة

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    1,577

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    الشريط الرابع عشر
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
    ثم أما بعد ،،،
    في الواقع معنا تتمة قصيرة في الكلام على من يرون حتمية المواجهة العسكرية لكي نكون مررنا على جميع البحث وإلا فهي قد جاء فيما في معناها في ثنايا الكلام على مراحل تفسير الجهة القضائية .
    واتسع المقام أيضاً ، وقد نعطي تتمة أخرى قصيرة في الكلام على الحل البرلماني كتعليق على بعض المحاضرات التي طرحت مؤخراً في اتساع من هذا الاتجاه .
    كنا انتهينا من بحث ـ السلفية ومناهج التغيير ـ والكلام على من يرون حتمية المواجهة العسكرية إلى قوله " هل الجهاد هو الخروج على الحكام فقط "
    هذه قضية تكررت معنا عدة مرات وهي أن البعض يأتي في مسألة ما ويبالغ في أهميتها ، فإذا كانت مسألة من الدين فكل مسائل الدين هامة ، ولكن يأتي ليبالغ ، وهذه المبالغة تصيبه بخلل في إنزال الأمور منازلها .
    كل أمور الدين هامة ، ولكن بعضها أعلى من بعض ، الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، فهذه تدل على أن جميعها أهم ولكن هناك ترتيب بين هذه الشعب ، فيأتي البعض يبالغ بين أهمية شيء ما فينزله فوق منزلته ، سيأتي هذه في السرد على امور أخرى .
    الأخطر من ذلك أنه يحاول أن يوظف ذلك في الغلو وليس فقط في أهمية هذا الشيء بل الغلو في الفهم وفي تطبيقه ، يقع هذا كثيراً ممن يتبنون حتمية المواجهة العسكرية ويسمون كل مواجهة عسكرية جهاداً ، وليس كل مواجهة عسكرية تسمى جهاداً ، الجهاد له صراطه وسبيله الذي ينبغي أن يسلك كما سيؤكد في تتمة هذا البحث .
    عند يغلوا إذا قلت له اضبط الأمر بالضوابط الشرعية يكون الجواب أن حاصل تطبيق هذه الضوابط ألا نجد مسرح ولا نجد متسع للجهاد ويسمونه الفريضة الغائبة ، ومن الكتب التي تمارس ضغط نفسي كبير على شباب الصحوة لكي ينضم إلى هذا الاتجاه كتاب ـ الفريضة الغائبة ـ ومسمى الفريضة الغائبة مسمى له واقع شديد على النفس ، نقول لو افترضنا لو أن هناك فريضة ما هي في الأصل فريضة ومقتضى تطبيق القواعد الشرعية يقول أنها يجب أن تترك الآن فيجب أن تترك الآن ، هذا امر واضح جداً ، وحتى لو ابتعدت عن الخلافات بين الاتجاهات الإسلامية وقلت الآن إذا عاهد الإمام من يليه من الكفار وصار بينه وبينهم معاهد فهذه المعاهدة يجب الوفاء بها ، يأتي إنسان يريد أن ينقض العهد ثم إذا كلمته يقول أن هذه المعاهد عطلت الجهاد والجهاد أصبح فريضة غائبة ؟ ، ليست غائبة بل هي فريضة موجودة ولها شروطها وإذا كان هناك من له عهد صار ممن لا يقاتل ، إذن هذا القتال الذي كنت تقاتل المعاهدين ليس جهاد .
    حال وجود الإمام الشرعي الذي أعطاه الشرع سلطة تقدير المصالح والمفاسد في موضوع المعاهدة مع الكفار وعاهد الكفار فهل نسمي هذا أنها صارت فريضة غائبة ، وإذا كان كذلك فلابد من فعلها بأي ثمن من الأثمان ؟ ، لا .
    وبالتالي يقولون أن الجهاد فريضة غائبة ، نقول إذا لم يوجد مجال لعمل هذه الفريضة إذن هي ليست فريضة بهذه الشروط ، هي فريضة بشروط معينة فإذا تخلفت هذه الشروط لم يعد الأمر فريضة ، وكما ذكرنا وجود أحيان يجب الفرار من أمام الكفار ، والثبات فريضة ولكن بشروط وبشروط معينة يكون الثبات مستحب وبشروط معينة يجب الفرار ، لا ينبغي حينئذ أن يأتي من يقول أين فريضة الجهاد وهل عطلتموها ؟
    وأحياناً البعض يبالغ في المناقشة ، وهناك فرق بين مناقشة أهل الباطل والعلمانيين والملاحدة وغيرها وبين أن يناقش إخوانه في الله ممن يؤمنون بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويرجعون إليهم بفهم سلف الأمة ، الأمر يحتاج إلى نوع من الإنصاف والبعد عن الإرجاف ، وأنه هل متى نسخت و من نسخها وهل محوتموها من المصاحف ، أحياناً تجد البعض يحيط المناقشة بجو من الإرهاب الفكري لا يساعد مطلقاً على ضبط الأمور الشرعية بالضوابط الصحيحة ، بل تكون الأمور تؤخذ بهذه النبرة الخطابية التي لا تفيد كثيراً .
    نقول أنه لو افترضنا جدلاً بوجود فريضة ما هي فريضة إذا كنت مستطيع وإذا عجزت يكون هناك أحوال من العجز تقلب فيها هذه الفريضة إلى الاستحباب ، مثلاً الوضوء فريضة وأحياناً يكون الإنسان جرح جرحاً لو أصابه الماء يتضرر ولو فعل هذه الفريضة يكون قد قتل نفسه فيكون هذا مما يقتل النفس ، فلابد من اعتبارات الأمور باعتباراتها الصحيحة .
    مما يخفف واقع هذا الكلام على النفس أن تعلم أن الجهاد أشمل من القتال ، ومن يقاتلون أصناف كما بينا ، فهناك قتال الكفار وهناك قتال فئات معينة من المنتسبين إلى الإسلام ، وكل له شروطه وله أحواله ، وقد ذكرنا أنه في بلاد المسلمين حتى وإن وجد حكم بغير ما أنزل الله وحتى وإن وجد اضطهاد للدعاة في سبيل الله ونحو ذلك وغالباً ما يكون المصادمة لم تجعلها سفك للدماء ولم تجعلها وجود كثير من الشبهات ينتج عنها صد عن سبيل الله ولا ينتج عنها شيء من أنواع المصالح ، والناس منتسبون إلى الإسلام ويقبلون على الإسلام ، وهؤلاء الذين لا يطبقون الشرع مضطرون شيئاً فشيئاً إلى قبول درجة من تواجد الدعاة إلى دين الله تبارك وتعالى ووصول هذه الدعوة إلى الناس بدلاً من أن يأتي أحد ويقول حتمية المواجهة .
    كلمة حتمية لا وجود لها عند المسلم ، لا وجود له أن يقول حتمية أمر قدري سيكون فيما بعد ، بل هو يتصرف وفق الواقع ولا يقول أن هناك مستقبل بشيء حتمي ، فهذا من سوء الأدب مع الله تبارك وتعالى .
    قد يفتح الله تبارك وتعالى قلوب العباد في لحظة ، الذي يستبعد هذا يسيء الظن بالله تبارك وتعالى ، البعض يقول أنك تنتظر حتى يأتي الله بالخلق جميعاً والسنة الكونية أن يظل هناك تدافع ، نقول بل نستبعد كلمة حتمية من قاموس الكلام على المستقبل ، لا يوجد حتمية فعل كذا ، هناك واقع وهناك أحكام شرعية ونسقط الأحكام على الواقع وننظر أي واقع موجود نطبق الحكم الشرعي المناسب ، فلا نقول أن هناك حتمية مواجهة ، أنت الآن ترى الدنيا تتغير ما بين يوم وليلة ، الناظر في أحداث غزة الآن قد يوجد تحليلات سياسية ما وراء مواقف كل الدول ومواقف تركيا ومصر والأتحاد الأوروبي ، ولكن أنسب القول أن تقول أن الله تعالى يقدر الأمور وفق ما يشاء ، الأمور تتجه الآن في اتجاه ما مثلاً في أن فك الحصار بطريقة أو بأخرى ولماذا تفعل تركيا هذا ؟ ذكرنا أن هناك الجزور الإسلامية للحزب الحاكم الآن وهناك استجابه من الجيش واستجابه من الشعب ، يقولون هناك رد فعل استعباداً للاتحاد الأوروبي ، من الذي قدر وجود الاتحاد الأوروبي وأن الاتحاد الأوروبي يستبعد تركيا رغم كل ما قدمته ومن الذي قدر أن يرضى الناس بأن يكون رد الفعل محاولة مناصرة القضايا العربية ؟ كل هذه الأمور يقدرها الله سبحانه وتعالى ، ومن سوء الأدب مع الله أن نقول حتمية كذا ، ولكن نقول أنت الآن في أي واقع ادرسه وانظر ما يجب عليك بالفعل في هذا الواقع .
    إذا جاء للنفس تتفنن وتظن أن المعجوز عنه هو أهم شيء في الدين وأحياناً يظن أنه الدين كله ، نقول : لا ، حتى ولو أنه مقدور عليه ومتاح شرعاً كان هناك متسع أن نقول من أحب هذا الباب سد هذه الثغرة وترك الثغرات الأخرى لغيره ، وهذا أيضاً جانب آخر ، هنا نفرق بين من يقدم مشروع دعوي متكامل لإحياء الأمة الإسلامة وبين من يقدم مشروع خاص ، فأحياناً البعض يعجب أو يقول شيء مقبول من الخير مثلاً خروج قوافل الدعوة لدعوة العوام في المقاهي أو غيرها ، ثم لو أن هذا سيسد ثغرة دعوة العوام تاركاً الثغرات الأخرى لغيره لكان الكلام منضبط ، ولكن أن يقال أن هذا هو الطريق الوحيد والأمثل ، فمن الذي يرد على العلمانيين ومن الذي يرد على الزنادقة ومن الذي يرد على المنصرين ومن الذي يعلم الأمة الحلال والحرام ومن يميز لهم البيع من الربا ، لو قلنا أن كل قضيتنا أن الذي يلتزم اليوم يخرج ويأتي بأناس معه يصلون وربما يكون صلاتهم فيها ما فيها من التخليط وتصوراتهم عن الأمور الشرعية فيها ما فيها من الجهل ، نقول أنه لو أنه كان هناك إنسان وجد أن يسد ثغرة شرعية صحيحة أكثر من غيره يكون في الأمر متسع ، كما نقول هذا الكلام الآن على من يجاهدون الكفار في أفغانستان وفي الشيشان وفلسطين وغيرها مع أنها تظل النصيحة أن كل بلاد المسلمين تحتاج أنواع من أنواع الجهاد فالموجود في بلد يسد الثغرة التي في بلد ، ولكن لو على الأقل أنه وجد نفسه أن هذا هو الباب الذي يتقنه بأن يساعد هؤلاء فإذا خرج منهم خرج وساعد هؤلاء نقول له جزاكم الله خيراً يسد ثغرة من الثغرات لكن في أبوابها الصحيحة .
    أما أنه يأتي إنسان يصر لحبه لطاعة ما معجوز عنها في واقع الأمر ولا يجوز له أن يفعلها وفي فعلها مفاسد ويصر على أن يفعلها ثم يضيق بها حتى يصور أن الجهاد مثلاً لا يكون إلا بالسيف ثم لا يصور إلا أن يكون أمام الحكام رغم أن عنده أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسمى الجهاد بصفة عامة وأن عنده قتال الكفار له ساحاته إن كان مطيقاً للوصول إليها بدون مفسدة أيضاً وإلا كثيراً من الأحيان لا يصل إلا إلى حيث يؤتى ويبتلى دون أن ينفع إخوانه بشيء .
    لذلك يقول هنا تحت عنوان الجهاد والخروج على الحكام فقط
    يقول : " الجهاد إذا أطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى ولا ننصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد .
    فهو كما يقول ابن القيم أربع مراتب
    جهاد النفس ، جهاد الشيطان ، وجهاد الكفار ، وجهاد المنافقين .
    فجهاد النفس مقدم على جهاد العدو ، فإنه إن لم يكن يجاهد نفسه أولاً بفعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لا يمكنه جهاد عدو بالخارج ، فكيف يكون جهاده جهاد والعدو الذي بين جنبيه قاهر له ومتسلط عليه لم يجهاده ولم يحاربه في الله ؟!!
    إذن يوجد جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار والمنافقين
    جهاد النفس مقدم على جهاد الكفار في الخارج من حيث الترتيب المنطقي للفعل وليس كما يظن البعض فيقول أن الحديث ضعيف السند ومعنى المتن مخالف لما في الأدلة الشرعية وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأصحابه بعد أن رجعوا من غزوة من الغزوات رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، كيف وجهاد الكفار يتضمن جهاد النفس وزيادة ، بل أعلى درجات جهاد النفس أن جعلها تترك ما لها وتجود بنفسها وتجاهد الكفار ، فجهاد النفس مقدم لأنه أصل وجهاد الكفار لا يكون جهاد صحيحاً مؤدياً لأغراضه إلا إذا كان نابع من جهاد النفس أولاً ، وإلا فقد يحدث للإنسان حمية أو شجاعة ولكن جهاد الكفار الشرعي لابد أن يكون معه جهاد للنفس ، بعثه من حيث المعنى المتحقق في نفس الإنسان ، وليس معنى ذلك لو افترضنا جدلاً ان هناك جهاد شرعي سواء جهاد دفع أو طلب ولاسيما جهاد الدفع فالعدو يأتي وتقول أنا مشغول بجهاد نفسي الآن .
    القضية ليست مراحل متعاقبة بل هي مراحل متوازية ولكن من حيث البناء المنطقي تعرف أن جهاد النفس أصل ينبني عليه الجهاد .
    حتى من ابتلي إذا كان هناك جهاد طلب وهناك من يعد نفسه للخروج عليه أن يكون من أهم جوانب الإعداد التي يحرص عليها إعداد نفسه ومجاهدة شهوات نفسه .
    إذا هاجم العدو بلد وتدافع أهلها بجهاد الدفع ينبغي أن يعرف أنه إن كان فعل الواجبات وترك المنكرات واجباً عليه في كل وقت فهو الآن أوجب وهو يقاتل عدوه لأن المسلمون إنما يقاتلون بأعمالهم ، فهذا هو المقصود أن جهاد النفس نقدم على جهاد العدو في الخارج سواء الكفار او المنافقين .
    يقول : " وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : الجهاد جهادان : جهاد الطلب أي طلب الكفار في عقر دارهم وجهاد دفاع والمقصود منهما جميعاً هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعلاء دين الله في أرضه وأن يكون الدين لله وحده "
    ومن هنا تكون الدعوة إلى الله جهاداً شرعياً ، قال تعالى { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا } [الفرقان/52] فجاهدهم بالقرآن ، فلا تطيع الكافرين في مناهجهم وشركهم وما يدعون إليه ولكن جاهدهم بالقرآن واقرأ عليهم القرآن واشرح لهم القرآن وما فيه من توحيد وما فيه من تشريع ، إذن الدعوة إلى الله سواء كانت موجهة للكافرين أو موجهة للمسلمين من باب تعليمهم أو موجهة للمسلمين الذين يستهدفهم الكفار لمحاولة إدخالهم في طاعتهم ، والآن أنواع من الجهاد للكفار ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمسلمين والكفار فهذا نوع من جهاد الكفار في القرآن { وجاهدهم به جهاداً كبيراً } يقول والآية مكية ، يعني هذا كان قبل مشروعة جهاد السيف ، ولكن كان المقصود هنا أن جاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً .
    يقول : وعلينا أن ننظر إذا أتى الحاكم ما يستوجب العزل هل عندنا لعزله ؟ أم ابتداءاً ننظر هل اتى لما يستوجب العزل أم لا ثم ننظر هل توجد استطاعة أم لا وهل المصلحة متحققة بهذا العزل أم هذا منكر سيزول ويخلفه منكر أعلى وسيتجلب الشر على البلاد والعباد ويتسلط الكفار على المسلمين .
    البعض يغفل فرق جوهري ، فأحياناً يتكلم على من يحكم بغير ما أنزل الله فيقول أنه مرتد والمرتد شر من الكافر الأصلي ، وهذا فيه نوع من الجمود في تطبيق النصوص ، أولاً أنكر قضية العرف بالجهل والتأويل وعامة هؤلاء يذكرون تأويلات تكفي شبهة مانعة من التكفير ، فهذا لابد من اعتبار هذا ، حتى لو أنك وصفت الفعل نفسه بأنه كفر أكبر ، طبعاً نعلم أن بعض الدعاة إلى الله تبارك وتعالى صاروا يتساءلون جداً في محاولة توصيف الأمر بين الكفر الأصغر ، هذا فيه خرق للإجماع لأنه نقله ابن كثير وغيره ، ولكن نحن نقول أنه كفر أكبر من حيث النوع وأما المعين فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة وبذلك يصطلح الجميع على قول فيه الانتصار للأدلة الشرعية وفيه مراعاة لواقع هؤلاء ، واقع انتسابهم للإسلام وأن الانتساب للإسلام يفرض درجة ما من التعامل مع دين الله تبارك وتعالى من السماح لنشر دين الله تبارك وتعالى ومن الشعور بأن الانتساب الإجمالي للإسلام رصيد دفاعي للأمة ، يختلف الأمر والأمرة تشاهد الحال عندما تسلط الكفار ، وانظر مثلاً إلى حال فلسطين وغيرها من البلاد العربية ، فإذا كانت هذه لا تحكم بما أنزل الله وهذه لا تحكم بما أنزل الله ، ولكن انتساب هذه البلاد إلى الإسلام وانتساب أهل السلطان فيها إلى الإسلام ودفعهم بتأويلات معينة وأعذار معينة عندما يطالبوهم بالحكم بما أنزل الله ، هذا كما ذكرنا تأويل قد يمنع من التكفير من جهة ، وهو كأمر واقع يجعل البلاد فيها قابلية لقبول الإسلام والدعوة إلى الإسلام ، وقابلية لأن عوام المسلمين العصاة يسمعون الدعوة إلى الله ويتسجيبون لذلك على النحو الذي ذكرنا .
    فلا نزيل المنكر ونستجلب الشر والبلاء على البلاد والعباد ويتسلط الكفار الصرحاء الذين يحاربون وجود الإسلام بدرجة أشد شراسة .
    يقول : " ومن المعلوم أن شرع الله مصلحة كله ولذلك لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن سلول رأس المنافقين وقال : ( فكيف تتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ) "
    ثم يقول : " تحت عنوان الجهاد له سبيله وصراطه "
    يقول : " حاجتنا شديدة لسلوك صراط الله المستقيم حتى ننقتل من ضعف إلى قوة ومن ذل إلى نصر ، ولابد من ذلك من اتباع السياسة الشرعية في حالة الضعف والقوة وهذه السياسة يجب أن تكون ربانية وعلى منهج الأنبياء ، والغاية لا تبرر الوسيلة ، بل الغاية والوسيلة كلاهم يجب أن تكون مشروعة لقضية في غاية الأهمية "
    لقضية أن الغاية لا تبرر الوسيلة ، لكن الذي يوجد عندنا أن الوسائل المباحة إذا استعملت لغاية ما أخذت حكمها ، الوسائل المباحة لها أحكام مقاصدها ، فإذا كان هناك من في التعلم من مكبرات الصوت أو إحضارها أو استعمالها أوشراءها فهذه هي الوسيلة الأصل فيها الإباحة تستعمل في المساجد لرفع الأذان وخطب الجمعة ودروس العلم وتستعمل لأماكن اللهو والفسق وغير ذلك ، هذه الوسيلة الأصل فيها الإباحة ولها حكم مقصدها ، ولكن الوسيلة المحرمة لا تصير مباحة إذا ما قيل أنها يقصد بها أمر مشروع ، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة ، وتجد أن الشرع كله شاهد بالنهي عن وسائل يمكن أن تستعمل ويقال أنها يراد منها غايات مشروعة في الجهاد نفسه ، النهي عن الغدر قد يقال أن هذا وسيلة للانتصار على الكفار وهو غاية مقصودة ، ولكن الوسيلة إذا كانت محرمة لا يجوز أن تستعمل بزريعة أن الغاية مباحة ، الغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة .
    يقول : " بل الغاية والوسيلة كلاهم يجب أن تكون مشروعة وليس التميكن في الأرض بغاية مقصودة لذاتها بل هي من وسائل الدعوة لتحقيق العبودية لله في أكمل صورها ، وهي في ذات الله منة من الله ليست بيد أحد سواه ، قال تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } [الحج/41] والواجب علينا أن نعيش علينا طاعة الوقت سواء مكن لنا أم لم يمكن ونحذر الابتداع والانحراف ، وأول ما بدأ به الرسل في دعوتهم الدعوة إلى الإيمان والتوحيد
    "
    هذا جانب آخر من جوانب الاستدلال ، بمعنى أننا استدللنا بالأصول الشرعية والأدلة وبيان مراحل تشريع الجهاد وأنه يعمل بكل منها بحسبه ، ثم أن هذه هي سنة الأنبياء والمرسلين عموماً وكأن السنة الكونية لا يأتي بتغير إلا بتغيير النفوس أولاً وتغيير نفوس طائفة كبيرة قادرة على قيام التغيير في الأمة وإلا فلا يكون واحد أو اثنين ويكون للناس جميعاً تصوراتهم ومنطلقاتهم التي ينطلقون منها ، بل لابد أن يوجد طائفة مؤمنة قادرة على أن تصبغ المجتمع بصبغته ، هذه الطائفة ترى على هذا المنهج .
    يقول الشيخ الألباني رحمه الله : " الواجب هو العمل لأهم والأهم هنا هو إصلاح عقائد المسلمين وتزكية النفوس والدعوة على التصفية من البدع والدعوة على التوحيد ، ولابد لنا أن نتعلم أحكام الجهاد فلابد من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة ، وكما أن للصلاة شروطاً يحرص المسلم على تحقيقها كالطاهرة واستقبال القبلة وستر العودة ودخول الوقت ، فكذلك لا يصح الجهاد بغير شروطه ، والقتال إنما يكون بين معسكرين وجيشين وفريقين أحدهما مسلم والآخر كافر أو مستحق للقتال ، كما هو الحال في أفغانستان الآن ـ طبعاً هذا الكلام قديم أيام حرب الروس لأفغانستان وكانت الحرب بين المجاهدين وبين الروس ـ يقول : وأما عند الاختلاط فلابد أن تضيع دماء المسلمين وتحدث المفسدة ولا تحقق الغاية كما حدث في معارك سوريا مثلاً " مع أن الطائفة النصيرية والطائفة العلوية التي ينتمي إليها أهل الحكم في سوريا وطبعاً هم في الأصل علويين ، ولأنهم يعرفون أن أهل السنة يكفرون العلويين فقد استخرجوا اعتراف من إيران قبل قيام الثورة الإيرانية باعتراف من إيران في وقت حكم الشام بأن العلويين إحدى طوائف الشيعة الإثنى عشرية بحيث يتهربون من الحكم بالكفر الذي يحكم أهل السنة به على العلويين ويأخذون حكم الابتداع الذي يحكم به جمهور أهل السنة على الشعية الإثنى عشرية وإلا فهناك من يكفرهم كما الراجح ليس كذلك كما أشرنا من قبل .
    مع أن هؤلاء من شر الناس ولكن تمكنهم وتكلمهم باسم الإسلام وعامة الإسلام يرون أنهم مسلمين وبالتالي يتعاون معظم الناس معهم كانت مذابح عندما حاول بعض الإسلاميون في سوريا الخروج على نظام الحكم هناك ، وهي مذابح ما زال يحكي عنها التاريخ إلى الآن ولم تحقق الدعوة هناك بل ما زالت الدعوة الإسلامية في سوريا من أكثر البلاد تأخراً من جراء هذا الصدام الدامي الذي كان بين نظام الحكم هناك وبين جماعة الإخوان المسلمين .
    يقول : " لهذه الأسباب وغيرها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم جهاده بالدعوة وإعداد المؤمنين إعدادا روحياً وبدنياً لتحمل أعباء الجهاد بالسيف ، ثم كانت الهجرة حيث بدأ جهاده بالسيف وتوالت عليه أحكام الجهاد ، فينبغي علينا أن نتحمل سنن الجهاد حتى لا تتحول ديارنا إلى ساحة حرب بين المسلمين أنفسهم ، وحتى لا يكون حماسنا وطموحنا على حساب سنن الله في النصر والهزيمة ولا يدفعنا التهور إلى الوقوع فيما وقع فيه غيرنا ، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة في السنة السادسة عام الحديبية حفاظاً على حرمة المسلمين الذين كانوا سيقتلون مع من يقتل وتأخر بذلك الفتح سنتين علماً بأن مكة يومئذا دار حرب والكعبة كانت مليئة بالأصنام ولو حدث قتال يوم الحديبية لانتصر المسلمون على المشركين ، لذلك يقول الله تعالى { ولو قاتلكم الذي كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً } وكما أشرنا من قبل أنه لا يقاس فعل المخلوق على فعل الخالق إلا من باب معرفة العلل الشرعية فيعرف مقاصد الشريعة عموماً ثم تستصحب هذه المقاصد في الاستنباط ، وكما قلنا في الجيش الذي يغزوا الكعبة فيخسف الله بأولهم وآخرهم وفيهم من ليس منهم ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فقال : ( يبعثون على نياتهم ) احتج به البعض على أنه يجوز أن يضع ما يعم ضرره في طرقات المسلمين لكي يستهدف شخص معين أو مجموعة معينة ثم إذا قيل له هذه الأرواح المعصومة يقول يبعثون على نياتهم ، نقول هذا مصادم لموقف آخر أكثر وضوحاً وهو عام الحديبية وكيف أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع شدة شغفهم بأن يدخلوا المسجد الحرام معتمرين على الأقل ، وقد أخبر الله عز وجل أنهم لو دخلوه فاتحين لفتح الله لهم ولكن منعهم من ذلك وجود مؤمنين يكتمون إيمانهم ، فهذا أصرح وأوضح ويدل على ان الحفاظ على أرواح الؤمنين طالما أن القضية تأجيل نصر ما أو فتح ما يؤجل حفاظاً على أرواح المسلمين ، ولكن الذي نتعمله من قضية الخسف بأنه إذا استحق جماعة ما القتال ووجب قتالهم وكان في تأخير قتالهم مفسدة فلا يلزم حينئذ المؤمنين المقاتلين لهم أن يميزوا آحادهم وإذا كان الله تبارك وتعالى قادر على تمييز أحدهم وعمهم بالعقاب فالمسلم الغير القادر على تمييز آحادهم رغم أنهم يستحقون القتال ولو تركهم لزادت المفسدة ، ولذلك قول الإمام مالك رحمه الله في قضية الترس ، إذا تترس الكفار بأسارى المسلمين ذكرنا أنه إذا حدث وتترس الكفار بأسارى المسلمين نفرق من أنه إذا كانوا إذا تركناهم خوفاً على أن نقصد هؤلاء الأسرى فلو إذا تركناهم أخذوا مزيد من الأرض وأخذوا مزيد من الأسرى فإذن المفسدة تزيد ، ونحن نخشى من قتل عدد معين من الأسرى فهم يأسرون غيرهم ، ويعتدون ويأخذون بيضة الإسلام ، فحينئذ قال الإمام مالك : يقاتل ويتقي الأسرى ما أمكن يعني إن كان يستطيع أن يميز يميز ، وإن كانوا في حصن وفي موقف دفاعي ويتخذون هؤلاء الأسرى نوع من حجز المسلمين ومنعهم من فتح هذا الحصن ، قال : فترك حصن يقدر على فتحه أولى من قتل مسلم .
    في الواقع أن هذا الكلام متين جداً وتستطيع أن تلحظ الفرق بين الحالتين أوتخرج الحالتين على قصة الجيش الذي يغزوا الكعبة في أنه لا يلزم متى صار القتال متلاحم أو مفروض لا يتمنع حتى وإن لم يمكن التمييز ، وأنه في حالة الذي يحدث هو تأخر نصر ما أو تأخر فتح ما فحينئذ يمسك عن ذلك .
    يقول : " واليوم نحتاج إلى دعوى تزيد إمكانات العاملين لكي نحبس بها دماء المسلمين حتى لا نخرج من نكبة إلى نكبة ومن فتنة عمياء إلى أخرى أشد عمى ونكون كمن يلدغ من نفس الجحر ألف مرة "
    في الواقع هذا ينطبق على الحل العسكري وعلى الحل البرلماني ، بمعنى أنه تتكرر دائماً التجارب ويلدغ المسلمون من نفس الجحر ، أقصد أن الحل العسكري بصورته التي زكرنا أنها صورة غير مشروعة ومع ذلك الحماس والاندفاع والرغة في تحقيق نتائج سريعة ، ويحكون في ذلك طرفة عن جحا ، ونحن نعلم أن هذه الطرف غالباً تكون غير صادقة ولكن أحياناً الذي يضعها يضعها كنوع من المثال لكي يبرز طريقة خلل ما في التفكير ، وهذا الخلل الذي تدركه هذه الطرفة خلل مستشري حتى عند خواص الناس :
    يقولون أن رجلاً وجد جحا يبحث عن شيء ما ، فقال له : عما تبحث ؟ ، قال أبحث عن نقود وقعت مني هناك ، قال : ولما تبحث عنها هنا ، قال له : يا أحمق أتريدني أن أبحث في الظلام ؟! .
    في الواقع هذا النموذج يبرز خلل يفعله كثير من الناس ، ولكن ليست في هذا الوضوح ، قضية مركبة معقدة ولكن في النهاية تجد أن من فرط تعقيد القضية وفرط غلبة التعجل ونحو ذلك على من يقيس الأمور ويتصرف بنفس هذه الطريقة ، فتقول له الآن لابد من الدعوة ولابد من التربية وأن سفك الدماء لا يكون إلا بفساد عريض وتأخير للدعوة ، فتجد دائماً الإجابة بأن أمامك رضح من الزمن وهذا أمر طويل .
    في الواقع هو لا يطابق هنا بين مثلاً وسيلتين مواصلات يسيران في نفس الاتجاه إحداهما مسرعة والأخرى بطيئة وإلا كان كل العقلاء اختاروا المسرعة ، هذا ممكن يكون يختار بين وسيلة مواصلات بطيئة في الاتجاه الصحيح ووسيلة مواصلات سريعة في عكس الاتجاه ، فالسرعة ليست هي المعيار هنا ، بل حتى الوقوف وأنت متجه الاتجاه الصحيح أكثر بكثير من السير عكس الاتجاه ، لأن البعض أحياناً يتكلمون عن السلبية ويقول أنتم بهذه الطريقة تكونون سلبيين .
    وكما ذكرنا أن هنا سطر نقرأه لننتهي من هذا ونعلق فقط على جزية السلبية كأحد عناصر التتمة التي ذكرنا أننا سوف نتكلم عليها في قضية الحل البرلماني .
    يقول هنا : حتى لا مخرج من نكبة إلى نكبة ومن شدة عمياء إلى أخرى أشد عمى ونكون كمن يلدغ من نفس الجحر ألف مرة فالمنكر يخلفه من المنكرات والآثام والمصائب ما يتضاءل أمامه المنكر المزال ويقولون بذلك نخرج من بلاء أقل إلى بلاء أعظم وينفر الناس عن الدين الذي يرونه وسيلة للفتنة والقتل ، لذلك نقول قرأنا هذا البحث فيما يتعلق بأصحاب المواجهة العسكرية بتمامه ويبقى لنا في هذا البحث الكلام على من يرون الحل الفردي ولكن قبل هذا كما ذكرنا معنا تتمة في الكلام على الحل البرلماني :
    في الواقع نأخذ طرف منها الآن فيما يتعلق بجزية السلبية ونعيد بتمامه في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى لأنه انتشر على المنتديات الإخوانية في الفترة السابقة تزامناً مع انتخابات مجلس الشورى 2010 ، شريط محاضرة للدكتور عبد الرحمن البر تحت عنوان " الانتخابات شبهات وردود " في الواقع أن كلامه أمثل من كلام غيره الذين انخرطوا في السياسية ، وطبعاً الدكتور عبد الرحمن البر الآن هو مفتي جماعة الإخوان ولكن للأسف هو يتكلم عن واقع آخر غير الذي نعيشه تماماً ، فمثلاً يقول في موقف الجماعة من الأحزاب : " ما المانع أن تقبل الجماعة بوجود الأحزاب التي قبلت الدستور الذي ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ، فإذن نحن قبلنا الأحزاب التي تقبل الشريعة "
    كلام حسن جداً ولكن يوجد أحزاب تصرح أنها تريد أن تغير الدستور ، وتصريحاً تريد أن تغير لماد الثانية من الدستور ، وهذه الأحزاب يتعاون معها الإخوان ويتحالف معها حتى في انتخابات مجلس الشورى لم ينجح من الإخوان أحد ونجح أربعة من الأحزاب المعارضة في جميع أنحاء مصر أحدهم عضو عام جزب التجمع ، وقيل أن هذا فاز لأنه مدعوم من الإخوان وحزب التجمع من أشد الأحزاب رفضاً لذكر كلمة الإسلام في الدستور أصلاً .
    فالمقصود أن كلام الدكتور عبد الرحمن البر حاول فيه ألا يدافع عن قضايا خاسرة شرعاً ، بمعنى أن يقول لا بأس في ذلك والحرية مقدمة على الإسلام والدعوة على الحرية مقدمة على الدعوة على الإسلام كما قد يقول غيره ولكنه في النهاية اضطر يوصف الواقع توصيف غير موجود ، وأنه الآن القبول بالأحزاب لأنها قبلت بالشريعة ، في الواقع لو كانت الأحزاب قبلت بالشريعة لكان أيضاً نصحنا الدعاة إلى الله أن ينشغلوا بالدعوة ويتركون هذه الأحزاب التي قبلت الشريعة هي التي تخوض غمار التجربة طالما أنها في النهاية تريد أن تطبق الشريعة ، لماذا ننافسها ؟ لأنه أيضاً في المقابل ذكر ضوابط الترشيح وهذا الضابط لا وجود له في النظام الديمقراطي مطلقاً ، وأن من الضوابط ألا يتشرع الإنسان أمام من هو أكفأ منه وأنه يحرم ـ طبعاً لو سمعوا الديمقراطيون هذا الكلام لضربوا كفاً بكف " في الواقع أن الدكتور عبد الرحمن بر في هذا الشريط وغيره من الأطروحات وأصحاب الحل العسكري كلهم يدندون حول قضية " لا تكن سلبيا ً" و " وجوب الإيجابة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " إلى غير ذلك من الأمور ، وتتخذ بصور مختلفة ، فبالنسبة للجهاد يقول أنتم جعلتم الجهاد فريضة غائبة ونسختم مشروعية الجهاد من تلقاء أنفسكم وأصحاب الحل البرلماني يقولون أن الانتخابات شهادة ولا يحرم كتمانها .
    نقول : ما هي الإيجابة وأنتم تقولون بالإيجابية وتنهون عن السلبية إلى آخر هذا الكلام ، هل الإيجابة أن أسير عكس الإتجاه ، أنا الآن أسير في الطريق وأجد أمامي سد أحاول أن أزيله أما أن أسير عكس الاتجاه ، التنازلات والرضا بالعلمانية والرضا بغيرها هي سير عكس الاتجاه ، حتى ولو كان فيها بعض من المصالح ، فالآن البعض يقولون أن تركيا التي لا تعجبكم هي التي تدافع عن قضايا الفلسطينيين ، طبعاً نحن نقول أن الإسلاميين في تركيا قدموا أشد أنواع التنازلات أكثر من غيرهم ، فهل لو وضعنا في الموازنات أن الجمهور التركي الذي يسمع كل يوم احترام هؤلاء الإسلاميين للديمقراطية ؟ نحن نعلم أنا وأنت أن هذه تقية كما يقولون ولكن هل الشباب التركي الذي تربى على العلمانية وعلى تعظيم العلمانية يعرف أن هذه تقية ؟ بل يفسد له دينه ، نحن نريد أن ندافع عن مليون ونصف في غزة نفسد دين الملايين في العالم كله ؟ ، فبلا شك دور تركيا أدخل البهجة والسرور على الناس ، ولكن لو من الأول الاختيار لنا بأنهم يصلوا أو لا يصلوا وأن الثمن أن يقروا العلمانية ويدافعوا عنها لما قبلنا هذا الثمن مطلقاً ، فالإيجابة أن تتحرك في الإتجاه السليم وليس أن تتحرك عكس الاتجاه ويقال هذه إيجابة .
    في هذه الطرفة التي نذكرها أن جحا يبحث في النور وهو كلام منطقي فهو لا يريد أن يبحث في الظلام ، احتمال أنه إذا بحث في المكان الذي ضاع الشيء فيه فهناك احتمال أن يجد الشيء مع وجود الظلام او على الأقل هو منتظر حتى يأتي النور أما أن يبحث في مكان منير فيكون منه عمل دؤوب وعمل وحركة وبحث حقيقي ولكن مستحيل أن يصل ، البعض أحياناً ينشغل بأن يعمل ويتحرك وأن يجري ، بالضبط كوسيلة المواصلات التي تسير عكس الاتجاه .
    سنعود هنا أنهم عندما يقولون إيجابية أم سلبية فنقول أنتم تسيرون عكس الاتجاه فلا تكلمني في السرعة والحركة طالما أنك لا تسير في الاتجاه الصحيح ، فيقول بل هو في الاتجاه الصحيح فنعود إلى نقطة البداية . فإذن القضية ووصف الأمر بأنه سلبية وإيجابية لن يقدم أو يؤخر كثيراً ولكن يبقى ابتداءاً بأن بعد أن نتفق أن هذا هو الطريق الصحيح لك أن تستنفر المتكاسلين وتقول له لا تكن سلبياً ، فهذه نقاط لابد أن يعيها من يعلمها ، وإلا أيضاً خصوصاً في الانتخابات أو حتى في الحل العسكري فتجد أحياناً كما أشرنا في تاريخ الجماعات للمواجهة المسلحة وجماعة الجهاد المصرية رسمياً حتى الآن نعم منظرها الأول تراجع عن كثير من أفكاره لكن الجماعة رسمياً حتى الآن ما زالت على أفكارها ولكن أعلنت وقف العمليات من جانب واحد ، هل صار الجهاد فريضة غائبة في حسهم ؟ ،نحن كنا مغيبين لهم من وجهة نظرهم ، هم عندما أعلنوا وقف العمليات من جانب واحد هل صاروا مغيبيين أيضاً للجهاد ؟ أم أن الأمر مع من يختلف ؟ وإذا كان يختلف ما الفرق ؟ .
    يأتي أيضاً أصحاب الحل البرلماني يقاطع انتخابات معينة من أولها أو يأتي أثناء سير الانتخابات وينسحب فمن الذي أعطاه حق الانسحاب ولماذا كان الانساحب أثناء العملية يختلف عن الانسحاب في أول الأمر ، إذن هناك معايير معينة ،تجده يقول لا فائدة وأن هذا تضييع للوقت وإهدار للطاقات وتجميل لعملية التزوير وديكور ديمقراطي ، فهذا الكلام كله يقال أحياناً ولكنه يمنع الآخرين من أن يكون هذا موقفهم الثابت ، في ظل أن المعطيات لا تتغير كثيراً من مرة إلى أخرى فهل هنا ينقلب الأمر إلى أنهم كتموا الشهادة أن أنهم أصبحوا سلبيين .. إلى آخر هذه القائمة من الاتهامات ، فهذه القضية لابد من مراعاتها متى نتكلم عن الإيجابية وعن السلبية وعن السرعة وعن البطء وعن .. وعن . . وعن عندما نتفق أن هذا هو الطريق الصحيح .
    نكتفي اليوم بهذه التتمة على أن المرة القادمة إن شاء الله نعطي تتمة في مناقشة محاضرة الدكتور عبد الرحمن البر وتتمة في الجهات البرلمانية .
    سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    1,577

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    الشريط الخامس عشر
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
    ثم أما بعد ،،،
    كنا قد انتهينا في الكلام على مناهج الإصلاح المطروحة بين أوساط الصحوة الإسلامية من الكلام على أصحاب الحل البرلماني والكلام على من يرون حتمية المواجهة المسلحة ، ولكن في ثنايا ذلك تمت في مصر انتخابات مجلس الشورى 2010 وأيضاً في ثنايا ذلك كان هناك محاضرة تداولت بشكل واسع في المواقع الإخوانية الرسمية غير الرسمية للدكتور عبد الرحمن البر عنوانها "الانتخابات شبهات وردود " ولم تخرج في إطارها العام عما ذكرنا ، مع أن انتخابات مجلس الشورى جاءت محبطة تماماً للآمال حيث لم يفز من الإخوان المسلمين أي عضو وفاز أربع أعضاء على مستوى الجمهورية من الأحزاب المعارضة المختلفة إلا أنه أيضاً الآن لخوض انتخابات مجلس الشعب ونحوها .
    يحتاج الأمر بأن نعرج بسرعة على محاضرة الدكتور البر على اعتبار أنها من أحدث الإصدارات الإخوانية التي تناولت هذه القضية ولأن الدكتور عبد الرحمن البر هو مفتي جماعة الإخوان المسلمين ، ولعلنا في مناسبة أخرى كنا رصدنا حركة انتخابات مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان والتي اعتبرها معظم المحللين صراع بين المحافظين والإصلاحيين ، وقيل أن الغلبة في النهاية كانت للمحافظن الذين لهم تحفظات كبير جدا على توسعات الإصلاحيين في موضوع الديمقراطية وموضوع التحالفات والانتخابات ونحو ذلك ، على الرغم أن أحد أبرز هؤلاء الموسومين بالإصلاحيين وهو الدكتور عصام العريان فاز في انتخابات مكتب الإرشاد وما زال له دوره باعتباره المسئول السياسي للجماعة ، لكن بلا شك اختلف الخطاب ، اختلف بدرجة واضحة منها على سبيل المثال أن أحد القضايا التي يحاول أحد الموسومين بالإصلاحيين يحاولون أن يقدموا الاعتراف الكامل بالديمقراطية ، حتى كانت العقبة الأخيرة التي وضعت أمامهم مسألة ولاية النصراني وولاية المرأة لرئاسة الدولة وبدأ هؤلاء يصرحون بأنه لا إشكال في ذلك . بمجرد فوز المرشد الحالي في انتخابات مكتب الإرشاد صاغ المسألة صياغة لا نقول أنها منضبطة مائة بالمائة ولكن نقول أنها أقرب للإنضباط الشرعي بمعنى أنه قال أن هناك حكم شرعي فقهي بعدم جواز تولي النصراني الأمر وأنه لا يمكن للجماعة كفتوى أن تغير ذلك الحكم ولكن الجماعة بصفتها فصيل سياسي يشارك في الديمقراطية لو أن الديمقراطية أفرزت حاكماً نصرانياً فسوف نلتزم به ديمقراطياً ونعارضه ديمقراطياً .وهذا الكلام بصياغة تكون اكثر انضباطاً من الصياغة التي قبلها ولكن في النهاية فيها أن المسلم يرضى ويسلم ويعترف لأن في النهاية النظام الديمقراطي يفرز حكم ستعارضه كما أنه يعارض الحاكم المسلم ، وهو كما ذكرنا حاولوا الترويج ، لأن فكرة المعارضة فكرة لا إشكال فيها وهي فكرة موجودة في الإسلام وثقيفة بني ساعدة حتى الدكتور عبد الرحمن البر نفسه استعمل هذه الامثال .
    نحن الآن أمام ما سيمونه سيطرة ما يسمونه بجيل المحافظين .
    نقول ما يسمونه بجيل المحافظين أو يسمونه بجيل الإصلاحيين لأن الإخوان أنفسهم ينفون وجود مسمى التيارات ، يقولون خلاف بين أفراد ولكن هناك مجموعة كانت متوافقة في قيادة قاطرة التصريحات السياسية للجماعة وهناك بعد الانتخابات صار الصياغة مختلفة بعض الشيء .
    هذه الانتخابات الأخيرة لمكتب الإرشاد جاءت بالدكتور عبد الرحمن البر كمفتي للجماعة .
    في الواقع كما ذكرنا كيف تعامل المرشد مع قضية ولاية الكافر ، حافظ قدر الإمكان على ألا يغير الحكم الشرعي وإن كان أعطى ضمانات أو اعترافات سياسية بأن الجماعة كفصيل سياسي سوف تلتزم بحكم الديمقراطية .
    تستيطع أن تقول أن الدكتور عبد الرحمن البر حاول إلى حد كبير أن تكون صياغته للعملية الانتخابية وما يكون فيها من أمور حاول أن يلتزم قدر الإمكان بالحكم الشرعي ، ولكن للأسف أيضاً ان الدكتور عبد الرحمن البر وصف لنا واقعاً غير موجود أثناء ردوده على الشبهات أثناء المحاضرة التي بعنوان " الانتخابات شبهات وردود "
    فأثناء ردوده على الشبهات وصف لنا واقعاً غير موجود ، ولو كان هذا الواقع موجود كان هذه الانتخابات أو الدخول فيها لحق بنطاق الخلاف السائغ ، وكما ذكرنا أننا نفرق نوعين من الممارسة البرلمانية : نوع لا يصطدم بالثوابت الشرعية وهذا خاضع لقياس المصلحة والمفسدة وحتى إن غلب على ظنك أنه لا مصلحة فيه أو أن المصلحة أرجح في غيره فسيكون الخلاف مع الآخر خلاف سائغ ولا يصطدم بالثوابت الشرعية .
    ففي الواقع هنا أيضاً حاول الدكتور عبد الرحمن البر أنه يجعل الديمقراطية كمبدأ بغض النظر عن اضطرار الإسلاميين إليها حاول أن يجعل الديمقراطية كمبدأ لا غبار عليه طالما ضبط بالضوابط الشرعية ، ثم حاول أن يوصف واقع التجربة البرلمانية من التحالف مع الأحزاب العلمانية أو غيرها ونحو ذلك . يعني حاول أن يصوفه بأنه موافق للشرع .
    ما هو الكلام هنا ؟
    بدأ الشيخ بالكلام عن الأهداف العامة للانتخابات المعروفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاول القضاء على البطالة ومحاولة تيسيير سبل العيش للناس مع ملاحظة أنه ابتعد عن وضع قضية تطبيق الشريعة في الصدارة ، وكما ذكرنا أحياناً أنه عندما توضع الأهداف لابد أن توازن مقدار الجهد المبذور ومقدار الثمن الذي سيدفع فأحياناً يقول لك أن هذا هو الطريق الوحيد لتطبيق الشريعة ثم قد تجد أن البرامج الانتخابية خالية تماماً من ذكر تطبيق الشريعة وأن المسألة غير واردة ، أقصاها أن يقال تفعيل المادة الثانية من الدستور .
    قضية تفعيل المادة الثانية من الدستور قضية قد تقل الضغط على هؤلاء القوم ، ولكن بلا شك أن المادة الثانية من الدستور وحدها لم تكن ولن تكون كافية لتطبيق الشريعة ، لأنه على الأقل أن المحكمة الدستورية العليا كانت قد انتهت إلى أن هذه المادة ملزمة فيما يستقبل من القوانين لا فيما مضى ، وبالتالي هذه الترسانة من القوانين في مسائل الجنايات وغيرها من الأمور لا يمكن أن تتغير في ظل هذه المادة ما لم يوجد من يتبنى هذه القضية ، فتبني قضية تطبيق الشريعة كما ذكرنا من قبل أحياناً يذكر في مقام المناقشة وأن هذا في مقام تبرير أو ذكر مصالح العملية البرلمانية وأحياناً لا يذكر واحياناً يذكر بدرجة خافتة .
    فمنذ فترة طويلة كانت التجارب الأولى لدخول الانتخابات قضية الشريعة كانت حاضرة فيها بدرجة قوية سواء على مستوى الدعايا أثناء الانتخابات أو على مستوى محاولة فرض مشاريع لتطبيق الشريعة داخل المجالس البرلمانية ، ولكن الكلام هنا على التجربة المصرية ، منذ فترة طويلة صارت قضية الشريعة لا تكاد تأخذ حيذ من الكلام ولا الدعايا ولا الوضع في البرامج الانتخابية .
    صارت البرامج الانتخابية تتكلم في قضايا حل مشكلات الناس التي يتشابه فيها الخطاب الإسلامي مع الخطاب الناصري مع الخطاب اللبرالي ... إلى غير ذلك من الخطابات دون أن يوجد خدمة لقضية تطبيق الشريعة بصوة واضحة .
    بناءا ًعلى الأهداف التي سردها الشيخ وكلها تدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحن لن ننازع في أن هذه الأهداف حتى ولو كانت ليس منها تطبيق الشريعة أو لو كان تطبيق الشريعة موضوعة بصورة او بأخرى وليس فيها درجة الوضوح الكافية ، لا إشكال أن يعين الإنسان إخوانه المسلمين على معالجة قضية البطالة وعلى معالجة قضية الأسعار وارتفاعها بأي صورة من صور الأعانة ، لا غبار في ذلك ولكن الغبار فيما يأتي من ممارسات كما ذكرنا .
    فخلص الشيخ من هذا إلى أن كان أهداف الإسلاميين من دخول الانتخابات هو إحداث هذه المصالح ومناوءة مفاسد كذا وكذا وكذا . وإذا كان الانتخابات نظام ارتضاه الناس في العالم كله بأن يختار الشعب ممثليه فإذن هي نوع من الشهادة ، ومن لا يدلي بصوته يأخذ إثم كاتم الشهادة ، وهذا كلام سبق وتكرر كثيراً وأجبنا عليه بإجابة مختصرة مباشرة وهي ان جماعة الإخوان المسلمين كفصيل إسلامي يخوض الانتخابات وأحياناً يظل الأمر معلق إلى آخر وقت ،وهل سيخوضون الانتخابات القادمة أم لا وبعد مشاورات ودراسة انتهوا في أكثر من مرة إلى مقاطعة الانتخابات لأسباب مختلفة وغالباً ما يكون مقاطعة الانتخابات عندما يقاطعونها نوع من أنهم يحتجون احتجاج سلبي ويقولون طالما أن النتيجة معروفة سلفاً فلن نكون ديكوراً ديمقراطياً .
    فالسؤال هنا ، إن كان الانتخابات حكم شرعي شهادة من يكتمها فإنه آثم فلماذا تتخذ الجماعة قرار بالمقاطعة أحياناً ؟ ولماذا عندما تتخذ الجماعة قرار بالمقاطعة يرون أن القرار ملزم أيضاً لجميع إخوانهم ؟ بل المشكلة في اجتهادات جماعة الإخوان المسلمين ، ليس فقط يريد أن يدافع عنها بل يريد أن يجعلها ملزمة في كل الخلق ، وإذا رأى أن دخول الانتخابات فمن لا يدخل الانتخابات يكون آثم وكاتم للشهادة وخائن للأمانة .. إلى غير ذلك ، وإذ قرر أن يقاطع فالذي يخوض عنده يكون ممزق للصف الإسلامي ويعطي ديكور للظالمين .. إلى غير ذلك ..
    نقول أنه ينبغي وضع الأمور في مواضعها حتى لو كان هناك اجتهاد بأن الانتخابات فيها مصلحة ، محاولة الضغط النفسي على المخالف لا تأتي بثمرة أو على الاقل ليست من الإنصاف الشرعي في الحكم ، لأنك أحياناً تقول أقاطع رغم أن هناك اتجاه عام بالمشاركة ، فأنت أحياناً تقول أقاطع الانتخابات فعندما تقاطعها لماذا حينئذ لا يقال أن هذا من كتم الشهادة أونحو ذلك .
    وهنا شهادات كثيرة ،نحن نضرب الأمثلة لمجرد التوضيح :
    فلو كان هناك مثلاً استفتاء كما تحدث استفتاءات كثيرة جداً على أفضل لاعب وأفضل ممثل وأفضل ممثلة فكل هذه شهادة ، فتقوم جهة ما بطلب رأيك في أمر ما ، وهذه الأمور بعضها من المعاصي المحرمة وأنت تمتنع لأن هذا الأمر أمر محرم بل كثير منها كذلك وبعضها مما لا يضر ، فلو اختاروا أفضل كاتب أو أفضل كذا أو كذا قد لا تنفع أو لا تضر .
    فالمسألة فيها دور ، إذا كانت المحاضرة بعنوان " الانتخابات شبهات وردود " فينغي أساساً أن يثبت الأساس الشرعي التي قامت عليه الانتخابات ومدى جدوى هذه الانتخابات سيكون فرع على ذلك ، فمن اقتنع بالانتخابات أمر شرعي مطلوب وأنه وسيلة تغيير منكر مشروعة ينبني عليها هذا الكلام وليس العكس .
    أيضاً من نفس الباب قال : أن حماية صناديق الانتخابات نوع من أنواع الجهاد ونوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه يجب حماية بكل ممكن ومستطاع .
    في النهاية كله نقول أن هذا كله فرع على إثبات أن هذا الأمر مشروع وأن مصلحته راجحة ، وهذا هو الذي ننازع فيها .
    وبالتالي كل ما يقال من أن هذا نوع من أنواع الجهاد وأن هذا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونوع من الشهادة . كل هذه الأمور فرع على إثبات أصل الحكم في المسألة ، ونحن ننازع في إثبات هذا الحكم .
    في الواقع بعد أن مهد الشيخ في ذكر أهداف الانتخابات وبنى أن هذه الأهداف تجعله من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنى عليه أن التقصير فيه هو تقصير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وتقصير في باب الجهاد ، وكما ذكرنا أن هذا الكلام كله حسن لولا أن القضية هنا أنك تقول أن هذا المنكر الذي تدعي الانتخابات إزالته وهذا المعروف الذي تدعي الانتخابات إيجاده ويرجوا الإسلاميون إيجاده من وراء دخولهم الانتخابات ، لا يتأتى لهم إلا بفعل منكرات بأنفسهم ، بينما المنكرات التي يريدون أن ينكرونها لم يفعلوها هم .
    فهنا القضية لا يقال فيها أي المفسدتين أغلب ، بمعنى أي المفسدتين أغلب عندما تكون أنت مضطر إلى إحدى المفسدتين ، ولكن لا تأتي إلى من يرتكب مفسدة وتقول له أشاركك فيها على أن تقلل منها . هذا لا يكون ولا يوازن فيه أصلاً بين المفاسد ، فضلاً أنك تكون في النهاية سوف تضطر لأنه لن يعطيك ما تريد ولن يقلل المفسدة أصلاً سيجعلك تشترك في المفسدة الأقل مع أنه مستمر في المفسدة الأكبر .
    هذه خلاصة المسألة والموقف الرافض لهذا المسلك ومبناه على هذا الأمر .
    في الواقع بدأ الشيخ يشرع الأساس الذي قامت عليه الانتخابات وبعض الشبهات الموجهة إليها فتكلم بسرعة على قضية الديمقراطية كقضية وعلى قضية الأحزاب كقضية وإن كان ليس بهذا الترتيب بل أنا اذكر ما نحتاجه بترتيبه بمعنى ما هو الموقف الصحيح من الديمقراطية بغض النظر عن اضرار الإسلاميين بالمشاركة فيها وما هو الموقف الصحيح الشرعي من وجود أحزاب ؟ ، فالمسلمون ينكرون وجود الأحزاب ويذمون وجود الأحزاب فإذا وصلوا إلى الحكم لن يسمحوا بوجود الأحزاب ، فتكلم الشيخ على الديمقراطية وعلى الأحزاب كأحكام شرعية فكان خلاصة كلامه أنه قال نقبل من الديمقراطية ما يوافق الإسلام وهو إبداء الرأي واختيار الحاكم ولا يهمنا المسميات .
    في الواقع إذا قارنت بين هذا الكلام وبين كلام ما يسمونهم بمجموعة الإصلاحيين تجد أن هذا الكلام عاد بالأمر إلى صورة أفضل بالتصريح بأن الديمقراطية محكومة بالإسلام وأننا سوف نقبل منها ما يوافق الإسلام ، ولكن لا شك أن الدكتور أدرى بأنه داخل جيل الصفوة داخل الجماعة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور محمد حبيب والدكتور عصام العريان من بدأوا من هذه النقطة ووصلوا إلى قضية أنهم يطبقون الديمقراطية تطبيقاً شاملاً ، والكلام بلا شك معروف وموجود ومتداول بكثرة .
    فإذن قضية نأخذ من الديمقراطية ما يوافق الإسلام فهذه القضية ما يلبس الإنسان أن يضطر إلى أن يأخذ الديمقراطية كاملة .
    ونقطة الاختبار تكون إذا أفرزت الديمقراطية حكماً يخالف الحكم الشرعي لأن الديمقراطية هي حكم الأغلبية . الديمقراطية هي ليست إبداء الرأي وهذه قضية في غاية الأهمية ،والديمقراطية ليست فقط آلية في اختيار الحاكم أو آلية في محاسباته ، وربما أشرنا أيضاً في مناسبة أخرى أن الأستاذ وجدي غنيم حفظه الله أصدر إصدار صوتي حديث جداً في الرد على الدكتور عصام العريان الذي كتب سلسة مقالات في موقع إسلام إولاين نحت عنوان " نحو بناء ديمقراطية إسلامية " فرد عليه الأستاذ وجدي غنيم ببيان أن الديمقراطية والإسلام لا يلتقيان أبداً وأن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب وأن الإسلام يقول { إن الحكم إلا لله } فكيف يمكن أن يلتقي هذا وذاك ؟
    أيضاً من لوازم الديمقراطية وركائزها الأساسية حرية الاعتقاد ، وهذه المسائل كلها ذكرها الأستاذ وجدي غنيم ، وفي الواقع كلام حازك جداً وفي الواقع يكون له قبول أعلى عند أفراد الإخوان أو نحوهم عندما يخرج من رمز إخواني كالأستاذ وجدي غنيم وتكلم عن أوجه الخلاف بين الإسلام والديمقراطية التي أبرزها أن الديمقراطية هي حكم الشعب بينما الإسلام يقول { إن الحكم إلا لله } وأن الإسلام يخاطب الناس بأنهم عبيد لله ملتزمين بشرع الله ، والديمقراطية قائمة على الحرية في حرية الاعتقاد وحرية التصرف في البدن وغيره ويترتب عليه حريات شرب الخمر والزنا والشذوذ ... إلى غير ذلك من الأمور .
    فإذن لو أن أي أمرين اشتبها تطلق أحدهما على الآخر يصير هناك نوع اضطراب عظيم في الأمور .
    فالديمقراطية فيها إبداء رأي بأي صورة ، والإسلام فيه إبداء رأي ولكن في الإسلام يجب أن يشتار أهل العلم والفضل ، وهذه قضية ركز عليها الدكتور عبد الرحمن البر جداً ولا أدري أين موقع هذا من الديمقراطية . الدين ابتداءاً لا يذكر فكيف لا يختلف الأمر ، وهذا حق مكفول للجميع ، ناهيك عن أنه ملتزم بدين الله أو غير ملتزم بدين الله فهذه قضية من الناحية الديمقراطية لا أثر لها مطلقاً ، لا يستطيع أن يعترض على ترشيح مرشح لأنه لا يصلي ، فهو له حق الديمقراطي الكامل مثله بمثله ، فالكافر له حق الديمقراطي والمسلم الملتزم والمسلم العاصي ، إذن ليست هذه الديمقراطية فأنت تعود وتقول أنا لا أقبل هذا ،ولكن هذا لا ينبغي طالما أنك ترفض أن يكون الحكم للشعب بإطلاق ، تقول { إن الحكم إلا لله } ولكن في المسائل التي لا نص فيها ، صار بأن هذا ليس الديمقراطية ، طالما أنك لا تقبل الحرية بإطلاق وإنما تقيدها بالأموار الشرعية فهذه ليست هي الديمقراطية ، طالما أنك ترى أن الشورى لها أهلها وليست المواطنة فقط تعطيه حق أن يكون من أهل الشورى ، فإين الديمقراطية وأين الإسلام .
    فإذن هنا الدكتور عبد الرحمن البر ما زال يصر على أن هنالك مساحة مشتركة بين الإسلام والديمقراطية تجعله يقول نقبل الديمقراطية ، فلماذا نجعل الصدارة لكلمة الديمقراطية ولماذا لا نسميها الشورى ؟ ولماذا لا نقول عندما في الإسلام كذا وكذا وما وافقتونا فيه قبلناه ؟ فستكون الإجابة أن النظام المطبق نظام ديمقراطي وأننا لا نستطيع أن نصل إلى من خلال هذه المظلة .
    إذن على الأقل يكون الكلام هكذا ، لا أن يقال أن الديمقراطية من الإسلام والدعوة إلى الديمقراطية والقبول بالديمقراطية ... إلى غير ذلك .
    وهناك محكات ثابتة يختبر الديمقراطيون بها الإسلاميين ، يختبرون بها مدى ولاءهم ومدى صدقهم في الإيمان بالديمقراطية ، الآن صارت الديمقراطية لابد أن تؤمن بها إيماناًحقيقياً وإلا فلا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية .
    إذا أفرزت الديمقراطية حكم غير شرعي ماذا أنت فاعل ؟
    ويأتي أكثر الأمثلة إلحاحاً وحرجاً بالنسبة للإسلاميين ، إذا أفرزت الديمقراطية حاكم كافر وإذا أفرزت الديمقراطية حاكم امرأة ، وإذا أفرزت الديمقراطية موافقة شعبية على معاهدة السلام ؟
    قضية الولاء والبراء ، وقضية أن تتكلم على اتجاه دعوي إسلامي أونحو ذلك ،وموقف الإسلاميين من قضايا المرأة ورؤيتهم بأن أحد أسباب فساد المجتمع فساد المرأة يجعل هذه القضايا قضايا لها حساسية بالغة .
    ومع هذا لم يصمد الإسلاميون في الاختبار كثيراً ، وحصل أن تيار الإصلاحيين في الإخوان قالوا لو عرضت اتفاقيات السلام على استفتاء شعبي ووافق الشعب نقرها . إذن أنت تفقد دورك كموجه ومربي ودعاية تبين الحق ، أجاب من أجاب وتقاعص من تقاعص لأنك عندما تدخل الانتخابات ولو افترضنا أنك حصلت على الأغلبية تكون منقاد بالعامة والغوغاء ، تحاول أنت تبين لهم ، فإن كان هناك من استحوذ عليهم بشهوة أو بشبهة وصار رأي الأغلبية فيهم عمل شيء من ثوابت الاتجاهات الإسلامية ومن ثوابت جماعة الإسلام خاصة مناقدة اتفاقية السلام على طول الخط يقول حينئذ تكون معتمدة ، ولاية الكافر وذكرنا الحوار الذي دار فيها وولاية المرأة .
    الدكتور عبد الرحمن البر لم يتعرض في هذه المحاضرة إلا لقضية المرأة وفي الواقع خرجها تخريج شرعي ، أو لم ينازع في عدم جواز ولاية المرأة ولكن قال أن مسألة أن المرأة تترشح وتكون عضوة في مجلس الشعب لا يتعارض مع النهي عن ولاية المرأة لأن مجلس الشعب عبارة عن وكالة لا ولاية .
    وفي الواقع هذا تكييف فقهي غير منضبط ، لماذا ؟ لأن ما من ولاية إلا وهي وكالة من نوع خاص .
    الإمام الأعظم نائب عن الأمة ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً عاماً فقال { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم } وقال { والزانية والزاني فاجلدوا } إذن الخطاب للأمة والإمام نائب عنها "
    لأنه لابد من القدرة على الفعل ، وإنما القدر تأتي من قبل السلطان .
    إذن ما من ولاية إلا وهي نوع وكالة ، تكون ولاية على أمر عام أو ولاية على بيت مال المسلمين أي يتصرف في بيت مال المسلمين وكالة عنهم ... وهكذا . فكل الولايات وكالة ، ولكن الوكالة الخاصة يجوز أن تتولاها المرأة ولا تتولى هذه الوكالة العامة لأن الوكالة العامة ولاية ، والولاية وكالة من نوع خاص .
    فهنا وكأنه نوع من الخروج من الأزمة بدون مستند ، لأن ما يقال في عضوة مجلس الشعب يقال في الإمام الأعظم ، فلو كان هذا يخرج نائبة مجلس الشعب عن الولاية سيكون هو هو يخرج من تتولى الأمر العالم عن الولاية ويقال أنها وكالة ، بل هي وكالة وولاية في آن واحد .
    ماذا يفعل عضو مجلس الشعب ؟ يراقب أداء الحكومة بناء على قناعته هو ، وليس بأنه يوكل بأن يؤدي شيء معين ، نعم انتخبه الناس ليكون ممثلاً عنهم ولكنه في النهاية هو الذي يراقب أداء الحكومة وهو الذي يدلي برأيه في الأصوات ،وهذا نوع المراقبة على الولاة .
    ثم إن كل المبررات الشرعية التي منعت المرأة من التصدر العام أن التصدر العام يحتاج القيام بحقوق الناس ويحتاج التصدر ويحتاج البروز للناس ، وهذا كله ينافي طبيعة المرأة ، لماذا ننسى هنا التعليل ؟
    أحياناً كثيرة تجد بعض الاتجاهات الإسلامية يبالغ في الكلام على التعليل ، عندما تقول له الحكم الشرعي كذا يقول انظر إلى العلة والحكمة أملاً في أن يستخدم التعليل في عدم الالتزام الحرفي بالحكم ، وأحياناً العكس بأن تجده في موطن آخر يغفل التعليل تماماً .
    القضية ليست أنها لا تتولى بلا علة ، لا تتولى لأن الولاية بروز وظهور والأصل في المرأة القرار في البيت وأن المرأة لها حق الزوج وحق الولد... ونحو ذلك ، ولأن المرأة يعتريها من الأعذار ما يعتريها ... إلى غير ذلك .
    فكيف يستدل بالرخصة في أن المرأة تخرج للبيع والشراء لحاجتها إلى أن تتحول أن تخرج إلى مؤتمرات انتخابية وهذا يقتضي خطابة وبروز ثم إنها تكون ممثلة عن الشعب فلتجعلها وكيلة عن الشعب ، تحتاج إلى أن يكون لها مكتب واثنان وثلاثة وخمسة وستة فتنتقل بين هذا وذاك وتكلم هذا وتكلم ذاك ، كل هذا ينافي طبيعة المرأة المأمورة بالقرار في البيت .
    فإذن حتى لو نظرت من ناحية التعليل تجد أن الذي سماه الشيخ وكالة عامة وأنها وكالة وليست ولاية فيها مفاسد للولاية ولأن هذه ولاية والولاية نوع من أنواع الوكالة ولكن يكون الإنسان فيها مطالب بأن يؤدي هذه المصالح نيابة عن الأمة ، فوفق هذا التعريف لأداء عضو مجلس الشعب أو نحو ذلك أن يكون لابد أن يكون بارزاً للناس موجوداً معهم دائماً وتوجد أزمات وكوارث ولابد أن يكون موجودا ، كل هذا ينافي طبيعة المرأة تماماً .
    ثم إنه دائماً عندما يتكلمون عن الديمقراطية يقيسونها بالشورى الإسلامية :
    أين المرأة المسلمة وأين أفضل نساء المسلمات زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من ثقيفة بني ساعدة ، الحادثة الديمقراطية الأولى في تاريخ الإسلام على حد توصيف هؤلاء ، نعم كان لهم دور لا يتنافى مع طبيعتهم ، تعليم الدين وما وصل إليهم من الدين ، فهذا الأمر ليس له التزام وإنما يكون وفق الحاجة وليست أنه ولاية أو وكالة على حد تعبيرهم لأحداث لابد أن تتم في حينها وإنما طلب العلم يتم كما اتفق في الوقت الذي تكون مستعدة فيه أن تستقبل طلبة العلم وتعلم أوتخبرهم بما عندما من علم مع مراعاة الضوابط الشرعية خلاف الخروج للعامة ومخاطبة العامة وغشيان مجالس الرجال حتى لو كانوا من أخص أحوال الرجال .
    أيضاً تكلم الشيخ هنا في معرض كلامه أو في معرض إجابته عن الشبهات على قضية الأحزاب .
    في الواقع طبعاً تكلم الشيخ على عنوان المحاضة " الانتخابات شبهات وردود " وكان معظم الشبهات عن الشبهات التي يثيرها السلفيون على الإخوان في مدى مشروعة دخول الانتخاب ، لكن هناك شبهة واضح من صياغتها أنها كانت موجهة إلى العلمانيين الذين يثيرون مخاوف الناس من الإسلاميين في دخول الانتخابات من أنهم متى صاروا أغلبية سوف يلغون كل الأحزاب الأخرى لأنهم ينكرون الأحزاب ويرون أنها فرقة في الدين .
    في الواقع أن إجابة الشيخ كانت أفضل كثيراً من إجابات الإصلاحيين الذيني يقولون أن كل اتجاه سواء يساري أو لبرالي له حقه في التعبير عن نفسه وفي سعيه إلى الحكم أو في غير ذلك ، لكن الشيخ قال أن هذا الموقف غير صحيح يقول لأننا نتكلم هنا عن أحزاب تكونت تحت مظلمة دستور ينص في مادة الثانية على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ومن ثم فكل هذه الأحزاب توافق على تطبيق الشريعة وإن كان كذلك فنحن لا ننكر عليها اختلافها فيما وراء ذلك من القضايا .
    يوجد مادة في الدستور لكن يوجد أحزاب من أهم برامجها إلغاء هذه المادة ، وحتى الذي لا يتعرض لها فهل الأحزاب الاشتراكية واللبرالية تتفق على تطبيق الشريعة بكل برامجها المطروحة هذه ؟ ، في الواقع توصيف للواقع محاولة للقبول بالديمقراطية دون التنازل عن الثوابت الشرعية ، فصار هنا الحل هو توصيف الواقع توصيف مختلف في كل قضيةمن القضايا التي نتكلم فيها .
    فالمرأة عندما تتشرح يقال نوافق على تشريحها لأن هذه وكالة لا ولاية ، وهذا توصيف غير صحيح للواقع لأنه كما ذكرنا بذلك تكون كل أنواع الولايات وكالات .
    نأتي هنا للأحزاب فيقال أننا لا ننكر الأحزاب ولا نراها فرقة للدين طالما أن كلها متفقة على المادة الثانية من الدستور .
    لو افترضنا جداً وأثناء فتح الامتحان الديمقراطي وانصار الديمقراطية يلحون في السؤال وراء الآخر ، البلاد التي ليست فيها هذه المادة في دستورها ، فمباذا يفتي الدكتور عبد الرحمن البر للإسلاميين فيها وماذا يكون موقفهم من الأحزاب الأخرى ؟
    أيضاً هنا استدل الدكتور عبد الرحمن على ذلك بأن الدولة الإسلامية شهدت أحزاب في ثقيفة بني ساعدة ـ حزب المهاجرين وحزب الأنصار ـ وهذا ما كنا نود أن يتورط فيه الدكتور عبد الرحمن البر وفي أن يوصف هذه الحال بحالة الحزبية .
    في الواقع لكي نفرق بين النظام الحزبي وبين الشورى الإسلامية ، وحتى لو افترضنا جدلاً ان هناك مجتمع إسلامي والشريعة مطبقة ونريد أن نضع آلية للشورى لا يجوز أن تكون الآلية بأن ينشأ كل جماعة حزب يتنافس مع الآخرين لأن هذا ينافي الوحدة الإسلامية وينافي قوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } ولأن كل حزب سوف يوالي داخل هذا الحزب ويعادي فيه ، ولكن المطلوب حينئذ في كل قضية تطرح من كان يرى رأيا عليه أن يبينه وينصح فيه وأن يقال حزب ويكون له آراء محددة من المفترض أنها قضايا شورى وليست قضايا فيها أحكام قطعية أو أحكام ثابتة ، فالامر لا يحتاج إلى إنشاء أحزاب وإنما إلى استشارة اهل العلم في كل باب من الأبواب ، مع أن يكون أهل العلم الشرعي حاضرين دائماً في كل الأمور كما ذكرنا لضبط الأمور الدنيوبة بالضوابط الشريعة ، فليست القضية تحتاج إلى أحزاب .
    وكما أشرنا من قبل إذا أردنا أن نستشير في مجال الكهرباء والطاقة يأتي هذا الحزب ولا تجد فيه أي أحد يفهم في هذا الباب ، وهذا الحزب فيه واحد ولكن غير موجود ، فمن نستشير ، ويكون كل فريق يريد أن يحقق مكاسب حزبية ونحو ذلك .
    الشورى الإسلامية تحقيق المصلحة بأقصر طريق وبلا تفريق للناس ، وإنما يجب على الإمام أن يستشير أهل الخبرة في هذا الباب ، وإذا كان هناك ضوابط شريعة يراعيها أهل العلم لدين الله تبارك وتعالى .
    الذي حدث في ثقيفة بني ساعدة اختلاف في نصوص شرعية وفي بلوغ النصوص الشرعية للمهاجرين والأنصار والأمر لم يستغرق إلا هذه الجلسة خرج منها الجميع متفقون على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ، ولم يظل الأنصار حزب معارض ، فالمهاجرين صاروا هم حزب الأغلبية ومنهم الإمام ثم الأنصار يكونون هم حزب الأقلية ويحاولون أن يجيشوا الجيوش ويهيأون العدة لإعداد حملة إعلانية لمتلميع مرشع من جهتهم ، فهذا كلام غير صحيح بالمرة .
    الديمقراطية كفكرة حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب فهذا أساس مناقض تماماً للإسلام .
    الحزبية كإحدى أليات الديمقراطية أشد فساداً وإفساداً ونوع من النفعية لطبقة يسمون أنفسهم السياسيين يجتمعون ليتخذوا رؤية سياسية معينة ويكون دائماً عينهم على العامة الذين يعطونهم الأصوات .
    فيأتي حزب يقول أن هناك عجز في موارد الدولة فنرفع الضرائب ، تجد الحزب المعارض بصورة مباشرة بدأ يقود حملة لأن هذا زيادة أعباء على المواطنين ونحو ذلك ، وكما يقولون دائماً معظم أحزاب المعارضة في الدولة الديمقراطية عندما تصل إلى الحاكم تفعل ما يفعله حزب الأغلبية .
    القضية هنا أن الحزب الحاكم يكون موضوعي ومنطقي أكثر وأحزاب المعارضة تعارض من أجل المعارضة . هذا في أمريكا وأوروبا ، أما في دول العالم الثالث فالقضية لها حسابات أخرى تماماً .
    فنحن هن نقيد الديمقراطية كما هي عند أهلها ، أحزاب تتناحر وتتنافس وتضيع المصالح التي هي مفترض ان يدافعوا عنها ، وهذا هو معنى الحزبية وهذا هو معنى وجود احزاب كل منهم يريد أن يصل إلى الحكم عبر أن يطرح السياسيات التي تروق للعامة ، حتى الحزب لم يطرح السياسات التي فيها المصلحة ، فحزب عنده خبراء ونحو ذلك وانتهى به الأمر إلى أمر معين والعامة ترفضه فيجد نفسه لابد أن يداعب العامة ودائماً تسمع في الانتخابات الأمريكية وغيرها من الذي سيفوز بأصوات الشواذ وبالتالي صار هناك في كل انتخابات حزب التنازلات حتى من سمونهم بالمحافظين لابد أن يظهر قدر من المرونة لأنه يجد الآخر يقول سوف نجعل الشواذ يدخلون الجيش ويفعلون ويفعلون ويتولون الوزارات فالآخر إذا كان محافظ يضطر أن يقول لن نتعض لهم ، فمن يفوز بأصوات المرأة ؟ ومن يفوز بأصوات السود ؟ ومن يفوز بأصوات المسلمين ؟ وطبعاً من يفوز بأصوات اليهود تكون قضية من الضرورات التي لا فكاك منها .
    إذن لم يكن في الإسلام أحزاب وحادثة ثقيفة بني ساعدة انتهت بأن المناظرة الشريعة حسمت الأمر للمهاجرين ثم داخل المهاجرين طرح أكثر من إسم فطرح أبو بكر رضي الله عنه وكان طرح أبا عبيدة وعمر رضي الله عنها فحسم عمر القضية لصالح أفضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كل هذه مناظرات شرعية أو شورى داخلة انفضت بنافضاض هذا المجلس لم يعد هناك أغلبية ولا معارضة ولا أحزاب ولا نحو ذلك .
    أيضاً يتعرض الشيخ لأكبر اعتراض يوجه من داخل الصف الإسلامي للإسلاميين الذين يخوضون الانتخابات وهي قضية التحالف مع الغير ، فقال الشيخ أن تحالف أكثر من فصيل إسلامي داخل انتخابات واحدة لا إشكال فيه وهذا لا إشكال فيه أيضاً ، قال : وأما التحالف مع غير الإسلاميين فهذا مما قد تحتمه الضرورة بشرط أن يكونوا ممن لا يعارضون بتطبيق الشريعة .
    فالشيخ هنا يرى ابتداءاً القبول بوجود الأحزاب كوجود مقيد بقبولهم بتطبيق الشريعة وهذا حاصل كلامه ، ثم القبول بالدخول في أحلاف معهم مقيد بقبولهم بطبيق الشريعة ،وهو يرى ان هذا القيد موجود وبالتالي هم لا ينكرون وجود الأحزاب ولا يستنكف من التحالف معهم .
    ونحن لدينا الآن يقولون أن مرشح حزب التجمع في دمياط نجح بدعم الإخوان ، فهل حزب التجمع الذي يرفض رئيسه لقاء وفد الإخوان ، وكان طوال عمره يفرض أي تحالف معارضة وينسحب منه احتجاجاً على أنه لا يقبل هؤلاء الذين يخالفون منهج حزبه ،منهج حزبه يرفض إدخال الدين في السياسة تماماً ، تحت ضغط الواقع اضطر للقبول ولكن ذهب وفد للإخوان في ترتيبات شورى 2010 إلى زيارة حزب التجمع ورفض رفعت السعيد أن يقابل ذلك الوفد وأصر على أنه يقول إن رغم قبوله بهذه الزيارة إلا أن ما زال مساحة الخلاف واسعة وكبيرة وفي قضية تطبيق الشريعة خاصة .
    حزب الغد ـ أيمن نور ـ وتصريحه الدائم بأنه يريد أن يعود إلى الدستور العصر اللبرالي الذي كانت مادة الإسلام دين الدولة ، والنص على أن دين الدولة هو الإسلام وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي أحد مصادر أدلة الشريع ، فقال أن هذه كانت في الدستور وكان يريد عدم إعطاء صدارة لقضية المادة الثانية وأن الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، هنا في المادة الثانية تعطه قدر من الاعتراض ، فهو يعترض على ذلك ويكون النص على دين الدولة وليس المصدر ، النص على دين الدولة أن يكون هناك مادة متأخرة جداً من مواد الدستور بعد كل المواد التي تنص على حقوق المواطنة وعلى الحريات .
    طبعاً البرامج السياسية للأحزاب واضحة ومعروفة والأمر لا يحتاج إلى كبير بحث لكي تعرف ما عليه هذه الأحزاب .
    خلاص الأمر أن الدكتور عبد الرحمن البر حاول أن يجمل وجه المشاركة البرلمانية بالمخالفة في توصيف الواقع وفي توصيف ما هي الديمقراطية وفي توصيف واقع الأحزاب وفي توصيف واقع التحالفات التي تتم وهل فيها القيود التي ذكرها أم لا ، وفي توصيف دور المرأة في الانتخابات وهل هو ولاية أم وكالة .
    طبعاً الاحتجاج الدائم بقضية حلف الفضول ، وأشرنا قبل هذا أنه يمكن بالفعل أن تتحالف مع الغير لتحقيق أهداف مشتركة يقرها الإسلام لتحقيق مصلحة للمسلمين ، وأما أن يكون هدف مشترك بينك وبين حزب علماني أن كل يأخذ حقه في الدعوة إلى منهجه وأن كل يأخذ حقه في بيان ما يريد للناس ، فإذن أنت تقر بحقه في إضلال الناس ، بل ومقتضى هذا الحلف الامتناع عن مهاجمته ، وكل يريد أن يأخذ حصة على حساب الحزب الحاكم ، وكأن القضية هنا صارت كما هو الحال في المعارضة ـ حكومة ومعارضة وليست حق وباطل ـ انت إذا كنت تريد أن ترفض العلمانية التي يطبقها الحزب الحاكم فمن باب أولى لابد أن ترفضها من أحزاب المعارضة ، فتوصيف ما يتم من تحالف بين الإسلاميين وبين غيرهم وأنه هدف مشترك ، فانظر إلى الهدف المشترك ، الهدف المشترك يقول الحرية للمتحالفين ، حرية التعبير عن الرأي وحرية الدعوة إليه وحرية نشره ومحاولة الوصول إلى الحكم وغير ذلك ، كل هذا عندنا تفصليه لحق كل فصيل من الفصيلين .
    فحرية الإسلاميين في الدعوة إلى الإسلام وحرية الشيوعيين في الدعوة إلى الشيوعية والاشتراكيين في الدعوة إلى الاشتراكية واللبراليين في الدعوة إلى اللبرالية ،وأن يكون أمر حسن أن يصل الإسلاميين إلى قدر من الولاية وحصة داخل المجلس البرلماني على أنه قدر من الولاية فيكون أيضاً من المستحسن أن يصل الشيوعيين والاشتراكيين وغيرهم فهذا من التحالف الذي فيه مداهنة على الحق والذي فيه إقرار بالباطل وليس من التحالف الذي يكون على إقرار حق يقره الإسلام كأن يكون هذا الكافر يريد أن يمتنع من الظلم ، وهذا ضربنا له مسلم هنا لا يسعف المقام بتفصيله أن الكفار الذين تضامنوا مع قافلة غزة قالوا أنهم بحكم إنسانيتهم يرون أنه من الظلم أن يمنع هؤلاء البشر من الغذاء والدواء أو مما يحتاجو إليه فإذا انضم هؤلاء إلينا أن نمدح دينهم أو نثني على دينهم بل لا بأس أن نشكرهم على صنيعهم لكن لا نثني على منهجهم ، فهذا يكون حلف لرفع ظلم قائم أو لإيجاد حق مفقود ولكن أن يقال أنه يكون من مقتضى ذلك الحلف تمكين هؤلاء من نشر دينهم بين المسلمين أو الدعوة إليه . فهذا مما لا يجوز .
    فالأحلاف التي تتم بين أحزاب المعارضة على أنه ينبغي أن تنال جميع حظوظها وحقها في إعلان برامجها واكتساب كوادرها .. إلى آخر هذا الكلام من المداهنة على دين الله تبارك وتعالى ومن الإعانة على نشر هذا الباطل وم التلبيس على عوام الناس كما ذكرنا .
    فكان هذا تعرض لأهم ما ورد في هذه المحاضرة من ردود على الشبهات ، لم ترد في واقع الأمر عل الشبهات إلا بأمور ليست لها وجود حقيقي على أرض الواقع .
    نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا إلى الحق فيما اختلفوا فيه بإذنه .
    وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكن , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    106

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    اسال الله ان يجزيك خيرا ويجعله في ميزان حسناتك
    روضة المحب

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    369

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    جزاك الله خيرا على هذا الجهد الطيب
    ونرجوا تجميعها في ملف وورد
    وفقكم الله

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    1,577

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    الشريط السادس عشر
    إن الحمد لله نحمده وسنعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
    وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
    ثم أما بعد ،،،
    ما زلنا في الكلام على بحث السلفية ومناهج التغيير وانتهينا من الكلام على مناقشة من يرون سلوك الحل البرلماني ومن يرون حتمية المواجهة العسكرية .
    والكلام اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى نشرع في الكلام على من يرى التركيز على العمل الفردي في الدعوة والتربية .
    في الواقع هذا أيضاً موضوع متشعب له كثير من الفروع نتناول أولاً ما ورد في البحث بشأن مناقشة هذا الاتجاه ثم ننظر ماذا يمكن أن نزيده في مناقشة هؤلاء .
    يقول : " يتبنى هذا المنهج بعض الدعاة الذي يرون أن الدور الأساسي للدعاة والعلماء هو إصلاح أفراد الأمة مع الاختلاف حول أوليات الإصلاح فالبعض يراه في إصلاح العقيدة ونشر العلم والبعض يراه في التربية على العبادة والذكر وفضائل الأعمال ، ويرون أن انتشار الأفراد الصالحون في مجتمع كفيل بإصلاحه تلقائياً "
    فإذن نحن نتكلم عن الدعاة يرون أن إنتاج أفراد صالحين كاف في انتاج مجتمع صالح .
    وي الواقع المسألة بين طرفين ووسط ، هناك من يرى أنه متى فرد على المجتمع نظاماً شرعياً من خلال الانتخابات أو من خلال حتى الأعمال العسكرية فإن هذا كاف في أن ينصلح أحوال الناس لأن الناس على دين ملوكهم . وهذا فيه اختزال للقضية .
    وأيضاً هناك من يقول بل المجتمع ما هو إلا مجموعة أفراد إذا انصلح هؤلاء الأفراد انصلح حال المجتمع .
    في الواقع أن الأمر يحتاج إلى الأمرين معاً ، ويمكن أن تضرب لذلك مثال بالبنيان المرصوص فلابد من لبنات صالحة ولابد من مواد لاصقة وتصميم وبناء في رص هذه اللبنات ، فمجرد وجود لبنات صالحة لا يساوي أن يكون عندك جدار وإذا أتيت بمواد البناء وشرعت تبني بلبنات فاسدة يساوي أنك تبني بناءاً هشاً لا يكاد يبنى كلما بنيت منه جزءاً تهدم قبل أن تبني الآخر .
    وهذه هي القضية هنا وأنه لابد من إصلاح الأفراد ولابد من تطبيق التشريعات الجماعية التي تضمن وجود مجتمع صالح ،ومن نظر إلى دين الله تبارك وتعالى وجد ما يسميه العلماء بفروض الأعيان وفروض الكفايات وسنن الأعيان وسنن الكفايات ، بمعنى أن هناك أمور تدخل في نطاق التربية الفردية للأشخاص فتكون من باب أمور الأعيان ـ سواء كانت فروضاً أو مستحبات ـ يحتاجها الإنسان لكي يصير إنساناً صالحاً ، وهناك أمور يحتاجها المجتمع لكي يكون مجتمعاً صالحاً ، فهذه يسميها العلماء بفروض الكفايات أو باب المستحبات
    هذه هي القضية المحورية وهي أن البعض يرى التركيز على الجانب الفردي . ربما يتفاوت أي فكر أو أي رؤيا ، ليس بالضرورة أن جميع من يراها على درجة واحدة فيها ، يعني هناك من يلحظ بعين الاعتبار فروض الكفايات ولكنه لا يقوم بالدور الكافي لإنجازها وإتمامها وهناك من لم يكاد يتلفت إلى فروض الكفايات وهناك من يصل إلى درجة أن أن يزهد الناس في إتمام فروض الكفايات ، فهناك درجات متفاوتة بين أصحاب هذا الاتجاه طالما أننا جعلنا أن الرباطة بينهن أنهم يركزون على الجوانب الفردية في التربية ولا يهتمون بالجوانب المجتمعية فإنه سوف يدخل تحت هذه التعريف أناس من أخلاط شتى متفاوتين في درجة استقطابهم ناحية الفردية ودرجة ابتعادهم عن تطبيق الفروض أو الشرائع المشروعة للأمة ككل من فروض الكفايات وسنن الكفايات .
    أيضاً من باب آخر سوف تجد تفاوت كبير عند هؤلاء فيما هو مفهوم الفرد الصالح ، وإذا خرجت خارج نطاق من ينتسبون إلى المنهج السلفي في الجملة لأن بعض من يرى العمل الفردي ينتسب إلى المنهج السلبي في عقيدته وفي مراعاته للدليل فيما يتكلم في مسائل الفقه والأخلاق وغيرها ولكنه في هذا الجانب يركز على الجانب الفردي .
    لكن أيضاً لو وسعت نطاق البحث ستجد أن هناك من ينتمي إلى المدرسة العقلانية الحديثة ، بعض الدعاة الجدد ـ كما يسمونه الناس كذلك ـ له رؤيا في إصلاح الأفراد يطبقها ، وهذا التطبيق يثمر بعض الفوائد ، وقد ينخضع الناس به ويظنون أن هذا هو غاية المراد ، بعض الدعاة يتكلم على الأخلاق وربما يستطيع أن يغزوا مجتمعات كالنوادي وغيرها ويصل إلى شباب مغيب تمامًا عن قضية الإسلام ، فيوجد هذا القدر من العاطفة الإسلامية وقدر من الإلتزام ببعض الآداب الإسلامية والأخلاق الإسلامية ، ويكون هذا القدر من الخير ولابد من الفرح به ولكن المشكلة أن يظن صاحب هذا المنهج أن منهجه صحيح مائة في المائة ومتكامل وأنه مجدد هذه الأمة ، تجد الأعداء يلتقطون الخيط مباشرةً ويحاولون أن يصنعوا هالة إعلامية حول من يكون هذا منهجه بحيث أنهم يقولون أنه من أكثر الشخصيات تأثيراً أو نحو ذلك لمحاولة تكريس لدى العامة وأنه إن كان لابد من تدين فليكن تدين على طريقة فلان ، وهذا يحدث حتى داخل الصف السلفي ، وللأسف قد تجد ظروف معينة تنسج لكي يكون إن كان لابد من سلفية فتكون بالطريقة الفلانية ، وذكرن قبل ذلك أن قاعدة المصالح والمفاسد قاعدة فطرية قبل أن تكون قاعدة شرعية وكل الناس يبطقونها ، فماذا يريد الأعداء من المسلمين ؟ { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ولكن هل هم يطالبون كل الأمة بهذه الغايات ؟ يكونون في غاية الغباء إذا فعلوا هذا ، ولكن إن كان ولابد من البقاء في الإسلام فليكن مع الجهل به ومع ارتكاب الكبائر والمحرمات وعدم معرفة شيء عن دين الله تبارك وتعالى ، وإن كان ولابد من عاطفة دينية فلتكن عاطفة دينية مستوعبة تماماً في نطاق الخرافة أو نحو ذلك كتدين الصوفية أو نحوهم ، وإن كان ولابد من درجة من التعقل والتبصر فليكن على طريقة من يرى أن جوهر الإسلام هو إلتزام بالأخلاق والمعاملات لاسيما القدر المتفق عليه بين البشر في الأخلاق من الصدق والأمانة ونحو ذلك ، وإن كان ولابد عمل من أجل دين الله تبارك وتعالى واهتماما بقضايا الأمة فليكن من خلال القبول بالمبادئ الغربية والضغط على من يعمل في ذلك لكي يقبل هذه المبادئ ويعمل بها ، وإن كان ولابد من درجة أعلى من الحب في دين الله ودرجة أعلى من طلب العلم ودرجة أعلى من طلب الدليل فليكن من خلال دعاة يشبعون هذا الجانب ولكنهم في ذات الوقت يغفلون بعض الجوانب التي تعطي للدعوة الإسلامية حيويتها وتجعلها قادرة على إنتاج النموذج الذي ينتشر بسرعة ويحقق التغيير المنشود في الأفراد والمجتمعات بالدرجة الكافية .
    فإذن دائماً الأعداء حاضرون ، وكما ذكرنا أيضاً في مناسبة سابقة أن الأعداء هؤلاء يشملون إبليس عليه لعنة الله وجنوده ، وبالتالي الأعداء كثر ، وكل له اسلوبه في محاولة استثمار كل حدث وليس صنعه ، ليس بالضرورة أن الأعداء يصنعون الأحداث أو أن أنهم هم الذين يوحون إلى هؤلاء الدعاة بمناهجهم ولكن يستثمرون الأحداث ويتابعونها ويحاولون إيجاد المسارات الملائمة لما يريدون ، إذا كان الآن يأتي سيل منهمر وأنت تريد له أن يمر في أرض دون أخرى فتسارع بأن تحفر له الطريق لكي يمر يف المسار الذي تريده ، فهم يرقبون المظاهر في مهدها ويحاولون توجيهها التوجيه الملائم .
    مما يستوجب درجة عالية جداً من درجات البصيرة والتوازن بين حسن الظن وبين البصيرة في دين الله تبارك وتعالى ـ فالبعض أحياناً يقولون حسن الظن في كل شيء ـ وحسن الظن لا إشكال فيه ولا نقول نتهم نوايا العباد ، ولكن في ذات الوقت عليك أن تعرف أن الشياطين من حولك ومن حول غيرك يحاولون أن يوجهوا تيار الصحوة الإسلامية ويحاولون أن يوجهوا كل تيار من تيارات في أهون مساراته بالنسبة لهم ، أنت على أن تحدد مسارك وفق الكتاب والسنة ، لو افترضنا جدلاً ان الله تبارك وتعالى استعمله في نصرة دينه فصاروا يقتنعون أن المسار الأمثل بالنسبة لهم هو المسار الموافق للكتاب والسنة لا بأس .
    إذن كلام الأعداء مدحاً أن ذماً لا ينبغي أن يكون مؤثراً ، لأن البعض أحيناً إذا مدحه الأعداء يكون هذا دليل على أنهم يريدوننا أن نقع في هذا الشرك ، فإذا مدحوا سلكون معين أو فكر معين أو داعية معين فلا يلزم من ترك هذا كله .
    والبعض يعتبر العكس تمامًا وهو أن الحق ما شهدت به الأعداء ، وبالعكس أن البعض يعتبر أن ذم الأعداء لفكر معين أو لعمل معين دليل على أنه يزعجهم ويرقهم ،والبعض يعتبر العكس .
    القضية أننا لا نستقي مناهجنا من عند أعدائنا ، فلا نعطيهم أي فرصة لتوجيهنا لا بأسلوب المدح أو الذم ولا بأسلوب الترغيب ولا بأسلوب الترهيب ، نحن نحدد مسارنا فإن وجدنا أن العدو قد استعمله الله في أن يساعدنا في هذا المسار ويتوهم أن هذا الأمر حسن كما يحصل أحياناً في كثير من الأحيان تجد أن الخصوم يقولون لو وجد من يدعون إلى طلب العلم فليكن استيعاباً لطاقة الشباب أولى من أن ينفجروا ، هل نترك نحن هذا الخيار من أجل أن الخصم يراه ملائماً له ؟ بل هذا من فضل الله وهذا من رحمة الله .
    إذن لابد أن تكون معايرنا نابعة من عندنا نحن ، لا نسمح للآخر أن يحدد مسارنا بأي اسلوب ، وأي تصرف من خصم من الكفار الذين يوعدون دين الله تبارك وتعالى بل ومن العلمانيين الذين يعادون الدعوة الإسلامية حتى وإن كانوا منتسبين للإسلام طالما أنه خصم للدعوة الإسلام فلا تحمل فعله إلا على التهمة ولكن في المقابل عليك أن تقيس أمورك بما يوافق الكتاب والسنة .
    فإذن لدينا قطاع عريض جداً من الأفكار والمناهج التي يمكن أن تصنف حت هذا الاتجاه ، وأنهم يرون الاتجاه الفردي في الدعوة والتربية .
    ثم تجد كل واحد منهم عنده مفهوم معين من التربية ، فهذا يركز على جانب الأخلاق والآخر يركز على جانب العقيدة والثالث يركز على جانب الفقه ... ونحو ذلك .
    فإذن الصحيح في ذلك أن يكون هناك اهتماما بالأفراد بطريقة متوازنة متكاملة ثم أن يكون هناك اهتمام بأن يكون هؤلاء الأفراد يقومون بواجبات المناطة بالأمة ككل .
    لكن كما أن الذين يهتمون بالجوانب الفردية يغفلون عن أهمية الجوانب الجماعية قد يغفلون داخل هذه الجوانب الفردية عن التكامل فيها فلا تخرج شخصية متكاملة . كما ذكرنا بعض من يسميهم الناس بالدعاة الجدد لا يمكن أن يخرج شخصية متكاملة مطلقاً ، بل يخرج شخصية يؤدي الصلاة أو الفرائض ويمتنع من المحرمات الكبرى المشهورة المتواترة وعنده درجة ما من درجات حسن الخلق ، ولكن تجد عنده منكرات وانخراط في الأغاني وفي الموسيقى وفي مشاهدة الأفلام والمسلسلات وتضييع الأوقات في الملاهي والمتنزهات وعدم وضوح العقيدة وعدم معرفة عقائد الولاء والبراء وعدم معرفة الحكم بما أنزل الله ويجهل الكثير من أصول الإيمان الستة ، وهذا يعتبر عند الناس منهج إصلاحي ولكنه منهج غير أنه فردي بل داخل النطاق الفردي منهج مبتور .
    أيضاً مما ينبغي الانتباه لديه هنا أنه ماذا تعني كلمة سلفي .
    فنحن نتكلم هنا عموماً عن مناهج الإصلاح ومنها مناهج موسومة بأنها سلفية ، أحياناً يكون الناس يسمون اتجاه ما بأنه اتجاه سلفي بناء على وجود سمات عامة مثل الاهتمام بطلب العلم أو مثل الاهتمام بالهدي الظاهر مثل اللحية والقميص والنقاب للنساء ونحو ذلك ، رغم أن بعض من تكون عنده هذه السمات يكون عنده خلل واضح داخل التربية الفردية ذاتها وليس التربية الجماعية فحسب .
    خلل واضح داخل التربية الفردية كأن يوجد تهميش لجانب العقيدة ، كيف يمكن أن يوصف اتجاه ما بأنه اتجاه سلفي مع وجود تهميش كبير لقضايا العقيدة وهي تحتل جزء كبير جداً من الأهمية في هذا المنهج ؟
    كأن يوجد اهتمام بدراسة الفقه ولكن بطريقة مذهبية فيها درجة عالية من درجات التقليد المرفوضة لدى السلفيين وفي الناهية السمت العام في درجة من الإلتزام بدين الله تبارك وتعالى
    فلابد أيضاً من التركيز في هذه الجوانب كلها .
    ولكن على كل حال كنوع من الاستعراض العام نقول : أن هناك بعض الدعاة يرون أن الدور الأساسي للدعاة والعلماء هو إصلاح أفراد الأمة داخل من يرون هذه الرؤيا تختلف نظراتهم في مسألة ما هو معيار الإصلاح الفردي في حد ذاته ، ثم يقول : ومن بين أصحاب هذا المنهج من لا يرون مشروعية العمل الجماعي ، أو على الأقل يحصرونه في صور محدودة لا يتعداها ، ويرون أن مدار الجماعات الإسلامية خاصة الحزبية والتعصب وكونها مستهدفة من الحكومات العلمانية أكثر من مناففه .
    إذن معظم هؤلاء ينكرون العمل الجماعي على حجج مختلفة قد نتعرض لبعضها تفصيلياً ، ولكن البعض يقول أنها بدعة ابتداءاً والبعض يقول أن مفاسده أعظم وعلى رأس هذه المفاسد الحزبية .
    ونحن نود ان نشير إلى أنه قد سبق أن تكلمنا عن هذا بالتفصيل في الكلام على العمل الجماعي أن العمل العمل الجماعي يقاوم الحزبية لا العكس ، لأن الفرد الذي ينتمي إلى مجموع يذوب ولاؤه في المجموع وبالتالي ينقلب ولاؤه للمنهج لا للشخص ،وراد أن يحصل تعصب للمنهج ولو أن هذا المنهج موافق للكتاب والسنة لكان التعصب له مطلوباً ولكن قد يحدث غلو فيجعل الأشياء التي يسوغ فيها الخلاف غير سائغة ونحو ذلك من مظاهر التعصب التي ينبغي إزالته ، ولكن العمل الفردي يوجد درجة حزبية أشد لأنه حزبية للأشخاص ، العمل الجماعي يذيب الولاء للأشخاص ويجعل الولاء للمنهج بدلاً من الولاء للأشخاص .
    وهناك تجارب ربما يقع بعض الدعاة الذين لهم محبة في قلوب الناس ونحن نحب كل من يساهم في نشر الخير ونشر الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ويزداد هذا الحب كلما كان هذا الشخص أقرب إلى منهج السلف ، ولكن يوجد كما ذكرنا من الأتباع أن درجة الحب تصل إلى التعصب .
    مقتضى الحب أنه متى أخطأ أن تنصحه وإذا كان الخطأ على الملأ فمقدار الحب للملأ للأمة ككل أن تنصح للأمة ككل وليس أن تنصح لشخص دون آخر ، البعض أحياناً تقعد قواعد من عند نفسه أو يخطأ في تطبيق بعض القواعد .
    كنموذج : مسألة أن النصيحة تكون في السر .
    يأتون إلى الكلام على أن المعاصي الشخصية التي يفعلها الإنسان مستتراً بها ، فلو أنت وجدت إنسان مسلم زل زلة فإذا كنت أنت حريص عليه فلا تفضحه ، وإذا كان النصيحة فالنصيحة ان تتحرى ألا تعلم من لا يعلم حاله فتنصح هذا سراً ، وأما أن يأتي إنسان فيخطأ في أمر شرعي على ملأ من الناس ثم تقول أن حقه عليك أن تنصحه سراً ؟ وماذا عن حق هؤلاء الناس ؟ لاسيما إذا علمت أن هذا المنصوح سوف يكون أمامه فرصة طويلة إلى أن يفكر في كلامك وقد يتراجع وقد لا يتراجع ، وبالتالي لابد حينئذ أن تنصح من سمع كلامه لاسيما إن كان متبوعاً .
    انظر مثلاً إلا كلام ابن عباس رضي الله عنهما في نكاح المتعة ، بالغ الصحابة في الإنكار عليه إنكاراً شديداً حتى قال ابن الزبير رضي الله عنه : " جرب بنفسك ولأرجمنك بأحجارك "، وابن عباس له من العلم والفضل ، لأن البعض أحياناً نتكلم على فضائل إنسان فيعطيه حصانة من أمور لم يعطى مثلها للصحابة رضي الله عنهم ، فحين يتكلم على خطيب أو واعظ له مكانة حسنة عند الناس فهذا حسن ولكن هنا الصحابة رضي الله عنه ومع مكانة ابن عباس رضي الله عنه في العلم ومكانته في النسب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الإنكار جاء شديدا وعلى الملأ ، حتى لا يأتي أحد ويفعل هذه المعصية ويقول هذه فتوى ابن عباس ، فبفضل الله تبارك وتعالى حصل الإجماع على حرمة نكاح المتعة بعد موت ابن عباس رضي الله عنهما أو تراجع هو نفسه في آخر حياته ، فهل كان من المفترض أن ينتظر الصحابة بأن ينصحوه سراً إلى أن يتراجع هو في آخر حياته بعد أن تكون التفوى قد ملأت الآفاق ؟!
    هذه هي آثار الحزبية التي توجد عند من يذوب في شخص ما ، فإذا أخطأ وجئت تنكر عليه فلو وجد أن الخطأ لا يقبل الدفاع تجد أحياناً تأويلات بعيدة حتى ولو تأولتها للمخطأ لم يفهم الناس هذا الذي يتأوله هذا المتأول ، فيأتي إنسان يقول بملء فيه ويقسم بأغلظ الأيمان أنه لا يخشى في الله لومة لائم كلام خطأ أنت تنكره عليه ، فيأت من يقول لعله أن يكون مضطرا ، فأين القرينة؟ فضلاً أن باب الاضطرار في باب البلاغ الذي يترتب عليه إضلال الخلق ليس فيه إكراه ، فالإنسان يمكن أن يعطي كلمة يفدي فيها نفسه لمن يطلبه بالسيف ، مثل إنسان يؤذي آخر لكي يقول له كلمة ترضيه فهذا لا يمكن أن يحتج بها عند الله لأنه أخذها بتهديد السيف ، فأنت لم تضله حينئذ ، وأما أن تأتي أمام الخلق جميعاً وتقول خوفاً من بطش باطش . الحقيقة الإنسان لا يجوز له أن يهتك عرض غيره إذا كان سيقتل ، لأنه لا يفدي نفسه بعرض أخيه ، كذا هنا لا يفدي نفسه بدين أخيه ، إذا افترضنا أن هناك إكراه وإذا وجد إكراه سيكون له دلائل ، فالإنسان يكون في غاية الأريحية ويقال إكراه ، ثم إنك لو تأولت هذا في حق إنسان ما إحساناً للظن به ألا يكون من المناسب هنا أن تنكر ومن المفترض في هذه الحالة أن يكون هو في غاية الرغبة في أن يوجد من ينكر نيابة عنه طالما أنه اضطر إلى أن يقول الباطل ، فإذن لا يمكن لأحد أن يأتي يدافع عن داعية يحبه أن عن شيخ يحبه بدعوى لعله أن يكون مكرهاً ، لو افترضنا هذا الاحتمال لكان الواجب ابتداءاً شرعاً هو الإنكار ولكان الواجب في هذه الحالة خاصة هو مزيد من الإنكار ولكان ينبغي على هذا الداعية وعلى كل من يحبه أن ينصح متى استطاع إلى ذلك سبيلاً وينصح الخلق أن يبالغوا في الإنكار عليه فينجوا هو من جهة ولا يضل الخلق من جهة أخرى .
    نماذج من الحزبية الشدية وهذه متوقعة طالما كان هناك درجة من درجات الانبهار بشخص ما والذوبان في فلكه ونحو ذلك .
    كما ذكرنا أن أبرز ما يحتجون به على عدم مشروعية العمل الجماعي مسألة الحزبية ومسألة أن العمل الجماعي مستهدف ، وفي الواقع أيضاً التجربة أثبتت أن الاستهداف لا يقتصر على العمل الجماعي وأن هناك موازين للقضية ، والموازين متعددة ، ولكن هناك فرق وهو أن العمل الفردي مهما تتضخك فإيقافه في غاية السهولة طالما أن محور العمل شخصية فإذا أوقفت هذه الشخصية وقف العمل ، ناهيك عن الواسئل الإلكترونية الحديثة كالفضائيات وغيره ، وهي بلا شك أبواب من أبواب الدعوة لابد من استثمارها ولكن لابد أن يكون هناك من ضوابط ومحاذير .
    الأمر الأول : أنه لا ينبغي لا في هذه الوسائل ولا في غيرها مهما ظننا فيها من الخير أن نقدم أي تنازل ثمنًا للتواجد في هذه المساحة
    الأمر الآخر : ألا نضطر ويقول الداعي مثلاً وهو يأتي إلى المسجد فيحضر له خمسة أو عشرة أو مائة أو ألف أو ألفين وأما القنوات الفضائية مشاهدوها بالملايين في القارات الست ، فإذن لنذهب إلى حيث الخير الأنفع .
    هذه قضية بصفة عامة وأن الإنسان يحسن توظيف وقته وأنه إن كان يريد أن يبذل لدين الله تبارك وتعالى فليبحث عن أرجى الأعمال ، وهذا أمر لا غبار عليه إطلاقاً ، ولكن القضية ما هو الأرجى .
    نعم قد يكون مشاهدي القنوات الفضائية بالملايين وفي القارات الست ولكن معظمهم بضغطة واحدة على ذر يأتي بقنوات الرقص والغناء ، فإذا كان بدلاً ان يكون كل استماعه إلى هذا الباطل يكون جزء من استماعه إلى الحق وهذه فيها مصلحة ، ولكن لا ينبغي تضخيمها أكثر من اللازم ، بلا شك أن الدعوة لابد فيها من التربية المباشرة ولابد من الاهتمام بمن يجعلون من ينتجون في حقل الدعوة لا بمن يستهلكون .
    عامة مشاهدي الفضائيات مشتهلكون ، ونحن نريد أن نصل إليهم ونصل إلى غيرهم ، ولكن أنت الآن في مرحلة الأمة فيها في حاجة إلى جهود جبارة في كل الجوانب ـ جوانب تصحيح العقيدة وجوانب مجاهدة التنصير ومجاهدة التشيع ومجاهدة الدعوة إلى العلمانية والديمقراطية والدعوات التي تنتشر بين الناس وتصحيح العبادة وتصحيح المعاملة والكلام على الشبهات التشريعية والتشريعات المتلاحقة ـ فإذا كان يوجد عدد محدود من العاملين في الحقل الإسلامي سوف يوجهون جهودهم إلى شريحة عريضة من المستهلكين يوشك هؤلاء الدعاة أن يستهلكوا ولا يجد هؤلاء المستهلكون من يعطيهم شيئاً ، وبالتالي لابد أن يتوجه المجهود الأكبر إلى إفراز منتجين وإلى إفراز أفراد لديهم استعداد لطلب العلم وتعليمه .
    أذا اختزلنا المسألة من باب التقريب : إذا كان داعية واحد سوف يستغرق مع هؤلاء المستهلكين ثم إذا مات انتهت القضية فلو أعطى ثلاثة أرباع وقته لإنتاج اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة مثله بحسب ما يمن الله عليه من طلب العلم وربع الوقت لهؤلاء المستهلكين لكان هذا إنصافاً ، لأن القضية تحتاج إلى جهود عظيمة كثيرة في أن يخرج من هم قادرين على تحمل المسئولية ومن هم قادرين على السد في هذه الثغرات لا المستهلكين لاسيما أن معظم هؤلاء المستهلكون يكون استجابتهم العملية بطيئة ، ولو كانت الاستجابة العملية عالية في النهاية لن يتحول إطلاقاً من خلال القنوات الفضائية إلى شخص منتج وإنما لا يتحول إلا من داخل المسجد .
    لماذا نذكر هذا الكلام ؟
    ليس تزهيداً في هذا الجانب ولكن وضعه في حجمه الطبيعي بحيث يحدث التكامل في نظرة من يقيمون الأمور بأن هناك أهمية كبرى لأن تستمر الجهود والتربية والشاملة التي تفرز من يعتنون بالعمل من أجل دين الله تبارك وتعالى ومن يتعلمون دين الله تبارك وتعالى ومن يقومون بأمر دين الله عز وجل .
    أما من حثية الاستهداف فالكل مستهدف بدرجة ما ، بيد أن العمل الفردي متى استهدف أمكن القضاء عليه تقريباً والعمل الجماعي متى استهدف قدر يضعف ولكنه غالباً ما يعود أقوى مما كان لوجود روح العمل وروح الإنتاج وروح الإفراز للأفراد الجدد القادرين على تحمل المسئولية .
    هذا خلاصة العرض السريع لهذا المنهج .
    يقول : " ولقد حقق هذا النهج بعض الإيجابيات منها :
    إيجاد أفراد ملتزمين
    ونشر العلم ومبادئ الإسلام وأحكامه بين قطاعات من الأمة
    وأيضاً التركيز على عدد محدود من الأفراد يمكن إعدادهم إعداداً جيداً من خلال المعاشرة الطويلة والمتابعة المستمرة "
    وهذا البحث كان في وقت كان النموذج الأمثل للعمل الفردي هو مسجد ، وكان تجد أن الشيخ الذي يميل إلى العمل الفردي يكون له مسجد يلتزم به فهو الذي يأم الصلاة وهو الذي يعطي الخطبة والجميع مستمعون ، الآن صارت الصورة بأن أكثر من يتبنى هذا النهج تحول إلى القنوات الفضائية على اعتبار أنه لم يخسر شيء ، المسجد بالنسبة له كما لو كان هناك جاجز بن المنضدة التي يجلس عليها وبين الناس لا يختلف عن جاجز الهواء التي بين المنضدة التي يجلس عليها في القناة الفضائية وبين الناس ، وبالتالي وجد أن هذا أفضل .
    ولكن بلا شك أن حتى العمل الفردي داخل المساجد كان هناك قدر من المعاشرة تجعل أن الجزء الذي يركز عليه في دعوته تجده بارزاً في أتباعه .
    ربما الآن في القنوات الفضائية الأمر ليس كذلك أصلاً ، يعني حتى محبي الشيخ فلان لا تجد عندهم أي بصمة من بصماته إلا الحب والاستماع له ، قديماً إذا كانوا في المساجد إذا كان هناك شيخ يميل إلى العمل الفردي فكان البد أن يؤثر في أتباعه فإذا كان هو يجيد الوعظ تجد أن مسجده مليء بمن يجيد الوعظ . نعم لا يكادون يفعلون شيء في ظل وجود الشيخ ولكن يحبون هذا الجانب ويتقنونه ، إن كان يجيد جانب من أبواب العلم تجدهم يحبون هذا الجانب ويتقنونه ، وإن كان يحبون باب من أبواب العلم تجد أن الطلاب يتقنون هذا الباب ونحو ذلك .
    وكان أحياناً تكون هذه الصورة صورة مبهرة ، أن يكون مثلاً متقن للقرآن فتجد كل من في المسجد يحفظ القرآن حفظاً جيداً وهذا بلا شك جانب عظيم جداً ولكن يكون هذه الجوانب من جوانب الإبهار قد تخفي غيرها من جوانب العور ، وبالنسبة لقضية القرآن خاصة لأن القرآن له شرفه المعروف ولكن مع هذا استغراق جهد الملتزم بعد إذ بلغ في حفظ القرآن وفقط تضييع لمعاني شرعية .
    لو أننا الآن نملك أمورنا ونستطيع أن نكرس فطرة الطفولة في حفظ القرآن لكان هذا من أفضل ما تسديه إلى أطفال المسلمين الصغار ، ولكن عندما يأتي شخص بالغ يدخل المسجد ثم تقول له لابد من حفظ القرآن أولاً وتحفظ حفص ثم تدخل على باقي القراءات ، فهذا فيه تغيير في الأوضاع الشرعية لأنه يجب عليه أن يعرف عقيدته ويجب أن يحفظ من القرآن الفاتحة ، لكن يجب عليه أن يعرف عقيدته قبل أن يحفظ من القرآن ما زاد على ذلك ، وطبعاً لا نعني من ذلك أن يعرف عن أهل البدع والرد عليهم ولكن يحتاج قدر من العقيدة يعرفه وقدر من العبادة ولا ينبغي أن ينشغل بحفظ القرآن فقط وهو لا يحسن أن يصلي .
    لو أنه يمكن تعليمه الصلاة من خلال التلقين وأن يرى جميع الناس يصلون صلاة صحيحة منضبطة لا بأس ، ولكن هذا غالباً لا يتم .
    إذن لابد من التوازن في هذه الجوانب كلها حتى أفضل هذه الجوانب وأشرفها وهو حفظ القرآن .
    يقول : " وكان الابعتاد عن الأحداث السياسية المعاصرة حتى بمجرد التعليق أثره الواضع في توفير قدر كبير من الحماية ضد ضربات الأعداء "
    في الواقع هذه قضية أيضاً من القضايا الشائكة ، فماذا نختار في جانب التعليق على الأحداث التي يسميها الناس الأحداث السياسية ؟ ، نعن نقول أن واجب الدعاة إلى الله تبارك وتعالى توضيح الأحكام الشرعية وأنه ليس من الحكمة أن تبدأ وتعيد في مخاطبة الناس بما لا يقدرون عليه وبالتالي الطنطنة والدندنة الكثيرة حول تتبع آحاد التصرفات للساسة أو غيرهم مع تضييع أوقات خطبة الجمعة ودروس العلم وتحويلها إلى نشرة تفصيلية إلى تصرفات الساسة ونحوهم أمر يضيع أوقات العباد ولا ينفعهم في شيء ، لكن في ذات الوقت التشريعات في مجال الأسرة تشريعات رفع سن الزواج وتقييد سن الزواج ومنع الختان وكل ما يتم في هذه الجوانب أمور شرعية لا يسع أن تسكت عليها بدعوى عدم الكلام في السياسة ، بالعكس بل هذه التصرفات الشرعية لابد من بيان الحكم الشرعي فيها ، البعض يختار طريق التهييج وتتبع التفاصيل والجزئيات لأن هذا يكون فرع على اختياره للحل البرلماني ، وإذا كان هو اختار الحل البرلماني فلابد ان يكون لو معارضة فعالة ، والمعارضة الفعالة لابد أن تهييج الناس على الأغلبية .
    ونحن ليس نرفض هذا المسلك ليس من باب احترام حكم الأغلبية لأننا لا نحترم الديمقراطية أصلاً ، ولكن من باب أن هذا تضييع لأعمال الناس فيما لا يفيد ، ولكن في المقابل لابد من نصيحة الناس فيما يتعرضون له من أمور ، حتى إذا ما سن قانون مخالف للشرع لابد من بيان مخالفته ونصيحة الناس ألا يتلزموا به ، الآن للأسف أن الكنيسة تسقط القانون وأسقطته بالضربة القاضية كما يقولون ، مع أن موقفهم في غاية الضعف من الناحية القانونية في موضوع الأحوال الشخصية للنصارى ، ولكن سبحان الله !! يمنع المسملين من اتخاذ موقف كهذا لا على المستوى الرسمي ولا غير الرسمي ، يعني هم يقولون أن القانون فرض عليهم شيء مخالف لشريعتهم فلن يقبلوه بأي صورة من الصور ومصرين على أنه ينبغي أن يتغير القانون ، وطبعاً الموضوع له فروع كثيرة جداً أهمهما أنهم لا يوجد عندهم شريعة ، فهم يعترفون أن الإنجيل حكم ومواعظ ، وهو بالفعل كان إنجيل عيسى عليه السلام ، فعيسى عليه السلام كان حاكماً بشريعة موسى عليه السلام ، لكن قضية الطلاق خصوصاً مما أحدثوه وبدلوه ونسبوا إلى عيسى عليه السلام مع أن عندهم أنه يقول : " ما جئت لأنقض الناموس ولكن لأتممه " ، ينسبون إليه بعض نواقض ومخالفات لشريعة موسى عليه السلام ، العجيب أنهم يذمون المسلمين بأنهم يقولون بالنسخ ، وهم يقولون بالنسخ ولكن لا يسمون هذا نسخاً ، القضية ليست في الاصطلاح ، فهو نسخ تمامًا ، ولذلك ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال : " من أجل غلظة قلوبكم قال لكم موسى من طلق امرأته فليعطها كتاباً وأما أنا فأقول لكم من طلق امرأته لغير علة الزنا فهو زان " فإذن هم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه حرم الطلاق إلا لعلة الزنا ، طبعاً المفترض أن يطالبوا بأن يحلو إشكالية موقفهم من النسخ وموقفهم من هذا النص ، فإما أن يقولوا بالنسخ وإما أن يتعرفوا أن هذا النص مقحم ، في الواقع معظم كنائسهم اضطرت فعلاً .
    تخيل مدى الضرر البالغ الذي يقع نتيجة تحريم الطلاق ، إذا كان الرجل رزق بزوجة عقيمة وهو يستطيع أن ينجب وهذا كان وقع للملك هنري الثامن في انجلترا فاضطر يغير مذهبه من الكاثوليكية إلى البرتستاتينية لكي يستطيع أن يطلق ، إذا كان امرأته أصابها جنون أو مرض نفسي وعقلي ، فعنده لا يجوز الطلاق وأن طالما امرأته على قيد الحياة فهو متزوج ، والمرأة التي زوجها عنين أو غائب مفقود طالما أن زوجها لم تعلم وفاته فهي متزوجة ولا يجوز لها أن تطلق فضلاً أن تزوج ثانية ، ثم ينسبون إلى عيسى عليه السلام أنه قال لهم : " ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان " ، طيب دعك من هذا : الزواج الموجود في شريعة موسى عليه السلام أن يتم بإرادة الزوجين على يد كاهن على ما يزعمون بأنه لابد يتمم مراسمه رجل دين ، الطلاق في شريعة موسى شرعه الله إذا أراد الزوج أو إذا طلبت الزوجة أو إذا كان هناك سبب سيتوجب لها الطلاق ويتم على يد رجل دين أيضاً ، لماذا ينسب الزواج إلى الله والطلاق إلى الإنسان ؟ فإما أن تنسب الاثنين إلى الله من باب التشريع وإما أن تنسب الإثنين من باب أنه رغب فيهم ، فكيف يمكن لعيسى عليه السلام أن يأتي بهذا النص العجيب الذي لا شك أن قائله لا يدري ماذا يقول ، يقول أن علة تحريم الطلاق أن ما جمعه الله لا يجوز أن يفرقه الإنسان ، النص نفسه يعترف بأنه كان يوجد طلاق في شريعة موسى عليه السلام ، فهل كان الزواج في شريعة موسى عليه السلام من جمع الله أم من جمع الإنسان ، والطلاق الذي كان يتم كان من تفريق الله أم من تفريق الإنسان ؟ ، هل هذه القاعدة العجيبة منطبقة على الزواج والطلاق في الشريعة اليهودية أم أنه فقط في الزواج والطلاق في الشريعة النصرانية ؟
    معظم الكنائس اضطرت في ظل الظلم البالغ الذي يمكن أن يقع على الناس في أنهم ليس عندهم تعدد زوجات وليس عندهم تعدد طلاق فإذن لابد أن ينتظر حتى يموت الطرف الآخر حتى يمكن أن يتزوج ، فبدأوا يشرعون الطلاق في صور وفي أحوال بعضهم يضيقها وبعضهم يوسعها ، جاء رجل نصراني واقتبس من الشريعة الإسلامية الأسباب التي يجوز للمرأة أن تطلب فيها الطلاق وجعلوها عموما هي الأسباب الوحيدة للطلاق ـ الزنا أو عنة الزوج أو غيابه مدة طويلة أو فقره ـ والأمر بالنسبة للزوجة قريب من هذا ، وجاء النصارى في بلادنا وأخذوا هذه التشريعات ووضعت في كتبهم الدينية إلى أن تم وضعها قانوناً فيما يعرف بلائحة 1938 وهو أنه عندما وضعوا القوانين المدنية قالوا أن الأحوال الشخصة تستقى من الشرائع الدينية للناس فطالبوا من الكنيسة أن تضع لهم تشريع فوضعوا عشرة أسباب للطلاق وظل الأمر متغاضين بالفعل عن النص الإنجيلي الذي يقول لا طلاق لعلة الزنا ، لأن هذا النص في حد ذاته نص مشكل جداً :
    أولاً : لأن هذا النص فيه نسخ والكنيسة لا تعترف بالنسخ
    الثاني : أن هذا أمر في غاية العسر لا يكاد يطيقه أحد من البشر لاسيما في الأحوال المذكورة
    فتغاضت الكنيسة عن هذا النص الإنجيليل وعملت لائحة 1938 والمعمول بها قانوناً إلى الآن .
    الآن بدى لشنودة الثالث أن هذا مخالف للإنجيل ولا يجوز أن يحترم بل ويعاقب من يطبقه ـ رغم أنه موظف حكومي في الدولة ـ يعني ليس فقط أن يمتنع بل يعاقب أي قسيس يطبقه بالإقالة التي يسمونها بمصطلحهم الكنسي " الشلح " ، ثم يقول المخرج أن يعدل القانون لا أن تلزم الكنيسة بأن تحكم بشيء يخالف الإنجيل مع أن أربع أشخاص تعقبوا على هذه الكرسي وهم يطبقون هذا اللائحة قبله .
    إذن القانون إذا وجد عصيان ممن يطبق عليهم يسقط ، في الواقع أن الكنيسة تفعل ذلك وأسقطعت القانون وبالفعل يعدون القانون الجديد عملياً ، لم تطبق القانون منذ تولي شنودة منصبه إلى أن جاء أحدهم ورفع عليه قضية تلزمه بتطبيق القانون ، فلما حكمت المحكمة بإلزامه بتطبيق القانون طالب بتغيير القانون حتى لا يلتزم بهذا الحكم ، قد تكون الحسابات مختلفة ونحن ندرك ذلك تماماً ، ولكن هناك بعد هام جداً وهي أن القوانين التي لا يقبل الناس عليها ولا يتحاكمون إليها تسقط وتموت بخلاف ما يهرع الناس إليه وينفذونه .
    الكنيسة لها موقف آخر في موضوع الميراث ، فهم يقولون أنه لا يوجد ميراث في النصرانية ، وهذا الموضوع له أسبابه ، ذلك لأنهم في التوراة أن الميراث يأول إلى الأبناء الذكور بالسوية فإن لم يكن ذكور يؤول إلى البنات ، فلو أن الكنيسة عملت بهذا النص تفقد أحد أبواب طعنها في الإسلام ، يقولون أن الإسلام إعطاء الأنثى نصف ميراث الذكر ، والتوراة لا تعطي البنت ميراث طالما وجد ابن ، ولو ابن واحد على عشر بنات ينفرد هو بالميراث ، الزوجة في شريعة التوراة " نحن ليس لدينا نصوص قطعية عن الميراث في شريعة موسى عليه السلام " لكن التوراة الموجودة الآه ليس فيها ذكر للزوجة في الميراث ، فهناك واقعة ترويها الأناجيل أن شاب أتى إلى عيسى عليه السلام وقال له اقسم الميراث بيني وبين أخي فاستنكر عليه وقال : " من أخبرك أني أتيت قاسماً " وهذا أيضاً من النزعات العلمانية في الاناجيل مما يثير الشك ، لماذا رفض عيسى عليه السلام أن يقسم الميراث بالشريعة وأنبياء بني إسرائيل وهو أحدهم كانوا يأتون يجددون شريعة موسى عليه السلام ويقضون بين الناس فيها ولكنه امتنع عن قسمة الميراث ، فاستدلت الكنيسة على ذلك بأنه لا يوجد ميراث ولا يوجد طريقة لتقسيم الميراث في النصرانية ، فإذا سئلوا ما هو البديل ؟ قالوا يقسم بالحب والتراضي والتفاهم ويعطى الأحوج ، وكأننا نعيش في عالم آخر ، فهذا كله لا إشكال فيه ولكن لابد من مقاطع حقوق ،ولماذا لا يجعلون الطلاق بالتراضي والتفاهم ؟! ، فلابد من حدوث شجال ونزاع ولابد من وجود حكم وقضاء ، فكل الكنائس تحيل إلى القوانين المعمول بها عند ذي السلطان من باب " دع ما لله لله ومال لقيصر لقيصر " ، الميراث أحد أهم الجوانب التي تطبق فيها النصرانية إحالة الأمر إلى القانون ـ أي قانون إن كان ـ ، النصراني لما يعيش في أي بلد يبحث عن من يقسم له ، لذلك تجد في أوروبا وأمريكا قوانين ميراث عجيبة جداً ليست لها علاقة بأي شريعة .
    بالنسبة لبلادنا ينص أن الأمور التي ليس لها تشريع خاص عند أتباع دين ما يحكم بالشريعة الإسلامية ، فالنصارى إذا ما تحاكموا إلى المحاكم في قضايا الميراث أعطي للذكر مثل حظ الإنثيين ويقبلونه !! ، لما فيه من حظ لأنفسهم ، ولذلك خرج عليهم أحدهم وقال لهم من يتحاكم إلى القانون في قضية الميراث والقانون يحكم بالشريعة الإسلامية فهو كافر بالمسيحية ، يعني إذا تحاكم من قانون يكون مستمد من أي شيء آخر لا يوجد مشكلة لأنه لا يوجد أحكام تفصيلية في النصرانية لكن إذا تحكام إلى القانون في الأبواب التي يستمدها من الشريعة الإسلامية فهذا كفر بالنصرانية ويدعوا إلى أن يذهبوا إلى أي عاقل يقسم بينهم بالتراضي أو حسب الأحوال ، يعني بلا شريعة ، ولكن هذا الدعوة لم تصمد أمام أنهم يذهبون إلى المحاكم ويطلبون قسمة الميراث وفق شريعة الإسلام لأن غالباً إذا وجد ذكور ذهبوا ليأخذوا هذا الميراث لأن لهم فيه حظ .
    إذن تحاكمهم إلى الشريعة في الميراث لم يسقط لحاجتهم إليه ، ولكن في مسألة الطلاق هم يرفضونه فإما أن يسقط عملياً وإما أن يسقط عملياً ونظرياً ، فهذه قضية في غاية الأهمية وهي لابد من تعريف الناس بما يخالف شريعتهم حتى لا يتحكاموا إليه .
    يقول : " ويؤخذ على هذا الاتجاه قصور النظر إلى نوع واحد من الواجبات الشرعية وإهمال واجبات أخرى نص عليها الكتاب والسنة وأجمع أهل العلم على فرضيتها ووجوب السعي على إقامتها مع كون الكثير من هذه الواجبات يمكن القيام بها أو بشيء منه على الأقل إذا اجتمعت الجهود وتضافرت إذ أن جهود الكفاية من التعلم والتعليم والحسبة وسد حاجات الفقراء والمساكين والأرامل وغيرهم وفصل الخصومات وفق شرع الله وإيصال الحقوق إلى أصحابها والسعي إلى إقامة الخلافة والجهاد ، وغير ذلك من فروض الكفاية المضيعة التي استفاضت أدلة كل منها كتاب وسنة لا يمكن أن يقام إلا على وجه الاجتماع والتعاون والملزم وليس المطلوب إقامته في جزء صغير من الأمة بل الواجب شرعاً إقامة كل ذلك في كل مكان وزمان يمكن إقامته فيه وفي كل القطاعات من المجتمع وعلى أوسع نطاق ممكن في المسجد والمدرسة والجامعة والمصنع وأصحاب المهن وغير ذلك . وهذا الكلام يأتي تفصيله في ثنايا الكلام على الجزء الأخير من البحث من الدعوة السلفية والتغيير "
    قال : " كما يؤخذ على كثير من أصحاب هذا الاتجاه ترك الإنكار على المنكرات التي تتبناها الحكومات وتنشرها بين الناس كقضية الحكم بغير ما أنزل الله ومسائل الولاء والبراء ونشر الغزو الفكري والتبعية لمبادئ الوضعية للغرب "
    يقول : " ولا يصح التعلل بتوفير الحماية للدعوة فإن الدعوة تفقد هويتها إذا رأت الناس يقعون في الضلال بل في الشرك وهي لا تحرك ساكنا وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد ، كما يؤخذ على أصحاب هذا النهج المبالغة في تضخيم سيئات الجماعات الإسلامية والإجحاف بمنافعها ومحاسنها فجعلت علاج المريض قتله أو إيقاف قلبه إذ أن جماعات الصحوة الإسلامية هي قلب الأمة الإسلامية النابض بالحياة بعد أن فقد الجسد كله مظاهر الحياة ، وكم كانت هذه الجماعات الإسلامية سبباً لهداية الشباب والشيوخ والنساء والأطفال وعودتهم إلى دينهم "
    هذا ما ذكره البحث في شأن هذا الاتجاه ويبقى في البحث الكلام عن الدعوة السلفية والتغيير ولكننا قبل أن نخوض فيه لعلنا نتناول بعض النقاط التي تتعلق بالكلام على العمل الجماعي وموقف الرافضين له ببعض التفصيل ثم نأخذ بالكلام على الدعوة السلفية والتغيير .
    نكتفي بهذا القدر سبحانك اللهم ربنا وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    هذا رابط للتفريغ حتى الشريط السادس عشر بصيغة الوورد
    http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v
    وجزاكم الله خيرا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    369

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ah_agaba مشاهدة المشاركة
    هذا رابط للتفريغ حتى الشريط السادس عشر بصيغة الوورد
    http://www.mediafire.com/?jzyxrhv0m9tto2v
    وجزاكم الله خيرا
    جزاك الله خيرا
    سبقتني

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    70

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    ما شاء الله ...جزاكم الله خيرا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    1,577

    افتراضي رد: :: تفريغ سلسلة السلفية ومناهج الإصلاح :: للشيخ عبد المنعم الشحات ::

    الشريط السابع عشر
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم .
    أما بعد ،،،
    ما زلنا في الكلام على مناهج التغيير أو مناهج الإصلاح المطروحة على الساحة وكنا قد انتهينا في المرة السابقة من العرض الإجمالي لمنهج من يركزون على العمل الفردي في الدعوة والتربية وقلنا أن هذا الكلام قد يقودنا إلى الكلام على ما يسمى بالعمل الجماعي ، حيث أن هذه الاتجاهات تأخذ موقفاً رافضاً أو متحفظاً على الأقل من مسألة العمل الجماعي ، ومنهم من يرى أنه بدعة ومنهم يرى أن ضرره أكبر من نفعه ... إلى غير ذلك من الإطروحات .
    في الواقع أن هذا الأمر له أثر كبير على تأخر الدعوة الإسلامية وعدم استفادتها من تضافر الجهود ومواجهة التحديات لاسيما وأن الخصوم كل الخصوم من المنصرين ودعاة العلمانية يتجهون إلى العمل الجماعي وغالباً ما يكون لديهم حرية أكبر من التحرك .
    الآن تجد أن مجموعة صغيرة جداً من الشباب حديثي السن يؤسسوا حركات ويستعملون الإنترنت في التواصل بينهم ، وعندما يتأمل الإنسان في حال أمثال هؤلاء الشباب يتأسف غاية الأسف على وجود الطاقات المهدرة ، فهؤلاء الشباب الذين يتحركون وينشطون في مجالات الحرية أو حقوق الإنسان وغيرها أي أنه ما زال لديهم طاقة ، وهناك قطاع كبير من الشباب مغيب في الشهوات وفي غيرها ولكن هؤلاء عندهم طاقة في اتجاه آخر ، ولكن نتيجة وجود تواجد إعلامي للتيارات المنحرفة استهلكت طاقة هؤلاء الشباب وجذبتهم نحوها .
    نحن نحتاج إلى أن نذكر الأدلة على مشروعية العمل الجماعي ونناقش أهم ما يحتج به هؤلاء على المنع منه .
    من الأدلة على مشروعية العمل الجماعي:
    قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } فهذا أمر عام بالتعاون على البر والتقوى ومن آكده التعاون على الدعوى إلى الله والتعاون على نشر العلم وتعاون على دعوة الناس لحضور مجالس العلم وعلى نشر كتب أهل العلم وعلى نشر الأشرطة ، فهذه هي صور العمل الجماعي التي نقول بها ، لأنك ستجد هنا أن البعد يضع تعريف ما على قضية العمل الجماعي ثم يقضي عليه حكم ولا يترك للآخر فرصة أن يبين ماذا يعني بكلمة العمل الجماعي .
    أنا أقول أن العمل الجماعي هو تعاون المسلمين في مكان ما على القيام بفروض الكفايات سواء في حال وجود إمام مقيم لفروض الكفايات أو في حال وجود إمام مقصر في فروض الكفايات أو في حال شغور الزمان عن الإمام وعدم وجود إمام شرعي يدعي أن دوره هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين .
    فهذه أحوال مختلفة كلها ينطبق فيها قوله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }
    يعني في أفضل عصور الدولة الإسلامية وفي زمن الخلافاء الراشدين كان هناك الصحابة يتصدون للتعليم والإفتاء دون أن يوظفوا من قبل الخليفة ، فإذن يمكن عمل تعاون على فروض الكفايات في ظل وجود إمام عدل ، تزداد الحاجة جداً في ظل وجود إمام مقصر لأن الإمام العدل يقوم بفروض الكفايات على اعتبار أنه وكيل عن الأمة ونائب عنها في القيام بفروض الكفايات ويقوم بها غالباً على أكمل وجه وهذا لا يمنع أن بعض هذه الفروض التي لا يوجد مفسدة من أن يتناولها آحاد الناس كالعلم وتعليمه والإفتاء والقضاء بين الناس ، يعني في ظل وجود قضاء شرعي تكلم العلماء على أنه يجوز للخصمين أن يتراضيا على محكم يحكم بينهما في كتاب الله طالما كان هذا المحكم لديه أهلية الحكم ، فما بالك إذا كان القضاء المتاح أمام الناس قضاء وضعي مخالف لشريعة الإسلام ، أنت تنادي الناس أن يتحاكموا فيما بينهم بشرع الله تبارك وتعالى .
    وما هو السبيل ولا يوجد أمامهم إلا محاكم تحكم بغير شرع الله ؟
    يتعين هاهنا أن يوجد من طلبة العلم من يتعلم أبواب الفقه لاسيما أبواب المعاملات وبالقضاء وكيف يقضي بين الناس ، بحيث أنه متى وجد خصمان في مسألة ما لديهما من الإيمان ما يكفيهما لأن يلتزما بحكم الشرع يذهبا إلى محكم ، وإن كان أحد الخصمين لديه ذلك الوازع والآخر ليس لديه حينئذ يذهب الطرف الذي يريد أن يحكم الشرع ويعرض قضيته على طلبة العلم وأهل العلم ليعرف حقه الشرعي فقط حتى إذا اضطر للوقوف أمام المحاكم الشرعية فلا يطالب إلا بحقه الشرعي لا أكثر ولا أقل .
    فإذن قضية التعاون على البر والتقوى أمر عام يشمل التعاون على البر والتقوى في أحوال مختلفة في ظل وجود الإمام العدل وفي ظل تقصير الإمام أو انقطاع الصلة كما يأتي في غزوة مؤتة مثلاً كمثال أو عند شغور الزمان عن الإمام ، لأن البعض أيضاً يقول أن مشكلته في قضية العمل الجماعي أنه مبني على قضية شغور الزمان عن الإمام .
    نقول كيف تقولون بغشور الزمان عن إماما ؟ ونحن هل نحن الذين ادعينا شغور الزمان عن إمام ؟ هل يوجد مدعي يدعي أنه هو الإمام ؟ ، لا يوجد مدعي ، وذكرنا هذا مراراً أنه وجود سلطان مدنية يتحتم احترامها احترام وجود هذه السلطة وإلا تضيع مصالح المسلمين ، وإلا إذا أغفلت أن هذه السلطة هي التي تنظم أحوال الناس وتنظم معايشهم وتنظم أعمالهم وطرقهم ، فإغفال هذا يضر بمصالح المسلمين ، وبالتالي لابد من مراعاة هذا من هذا الباب ، ولكن إسقاط نصوص الخلافة أو الإمامة على سلطان مدنية تتنصل غاية التنصل من وصف الإمامة ، ولذلك كما أشرنا قبل ذلك أن من يرى هذا يقع في تناقض خطير جداً .
    يعني السلطان المدنية في عامة بلاد المسلمين تنتهج النهج الديمقراطي على الأقل من الناحية النظرية ، والنهج الديمقراطي يقول أنه لابد من تداول السلطة وأنه يمدح رأس السلطة إذا كان يسمح بالانتخابات بل يجب أن يكون في أصل النظام وجود الانتخابات وأناس تتنافس مع بعضها بما في ذلك من هو في السلطة .
    تجد عندنا أناس عندهم أن هؤلاء ولاة أمور وبالتالي من يترشح أمامهم خارجي ، وتقر الإشكالية هنا ، كيف يكون خارجي وعلى من خرج وإذا كان هم الذي يأصلون هذا النظام ؟ !
    تجد البعض يقول أن من يترشح ليس بخارجي لأن الإمام هو الذي دعا إلى الانتخاب ، فيقول الآخر لا بل نحن نطيع في المعروف فقط وإذا دعا الإمام الناس للخروج عليه فيكون عاصياً بذلك فلا نطيعه في هذه المعصية .
    هذه الأضحوكات العجيبة تنشأ من الخطأ في توصيف حال هذه السلطان المدنية . ولكن على كل حال نحن نقول أن مشروعية العمل الجماعي لا تلازم بينها وبين مسألة شغور الزمان عن الإمام ، لأن العمل الجماعي كان موجود في أزمنة أفضل الأئمة وازدادت الحاجة إليه في أزمنة الضعف التي وجدت في الأمة الإسلامية وصار هناك تقصير من الأئمة في فروض الكفايات ، وهي الحاجة إليها أشد وأشد عند شغور الزمان عن الإمام ، ولا يتصور أن يكون أناس في بقعة كبيرة من الأرض لا حاكم لهم ، ولكن هل توصيفه أنه إمام شرعي أو توصيفه أن بيده مقاليد الأمور تكون هذه مسألة لابد من الانتباه إليها .
    كما ذكرنا عندما ننظر للأمور هذه النظرة نستطيع أن نفرق إذا كان متسلط كافر وهو معلن بالكفر
    البعض لما جعل الشرط الوحيد للإمامة هو التسلط وصل لشيء عجيب جداً هو أن يقول أن الكافر اليهودي أو النصراني متى تسلط صار إماما تجب طاعته .
    فهو فقط لا يهدم الثوابت الشرعية ، بل الثوابت عند عامة الخلق الذين قاتلوا المحتلين وغيرهم ، فهذا يكون محل إجماع من العقلاء .
    ولكن البعض لما اختزل شروط الإمامة في التسلط صار عنده أن اليهودي والنصراني إذا تسلط صار إماما شرعياً تجب طاته وبالتالي تستأذنه في إقامة الجمعة ونشر العلم ومتى منع يمنع .
    إذن لم يكن الرسل يستطيعوا أن يدعوا إلى شيء ، يبعث الرسول وهو رجل واحده مع وجود سلطة متسلطة ومستقر لها الأمور من كل الجهات وليس فقط أن تكون هذه السلطة مستقرة سياسياً ودينياً فهي تحكم ناس يدينون بنفس دينها ويخرج الأنبياء على هؤلاء يدعونهم إلى دين الله تبارك وتعالى وينظمون شئون أتباعهم إلى أن يمكن الله تبارك وتعالى لهم .
    في الواقع أن الاستغراق في هذا التوصيف الخطائ يؤدي إلى نتائج في غاية الشناعة
    نحن نقول أنه لا يوجد تلازم بين قضية العمل الجماعية وبين قضية شغور الزمان عن الإمام ، فضلاً عن التلازم بينه وبين اللزمة المشهورة عند بعض من يتعرض لهذه القضية ويقول العمل الجماعي التنظيمي السري القائم على التكفير والخروج ... إلى آخر هذه الأمور التي في النهاية قد تسلم أن ما كان كذلك فهو منهي عنه ، ولكنه منهي عنه لأي اعتبار ؟ هل لكونه جماعياً أو لكونه تنظيمياً أو لكونه يدعوا إلى الخروج أم لكونه يدعوا إلى التكفير ؟؟
    في الواقع نحن نقول أن العمل الجامعي الذي نعني به هو التعاون على البر والتقوى .
    متى وجد تعاون على معصية أو على بدعة ، فالبدعة محرمة سواء صدرت من فرد أو من جماعة ، والمعصية محرمة سواء صدرت من فرد او من جماعة ، وبالتالي التعاون عليها يزيدها إثماً كما أن الطاعة مطلوبة من الفرد أو من الجماعة والتعاون عليها يزيدها فضلاً .
    فلا ينبغي لأحد أن يزج بأمور غير لازمة لوصف العمل الجماعي ، بمعنى أنه يتكلم ويفرض جدلاً لأن الأمر ممكن بل وواقع وجود عمل جماعي كل ما فيه هو التعاون على البر والتقوى ، ثم يضيف أن من كان لهم عصبية جاهلية وعندهم حزبية ماذا سيكون الحكم ؟ من كان عنده هذا الاجتماع على مذهب بدعي ماذا سيكون الحكم ؟ .. إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تؤثر على الحكم ، إذن يحصل الاستدلال بقوله تعالى { وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعداون } وهذا المعنى ورد في منهج جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت وأقره وراجعه الشيخ ابن باز والشيخ الألباني رحمه الله تعالى .
    أيضاً قد يعترض على هذا الدليل بقولهم أن هذا دليل عام ، وهذا اعتراض لا يليق أن يقال في مجال البحث العلمي بمعنى أن العموم معمول به عند عامة أهل السنة ، فنحن الآن مثلاً عندما نسأل عن حكم التدخين نقول حرام والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) فإذن اللفظ العام يشمل جميع أفراد جنسه التي كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والتي وجدت بعده ما لم يخصه مخصص ، فمجرد الاعتراض على دليل ما بأنه دليل عام هذا أمر غير موافق لقواعد البحث العلمي إطلاقاً ، ولكن يمكن الاعتراض مثلاً بأنه دليل عام خص بمخصص ما ، فعنئذ يسمع لهذا الكلام وننظر هل ورد مخصص أم لا ؟ ، أما أن يكون الدليل عام وينطبق على القضية موضوع البحث ثم يحتج محتج بأنه لا يسلم بهذا الدليل لمجرد كونه عاماً فهذا مما لا ينبغي أن يطلق بأي حال من الأحوال .
    وعلى كل حال إذا كان الدليل عام فإن هناك أدلة أكثر خصوصية وورادة أيضاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ) هذا الحديث فيه وجوب التأمير في السفر ، يمكن أن يقال أن هذا الدليل ليس في محل النزاع ، نقول بل هو في محل النزاع بطريق قياس الأولى أو على الأقل بطريق قياس المثل أو نفي الفارق ، وممن استعملوا واستعمل دلالة قياس الأولى فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ، استعمل دلالة قياس الأولى على هذا الدليل بوجوب نصب الخليفة ، فقال : " إذا كان هذا في الاجتماع القليل العارض " ، يعني اجتماع أقل خطراً من اجتماع الناس في القرى والأنصار من جتهين :
    أنه قليل ـ ثلاثة ـ ، والناس في القرى والأمصار يكونون بالآلاف والآن بالملايين وبعشراتها ومئاتها
    ثانياً : عارض ، يعني سفره ينتهي ومع ذلك وجب فيه التأمير ، فدل هذا على أن ما وفوقه من الاجتماعات الكثيرة العدد المستقرة الطويلة الأمد لابد فيها من هذا التأمير .
    فإذا كان الشرع راعى مصلحة انتظام السفر لثلاثة في سفرة واحدة .
    تعالى نتخيل ما هي المفاسد التي تترتب على أن ثلاثة في سفر لا يكون عليهم أميراً :
    ربما عرض لهم عارض فهل يستريحون الآن أم ينتظرون عند نقطة ما ؟ فإذا اختلفوا كل الناس تطرح حل التشاور وكأن أي مجموعة من الناس يتشاورون ويتناقشون لابد وأن يصلوا إلى حل ، هذه الصورة السطحية الساسجة تسبب كثير من المشكلات خارج هذه القضية .
    فعندما نقول للزوجة أن تسمع وتطيع لزوجها تقول أن الحياة شركة وقائمة على التشاور ، فلا بأس ولكن في النهاية في معظم الأحيان لا تثمر المناقشات الوصول إلى رأي موحد .
    فانظر في قضية السفر : هل تنظر هنا أم تنزل عند أقرب استراحة أخرى ، هي قضية ليست قضية قطعية فيها أدل من الكتاب والسنة ولا هي قضية قطعية من ناحي الحس بل هي قضايا خاضعة للاجتهاد وللترجيح للمصالح والمفاسد وبالتالي من الوارد ومن الطبيعي أن يختلف الناس فيها ابتداءاً ومن الطبيعي أن يستمر الخلاف حتى بعد المناقشة ، من الوارد أن المناقشة تزيل الخلاف ومن الوارد أن لا تزيله ، إذن لابد من طريقة لحسم الخلاف ، وإلا انفكت عروة هذه الجماعة وهذا نزل في هذه الاستراحة والآخر أمضى الطريق ففقدت مصلحة اجتماعهم في السفر ، ومصلحة اجتماعهم في السفر فيها تعاون على البر والتقوى وفيها مزيد من الأمن من الأعداء وفيها مزيد من الأمن من الفتنة ، فإذا كان ثلاثة في طريق قل أن يتعرض من يعرض عليهم معصية أو تتعرض لهم بغي أما إذا كان الإنسان وحده تكون الفتنة قريبة منه ، لذلك حرص الشرع أنه طالما أنهم في طريق يجعلون عليهم من يحسن مواطن الخلاف ويعودون إلى هذا الذي أمروه في هذا السفر .
    إذن هذا الحديث استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية بقياس الأولى على وجوب نصب الخلافة ، ونحن نستدل به بقياس الأولى أو بقياس المثل على الأقل على ما يسمونه بالعمل الجماعي أو التعاون على البر والتقوى لأن الناس يجتمعون في مساجدهم وفي مدارسهم وفي جامعاتهم ، ويوجد في هذه الأماكن من المصالح الشرعية ما لابد من القيام به ، يوجد في المساجد من القيام بالآذان والصلاة وخطبة الجمعة وهي من الواجبات ونحن لا نكاد نعلم عن أشد المانعين من العمل الجماعي تطرفاً إلا أنه لابد أن يكون له مسجد ولابد داخل المسجد من ترتيب الآذان والإقامة وخطبة الجمعة على الأقل ، بل غالباً ما يكون مزيد من دروس العلم ، ما الفرق بين هذه وبين أن يزيد الأمر إلى أمور أخرى .
    أيضاً الناس تتواجد في أماكن العمل وفي المدارس والجامعات وتوجد منكرات تحتاج إلى إنكار . لا يوجد الشخص الذي ستطيع أن يمر على آلاف الطلاب في مكان دراسته لكي ينكر الغناء وجلهم يسمع الغناء أو ينكر التبرج على النساء ، فلا يستطيع أن يفعل هذا ، وإذا فعل ربما فتن من الحوار المباشر مع المتبرجة ، فضلا ًعن الأمور التي غالب الظن أنها موجودة حتى إن لم تراها أمام عينيك ، فهذا غالباً لا يعرف عقيدته وغالباً ما يكون عنده أنواع من الشرك الأصغر وأنواع من الجهل بالتوحيد ... إلى غير ذلك .
    كيف يمكن لشخص بمفرده أن يقوم بهذا وكيف يمكن أن يوجد من يستطيع أن يعالج هذه القضايا كلها ، فإذا تعامل الناس مع بعضهم البعض فوجد فيهم المدرس الذي يدرس في المسجد كما يوجد مدرس يدرس في المساجد يوجد من هؤلاء الطلاب من لديه الأهلية فيتعاونون معه على أن يمكنوه من إعطاء درس في مسجد المدرسة أو الكلية وأن يوجد من يعلق بعض النصائح أو الفتاوى فهذا يكتبها وهذا يعلقها وهذا يعطيها إلى زملائه فيحصل بهذه التعاون قدر أكبر من الإنكار والبلاغ مع أنه غالباً لا يكون متناسباً مع عدد الناس ولا كم المنكرات ولا كم المخالفات ولا كم الجهود التي يبذلها المخالفون الذين يتكلمون على المنع من العمل الجماعي لا يرون شيئاً على أرض الواقع وكيف يتحرك المنصرون الآن علانية في المدارس والجامعات يختلسون صور العمل الجماعي التي وضعها الإسلاميون ولديهم قدر من الأمان في التحرك وقد يوجد منهم من هو طالب واحد لسن لقم الشبهات والآخرون يصطادون له الفرائس ثم يأتون بها إليه وهذا يفعل وهذا يفعل وهذا يفعل وأما أهل الحق فيوجد من يفتيهم بأن عليهم أن يلتزموا الصمت انتظاراً لما يسمونه بإذن الإمام ، والقضية هنا ليست إمام بل القضية سلطات متشعبة موجودة ونحن نركز دائماً أن ننصح أحداً يوما ما أن يحدث مفسدة بأن يستجلب على نفسه أو على غيره مفسدة ولكن أن يتعامل مع الواقع ، الواقع أن الجميع يتحرك طالما أن هناك إذن ضمني وطالما لم يكن هناك مفسدة من العمل وإلا هناك المعوقات كثيرة وهناك عدة جهات لو أنك أردت أن تستأذنها لأمضيت حياتك في طلب الإذن ولما وجدت هناك شروط منطبقة على أي حالة من حالات الإذن أو غيرها ، والمخالفون يتحركون ويعملون إلى غير الله .
    نقول أن هذا بقياس الأولى اجتماع الناس في مساجدهم والمساجد لها وظائف لابد أن تقوم بها وفي مجتماعاتهم بصفة عامة مع شيوع الجهل بالدين ومع وجود المنكرات ومع وجود المناوئين لاسيما قديماً كنا نقول المناوئين أهل البدع من الصوفية وغيرهم ، فالآن القضية ازدادت خطراً بوجود التنصير واضحاً علانية ويوجد من يقع فريسة لهذا كما ذكرنا .
    استدلالنا بهذا الحديث أن يغلق أمام من يسيء الظن أبواباً منها :
    أننا لا نزعم إذا كان تكييف السلطات المدنية أنها سلطات موجودة لا ينبغي أن تصادم ولكن لا نتعبد لله تبارك وتعالى بطلب الإذن الصريح في كل أمر إذا وجد مساحة لعمل الخير لا تسبب مفسدة فإذن الشرع مقدم على إذن أي أحد ، أما إذ وجدت مفسدة فالامتناع يكون من أجل المفسدة ، ولكن في ذات الوقت نحن لا نأتي مثلاً إذا جعلنا إمام للمسجد لا نجعله إماماً عاماً للمسلمين ولو أن مجموعة المساجد التي تتفق مع بعضها في المنهج لها إمام فوق هؤلاء الأئمة لم نجعله إماماً عاماً للمسلمين ، إمام المسجد كإمام السفر دوره وحدوده مسجده ، يرتب الآذان والإقامة والإمامة والصلاة والخطبة والدرس ونفقات المسجد وفرش المسجد وفتح المسجد وغلق المسجد ولكن لا يقول لهذا تزوج ولهذا طلق ولهذا بع بيتك ، وحتى الإمام العام ليس له دخل في ذلك ولكن عموماً كل من يقوم بمصلحة دعوة نحن نقيسه على إمامة السفر وهي إمارة مقيدة بموضوعها ، وبالتالي نقول التعاون على البر والتقوى في مكان عمل او في مكان دراسة والناس تجتمع وتتفق على من يرجعون إليه ، يرجعون إليه في حدود المصلحة التي اجتمعوا عليه ، وهذا يرد على طابور طويل من الشبهات التي قد يطرحها المخالفون ويقولون أنتم جعلتم إمام عام على الناس دون أن يكون له شوكة ودون ودون ودون ، نقول : لم نجعل هذا .
    ولكن البعض أحياناً يتذاكى ويقول : أنتم جعلتم إمامين : الإمام العام الذي اتفقت الناس على إمامته ثم تجعلون إمام خاص بكم ، فكون أن من لوازم العمل الجماعي أن تنزل صلاحيات الإمام العام على من يتولى قيادة العمل الدعوى سواء في منطقة جغرافية صغيرة أو كبيرة أو قطاع دعوي صغير أو كبير فهذا لا نقر به ولا نقول به وإن وقعت فيه بعض الجماعات ، ولكن أين هذا الإمام العام الذي يدعون أنه موجود ، نحن نتمنى أن يكون موجود ، وكما ذكرنا لا يوجد مدع لهذه الإمامة العامة إلا في خيالهم هم .
    يعني من جملة الأمور العجيبة أن دكتورة في جامعة الأزهر استدرجت وانضت لحزب الوفد وحزب الوفد حزب علماني من أكثر الأحزاب لبرالية وهو من الأحزاب التي ترى أن النظام الحالي فيه قدر من التدين ينافي النظام المدني ، يعني هم يريدون محو كل ما يمكن أن يشير إلى أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام أو أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ، ومع ذلك دكتور في جامعة الأزهر انضمت إليهم .
    مزيع في قناة يمتلكها رجل نصراني والرجل النصراني عنده مليارات ومع ذلك قدراً المزيع استضاف هذه والآخر بجوار التلفزيون ويشاهد حتى يتصل وهذا يدل على أن الأمور مرتبة ، فالمزيع سألها على أنها تنضم لحزب الوفد وحزب الوفد لبرالي ويرى أنه يريد تطبيق الدولة المدنية بكل أمورها وهذا قد يتعارض مع توجهها كأزهرية فعلى سبيل المثال هي كتدكتور في الأزهر ما هو رأيها بشأن توليى المسيحي رئاسة الدولة ، فتكلمت الدكتورة على سجيتها بأنه لا يمكن أبداً التولي وطبعاً هي اجترت التي تحفظه دون أن تفكر في الكاميرات المسلطة ، وقالت لا يوجد أن يتولى كافر الإمامة لقوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } وطبعاً الآخر على التليفون وطبعاً اتصل ولم يكن هناك انقطاع كما يحصل لو اتصل أحد آخر ، وأخذ يكيل لهذه الدكتورة القدح والذم ، وقال أنت وشأنك فيما تفهمين دينك ولكن نحن في دولة مدنية ولا ينبغي أن تسمي النصارى كفار ولا ينبغي أن تمنعيهم حقهم في التشرح لرئاسة الدولة ولا يجوز لك أن تنتمي إلى حزب وأنت تخالفين مبادئه ، فاضطرت أن تدافع وقالت كلام حسن ، قالت : لو تعارضت مبادئ الحزب مع الشرع فأقدم الشرع ولا يستطيع أحد أن يلزمني بما يخالف الشرع ، وانتهت القضية وقامت حملة إعلامية كبيرة وراء هذا الموضوع فخرجت هذه الدكتورة وهي تقول أنا قولت أنه لا يجوز لنصراني أن يتولى خلافة المسلمين ولا يوجد الآن خلافة فنحن نتكلم على رئاسة دولة مدنية فيصلح لها المسلم والكافر .
    إذن في النهاية كان المخرج أنها تتكلم على سلطة مدنية يترشح لها المسلم والكافر
    وبعض إخواننا الذين يتصورون وجود إمام وأن الإمام أخذ على الناس بيعة ولا ندري متى تمت ، وأين هذه البيعة حتى نبايع
    يقول " أتجعلون بيعتين في البلد ؟ !! " نقول أين البعية الأولى .
    الأمر الآخر نفترض أنها بيعة ضمنية كما يقولون فلا يوجد أحد يريد أن يتورط هذه الوارطة ، ولا يوجد من يدعي أنه إمام ولا من يأخذ على الناس بيعة ولا من يطالب الناس بأن يعاملوه بهذه المعاملة ، ولما يكون إنسان يجد من يعطيه فروض الطاعة والولاء المجانية المفتوحية هكذا فقد يسر ولا يوجد أحد أن يرفض مثل هذه العروض ، ولكن توصيف الواقع غير هذا ، توصيف الواقع يوجد سلطات مدنية حتى الذين يتكلمون باسم الدين فئة يريدون أن يفتحوا الباب على مصرعية من باب أن الشروط الموجودة في كتب الفقه تتكلم عن إمام للمسلمين أو خليفة ونحن الآن نتكلم عن رئيس مدني لمجموعة من الناي يسير لهم مصالحهم ، فإذا كان هذا هو الطرح المطروح لماذا يتطوع البعض بنقل هذا ؟ .
    ولكن نحن نقول أن تنظيم الدعوة لا يلزم منه ولا يجوز أن ينزل على من يرتب الدعوة في أي مكان توصيف الإمام العام لأن هذا يخالف الشرع أيضاً لأن الإمام العام لابد أن يكون ممكناً قادراً على مصالح الناس .
    الأمر الآخر : أنه لا يجوز بناء على هذا أن تؤخذ له بيعة التي هي بيعة الإمام العام ، ولكن مصطلح البيعة أشمل وأعم من بيعة الإمام العام لأن البيعة ما هي إلا عهد وميثاق .
    نقول من كان يأخذ أناس يتعاهدون عهد خاص على أمر مشروع فلا بأس به ، ولكن من الناحية العملية نحن لا نتعاطى بيعة عامة لأنها غير شرعية ولا بيعة خاصة لأنه يساء فهمها ويساء توظيفها ومن أراد أن يتعاون على البر والتقوى يكون دافعه الذاتي كف للتعاون ، ومن يريد أن يترك طريق الدعوة عموماً أو منهج فئة معينة خصوصاً لا تمنعه البيعة من ذلك ، يعني مثلاً جماعة الإخوان هي الجماعة الرئيسية التي معروف عندها بيعة والبيعة عندها لا ينكرونها وهذا لا يمنع من حدون انشقاقات متتالية في تاريخ الإخوان لأنه عندما يحدث أن الإنسان يخالف المنهج الذي بايع عليه تكون البيعة في حد ذاته غير ذات مضمون وبالتالي نحن نرى أننا نؤكد أن البيعة ليست من لوازم العمل الجماعي بل نرى أنها غالباً ما تستجلب الضرر وأن البيعة التي تجعلها الناس ويجعلونها من الناحية النظرية أو العملية كبيعة الإمام العام فيها محاذير شرعية وإن لم تكن كذلك ففيها محاذير واقعية كما أشرنا من قبل .
    أيضاً من الأدلة على ذلك غزوة مؤتة ، وفي هذه الغزوة أمر النبيى صلى الله عليه وسلم ثلاثة قواد فقتلوا جمعياً رضي الله عنهم ثم اتفق الناس على تأمير خالد رضي الله عنه فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فدل هذا على أنه متى احتاجت مصلحة من مصالح المسلمين اجتماع على كلمة فلابد من انتداب من يجتمع المسلمون على كلمته .
    هنا البعض يذكر فروق بين غزوة مؤتة وبين ترتيب أعمال الدعوة إلى الله تبارك وتعالى في زماننا الحالي ، وهي فروق عليهم لا لهم .
    فأما الفرق الأول يقولون أن هذا في زمن وجود الإمام وأما في غيابه فلا ، ونحن هنا سنقف عند إشكالية وهي ما تكييفهم للواقع الآن أيوجد إمام أم لا يوجد ؟ لأن البعض أحياناً يقول بوجود إمام فإذا أتينا نحتج بغزوة مؤتة قالوا هذه كانت في زمن الإمام فكيف تحتج بها غير وجوده فيكون هذا تناقض ، يقولون أن هؤلاء كانت غزوة وانتهى الأمر وأما أمر الدعوة فمستقر ودائم ، نقول أن هذا من باب أولى ، فلو أن الصحابة رضي الله عنهم رجعوا بعد مقتل قواتتهم لكانت المفسدة هي في عدم إتمام غزوة فيعودون إلى الإمام ينصب عليهم أمير ثم يعودون وأما إذا كان هناك مصالح شرعية مفقودة من طلب العلم وتعليمه والإفتاء والقيام على حقوق الفقراء والمساكين والتصدي للتيارات البدعية وتيارات إخراج المسلمين من دينهم .. إلى غير ذلك ، وهذه لا تتأتى إلا بنوع تعاون فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم لم يتركوا غزوة وكان بوسعهم أن يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأمر عليهم أميراً إلا أنهم بفققهم واجتهادهم علموا أن هذه المصلحة لا تضيع لمجرد عدم وجود الإمام أو نائبه ، ولكن يمكنهم أن يتفقوا على واحد منهم .
    بل كدليل إضافي لغزوة مؤتة ويوضح الأمر بقوة وبتضدها تتميز الأشياء ما رواه أبو داوود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فسحلت رجلاً منهم دابته فلما رجع قال : لو رأيت ما لامنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : أعجزتم إن بعثت رجل منهم فلم يمضي لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري ؟
    إذن هنا القائد أصيب أو حدث له ما حدث فرجعوا حتى يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً آخر فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم وأرشدهم إلى أنه كان عليهم أن يؤمروا عليهم أحداً .
    هذا فيما يتعلق بالأدلة أو ببعض الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية ذلك الأمر وأما فعل وقول السلف فلا يحصى كثرة ، حتى في الأزمنة الخيرية التي كان الأئمة فيها يقومون بكل الواجبات وجد من تصدى للتعلم والتعليم والإفتاء ونحو ذلك دون أن يكون هذا بتوظيف من الإمام فدل هذا على أن العمل الجماعي مشروع حتى في ظل وجود الإمام العدل وإن كان بلا شك تزداد الحاجة إليه حينما يوجد التقصير ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطاباً مطلقاً كقوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا } " هاهنا يؤصل شيخ الإسلام ابن تيمية للمسألة من جزرها بأن الخطاب في الأصل للأمة والإمام نائب عنها فإذا كان هذا الإمام لم يقم بذلك أو لم يوجد لم يعفي هذا الأمة من أنه مازال الخطاب موجه إليها وبالتالي يرجع بالأدلة التي خاطبت الأمة بأمور هي واجبات الإمام بإجماع المسلمين ، فدل هذا على أن الواجب الأصلي مخاطبة به الأمة
    قال : " وقوله { والزاني والزاني فاجلدوا } وقوله { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فجلدوهم } وكذلك قوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً } "
    اجلدوا ، لا تقبلوا ، الخطاب كله موجه للأمة .
    قال : " ولكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادراً عليه والعاجزون لا يجب عليهم ، وقد علم أنه فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد ، فقوله { كتب عليكم القتال } وقوله { قاتلوا } وقوله { إلا تنفروا } ونحو ذلك فهو فرض على الكفاية من القادرين ، والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة السلطان على ذي السلطان ونوابه ،والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة خرجت على ذلك لمعصية من بعضها وعجز الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام ان يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزاباً لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعته ، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم ، وكذلك لو لم يتفرقوا ، ولكن طاعة الأمير الكبير ليست طاعة تامة لأن ذلك أيضاً إذ سقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إطاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه ، وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل "
    إذا كان السلطان قادرين فاعلين بالعدل وكلت إليهم الأمور والأمور التي تعاطي أحاد الناس لها مفسدة كالحدود وأما ما سوى ذلك فحتى مع الإمام العدل طالما لم يتضمن هذا خروجاً عليه ولا إخلالاً بما رتبه هو بل إضافة ومعاونة ومؤازرة فلا يمنع من هذا .
    قال : " كما يقول الفقهاء الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فإذا كان مضيعاً لأموال اليتامى أو عاجزاً عنها لم يجب تسلميها إليه مع إمكان حفظها بدونه ، وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود أو عاجزاً عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه ، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتاج إلى اثنين ومتى لم تقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها " وهذا هو الضابط ، وهذه هي القضية التي يلتزم بها في كل الأحوال ، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه ، والله أعلم .
    فإذن هذا كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة وأيضاً سيرته العملية معروفة في تعاونه هو تلامذته على إنكار المنكرات واشتراكه في الجهاد هو وتلامذته إلى غير ذلك من الأمور المعروفة عن شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا كلام من وصف الشيخ أبو زهرة رحمه الله لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية فيه حكاية هذا السلوك عن ابن تيمية مع الإقرار والإعجاب به ، فالشيخ أبو زهرة لا يكاد يوجد من المعاصرين الأزهريين من يدانيه في علمه وهو ليس من أتباع ابن تيمية بل هو من خصومه على الأقل في مسألة العقيدة حيث أنه أشعري العقيدة ولكنه في الجملة كان منصفاً لشيخ الإسلام ابن تيمية في أمور كثيرة وله دراسة مستقلة عن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر ملخصها في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية وتكلم على ابن تيمية تحت عنوان " من محراب العلم إلى ميدان الحرب والسياسة " وعهد الناس العلماء في عصر ابن تيمية عاكفين على العلم قد أنحلتهم المقاعد وحنت عضلاتهم وتقوست عظامهم يرون قوة العلم كلها في فكره ورأسه فهو من الأمة رأسها لا عضلاتها وقوتها البدنية ولعل ذلك أتى إليه من الفلسفة الهندية أو الديانة البرهامية التي تقول إن العلماء في الدين خلقو من رأس برهامة وأن الجند خلقوا من ساعديه ، هذا ما كان عليه العلماء في عصر ابن تيمية وقبله وبعده ولذا كانوا يفرون من التتار كلما دخلوا بلداً يتركونه فارين إلى أقرب مصر إليها ففروا من بغداد إلى دمش ومن دمشق إلى القاهرة ولكن عالماً من هؤلاء العلماء لم يرضى هذه القاعدة لأنه رأى السلف الصالحين من الصحابة كانوا علماء وكانوا مجاهدين مدبرين لشئون الدولة فأبو بكر كان عالماً وفقيهاً واعظم مدبر للدولة وأعظم عابد رآه التاريخ بعد النبيين ، يقول : " وأما علي هو باب مدين العلم ، حديث ضعيف "
    ولكنه يمدح الصحابة لجمعهم بين العلم والعمل .
    قال : " وهو أفضل الصحابة وهو كذلك وكان فارس الإسلام حقاً وصدقاً كما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم "
    يقول : " كان الشيخ تقي الدين في درسه يلقي العلم ويرقب الحوادث ومجرى الأمور ويستعد للدخول في القتال ، وقد جاء التتار إلى مصر سنة 669 هجرية ولم تكن حاميتها كافية لصد غاراتهم ففرت تلك الحامية إلى مصر وفر معهم العلماء والقضاة وغيرهم من كبار الدولة حتى صار البلد شاغراً من علمائه وحكامه " إذن يوجد حالة يقال فيها شغور الزمان عن إمام ، بلا شك التسلط هنا حصل للتتار ، والتتار في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كانوا ينتسبون إلى الإسلام وكانوا قد أظهروا الدخول في الإسلام ودخلوا فيه من حيث الجملة وكانوا من العصاة ولكن صار هذا شاغراً من الحكام الذين تولوا باسم الخليفة وصار هناك متسلطين سفاكين للدماء ناهبين للأموال لا يمكن حينئذ أن يقال أنهم يطاعون في ذلك .
    قال : " وكان ذلك قبل أن يدخل التتار ولكن عالماً واحداً أبى أن يترك البلد فوضى لأن له قلباً يحول بينه وبين الفرار وله إحساس يمنعه من أن يترك العامة من غير مواس في هذه البأساء وقد رأى بعض أهل الذمة التتار أخذوا يلقون الخمر في المساجد ويعلنون الفساد والسلب والنهب ورأى الشطار يخرجون من السجون ويهربون ويعيشون في المدينة فساداً ، لذلك جمع ابن تيمية أعيان المدينة الذين لم يتمكنوا من الفرار واتفق معهم على ضبط الأمور واتفقوا أن يذهبوا إلى قازان قائد التتار وملكهم وكانوا قد دخلوا في الإسلام كالأعراب ولم يدخل الإيمان في قلوبهم وهو رابع ملك مسلم فيهم "
    إذن شيخ الإسلام لم يستسلم لسلطة التتار رغم انتسابهم للإسلام فضلاً عن من يأتي ويقول إذا أتى عدو يعلن بانتسابه يهودي أو نصراني وتمكن يكون ولي أمر يطاع ويستأذن في طلب العلم وتعليمه فضلاً عن الجهاد ، ولا يمكن أن تستأذنه في جهاده .
    يقول : " ذهب الشيخ على رأس الوفد والتقى بقازان القائد الفاتك الذي صارت بذكره فتك الركبان فقال الشاب العالم للمترجم قل لقازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وشيخ ومؤذن كما بلغنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت ، وعندما قدم للوفد الطعام امتنع ابن تيمية عن الطاعم فقيل له لما لا تأكل ؟ قال كيف آكل من طعامك وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه مما قطعتم من أشجار الناس ؟ "
    يقول الشيخ أبو زهرة : " كان الشيخ يتكلم وهو يحس أن الله يؤيده لأنه يؤيد دينه ويرفع أمره ويدفع عن خلقه ،والله فوق كل جبار عنيد ، لذلك لان قازان لما وقع في قلبه من كلامه حتى أنه كان يقول إني لم أرى مثله ولا أثبت قلباً منه ولا أوقع من حديث في قلبي ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه "
    يقول : " قال الطاغية العتي للعالم التقي وأخذا يتحدثان في المقصد الذي جاء إليه واستطاع الشيخ أن يؤجل غزة التتار لدمشق وهو يعلم أن التأخير سيعقبه من بعد ذلك الاستعداد للقتال ، وحمل الشيخ قازان على أن يفك الأسرى الذين أسرهم ففك القائد أسرى المسلمين ولم يرد أن يفك وثاق الأسرى من أهل الذمة من اليهود والنصارى ولكن الشيخ عارضه وأبى أن يعود إلى دمشق إلا ومعه أسرى النصارى واليهود أيضاً وكأنه يفي بكل واجبات الإمام الذي فر ، حتى أنه يجادل عن أسرى أهل الذمة "
    إلى أخر الكلام الطويل في واقع فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في جهاده ضد التتار بعد ذلك وفي موقعه مع السلطان في مصر إلى غير ذلك من المواقف العظيمة .
    فهذا ملخص للأدلة التي نستدل بها على هذه القضية في مناقشة من ينحى المنحى الذي أشرنا .
    وللحديث بقية في المرة القادمة إن شاء الله تبارك وتعالى .
    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •