بسم الله و الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم اما بعد
انه مما لاشك فيه ان القران الكريم يزخر بالمعانى التربوية الرائعة التى لو سلطنا الضوء عليها لوجدنا فيها ما يقوم السلوك و يهذب النفس الإنسانية حتى تصل الى اعلى درجات الرقى و التحضر , و من جملة المعانى تلك المعانى التى تشير اليها هذه الآية المباركة من سورة الحجرات هذه السورة المليئة بالمعانى التربوية والسلوكية الراقية و التى يسميها بعض المفسرين بسورة الأخلاق وهذا المعنى يلوح لك عندما تقرأ هذه الآية ان الإسلام لايفرق بين الناس بألوانهم ولا بأصولهم ولا بأنسابهم و انما يفرق بينهم على اساس التقوى يقول تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
قال الإمام ابن كثير فى تفسير هذه الآية ما ملخصه ( يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك.
وقيل: المراد بالشعوب بطون العَجَم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل. فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته.
وقوله: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب.(
ثم ساق رحمه الله مجموعة من الأحاديث النبوية التى توضح هذا المعنى وتبينه اتم بيان ومن ذلك ما اخرجه ابن ابى حاتم عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القَصْواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل صلى الله عليه وسلم على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. إن الله يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
ثم قال اقول قولى هذا و استغفر الله لى و لكم"
هكذا رواه عبد بن حميد، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَد، عن موسى بن عبيدة، به)

فى هذا اليوم الذى اعز الله فيه الإسلام و اهله يقرر النبى صلوات الله عليه و سلم هذه المعانى السامية انه لافخر لأحد على احد الا بتقوى الله مع ان الناظر فى التاريخ يرى الملوك و الأمراء فى هذه اللحظات يفتخرون بأنسابهم و قومياتهم و يتعاظمون و يتكبرون على الناس بما لايعلم حقيقته الا الله فياله من معلم للبشرية , فالنصر و التمكين لم يكن لأجل العرب و العروبة و لا لأجل ان هذا الشعب هو شعب الله المختار و بقية الشعوب عبيدا له و انما لأنهم يتقون الله و من يتقى الله و قاه و اعانه و سدده و هداه وهذا تجسيد لمعنى العبودية".

قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟" قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذافَقِهُوا".
حديث آخر: قال مسلم ، رحمه الله: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كَثِير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".


حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أبي ذر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى. تفرد به أحمد.
حديث آخر: وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خِرَاش العَصَرِيّ، يحدث عن أبيه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المسلمون إخوة، لافضل لأحد على أحد إلا بالتقوى"

هذه الأحاديث تقرر ميزان العدالة الذى جاء به الإسلام فلعبرة بالأعمال و ليس بالأنساب فمن ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه فليس العبرة ان يكون من نسب النبى الفلانى او من الولى الفلانى او من الشعب الفلانى او العرق الفلانى وانما العبرة بتقواه لله تعالى و هذا يبطل النظرية السامية التى جاء بها اليهود و هى من جملة الأباطيل التى اخترعها اليهود و صدقوها حالهم كحال الذى كذب الكذبة و صدقها و الا فالسامية ليست حكرا على اليهود و حدهم بل هى للعرب ايضا و للبابلين و الآشورين و الكعنعانين و السورين و الفلسطنين و كل من سكن هذه المنطقة من جزيرة العربو ما حولها و هذا المقرر عند علماء التاريخ ان اولاد سام ابن نوح من ذكرناهم و غيرهم و ليست حكرا على اليهود و العجب ان اليهود اقعوا العالم بهذه الأباطيل بما يملكونه من السحر , اقصد سحر البيان فإن من البيان لسحرا يقلب الحقائق و يزور التاريخ و حتى لو قصرت هذه الصفة على اليهود او على اليهود و العرب او غير ذلك فهذا لايعنى انهم من طينة اخرى غير الطينة التى خلق منها الناس و هذا الفكر الشعوبى المقيت الذى يقسم الناس على اساس عرقى هو عين عبية الجاهلية التى نهى عنها النبى صلى الله عليه و سلم
ففى الحديث: قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس -يعني ابن الربيع-عن شبيب بن غَرْقَدَة ، عن المستظل بن حصين، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم. وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجِعْلان".ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه.
وحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بَذِيّا بخيلا فاحشًا".وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، به ولفظه: "الناس لآدم وحواء، طف الصاع لم يَمْلَئُوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم")

فهذه النصوص من الكتاب و السنة متعاضدة على ان الناس يتمايزون و انهم لايستون فالمؤمن التقى ليس عند الله وعند المؤمنين كالمجرم الشقى قال تعالى ( لايستوى اصحاب النار و اصحاب الجنة اصحاب الجنة هم الفائزون ) و قال تعالى ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ) وان هذا التمايز مبنى على اسس من العدل فالإسلام دين العدل وليس دين المساوة كما يدعى البعض , فالعدل كل العدل الا يتمايز الناس من اجل ان هذا ابيض او ان هذا اسود او ان هذا عربى وذاك اجنبى فهذا لاقيمة له لإنهم فى النهاية كلهم لآدم و آدم من تراب , فالتكبر و التعاظم بالأنساب و الأحساب و الإنتساب للقوميات و العصبيات المختلفة هذه عيبة الجاهلية و تعاظمها بالأباء التى نهانا عنها اسلامنا الحنيف فالغرض المقصود ان الناس فى الإسلام يتمايزون بقربهم من الله و التزامهم بأمره و عملهم بشرعه و حرصهم على مرضاته عندئذ يتمايز الناس وهذا هو قمة العدل و السموا الإنسانى ان يتمايز الناس على اساس حبهم للذى خلقهمم و اوجدهم من العدم و امتن عليهم بصنوف النعم و لاقيمة لإختلاف الصورو الألوان و ...........فى تقسيم الناس .
و الأخوة فى الإنسانية و ان كانت متحققة لكنها لا تجدى نفعا إذا كانت على حساب الإيمان بالله و تصديق رسوله صلى الله عليه و سلم , كما قال تعالى ( الا بعدا لعاد قوم هود ) بعد ان ذكر جل و علا اخوتهم فى النسب و الإنسانية ( و الى عاد اخاهم هودا ) .
وهذه الروابط القائمة على اساس الإخوة فى الإنسانية تتهاوى عند اول محك لها على ارض الواقع , ففى الواقع هناك شعوب ترى لنفسها الفضل على بقية البشر لا لشىء الا لأصلها و عنصرها فبعيدا عن الدعاوى الفارغة نرى الناس يعاملون فى المجتمعات المدنية المعاصرة على انهم مواطنون من الدرجة الثانية و الثالثة لأجل الأصول و الألوان و هذا نقض لتلك المساواة الزعومة .
بل الذى وصلت اليه البشرية اليوم بسبب الشعوبية و التعالى تستحى ان تفعله الوحوش فى البرارى فالدماء تراق هنا و هناك و ليس ما حصل لأسطول الحرية منا ببعيد شعوب تقتل من الجوع و الحصار تحت مرأى و مسمع الجميع و الرجل فى اروبا و امريكا يبكى من اجل الكلب الذى لايجد العناية التى تليق به فى احد اكبر التجمعات الكلبية الكبرى فى تلك البلاد فأى تناقض اعظم من هذا التناقض .
فنحن نزعم ان المسلمين كانوا و لا يزالوا هم اصحاب القيم الثابته التى لاتتغير مع تغير الأزمان و تبدل العصور وان هذه القيم هى التى ترفع من مستوى البشرية و تجعل الإنسان اكثر قربا من الله وفى هذا صلاح القلوب و الأعمال و المجتعات , فكل ماكان الإنسان اتقى لله كلما كانت مكانته فى الإسلام اعظم , و قد كان ائمة المسلمين الذين نقلوا الدين و علموا الدنيا الإسلام من الموالى , يعنى من الدول التى فتحت على ايدى المسلمين و دخل ابنائها فى الإسلام و ان كانوا ليسوا من العرب , فهذا لاقيمة له عند المسلمين فالحمد الله الذى وهب لنا نعمة الإسلام و نسأله سبحانه ان يغفر لنال الزلل و الخطأ و ان يتجاوز لنا عن ذنوبنا و معاصينا و ان يتوفنا على الإسلام و السنة هو ولى ذلك و القادر عليه و آخر دعوانا ان الحمد الله رب العالمين و الصلاة و السلام على افضل المرسلين و على آله و صحبه و سلم .
اخوكم محمد القاضى