النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مفسدَاتُ الأُخوَّةِ::: الدرس الثانى:::

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    19

    Imp مفسدَاتُ الأُخوَّةِ::: الدرس الثانى:::




    مُفْسِدَاتُ الأخوّةِ
    وقبل الشروع في هذه المفسدات على وجه التفصيل
    فلابد من الإشارة إلى أن المقصود
    من ذكر هذه المفسدات اتقاؤها
    وصون أخوتنا عنها
    ومعرفة كيف يحافظ الأخ على أخيه
    وكيف تدوم له مودته
    وإن الأمور التي يحافظ بها الأخ على أخيه
    وتدوم له بها مودته خضم عظيم، وبحر لا ساحل له
    والحديث فيه لا تبدو له نهاية...

    والحديث عما تدوم به الأخوة فيه إجمال وتفصيل:
    فإجمالاً:
    كرم العشرة سبب دوام الأخوة.
    وكرم العشرة عبارة جامعة لكل ما ينمي العلاقة بينك وبين أخيك
    وإن شئت فقل:
    هي حسن الخلق
    الذي أرشد إليه رسولنا
    صلى الله عليه وسلم
    في وصيته الجامعة:
    ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها
    وخالق الناس بخلق حسن)
    )()
    وقد تعددت عبارات السابقين الضابطة لكرم المعاشرة...
    وما يجب للصديق على الصديق.


    قال أبو العتاهية:
    قيل لعلي بن الهيثم:
    ما يجب للصديق؟ قال: كتمان حديث الخلوة
    والمواساة في الشدة، وإقالة العثرة.


    وقيل لأعرابي:
    من أكرم الناس عشرة؟
    قال: من إن قَرُب منح، وإن بَعُدَ مدح
    وإن ظُلِمَ صفح، وإن ضويق سمح
    فمن ظفر به فقد أفلح ونجح.
    وقال رجل من قريش:
    خالطوا الناس مخالطةً إن غبتم حنُّوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم
    ().
    وهي كلمة عظيمة تفتح مجالاً واسعًا رحبًا للتنافس والاجتهاد
    فيما يحقق كرم العشرة.
    وأما تفصيلاً فهناك نقاط كثيرة تفوق الحصر تندرج تحت كرم العشرة
    وما الحديث الآتي عن مفسدات الأخوة
    ـ التي ينبغي صون أخوتنا عنها ـ
    إلا محاولة في سبيل الوصول إلى تحقيق كرم العشرة فيما بيننا...
    فلنتناول هذه المفسدات على وجه التفصيل.






    المفسدة الأولى
    الطمعُ في الدّنيا أوْ فيما عند الناس



    وربما يتساءل البعض:
    وهل من علاقة بين المحبة بين اثنين وطمع أحدهما أو كليهما في الدنيا؟
    والجواب ـ بلا تردد ـ نعم
    إذا وجد الطمع في الدنيا والنظر إلى ما بأيدي الناس
    كان أكبر طارد لمحبة الناس، كما قال رسول الله
    صلى الله عليه وسلم
    : ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))
    ().
    وقال تعالى:
    ]وَلا تمدَّنَ عينيكَ إِلى ما متعنا بهِ أَزْوَاجاً منهمْ
    زَهرَةَ الحياةِ الدُّنيا لنفتنهمْ فيهِ
    وَرِزْقُ رَبكَ خيرٌ وَأَبقى
    [
    [طـه:131].
    فكم من أخوين كانا متحابين متصافيين .
    يصعب على كل منهما فراق الآخر تغيرت نفوسهما
    بعدما تعرضا للدنيا وتنافسا في النيل منها...
    وكم من أخ حبيب، مطمئن الفؤاد
    راضٍ بما قسم الله له، صافي القلب لجميع إخوانه
    اضطرب قلبه بعدما صار ينظر في دنياه إلى من هو أكثر منه
    ويمد عينيه إلى ما متِّعَ به غيره
    وينظر في دينه إلى من هو أقل منه...
    فتغير قلبه ولم يعد صفاؤه لإخوانه كما كان عليه من قبل
    ولم يعد اهتمامه ونظره في الدين
    وإلى من هو أكثر منه دينًا كما كان عليه من قبل.
    ومع ازدياد التعلق بالدنيا يندثر الإيثار وينسى قوله
    صلى الله عليه وسلم
    : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))
    ()
    وتحل الأنانية البغيضة التي لا تعدو منطق: (نفسي نفسي).
    (يقول سبحانه وتعالى:
    ]إِنما المؤْمنونَ إِخوَةٌ[
    [الحجرات: 10]
    والأخوة من أجمل المعاني
    التي يمكن أن يتحدث عنها الإنسان شفيفة لطيفة كالنور!
    ندية محببة إلى القلوب... ولكن ما
    "الإخوة"
    التي وردت الإشارة إليها في كتاب الله؟
    يستطيع اثنان من البشر وهما يسيران في الطريق الواسع
    ـ في الأمن والسلامة ـ أن يتآخيا!
    أن يسيرا معًا وقد لف كل منهما ذراعه حول أخيه من الحب.
    ولكن انظر إليهما وقد ضاق الطريق
    فلا يتسع إلا لواحد منهما يسير وراء الآخر
    فمن أقدم؟
    أقدم نفسي أم أقدم أخي وأتبعه؟
    ثم انظر إلى الطريق قد ضاق أكثر...
    فلم يعد يتسع إلا لواحد فقط دون الآخر! إنها فرصة واحدة...
    إما لي وإما لأخي... فمن أقدم؟
    أقول: هذه فرصتي، وليبحث هو لنفسه عن فرصة؟
    أم أقول لأخي: خذ هذه الفرصة أنت، وأنا أبحث لنفسي؟!
    هذا هو المحك.
    إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئًا
    ولا تتعارض مع رغائب النفس...
    بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها
    مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحققها...
    أما في الشدة ـ أو في الطمع ـ
    فهنا تُخْتَبَرُ الأخوة الاختبار الحق
    الذي يتميز فيه الإيثار والحب
    للآخرين من الأثرة وحب الذات
    التي قد تخفى على صاحبها نفسه في السلام والأمن
    فيظن نفسه أخًا مُحَقِّقًا لكل مستلزَمَات الأخوة.
    كم جلسة... كم درسًا... كم موعظة... كم توجيهًا...
    يحتاج إليها الإنسان الفرد وتحتاج إليها الجماعة
    وتحتاج إليها القاعدة ليرسخ في حسهم جميعًا
    هذا المعنى فلا يعود حقيقة ذهنية
    يستوعبها الذهن ثم ينتهي بها المقام هناك...
    إنما تتحول إلى وجدان قلبي يتعمق في القلب
    حتى يصدر عنه سلوك عملي كذلك الذي ورد ذكره في كتاب الله:
    ]وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
    يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
    وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
    مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
    وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
    فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
    [
    [الحشر:9]
    )().


    مازال لهذا الدرس بقية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    19

    Imp رد: مفسدَاتُ الأُخوَّةِ::: الدرس الثانى:::

    المفسدة الثانية
    التفْريط في الطّاعَاتِ
    و
    الوقوع في المخالفات الشّرْعيَّة



    فبقدر ما ترى في أخيك من تقى وصلاح بقدر ما تصفو له وتحبه...
    وبقدر ما يملأ جو الصداقة أو الصحبة ويعطره من ذكر وعبادة
    وتذكر للآخرة واهتمام بطاعة الله والدعوة إليه
    بقدر ما تقوى وتدوم هذه الصحبة
    ويزداد حب الصاحبين كل منهما للآخر...
    أما إذا نضبت ساعات الصحبة من الذكر
    أو العبادة أو التناصح والتذكير بالآخرة والتحميس للدعوة
    فإن الجفاف يحل في هذه العلاقة ويجد اللغو والجدل فيها مرتعًا.
    وكذا تحل قسوة القلب والملل
    وينفتح باللغو أبواب للشرور واختلاف القلوب...
    ثم تأتي الذنوب لتكون الحاجز
    الذي يفصم عرى الأخوة ويفرق بين الصاحبين
    ففي الحديث الصحيح:
    ((ما تواد اثنان في الله
    فيفرق بينهما
    إلا بذنب يحدثه أحدهما))
    ().
    وهذا الذنب ليس بالضرورة أن يكون متعلقًا بحق أخيك
    بل الذنوب مطلقًا
    التي يرتكبها العبد تؤدي إلى افتقاده لأحبابه وإخوانه
    واحدًا إثر الآخر...
    فربما كان الذنب متعلقًا بمعاملة مالية
    وربما تركًا لواجب, أو خللاً في خلق أو سلوك
    أو عدم حفظ للسان عن خسيس الكلام وقبيحه
    وعن الغيبة والخوض في أعراض الناس وخصوصياتهم
    وعن الاستهزاء بهم ...
    إلى غير ذلك من المعاصي والذنوب.
    فتلك الذنوب من تفريط ومخالفات تؤدي إلى ضياع المحبة والأخوة
    إما بطريق غير مباشر كعقوبة من عقوبات المعاصي
    حيث يحرمك الله محبة إخوانك وإقبالهم
    وإما بطريق مباشر
    وذلك أن يدرك أخوك أن جلوسك معه يورطه في الذنوب
    أو السكوت على منكر أو يذكره بالدنيا
    وينسيه ذكر الله والدار الآخرة
    ويقوده للتقصير في العبادة، ويبعده عن القيام بمهام دعوته
    فحينئذٍ تقل محبته لك ويشتاق إلى غيرك...
    فإن الإخوان في الله إنما فُضِّلُوا وعظمت مكانتهم
    لأنهم يُذَكِّرون بالآخرة


    كما قال الحسن رحمه الله:
    إخواننا أحب إلينا من أهلينا؛ إخواننا يذكروننا بالآخرة
    وأهلونا يذكروننا بالدنيا().
    فإذا صار أخوك إنما يُذَكِّرك بالدنيا
    فماذا بَقِيَتْ له من مزية يُقَدِّم بها ويُفَضِّل؟!
    فإذا أردت أخا الإسلام إخوانًا يحبونك
    ويقدرونك ويحترمونك فعليك بإصلاح ما بينك وبين الله
    والزم أدب الشرع وحدوده وتَوَقَّ عن المعاصي والذنوب...
    قال حكيم: من أراد عزًا بلا عشيرة
    وغنى بلا مال, وجاهًا بين الإخوان
    ومهابة عند السلطان فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته.
    ومما يتعلق بالمخالفات الشرعية التي تذهب بالمحبة الإيمانية
    بل ربما حلت محلها العداوة: المحبة الشيطانية
    وهي التي يتعلق فيها المحب بمحبوبه تعلقًا غير طبيعي
    يجعله في شرود مستمر وقلق أو توتر دائم
    حتى في صلاته يذكره ويراه...
    ويكره أن يعرف محبوبه أحدًا غيره أو يجلس إليه
    ويكره كل من يقيم علاقة مع محبوبة
    وربما خسر بعض إخوانه بسبب ذلك
    فغيرته عليه تشبه غيرة الرجل على امرأته.
    ومثل تلك المحبة لا تكون محبة إيمانية
    بل محبة شيطانية أو شهوانية أشبه بالعشق
    وتقوم على مجرد الاستلطاف أو حسن المنظر أو الهيئة أو نحو ذلك
    وعاقبتها إلى شر مستطير أو انقطاع وعداء
    لأن ما لا يكون لله ينقطع,
    وما كان لله دام واتصل, كما أن ليس كل من حسن منظره حسن مخبره.

    لا تركنَنَّ إلى ذي منظرٍ حسَنٍ
    ما كلُّ أصفر دينارٌ لصُفْرَتِه
    فرُبَّ رائعةٍ قد سَاء مَخْبَرُها
    صُفْرُ العقاربِ أرْداها وأنكرُها()


    (وقد ضرب ذو الرُّمّة مثلاً بالماء
    فيمن حسن ظاهره، وخبث باطنه فقال:

    ألم تر أن الماء يخبثُ طعمُه
    وإن كان لونُ الماءِ أبيضَ صافيًا

    ونظر بعض الحكماء إلى رجل حسن الوجه فقال
    : أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء
    فأخذ جحظة هذا المعنى فقال:

    ربّ ما أبين التَّبَايُن فيه
    منزلٌ عامِرٌ وعقلٌ خرابُ
    )()

    أما المحبة الإيمانية فهي محبة تجلب الطمأنينة والسكينة
    وتدفع إلى مزيد من الطاعة والتقرب إلى الله,
    وتزداد بطاعة المحبوب إلى ربه وتقل بتفريط المحبوب في حق ربه
    (وإنه على الرغم مما للأخوة من شأن، وما لها من حسنات
    فإن الإسلام حرص على الاعتدال في كل شيء...
    والتطرف وضع شاذ كائنًا ما كان موضوعه ومنطوقه
    وهو بالتالي سلوك غير طبيعي قد يؤدي إلى كثير من المضاعفات
    والانحرافات)
    ().
    وعلى العبد أن يكون عمله لله ويريد به وجهه
    فلتراجع نفسك في ذلك
    فلن ينفعك أحد من أهل الدنيا ولن يغني حسن وجوههم عنهم
    ولا عنك شيئًا، فكلهم إلى فناء وستصير وجوههم
    عن قريب إلى منظر كريه بشع إذا صارت في القبور مرتعًا للديدان
    ]كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ.
    وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ[
    [الرحمن: 26، 27]

    وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه
    يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول:
    أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول:
    ]كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ[
    [القصص: 88].
    (إن قلوب الدعاة ينبغي أن تبقى معابد لا يعبد فيها غير الله ....
    وليحذروا الشرك فإن دبيبه خفي وأثره قوي...
    وليذكروا قول أحد الصالحين وقد بلغ من العمر ستين سنة
    قال:
    "وقفت على باب قلبي أربعين عامًا حتى لا يدخله غير الله")
    ().
    (فالأخوة الإسلامية هي العلاقة الطبيعية الفطرية
    التي لا تجنح جنوح العشق، ولا تبلغ مبلغ
    "الوله والتيم" بل ينبغي أن لا تصل إلى حد ذوبان الأخ بأخيه
    لأنها إن وصلت إلى هذا فقدت ضوابط الصيانة
    والحدود الشرعية، وقد تخالطها ـ بقصد وبغير قصد ـ
    أحاسيس ودوافع بشرية خفية مغلفة تتساقط أغلفتها على الزمان
    ويقع ما لم يكن بالحسبان
    والعاقل من تدارك الأمر قبل فوات الأوان
    ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه
    ورحم الله امرءًا عرف حدود الشرع فالتزمها
    وعرف حدود نفسه فوقف عندها.
    من هنا كان على المتحابين في الله أن يتقوا الله
    في كل خاطرة من خواطر أنفسهم
    وأن يقعدوا إخوتهم وفق تصور الإسلام ومفهومه
    وأن يكونوا مع أنفسهم صرحاء
    وليلجموا العاطفة بلجام العقل، ولينيروا العقل بهدي الإسلام
    وإياهم والترخص في الصغائر فإنها طريقهم إلى الكبائر)
    ().
    وقد تهيئ النفس الأمارة بالسوء لصاحبها
    أن أخاه ينظر إليه نظرة إعجاب وعشق تمامًا
    كما ينظر هو إليه بهذه النظرة
    وأن تصرفاته معه تعني شيئًا من ذلك
    وأنه يبادله نظرات تدل على ذلك إلى آخره من أمثال
    تلك التهيؤات والتخيلات
    وذلك كله وهم ناشئ من شدة تعلقه بصاحبه
    وما بقلبه من المرض وما يدور في داخل نفسه
    من أحاسيس أو مشاعر منحرفة
    والشيطان لا يألو جهدًا في إذكاء أو تكبير هذا الوهم في نفسه
    ليصل الشر إلى غايته.
    يقول الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله
    في معرض بيانه لأنواع العلاقات التي يحصل فيها التجاذب بين الأفراد
    : (النوع الرابع من العلاقات:
    علاقة معصية والعياذ بالله
    تجمعهما المعصية فيشاهدان المحرمات مع بعضهما البعض
    وينظران إليها ويستمتعان بها ويأتيانها.


    وهناك علاقة خامسة:
    وهي علاقة قد تكون في خطورتها أخطر من النوع
    الذي ذكرناه قبل قليل
    وهي علاقة العشق والتعلق لدرجة أنه يحبه مع الله
    ـ لا يحبه في الله ـ
    لدرجة تصل إلى صرف أنواع من العبادة لهذا الشخص
    وهذه مشكلة تنشأ بسبب دوافع كثيرة
    تكون بدايتها بسيطة ولكنها تنمو وتنمو
    وتعظم وتكبر بين هذين الاثنين
    حتى أن كلاً منهما أو واحدًا من الطرفين
    لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبدًا
    فلابد أن ينظر إليه دائمًا وأن يتصل به باستمرار
    وقد يكلمه الساعات الطويلة هاتفيًا يوميًا
    والأدهى من ذلك أنه يفكر فيه في صلاته، وعندما يقول:
    ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[
    يكون فكره مع ذلك الشخص وكأنه الهواء الذي يستنشقه
    ولو غاب عنه لحظة واحدة يتألم جدًا للفراق حتى يعود إليه
    وهذا النوع من التعلق الشديد
    له درجات قد تكون في بعضها غلوًا
    وفي نهايتها شركًا أكبر.
    وبعض الناس يستبعد هذا ويقول: كيف يحدث؟
    ولكنه يحدث، وهنا نعود إلى حديث رسول الله
    ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله))
    ولم يقل:
    أن يحب المرء لله لأن الله عز وجل الحكيم الخبير العليم
    يعلم بأنه تنشأ بين العباد علاقات ليست شرعية
    وأن هذه العلاقات قد تكون قوية جدًا
    وأن الشيطان يُلَبِّسُ على بعض الناس أنها أخوة في الله
    لكن الحقيقة ليست كذلك.
    وقد يزين لهما الشيطان القيام بشيء من الطاعات معًا
    ولكن المسألة ما زالت في حقيقتها نوعًا من العشق المذموم شرعًا
    ولكي يخرجا من دائرة الانتقاد أو كنوع من وخز الضمير
    ـ ترى أحدهما يقترح على الآخر:
    ما رأيك نقرأ سويًا كتابًا؟...نستمع شريطًا؟
    ... نحفظ قرآنًا؟... نقوم الليل سويًا؟...

    فيفعلان هذا فترة من الوقت أو بعضًا من الأحيان
    ولكن ما زالت العلاقة في حقيقتها ليست أخوة في الله
    وإنما يحاول كل منهما أن يخدع نفسه
    وأن يظهر أمام نفسه وأمام الآخرين أنها أخوة في الله
    ولكن الحقيقة أنها ليست كذلك
    بل ربما لو جلسا يقرآن كتابًا
    لذهب كل فكر واحد منهما في الآخر
    ولم يفقها شيئًا مما يقرآن.. وهكذا.
    فإذًا ما الذي يجرد لنا هذه الصور على حقيقتها
    ويظهرها واضحة جلية تحت مجهر الكشف عن الحقيقة؟

    إنه هذه الفقرة من حديث رسول الله
    ، إنه قوله
    : ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله))...


    فاستعمل أقوى أساليب الحصر في اللغة
    وذلك لأن القضية موجودة بين العباد فعلاً...
    حيث تنشأ علاقات محبة ليست لله...
    وكثيرًا ما تكون مدمرة على بعض الأفراد...
    وكثيرًا ما تُفشل مجموعة أو تجمعًا إسلاميًا بأكمله
    لأنها مرض معدٍ وتحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف.
    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم الجواب الكافي هذه المشكلة
    فهذا الكتاب عبارة عن جواب على سؤال كما يتبين لمن يقرأ المقدمة..
    وأن مصيبة وقعت في إنسان كادت أن توبقه تفسد عليه دنياه وآخرته
    فهو كتاب عظيم لعلاج مشكلة العشق والتعلق
    وهي المشكلة التي سأل عنها ذلك الشخص
    ابن القيم رحمه الله
    فأجابه عنها بهذا الجواب
    وهنا نلاحظ منهج العلماء...
    فأنت ترى أنه يقول له: الجأ إلى الله
    وعليك بالدعاء وأوقات الإجابة...
    ويعلمه ما هي الأدعية المأثورة، وما هو الاسم الأعظم
    وما هو الشيء الذي إذا سئل الله به أعطى
    وإذا دعي به أجاب، وهكذا...
    ثم يتكلم له عن أضرار الذنوب والفواحش
    وأن عملك هذا عندما ترى مضاره
    فإنك إذا كنت عاقلاً ينبغي أن تبتعد عنه
    وذكر أشياء عجيبة في مضار الذنوب
    وذكر قصة قوم لوط وماذا فعل الله بهم
    لأن المسألة قد تؤدي إلى شيء من هذا...
    وقد نقرأ ولا نفهم عمق الكلام تمامًا
    ولكن عندما يقرأ الإنسان عدة مرات يلوح له
    المنهج وترابط الكلام الذي ذكره، والقصص الواقعية
    والذين ختم لهم بخاتمة سيئة
    وأن بعضهم كانوا متعلقين...
    بعضهم كان متعلقًا بالمال
    بعضهم كان... بامرأة...
    بعضهم كان متعلقًا بشخص، بعضهم كان متعلقًا بلسانه
    ... وهكذا.
    فهو منهج ينبغي أن نستفيد منه ليس في علاج مشكلة التعلق
    والعشق فحسب وإنما أيضًا في علاج بقية المشاكل.
    وكان ابن القيم رحمه الله يطرح أطروحات قوية
    في علاج هذه المشكلة
    ويقول: فإذا كان الأمر لابد له أن يبتعد أحدهما عن الآخر
    حتى يضطر أن يسافر إلى بلد آخر بحيث لا يرى صاحبه
    ولا يقع له على خبر ولا على حس ولا أثر فإنه يفعل ذلك
    ابتغاء السلامة في الدين.
    فتدرك من هذا أن العلماء المخلصين أصحاب الوعي بالواقع
    طرحهم في علاج المشاكل طرح قوي
    جذري، متكامل
    بخلاف كثير من الحلول القاصرة التي نراها تطرح لعلاج مشاكل
    قد تكون أصعب مما كان موجودًا من قبل.
    وإننا بحاجة لمزيد من الوعي ولمزيد من الاطلاع
    ولمزيد من الإخلاص قبل كل شيء حتى نتخلص من مشاكلنا كلها
    وحتى نصل إلى مجتمع إسلامي نظيف خالٍ من الشوائب
    وإلا فكيف ينصر الله
    قومًا قد تناوشتهم سهام الشياطين من كل جانب...)
    ().
    والمقصود أن هذه المحبة الشهوانية، محبة العشق
    نوع من الذنوب أو المخالفات الشرعية التي تفسد الأخوة
    حيث يفرق الله بينهما عقوبة على الذنب
    أو لأن المحب إذا يئس من نيل مراده من المحبوب
    ولم يجد منه تجاوبًا
    فيما يهيم فيه أعرض عنه بقلب حانق ممتلئ غيظًا وحسرة
    أو لأن المحبوب إذا شعر أن أخاه لم يجرد محبته له لله
    وأن محبته له قد شابتها رغبات أو مشاعر منحرفة
    فإنه يبغضه وينفر منه ويؤثر الابتعاد عنه.
    فاحذر أخا الإسلام أن تشوب محبتك لأخيك شائبة
    واحذر أن يحبك الناس لله
    والله مبغض لك ساخط عليك، فهو تعالى وحده الذي
    ]يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ[
    [غافر:19].
    وقد كان محمد بن واسع رحمه الله يقول في بعض دعائه:
    اللهم إني أعوذ بك أن أحَبَّ لك وأنت لي مبغض أو ماقت.
    قال سفيان
    فكان يقال:
    إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل لك().
    فاستحي من الله وإياك أن تغتر بثناء الناس عليك
    وانخداعهم بك أو غفلتهم عما في محبتك لهم من الغش والشوائب
    وستر الله لك
    وبادر بالتوبة إلى الله عن الذنوب كلها
    قبل أن يفتضح أمرك
    أو يلقي الله لك البغضاء في قلوب من أحبوك.



    انتهى الدرس الثانى
    وسنتلاقى بالدروس القادمة
    انتظـــــــــــــــرونا


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    19

    افتراضي رد: مفسدَاتُ الأُخوَّةِ::: الدرس الثانى:::

    وصدق عمر رضي الله عنه إذ يقول:
    لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله:
    لولا أن أضع جبهتي لله
    أو أجلس في مجالس ينتقى فيها طيب الكلام كما ينقى جيد التمر
    أو أن أسير في سبيل الله عز وجل

    ().

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •