عمل المرأة في الإسلام
أحمد بن عبدالله الباتلي



للمرأة مكانتها في الإسلام، وتعد قضية عمل المرأة من القضايا التي نالت مناقشات عديدة في الأوساط الثقافية والإعلامية، وبعيداً عن الخوض في ذلك سأتناول عمل المرأة في الإسلام مبيناً مكانتها وضوابط عملها ومجالاته والآثار السلبية لاختلاطها بالرجال في العمل. وبادئ ذي بدء أود أن أقرر للجميع رجالاً ونساءً بأن:
الشريعة الإسلامية -كقاعدة عامة - لا تمنع أحداً من العمل والتكسب، ولكنها تضع الحدود، والضوابط التي تلائم، وتفيد المجتمع وأفراده. ذلك أن الإسلام قد قسم الأدوار بين المرأة، والرجل تقسيماً عادلاً فريداً لبناء أسرة مسلمة، فالرجل هو المسئول عن نفقة أفراد أسرته وتأمين احتياجاتها، فهو يتولى شؤون المنزل الخارجية، وتقع على المرأة مسؤولية العناية بالبيت، والزوج، والأولاد، وتوفير الراحة والحنان، وتربية الأولاد.
وحيث إن المجتمع الإسلامي والمرأة المسلمة قد تحتاج إلى عمل المرأة ببعض الأعمال، والمهام على سبيل الضرورة، كأن تعمل معلمة لتعليم بنات جنسها، وطبيبة لمعالجة وتطبيب الإناث، أو أن تعمل بأي عمل يفيد المجتمع وبنات جنسها مع مراعاة الضوابط الشرعية، والتي من أهمها:
1- ألا يكون لعمل المرأة تأثير سلبي على حياتها العائلية، عن ابن عمر –رضي الله عنهما-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)(1)، ذلك أن المرأة راعية لبيتها، ولأولادها وإن عملها خارج بيتها فيه مضيعة للأولاد، وتقصير لحق الزوج، لذلك فإن عملها محرم للفساد الذي ينتجه من خلال عمل المرأة خارج بيتها.
قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز -عليه رحمة الله-: "إن عمل المرأة بعيداً عن الرجال، وكان فيه مضيعة للأولاد، وتقصير بحق الزوج من غير اضطرار شرعي لذلك يكون محرماً؛ لأن ذلك خروج عن الوظيفة الطبيعية، وتعطيل للمهمة الخطيرة التي عليها القيام بها، مما ينتج عنه سوء بناء الأجيال، وتفكك عرى الأسرة التي تقوم على التعاون، والتكافل".
2- ألا تعمل عملاً فيه محذور شرعي، كالاختلاط والخلوة؛ لقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب: 59).
عن أم عطية –رضي الله عنها- قالت: ((أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرجهن في الفطر، والأضحى العواتق، والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها من جلبابها))(2).
فالرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر جميع المسلمات أن تلبس الحجاب إن أردن الخروج، وعند عدمه لا يمكنها أن تخرج. ولا يجوز للرجال الاختلاط بالنساء لا في العمل ولا في غيره، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت)) (3).
عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ –رضي الله عنهما- يَقُوُل: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ يَقُولُ: ((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)) متفق عليه، واللفظ لمسلم(4).
ففي هذه الأحاديث، وغيرها تصريح بعدم إجازة الدخول على النساء، وبعدم الخلوة مع المرأة الأجنبية إلا مع ذي محرم حفاظاً على الأعراض، ووقاية من القيل والقال والفتن. لقوله - تعالى -: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: 34).
3- أن يتوافق عملها، وطبيعتها الأنثوية، فقد أثبتت الدراسات الطبية أن كيان المرأة النفسي، والجسدي الذي خلقه الله - تعالى - على هيئة تخالف تكوين الرجل، وقد بني جسم المرأة ليتلاءم مع وظيفتها الأمومة ملائمة كاملة، كما أن نفسيتها قد هيئت لتكون ربة أسرة، وسيدة بيت، وقد كان لخروج المرأة إلى العمل وتركها بيتها، وأسرتها نتائج فادحة في كل مجال.
يقول تقرير الصحة العالمية: "إن كل طفل مولود يحتاج إلى رعاية أمه المتواصلة لمدة ثلاث سنوات على الأقل، وإن فقدان هذه الغاية يؤدي إلى اختلال الشخصية لدى الطفل، كما يؤدي إلى انتشار جرائم العنف المنتشر بصورة مريعة في المجتمعات الغربية، وطالبت هذه الهيئة الموقرة بتفريغ المرأة للمنزل، وطلبت من جميع حكومات العالم أن تفرغ المرأة، وتدفع لها راتباً شهرياً إذا لم يكن لها من يعولها حتى تستطيع أن تقوم بالرعاية الكاملة لأطفالها".
وقد أثبتت الدراسات الطبية والنفسية: أن المحاضن، وروضات الأطفال لا تستطيع القيام بدور الأم في التربية ولا في إعطاء الطفل الحنان الدافق الذي تغذيه به، وبعد هذه الشروط والضوابط الشرعية ما هي مجالات العمل المسموح بها للمرأة المسلمة؟.
لعل خير عمل تعمل به المرأة هي رعاية بيتها، وأولادها وزوجها، كما يمكن أن تعمل في هذه المجالات ضمن الضوابط التي أوردها علماء الأمة المعتبرين:
1- في مجال الدعوة إلى الله - تعالى -، كداعيات ومعلمات يعلمن النساء أحكام الشريعة الإسلامية بكافة أصولها، وفروعها في المدارس، والمعاهد، والجامعات، وللحصول على أعلى الشهادات العلمية والتعليمية المعتبرة.
3- مجال العلم، والتعليم العام: كأن تعمل مدرسة للبنات، فتعلمهن كافة علوم العصر الحديثة التي يحتاجها في حياتهن لأجل مجتمعهن مع مراعاة الضوابط الشرعية، عن الشفاء بنت عبد الله –رضي الله عنها- قالت: دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا عند حفصة –رضي الله عنها- فقال لي: ((ألا تعلمين هذه رقية النملة كما عَلَّمْتِيها الكتابة))، ورقية النملة قروح تخرج في الجسد(5).
3- في الطب، والتمريض؛ لمعالجة وتطبيب النساء من الأمراض، والحمل والولادة وغيرها.
4- في مجال الشؤون البيتية: كأن تعمل في خياطة وتفصيل الألبسة النسائية، وغيرها من المهارات اليدوية المشابهة، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: "كانت ابنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكانت من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرت بالرحى حتى أثر الرحى بيدها، وأسقت بالقربة حتى أثرت بنحرها، وقمت - أي كنست - البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر"(6).
وبعد، أليس الأجدر بالمرأة أن تؤدي واجباتها الأساسية كزوجة، وأم، وأخت، لها مسؤولياتها في الأسرة على الوجه الذي رسمه، وحدده لها الشرع الحنيف.
وأليس من الشطط أن يمجد عمل المرأة خارج هذه الضوابط الشرعية من أجل تقليد الغربيات اللواتي لم يحققن من خروجهن على التعاليم الربانية إلا الخراب للبيوت الآمنة، فانحلت الأخلاق، وفسد المجتمع، وشرد كثير من الأطفال؛ مما ولد مشاكل عظيمة لدى الدول الغربية، ومن نهج نهجها في أسلوب حياتها.
الآثار السلبية لخروج المرأة إلى العمل:
‌أ- الآثار السلبية على الطفل: وأبرز تلك الآثار فقدان الطفل للرعاية والحنان، وعدم وجود من يشكي له الطفل همومه، ومن يوجه الطفل إلى التربية الإسلامية، ويبين له الصواب من الخطأ، كما أن فيه تعليماً للطفل على الاتكالية؛ نظراً لوجود الخادمات، وإلى ضعف بنية الطفل إذا كان رضيعاً، ويؤثر ذلك على لغة الطفل حيث يتعلم لغة الخادمة فلا ينطق العربية بفصاحة- وخاصة إذا كان صغير السن- إضافة إلى الأضرار الأخلاقية والعادات السيئة التي يكتسبها من وجود الخادمات، وعدم وجود الرقيب الحازم عنده.
‌ب- الآثار السلبية لعمل المرأة على نفسها:
إن في عمل المرأة نهاراً في وظيفتها، وعملها ليلاً مع أولادها وزوجها إجهاد عظيم للمرأة لا تستطيع تحمله، وقد يؤدي إلى آثار سيئة وأمراض مزمنة مع مرور الزمن، كما أنها تفقد أنوثتها وطبائعها مع كثرة مخالطتها للرجال.
‌ج- الآثار السلبية لعمل المرأة على زوجها:
فعملها له آثار نفسية سيئة على زوجها، خاصة إذا كان يجلس في البيت لوحده، كما أنه يفتح باباً للظنون السيئة بين الزوجين، ويدخل الريبة بينهما، كما أن عملها قد يسبب التقصير في جانب الزوج وتحقيق السكن إليه، وإشباع رغباته، الأمر الذي يشكل خطراً على استمرار العلاقة الزوجية بينهما، ولعل هذا يفسر ارتفاع نسبة الطلاق بين الزوجين العاملين.
‌د- الآثار السلبية لعمل المرأة في المجتمع:
ففيه زيادة لنسبة البطالة؛ لأنها تزاحم الرجال في أعمالهم، وتؤدي إلى عدم توظيف عدد من الرجال، فترتفع معدلات البطالة بين الرجال، وكلنا يعلم ما للبطالة من آثار سيئة، كما أن في اختلاط المرأة في عملها بالرجال سبب لميوعة الأخلاق، وانتشار العلاقات المشبوهة في المجتمع، إضافة إلى عزوف كثير من العاملات عن الزواج، ذلك أن جل شباب المجتمع يرفضون الزواج من نساء يعملن في عمل مختلط؛ مما يؤدي إلى انتشار مشكلة العنوسة في المجتمع، كما أثبتت الإحصائيات أن أكثر العاملات من النساء هن من قليلات الخبرة، وذلك يؤدي إلى تراجع كفاءة العمل وضعف الإنتاج، كما أن في خروج المرأة يومياً من المنزل تعويد لها على الخروج من المنزل لأتفه الأسباب، وكلنا يعلم ما لذلك من الخطر العظيم الذي لا يخفى على أحد، وينبغي للمرأة ألا تخرج من بيتها إلا لحاجة لعموم قوله - تعالى -: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب: 33).
الهوامش:
1- البخاري (6980) مسلم (4680).
2- نقلاً من كتاب تأملات في عمل المرأة (65-66).
3- مسلم (2006).
4- البخاري (5112) مسلم (5628).
5- لبخاري (5113) مسلم (3226).
6- رواه أحمد (25847) وأبو داود (3389) وصححه الألباني.
7- أحمد (1325) وأبو داود (2990)