صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    الطهارة
    تعريف الطهارة:
    الطهارة في اللغة: النظافة.
    وفي الشرع: هي عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.

    تقسيم الطهارة:
    الطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، أي: حكمية وحقيقية.
    فالحدث هو: الحالة الناقضة للطهارة شرعاً، بمعنى أن الحدث إن صادف طهارة نقضها، وإن لم يصادف طهارة فمن شأنه أن يكون كذلك.
    وينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو: الجنابة والحيض والنفاس، وأما الأصغر فمنه: البول والغائط والريح والمذي والودي وخروج المنى بغير لذة، والهادي وهو: الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.
    وأما النجس: فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان. ويعبر عنه بالخبث أيضاً.وشرعت الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].
    ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" رواه مسلم.
    وشرعت طهارة الخبث -وهي طهارة الجسد والثوب والمكان الذي يصلى عليه من النجس- بقوله تعالى: {وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله تعالى: {وعَهِدْنَا إِلى إبْراهِيمَ وإِسْماعيلَ أن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُود}[البقرة: 125].
    وبقوله عليه الصلاة والسلام: "اغسلي عنك الدم وصلي" متفق عليه.
    والطهارة من ذلك كله من شروط صحة الصلاة.
    شروط الطهارة الحقيقية:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثوبه ومكانه من النجاسة.
    ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي: "صُبّوا عليه ذَنوباً من ماء" رواه أبو داود.
    وقال المالكية: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، وسنة مع النسيان وعدم القدرة.
    والمعتمد في المذهب: أن من صلى بالنجاسة متعمداً عالماً بحكمها، أو جاهلاً وهو قادر على إزالتها يعيد صلاته أبداً، ومن صلى بها ناسياً أو غير عالم بها أو عاجزاً عن إزالتها يعيد في الوقت.
    وأيضاً تشترط الطهارة الحقيقية لصلاة الجنازة، وهي شرط في الميت بالإضافة إلى المصلي.
    وتشترط الطهارة الحقيقية كذلك في سجدة التلاوة.
    واختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.
    فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراطها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".
    وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.
    والأكثر على أنها سنة مؤكدة.
    وذهب الشافعية -على خلاف غيرهم- إلى اشتراط الطهارة الحقيقية في خطبة الجمعة.
    تطهير النجاسات:
    النجاسات العينية لا تطهر بحال، إذ أن ذاتها نجسة، بخلاف الأعيان المتنجسة، وهي التي كانت طاهرة في الأصل وطرأت عليها النجاسة، فإنه يمكن تطهيرها.
    والأعيان منها ما اتفق الفقهاء على نجاسته، ومنها ما اختلفوا فيه.
    فممّا اتفق الفقهاء على نجاسته: الدم المسفوح، والميته، والبول، والعذرة من الآدمي.
    ومما اختلف الفقهاء فيه: الكلب والخنزير.
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بنجاسة الخنزير والكلب.
    وقال الحنفية في الأصح: إن الكلب ليس بنجس العين، وإنما لحمه نجس.
    النية في التطهير من النجاسات:
    اتفق الفقهاء على أن التطهير من النجاسة لا يحتاج إلى نية، فليست النية بشرط في طهارة الخبث، ويطهر محل النجاسة بغسله بلا نية.
    المُطَهِّرات
    اتفق الفقهاء على أن الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث، لقول الله تعالى:
    {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّركُم بِه} [الأنفال: 11].
    وذهب أبو حنفية إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بالماء المطلق، وبكل مائع طاهر قالع، كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر انعصر، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:
    (ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها) أي حكته. رواه البخاري.
    واتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلاًّ بنفسها فإنها تطهر، لأن نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر، كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه.
    وذهب الحنفية والشافعية إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"رواه مسلم.
    وقال المالكية والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدباغ.
    وعدّ الحنفية من المطهرات: الدلك، والفرك، والمسح، واليبس، وانقلاب العين، فيطهر الخف والنعل إذا تنجس بذي جرم بالدلك، والمني اليابس بالفرك، ويطهر الصقيل كالسيف والمرآة بالمسح، والأرض المتنجسة باليبس، والخنزير والحمار بانقلاب العين، كما لو وقعا في المملحة فصارا ملحاً.
    المياه التي يجوز التطهير بها، والتي لا يجوز:
    قسم الفقهاء الماء من حيث جواز التطهير به ورفعه للحدث والخبث، أو عدم
    ذلك، إلى عدة أقسام:
    القسم الأول:
    ماء طاهر مطهّر غير مكروه، وهو الماء المطلق، وهو الماء الباقي على
    خلقته، أو هو الذي لم يخالطه ما يصير به مقيداً.
    والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتفاق الفقهاء. ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما
    تغير بطول مكثه، أو بما هو متولد منه كالطحلب.
    القسم الثاني:
    ماء طاهر مطهّر مكروه، وخص كل مذهب هذا القسم بنوع من
    المياه: قال الحنفية: إن الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية والدجاجة المخلاة وسباع الطير والحية والفأرة، وكان قليلاً، الكراهة تنزيهية على الأصح، ثم إن الكراهة إنما هي عند وجود المطلق، وإلا فلا كراهة أصلاً.
    وقال المالكية: إن الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنه يكره استعماله بعد ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب لا في إزالة حكم خبث، والكراهة مقيدة بأمرين: أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلاً كآنية الوضوء والغسل، وأن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة، كما يكره عندهم الماء اليسير -وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونها- إذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيره، والكراهة مقيدة بقيود سبعة: أن يكون الماء الذي حلت فيه النجاسة يسيراً، وأن تكون النجاسة التي حلت فيه قطرة فما فوقها، وأن لا تغيره، وأن يوجد غيره، وأن لا يكون له مادة كبئر، وأن لا يكون جارياً، وأن يراد استعماله فيما يتوقف على طهوره، كرفع حدث وحكم خبث ووضوء أو غسل مندوب، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة.
    ومن المكروه أيضاً: الماء اليسير الذي ولغ فيه كلب ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة، وسؤر شارب الخمر.
    وذهب الشافعية إلى أنَّ الماء المكروه ثمانية أنواع:
    المشمس، وشديد الحرارة، وشديد البرودة، وماء ديار ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط، وماء بئر برهوت، وماء أرض بابل، وماء بئر ذروان.
    وذهب الحنابلة إلى أن المكروه: الماء المتغير بغير ممازج، كدهن وقطران وقطع كافور، أو ماء سخن بمغصوب أو بنجاسة، أو الماء الذي اشتد حره أو برده، والكراهة مقيدة بعدم الاحتياج إليه، فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة.
    وكذا يكره استعمال ماء البئر الذي في المقبرة، وماء في بئر موضع غصب، وما ظن تنجسه، كما نصوا على كراهية استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة دون طهارة الحدث تشريفاً له.
    القسم الثالث:
    - ماء طاهر في نفسه غير مطهر. ذهب الحنفية إلى أن الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، هو الماء المستعمل وهو: ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة، ولا يجوز استعماله في طهارة الأحداث، بخلاف الخبث، ويصير مستعملاً عندهم بمجرد انفصاله عن الجسد ولو لم يستقر بمحل.
    وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه الماء المتغير طعمه أو لونه أو ريحه بما خالطه من الأعيان الطاهرة تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وهو كذلك عند الشافعية: الماء المستعمل في فرض الطهارة ونفلها على الجديد.
    وصرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن هذا النوع لا يرفع حكم الخبث أيضاً، وعند الحنفية يرفع حكم الخبث.
    القسم الرابع:
    ماء نجس، وهو: الماء الذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلاً، أو كان كثيراً وغيّرته، وهذا لا يرفع الحدث ولا النجس بالاتفاق.
    القسم الخامس:
    ماء مشكوك في طهوريته، وانفرد بهذا القسم الحنفية، وهو عندهم: ما شرب منه بغل أو حمار.
    القسم السادس:
    ماء محرم لا تصح الطهارة به، وانفرد به الحنابلة، وهو عندهم: ماء آبار ديار ثمود-غير بئر الناقة- والماء المغصوب، وماء ثمنه المعين حرام.
    تطهير محل النجاسة:
    اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محل النجاسة:
    فذهب الحنفية إلى التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية.
    فإذا كانت النجاسة مرئية فإنه يطهر المحل المتنجس بها بزوال عينها ولو بغسله واحدة على الصحيح ولو كانت النجاسة غليظة. ولا يشترط تكرار الغسل، لأن النجاسة فيه باعتبار، فتزول بزوالها.
    وهذا الحكم فيما إذا صب الماء على النجاسة، أو غسلها في إجّانة كطست فيطهر بالثلاث إذا عصر في كل مرة.
    وإذا كانت النجاسة غير مرئية فإنه يطهر المحل بغسلها ثلاثاً وجوباً، والعصر كل مرة في ظاهر الرواية، تقديراً لغلبة الظن في استخراجها.
    ويبالغ في المرة الثالثة حتى ينقطع التقاطر، والمعتبر قوة كل عاصر دون غيره، فلو كان بحيث لو عصر غيره قطر طهر بالنسبة إليه دون ذلك الغير.
    أما إذا غمسه في ماء جار حتى جرى عليه الماء أو صب عليه ماء كثير، بحيث يخرج ما أصابه من الماء ويخلف غيره ثلاثا، فقد طهر مطلقا بلا اشتراط عصر وتكرار غمس.
    ويقصد بالنجاسة المرئية عندهم: ما يرى بعد الجفاف، وغير المرئية: ما لا يرى بعده.
    وذهب المالكية إلى أنه يطهر محل النجاسة بغسله من غير تحديد عدد، بشرط زوال طعم النجاسة ولو عسر، لأن بقاء الطعم دليل على تمكن النجاسة من المحل فيشترك زواله، وكذلك يشترط زوال اللون والريح إن تيسر ذلك، بخلاف ما إذا تعسر.
    وذهب الشافعية إلى التفريق بين أن تكون النجاسة عيناً أو ليست بعين.
    فإن كانت النجاسة عينا فإنه يجب إزالة الطعم، ومحاولة إزالة اللون والريح، فإن لم يزل بحتّ أو قرص ثلاث مرات عفي عنه ما دام العسر، ويجب إزالته إذا قدر، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله فعفي عنه، فإن بقيا معاً ضر على الصحيح، لقوة دلالتهما على بقاء عين النجاسة.
    وإن لم تكن النجاسة عيناً -وهي ما لا يدرك لها عين ولا وصف، وسواء أكان عدم الإدراك لخفاء أثرها بالجفاف، كبول جفَّ فذهب عينه ولا أثر له ولا ريح، فذهب وصفه، أم لا، لكون المخل صقيلاً لا تثبت عليه النجاسة كالمرآة والسيف- فإنه يكفي جريان الماء عليه مرة، وإن لم يكن بفعل فاعل كمطر.
    وذهب الحنابلة إلى أنه تطهر المتنجسات بسبع غسلات منقية، لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً" وقد أمرنا به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر النجاسات، لأنها في معناها، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به.
    وفي قول عند الحنابلة: إنه لا يجب فيه عدد، اعتماداً على أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، لا في قوله ولا في فعله.
    ويضر عندهم بقاء الطعم، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضر كذلك بقاء اللون أو الريح أوهما معا إن تيسر إزالتهما، فإن عسر ذلك لم يضر.
    وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير.
    تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول:
    الغسالة المتغيرة بأحد أوصاف النجاسة نجسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه" رواه ابن ماجه.
    قال المالكية: سواء كان تغيرها بالطعم أو اللون والريح ولو المتعسرين، ومن ثم ينجس المحل الذي تصيبه الغسالة المتغيرة، ويكون تطهيره كتطهير أي محل متنجس عند الجمهور.
    وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر المحل المتنجس إلا بغسله سبعاً، فيغسل عندهم ما نجس ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة، فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلاً غسل ثلاث غسلات لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله.
    وذهب المالكية إلى أنَّ الغسالة غير المتغيرة طاهرة، فلو غسلت قطرة بول مثلاً في جسد أو ثوب وسالت غير متغيرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرا.
    وقالت الشافعية: الغسالة غير المتغيرة إن كانت قلتين فطاهرة، وإن كانت دونهما فثلاثة أقوال عند الشافعية، أظهرها: أن حكمها حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجساً بعد فنجسة، وإلا فطاهرة غير مطهرة، وهو مذهب الشافعي الجديد.
    تطهير الآبار:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنجس ماء البئر، فإن تطهيره يكون بالتكثير إلى أن يزول التغير، ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل إلى حد الكثرة، أو بصب ماء طاهر فيه حتى يصل هذا الحد.
    كما ذهب المالكية والحنابلة إلى اعتبار النزح طريقاً للتطهير أيضاً.
    وذهب الحنفية إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن تطهيره يكون بالنزح فقط.
    الوضوء والاغتسال في موضع نجس:
    لا خلاف بين الفقهاء في أن الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجس به المتوضىء أو المغتسل، وتوقي ذلك كله أولى، ولأنه يورث الوسوسة.
    تطهير الجامدات والمائعات:
    ذهب الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في جامد، كالسمن الجامد ونحوه، فإن تطهيره يكون برفع النجاسة وتقوير ما حولها وطرحه، ويكون الباقي طاهراً، لما روت ميمونة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: " ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم".
    وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في مائع فإنه ينجس، ولا يطهر. ويراق، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه" وفي رواية "وإن كان مائعاً فأريقوه" رواه أحمد.
    وذهب الحنفية إلى إمكان تطهيره بالغلي، ذلك بأن يوضع في ماء ويغلى، فيعلو الدهن الماء، فيرفع بشيء، وهكذا ثلاث مرات.
    تطهير ما كان أملس السطح:
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت النجاسة شيئاً صقيلاً -كالسيف والمرآة- فإنه لا يطهر بالمسح، ولا بد من غسله، لعموم الأمر بغسل الأنجاس، والمسح ليس غسلاً.
    ذهب الحنفية إلى أن ما كان أملس السطح، كالسيف والمرآة ونحوهما، إن أصابه نجس فإن تطهيره يكون بالمسح بحيث يزول أثر النجاسة، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون وهم يحملونها، ولأنه لا يتشرب النجاسة، وما على ظاهره يزول بالمسح.
    فإن كان بالصقيل صدأ يتشرب معه النجاسة، أو كان ذا مسام تتشربها، فإنه لا يطهر إلا بالماء.
    وذهب المالكية إلى أن ما كان صلباً صقيلاً، وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه، فإنه يعفى عما أصابه من الدم المباح ولو كان كثيراً، خوفاً من إفساد الغسل له.
    المراد بالمباح غير المحرم، فيدخل فيه دم مكروه الأكل إذا ذكاه بالسيف، والمراد. المباح أصالة، فلا يضر حرمته لعارض كقتل مرتد به، وقتل زان أحصن بغير إذن الإمام.
    كما قيدوا العفو بأن يكون السيف مصقولاً لا خربشة فيه، وإلا فلا عفو.
    تطهير الثوب والبدن من المني
    -اختلف الفقهاء في نجاسة المنى.
    فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه طاهر.
    واختلف الحنفية والمالكية في كيفية تطهيره:
    فذهب الحنفية إلى أن تطهيره محل المني يكون بغسله إن كان رطباً، وفركه إن كان يابساً، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً".
    ولا فرق في طهارة محله بفركه يابساً وغسله طرياً بين مني الرجل ومني المرأة،كما أنه لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن على الظاهر من المذهب.
    وذهب المالكية إلى أن تطهير محل المني يكون بالغسل لا غير.
    طهارة الأرض بالماء:
    قال جمهور الفقهاء: إذا تنجست الأرض بنجاسة مائعة- كالبول والخمر وغيرهما- فتطهيرها أن تغمر بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها، وما انفصل عنها غير متغير بها فهو طاهر.
    وذلك لما رواه أنس رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة (ناحية) من المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضي بوله أمر بذَنوب من ماء فأهريق عليه" وفي لفظ فدعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن" وأمر رجلاً فجاء بدلو من ماء فشنه عليه [متفق عليه].
    وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول، ويستهلك فيه البول وإن أصاب الأرض ماء المطهر أو السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها، لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نيَّة ولا فعل، فاستوى ما صبَّه الآدمي وما جرى بغير صبّه.
    ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها، ولأن بقاءهما دليل على بقاء النجاسة، فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط عنه إزالتها كالثوب، كذا الحكم في الرائحة.
    ويقول الحنفية: إذا أصابت النجاسة أرضاً رخوة فيصب عليها الماء فتطهر، لأنها تنشف الماء، فيطهر وجه الأرض، وإن كانت صلبة يصب الماء عليها، ثم تكبس الحفيرة التي اجتمعت فيها الغسالة.
    ما تطهر به الأرض سوى المياه:
    ذهب جمهور الحنفية إلى أن الأرض إذا أصابها نجس، فجفت بالشمس أو الهواء أو غيرهما وذهب أثره طهرت وجازت الصلاة عليها.
    وذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم، إلى أنها لا تطهر بغير الماء، لأمره صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء" [رواه البخاري]. والأمر يقتضى الوجوب، لأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل.
    طهارة النجاسة بالاستحالة:
    - اتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلا صارت طاهرة.
    واختلف الفقهاء فيما عدا الخمر من نجس العين هل يطهر الاستحالة أم لا؟ فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يطهر نجس العين بالاستحالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن أكل الجلالة وألبانها" لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.
    وذهب الحنفية والمالكية إلى أن نجس العين يطهر بالاستحالة.
    ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة وهي نجسة، وتصير مضغة فتطهر، والعصير طاهر فيصير خمراً فينجس، ويصير خلاً فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتب عليها.
    ونص الحنفية على أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر.كما تطهر النجاسة عندهم بانقلاب العين.
    فلو وقع إنسان أو كلب في قدر الصابون فصار صابوناً يكون طاهراً لتبدل الحقيقة.
    ونص المالكية على أن الخمر إذا تحجرت فإنها تطهر، لزوال الإسكار منها، وأن رماد النجس طاهر، لأن النار تطهر.
    ما يطهر من الجلود بالدباغة:
    اتفق الفقهاء على نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدباغ، واختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدباغة.
    تطهير الخف من النجاسة:
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة فإن تطهيره يكون بغسله، ولا يجزىء لو دلكه كالثوب والبدن، ولا فرق في ذلك بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة.
    وعند الشافعية قولان في العفو عن النجاسة الجافة إذا دلكت، أصحها: القول الجديد للشافعي، وهو أنه لا يجوز حتى يغسله، ولا تصح الصلاة به، والثاني: يجوز لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما".
    وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أصاب الخف نجاسة لها جرم، كالروث والعذرة، فجفت، فدلكه الأرض جاز، والرطب وما لا جرم له كالخمر والبول لا يجوز فيه إلا الغسل، وقال أبو يوسف: يجزىء المسح فيهما إلا البول والخمر، قال محمد: لا يجوز فيهما إلا الغسل كالثوب.
    وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ، وهو المختار لعموم البلوى.
    وفرق المالكية بين أرواث الدواب وأبوالها وبين غيرها من النجاسات، فإذا أصاب الخف شيء من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتى زالت العين، وكذا إن جفت النجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم.
    وقيد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخف أو النعل بالنجاسة بموضع يطرقه الدواب كثيراً -كالطرق- لمشقة الاحتراز عنه.
    تطهير ما تصيبه النجاسة من ملابس النساء في الطرق:
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ذيل ثوب المرأة فإنه يجب غسله كالبدن، ولا يطهره ما بعده من الأرض.
    وذهب المالكية إلى أنه يعفى عما يصيب ذيل المرأة اليابس من النجاسة إذا مرت بعد الإصابة على موضع طاهر يابس، سواء كان أرضاً أو غيره.
    وقيدوا هذا العفو بعدة قيود هي:
    1. أن يكون الذيل يابساً وقد أطالته للستر، لا للزينة والخيلاء.
    2. وأن تكون النجاسة التي أصابت ذيل الثوب مخففة جافة، فإن كانت رطبة فإنه يجب الغسل، إلا أن يكون معفوا عنه كالطين.
    جـ- وأن يكون الموضع الذي تمر عليه بعد الإصابة طاهراً يابساً.
    التطهير من البول الغلام وبول الجارية:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التطهير من بول الغلام وبول الجارية الصغيرين أكلاً أولا، يكون بغسله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استنزهوا من البول".
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجزىء في التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضج، ويكون برش الماء على المكان المصاب وغمره به بلا سيلان، فقد روت أم قيس بنت محصن رضي الله عنها أنها "أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله" أما بول الجارية الصغيرة فلا يجزىء في تطهيره النضح، ولا بد فيه من الغسل، لخبر الترمذي "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".
    تطهير أواني الخمر:
    الأصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها.
    يقول الحنفية: تطهر بغسلها ثلاثاً بحيث لا تبقى فيها رائحة الخمر ولا أثرها، فإن بقيت رائحتها لا يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخل، لأنه بجعله فيها تطهر وإن لم تغسل، لأن ما فيها من الخمر يتخلل بالخل.
    ويقول الشافعية: تطهر بغسلها مرة واحدة إذا زال أثر النجاسة، ويندب غسلها ثلاث مرات، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
    فندب إلى الثلاث للشك في النجاسة، فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن، ويجوز الاقتصار على الغسل مرة واحدة.
    والغسل الواجب في ذلك: أن يكاثر بالماء حتى تستهلك النجاسة.
    وعند المالكية طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان.
    ويقول الحنابلة: إذا كان في الإناء خمر يتشربها الإناء، ثم متى جعل فيه مائع، سواء ظهر فيه طعم الخمر أو لونه، لم يطهر بالغسل، لأن الغسل لا يستأصل أجزاءه من جسم الإناء.
    تطهير آنية الكفار وملابسهم:
    يقول الحنفية في آنية الكفار: إنها طاهرة لأن سؤرهم طاهر، لأن المختلط به اللعاب، وقد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً، فمتى تنجست أوانيهم فإنه يجري عليها ما يجري على ما تنجس من أواني المسلمين من غسل وغيره، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا وثيابهم طاهرة، ولا يكره منها إلا السراويل المتصلة بأبدانهم لاستحلالهم الخمر، ولا يتقونها كما لا يتوقون النجاسة والتنزه عنها، فلو أمن ذلك بالنسبة لها وكان التأكد من طهارتها قائماً، فإنه يباح لبسها، وإذا تنجست جرى عليها ما يجري على تطهير ملابس المسلمين عندما تصيبها نجاسة، سواء بالغسل أو غيره.
    وذهب الشافعية إلى كراهية استعمال أوانيهم وثيابهم.
    فإن توضأ من أوانيهم نظرت: فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من مزادة مشركة" وتوضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصراني، ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة.
    وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح الوضوء لأن الأصل في أوانيهم الطهارة، والثاني: لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.
    وأجاز المالكية استعمال أوانيهم إلا إذا تيقن عدم طهارتها، وصرح القرافي في "الفروق" بأن جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطهارة، وإن كان الغالب عليه النجاسة،فإذا تنجست أوانيهم فإنها تطهر بزوال تلك النجاسة بالغسل بالماء أو بغيره مما له صفة الطهورية.
    وكذلك الحال بالنسبة لملابسهم، فإن الأصل فيها الطهارة ما لم يصبها النجس، ولذا لا يصلى في ملابسهم أي ما يلبسونه، لأن الغالب نجاستها، فحمل عليها عند الشك: أما إن علمت أو ظنت طهارتها فإنه يجوز أن يصلى فيها.
    ويقول الحنابلة في ثيابهم وأوانيهم: إنها طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها، وأضافوا: إن الكفار على ضربين -أهل الكتاب وغيرهم- فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم وشرابهم واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها.
    وأما غير أهل الكتاب -وهم المجوس وعبدة الأوثان ونحوهم -ومن يأكل لحم الخنزير من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله، أو يأكل الميتة، أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملاً بالأصل، وأما أوانيهم حكمها حكم أواني أهل الكتاب، يباح استعمالها ما لم يتحقق نجاستها، ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك.
    وفي قول: هي نجسة، لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله، ولأن أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المجوس: لا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة، لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في أطعمتم، ومتى شك في الإناء هل استعملوه أم لا؟ فهو طاهر، لأن الأصل طهارته.
    تطهير المصبوغ بنجس:
    لا خلاف بين الفقهاء في أن المصبوغ بنجس يطهر بغسله.
    قال الحنفية: يغسل حتى يصير الماء صافياً، وقيل: يغسل بعد ذلك ثلاث مرات.
    وقال المالكية: يطهر بغسله حتى يزول طعمه فقد طهر ولو بقي شيء من لونه وريحه.
    وقال الشافعية: يغسل حتى ينفصل النجس منه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على وزنه قبل الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله، فإن زاد وزنه ضر، فإن لم ينفصل عنه لتعقده به لم يطهر، لبقاء النجاسة فيه.
    وقال الحنابلة: يطهر بغسله وإن بقي اللون لقوله عليه الصلاة والسلام في الدم: "ولا يضرك أثره".
    رماد النجس المحترق بالنار:
    المعتمد عند المالكية والمختار للفتوى، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية وبه يفتى، والحنابلة في غير الظاهر: أن رماد النجس المحترق بالنار طاهر، فيطهر بالنار الوقود المتنجس والسرقين والعذرة تحترق فتصير رماداً تطهر، ويطهر ما تخلف عنها.
    تطهير ما يتشرب النجاسة:
    اختلف الفقهاء في اللحم الذي طبخ بنجس، هل يطهر أم لا؟
    فذهب الحنفية -عدا أبي يوسف- والحنابلة إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس لا يمكن تطهيره.
    ذهب المالكية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس من ماء، أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه قبل نضجه، فإنه لا يقبل التطهير، أما إن وقعت فيه نجاسة بعد نضجه فإنه يقبل التطهير، وذلك بأن يغسل ما تعلق به من المرق.
    وذهب الشافعية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس يمكن تطهيره، وفي كيفية طهارته وجهان: أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط، والثاني: يشترط أن يغلى بماء طهور.
    تطهير الفخار:
    فذهب المالكية والحنابلة ومحمد من الحنفية إلى أن الفخار الذي يتشرب النجاسة لا يطهر.
    وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يمكن تطهير الخزف الذي يتشرب النجاسة، وذلك بأن ينقع في الماء ثلاثاً، ويجفف كل مرة.
    وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر باطن جِبٍ تشرب النجاسة.

    الاستنجاء


    التعريف اللغوي:
    من معاني الاستنجاء: الخلاص من الشيء، يقال: استنجى حاجته منه، أي خلصها.
    التعريف الشرعي:
    وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحا، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه.
    وليس غسل النجاسة عن البدن أو عن الثوب استنجاء.

    حكم الاستنجاء:
    للفقهاء رأيان:
    الرأي الأول: أنه واجب إذا وجد سببه، وهو الخارج، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاث أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه" [أخرجه أبو داود] وقوله: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" [رواه مسلم].
    الرأي الثاني: أنه مسنون وليس بواجب. وهو قول الحنفية، ورواية عن مالك.
    واحتج الحنفية بما في سنن أبي داود من قول النبي صلى الله عليه وسلم "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" واحتجوا أيضاً بأنه نجاسة قليلة، والنجاسة القليلة عفو.
    ثم هو عند الحنفية سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم.
    وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه:
    إن جوب الاستنجاء إنما هو لصحة الصلاة.
    علاقة الاستنجاء بالوضوء، والترتيب بينهما: ذهب الحنفية والشافعية والمعتمد عند الحنابلة إلى أن الاستنجاء من سنن الوضوء قبله، ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو أخره عنه جاز وفاتته السنية، لأنه إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، ما لو كانت على غير الفرج.
    وصرح المالكية بأنه لا يعد من سنن الوضوء، وإن استحبوا تقديمه عليه.
    أما الرواية الأخرى عند الحنابلة: فالاستنجاء قبل الوضوء -إذا وجد سببه- شرط في صحة الصلاة. فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح.
    حكم استنجاء من به حدث دائم وهو المعذور:
    من كان به حدث دائم، كمن به سلس البول ونحوه، يخفف في شأنه حكم الاستنجاء، كما يخفف حكم الوضوء.
    ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستنجي ويتحفظ، ثم يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت. فإذا فعل ذلك وخرج منه شيء لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السلس ونحوه، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفية والشافعية، وهو أحد قولي الحنابلة. أو إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة.
    وذهب المالكية إلى أنه لا يلزم من به السلس التوضؤ منه لكل صلاة، بل يستحب ذلك ما لم يشق، فعندهم أن ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحاً -أي كثيراً يلازم الزمن أوجله، بأن يأتي كل يوم مرة فأكثر- فإنه يعفى عنه، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسن، وإن نقض الوضوء وأبطل الصلاة في بعض الأحوال، سواء أكان غائطاً، أم بولاً، أم مذياً، أم غير ذلك.
    ما يستنجى منه:
    أجمع الفقهاء على أن الخارج من السبيلين المعتاد النجس الملوث يستنجى منه حسبما تقدم. أما ما عداه ففيه خلاف، وتفصيل بيانه فيما يلي:
    الاستنجاء من الخارج غير المعتاد:
    الخارج غير المعتاد كالحصى والدود والشعر، لا يستنجى منه إذا خرج جافاً، طاهراً كان أو نجساً. ذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية وقول عند الحنابلة إلى أنه:
    إذا كان به بلة ولوّث المحل فيستنجى منها، فإن لم يلوث المحل فلا يستنجى منه.
    وفي قول آخر عند كل من الشافعية والحنابلة يستنجى من كل ما خرج من السبيلين غير الريح.
    الاستنجاء من الدم والقيح وشبههما من غير المعتاد:
    إن خرج الدم أو القيح من أحد السبيلين ففيه قولان للفقهاء:
    القول الأول: أنه لا بد من غسله كسائر النجاسات، ولا يكفي فيه الاستجمار. وهذا قول عند كل من المالكية والشافعية، لأن الأصل في النجاسة الغسل، وترك ذلك في البول والغائط للضرورة، ولا ضرورة هنا، لندرة هذا النوع من الخارج.
    والقول الثاني: أنه يجزىء فيه الاستجمار، وهو رأي الحنفية والحنابلة، وقول لكل من المالكية والشافعية، وهذا إن لم يختلط ببول أو غائط.
    الاستنجاء مما خرج من مخرج بديل عن السبيلين:
    ذهب المالكية إلى أنه إذا انفتح مخرج للحدث، وصار معتاداً، استجمر منه عند المالكية، ولا يلحق بالجسد، لأنه أصبح معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين.
    وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزئه الاستجمار فيه، ولا بد من غسله، لأنه غير السبيل المعتاد. وفي قول لهم: يجزىء.
    ولم يعثر على قول الحنفية والشافعية في هذه المسألة.
    الاستنجاء من المذي:
    المذي نجس عند الحنفية، فهو مما يستنجى منه كغيره، بالماء أو بالأحجار. ويجزىء الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه. وكذلك عند المالكية في قول هو خلاف المشهور عندهم، وهو الأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.
    أما في المشهور عند المالكية، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة، فيتعين فيه الماء ولا يجزىء الحجر، لقول عليٍّ رضي الله عنه: " كنت رجلاً مذّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ. وفي لفظ "يغسل ذكره ويتوضأ" [متفق عليه].
    وإنما يتعين فيه الغسل عند المالكية إذا خرج بلذة معتادة، أما إن خرج بلا لذة أصلا فإنه يكفي فيه الحجر، ما لم يكن يأتي كل يوم على وجه السلس، فلا يطلب في إزالته ماء ولا حجر، بل يعفى عنه.
    الاستنجاء من الودي:
    الودي خارج نجس، ويجزىء فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب الأربعة.
    الاستنجاء من الريح:
    لا استنجاء من الريح. صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة.
    الاستنجاء بالماء:
    يستحب باتفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء.
    الاستنجاء بغير الماء من المائعات: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزىء الاستنجاء بغير الماء من المائعات.
    وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يمكن أن يتم الاستنجاء -كما في إزالة النجاسة- بكل مائع طاهر مزيل، كالخل وماء الورد، دون ما لا يزيل كالزيت، لأن المقصود قد تحقق، وهو إزالة النجاسة.
    أفضلية الغسل بالماء على الاستجمار:
    إن غسل المحل بالماء أفضل من الاستجمار، لأنه أبلغ في الإنقاء، ولإزالته عين النجاسة وأثرها. وفي رواية عن أحمد: الأحجار أفضل. وإذا جمع بينها بأن استجمر ثم غسل كان أفضل من الكل بالاتفاق.
    ما يستجمر به:
    الاستجمار يكون بكل جامد إلا ما منع منه، وهذا قول جمهور العلماء، ومنهم الإمام أحمد في الرواية المعتمدة عنه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.
    وفي رواية عن أحمد: لا يجزىء في الاستجمار شيء من الجوامد من خشب وخرق إلا الأحجار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه موضع رخصة ورد فيها الشرع بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم.
    الاستجمار هل هو مطهر للمحل؟
    اختلف الفقهاء في هذا على قولين:
    القول الأول: أن المحل يصير طاهراً بالاستجمار، وهو قول عند كل من الحنفية والمالكية والحنابلة.
    والقول الثاني: هو القول الآخر لكل من الحنفية والمالكية، وقول المتأخرين من الحنابلة: أن المحل يكون نجساً معفوا عنه للمشقة.
    وجمهور الفقهاء على أن الرطوبة إذا أصابت المحل بعد الاستجمار يعفى عنها.
    المواضع التي لا يجزىء فيها الاستجمار:
    أ-النجاسة الواردة على المخرج من خارجه:
    ذهب الحنفية في المشهور إلى أنه إن كان النجس طارئاً على المحل من خارج أجزأ فيه الاستجمار. وقال الشافعية والحنابلة بأن الحجر لا يجزىء فيه، بل لا بد من غسله بالماء. وهو قول آخر للحنفية. ومثله عند الشافعية، ما لو طرأ على المحل المتنجس بالخارج طاهر رطب، أو يختلط بالخارج كالتراب. ومثله ما لو استجمر بحجر مبتل، لأن بلل الحجر يتنجس بنجاسة المحل ثم ينجسه.
    وكذا لو انتقلت النجاسة عن المحل الذي أصابته عند الخروج، فلا بد عندهم من غسل المحل في كل تلك الصور.
    ب- ما انتشر من النجاسة وجاوز المخرج:
    اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيراً لا يجزىء فيه الاستجمار، بل لا بد من غسله. ووجه ذلك أن الاستجمار رخصة لعموم البلوى، فتختص بما تعم به البلوى، ويبقى الزائد على الأصل في إزالة النجاسة بالغسل.
    لكنهم اختلفوا في تحديد الكثير، فذهب المالكية والحنابلة والشافعية إلى أن الكثير من الغائط هو ما جاوز المخرج، وانتهى إلى الألية، والكثير من البول ما عم الحشفة.
    وانفرد المالكية في حال الكثرة بأنه يجب غسل الكل لا الزائد وحده.
    وذهب الحنفية إلى أن الكثير هو ما زاد عن قدر الدرهم، ومع اقتصار الوجوب على الزائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، حيث وافق المالكية في وجوب غسل الكل.
    جـ-استجمار المرأة:
    يجزىء المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، وهذا واضح.
    أما من البول فعند المالكية لا يجزىء الاستجمار في بول المرأة، بكراً كانت أو ثيبا. قالوا: لأنه يجاوز المخرج غالباً.
    وعند الشافعية: يكفي في بول المرأة -إن كانت بكراً- ما يزيل عين النجاسة خرقاً أو غيرها، أما الثيب فإن تحققت نزول البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب، لم يكف الاستجمار، وإلا كفى. ويستحب الغسل حينئذ.
    أما عند الحنابلة ففي الثيب قولان الأول: أنه يكفيها الاستجمار. والثاني: أنه يجب غسله. وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الداخل من نجاسة وجنابة وحيض، بل تغسل ما ظهر، ويستحب لغير الصائمة غسله.
    ومقتضى قواعد مذهب الحنفية أنه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنة. وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار، بل لا بد من المائع أو الماء لإزالة النجاسة.
    ولم يتعرضوا لكيفية استجمار المرأة.
    ما لا يستجمر به:
    اشترط الحنفية والمالكية فيما يستجمر به خمسة شروط:
    (1) أن يكون يابساً، وعبر غيرهم بدل اليابس بالجامد.
    (2) طاهراً
    (3) منقيا.
    (4) غير مؤذ.
    (5) ولا محترم.
    وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواع:
    (1) ما ليس يابسا.
    (2) الأنجاس.
    (3) غير المنقى، كالأملس من القصب ونحوه.
    (4) المؤذي، ومنه المحدد كالسكين ونحوه.
    (5) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصناف:
    أ- المحترم لكونه مطعوما.
    ب- المحترم لحق الغير.
    جـ-المحترم لشرفه.
    وهذه الأمور تذكر في كتب المالكية أيضاً، إلا أنهم لا يذكرون في الشروط عدم الإيذاء، وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامة للشريعة.
    هل يجزىء الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به:
    إذا ارتكب النهي واستنجى بالمحرم وأنقى، فعند الحنفية والمالكية، كما في الفروع: يصح الاستنجاء مع التحريم.
    أما عند الشافعية فلا يجزىء الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعام أو كتب علم، وكذلك النجس.
    أما عند الحنابلة فلا يجزىء الاستجمار بم حرم مطلقاً، لأن الاستجمار رخصة فلا تباح بمحرم.
    وفرقوا بينه وبين الاستجمار باليمين -فإنه يجزىء الاستجمار بها مع ورود النهي- بأن النهي في العظم ونحوه لمعنى في شرط الفعل، فمنع صحته كالوضوء بالماء النجس. أما باليمين فالنهي لمعنى في آلة الشرط، فلم يمنع، كالوضوء من إناء محرم. وسووا في ذلك بين ما ورد النهي عن الاستجمار به كالعظم، وبين ما كان استعماله بصفة عامة محرما كالمغصوب.
    قالوا: ولو استجمر بعد المحرم بمباح لم يجزئه ووجب الماء، وكذا لو استنجى بمائع غير الماء. وإن استجمر بغير منق كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنق. وفي المغني: يحتمل أن يجزئه الاستجمار بالطاهر بعد الاستجمار بالنجس، لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها.
    كيفية الاستنجاء وآدابه:
    أولاً: الاستنجاء بالشمال:
    ورد في الحديث عن أصحاب الكتب الستة عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه".
    فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين، وحمل الفقهاء هذا النهي على الكراهة، وهي كراهة تحريم عند الحنفية.
    وكل هذا في غير حالة الضرورة أو الحاجة، للقاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات.
    فلو أنّ يسراه مقطوعة أو شلاء، أو بها جراحة جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهة، إلا أنه يجوز الاستعانة باليمين في صب الماء، وليس هذا استنجاء باليمين، بل المقصود منه مجرد إعانة اليسار، وهي المقصودة بالاستعمال.
    ثانياً: الاستتار عند الاستنجاء:
    الاستنجاء يقتضي كشف العورة، وكشفها أمام الناس محرم في الاستنجاء وغيره، فلا يرتكب لإقامة سنة الاستنجاء، ويحتال لإزالة النجاسة من غير كشف للعورة عند من يراه.
    فإن لم يكن بحضرة الناس، فعند الحنفية: من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء والتجفيف، لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت.
    وعند الحنابلة في التكشف لغير حاجة روايتان: الكراهة، والحرمة.
    وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبا على الأقل.
    ثالثا: الانتقال عن موضع التخلي:
    إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته. كذا عند الشافعيه والحنابلة -قال الشافعية: إذا كان استنجاؤه بالماء- بل ينتقل عنه، لئلا يعود الرشاش إليه فينجسه. واستثنوا الأخلية المعدة لذلك، فلا ينتقل فيها. وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه، لئلا ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه الاستجمار.
    أما عند الحنابلة، فينبغي أن يتحول من مكانه الذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضاً، كما يتحول للاستنجاء بالماء، وهذا إن خشي التلوث.
    رابعاً: عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء:
    من آداب الاستنجاء عند الحنفية: أن يجلس له إلى يمين القبلة، أو يسارها كيلا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة. فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب، وهو مكروه كراهة تنزيه، كما في مد الرجل إليها.
    وعند الشافعية: يجوز الاستنجاء مع الاستنجاء مع الاتجاه إلى القبلة من غير كراهة، لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط، وهذا لم يفعله.
    خامساً: الانتضاح وقطع الوسوسة:
    ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيء من الماء، قطعاً للوسواس، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح، ما لم يتيقن خلافه.
    وهذا ذكره الحنفية أنه يفعل ذلك إن كان الشيطان يريبه كثيراً.
    ومن ظن خروج شيء بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبل: لا تلتفت حتى تتيقن، وَالْهُ عنه فإنه من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله.


    الاستنزاه
    التعريف:
    1- الاستنزاه: استفعال من التنزه وأصلة التباعد. والاسم النزهة، ففلان يتنزه من الأقذار وينزه نفسه عنها: أي يباعد نفسه عنها.
    وفي حديث المعذب في قبره "كان لا يستنزه من البول" أي لا يستبرىء ولا يتطهر، ولا يبتعد منه.
    والفقهاء يعبرون بالاستنزاه والتنزه عند الكلام عن الاحتراز عن البول أو الغائط.

    الوضوء

    تعريف:
    تعريف:الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضوء وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.
    تعريف الوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية. وهو غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع. وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه وبإجماع الأمة على وجوبه.
    وفرض الوضوء بالمدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار.
    وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبير الحنفية، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.
    فقال الحنفية: الوضوء خمسة أنواع:
    الأول- فرض:
    أ- على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، للآية السابقة: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...} [المائدة: 6] ولقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه، ولقوله أيضاً: "لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول". رواه مسلم
    ب- ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر". رواه الحاكم والبيهقي ومالك.
    الثاني- واجب:
    للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير". رواه الترمذي وابن حبان والحاكم.
    قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب، بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء.
    الثالث- مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي:
    أ- التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" رواه أحمد، ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلاة : فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً كان إسرافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، كما يندب المداومة على الوضوء لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". رواه البخاري
    ب- مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس.
    جـ- للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت". رواه البخاري.
    د- قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ" رواه مسلم وقالت أيضاً: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أبو داود والترمذي وقال أبو سعيد الخدري: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ".
    هـ- بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
    و- لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، اهتماماً بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعظيماً له.
    ز- للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.
    حـ- بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". رواه مسلم.
    ط- بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.
    ي- بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان
    ك- للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.
    الرابع- مكروه:
    كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، وإن تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.
    الخامس- حرام:
    كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم.
    وقال المالكية أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:
    واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.
    فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة الجنازة، ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الاشياء، جاز له فعل جميعها.
    والسنة: وضوء الجنب للنوم.
    والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.
    والمباح: للتنظيف والتبرد.
    والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.
    واتفق الشافعية والحنابلة مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب، وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكل، ولكل صلاة، لحديث أبي هريرة يرفعه: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". رواه أحمد.
    كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل ما مسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.
    فرائض الوضوء:
    نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
    وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب المالكية أيضاً الدلك.
    فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.
    وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.
    وبه يتبين أن الأركان أو الفرائض نوعان : متفق عليها، ومختلف فيها.

    فرائض الوضوء المتفق عليها:
    هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:
    أولاً- غسل الوجه:
    لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] أي غسل ظاهر جميع الوجه مرة.
    والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر. والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس فرضاً.
    والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحدُّه طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليهما الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان: وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس، لأنهما في حد تدوير الرأس.
    وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس.
    والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير الرأس، وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه مما يغفل الناس عنه. وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على الواجب فيهما، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
    ومن الوجه: ظاهر الشفتين ومارن الأنف وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.
    ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللَّحْيين) الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً لما روى مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: "ارجع فأحسن وضوءك".
    فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه، وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً.
    وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: "... ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء".
    ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل، لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه.
    وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: "إذا توضأت فمضمض" ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: "إذا توضأت فانتثر" ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.
    ثانياً- غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة :
    لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة : 6] وللإجماع.
    والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.
    ويجب عند جمهور العلماء منهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف "إلى" لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى "مع" كما في قوله تعالى : {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد .." وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين .." وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمَرَّ الماء على مرفقيه".
    ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر وغيرها كدهن وطلاء.
    ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.
    ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية، لأنها نابتة فيه، كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض.
    وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.
    فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
    أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.
    فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضو عن طهارة.
    ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.
    ثالثاً: مسح الرأس:
    لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وروى مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة".
    والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.
    والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان مما فوق العظم الناتئ في الوجه.
    واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه:
    فقال الحنفية: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.
    لحديث البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين" ولحديث داود عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمِامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة".
    وقال المالكية، والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته، لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه.
    وقال الحنابلة: بوجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها، لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: "الأذنان من الرأس".
    ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: "ومسح برأسه" ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.
    ودليلهم حديث عبد الله بن زيد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" رواه مسلم.
    وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.
    وفي مذهب الشافعية: جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.
    وعند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده.
    رابعاً- غسل الرجلين إلى الكعبين:
    لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة : 6] ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: "... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: "هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبدالله بن زيد وحديث أبي هريرة.
    والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.
    والواجب غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد "إلى" فيما قبلها، ولحديث أبي هريرة السابق: "...ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ". رواه مسلم.
    ويلزم أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلى الله عليه وسلم : "ويل للأعقاب من النار" متفق عليه فقد توعد على المسح، ولمداومته صلى الله عليه وسلم على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه ومن وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا" ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: "فغسل قدميه"، ولقوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله عليه السلام للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" رواه أبو داود وأحمد ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين، ولإجماع الصحابة على الغسل.
    ثم إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل.
    والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة.
    فرائض الوضوء المختلف فيها:
    اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية النية، وقال المالكية والحنابلة بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الترتيب، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. ونبحث الخلاف في هذه الأمور:
    أولاً- النية:
    النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت فرائض الوضوء،أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة المانع بين فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً.
    وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:
    فقال الحنفية: يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.
    ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.
    قال جمهور الفقهاء: النية فرض في الوضوء. لتحقيق العبادة.
    ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي:
    حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.
    ب- حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.
    جـ- المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.
    د- شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي.
    هـ-محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزه الفعل الحاصل، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.
    و- صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف.
    فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه، لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.
    وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة. ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.
    وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وله أن يصلي ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.
    ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع بقاء الحدث.
    كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية، لأنه أمر مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده رفع الحدث.
    ولا خلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى بوضوئه الفريضة، لأنه ارتفع حدثه.
    وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها، لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة.
    ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.
    وإذا وضأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ، لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.
    وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه.
    ز- وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة.
    وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يجزه ذلك.
    ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.
    ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول الوضوء، لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل.
    والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.
    ثانياً: الترتيب:
    الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد آخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه.
    فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله به.
    وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي رضي الله عنه: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت" رواه الدارقطني قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين" رواه الدارقطني.
    وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حجته: "ابدؤوا بما بدأ الله به". رواه النسائي.
    فلو نكس الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ما بعده على الترتيب الشرعي.
    وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة، لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.
    ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عند الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث، لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.
    ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب فيخرج وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماء راكداً أم جارياً.
    والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجها في القرآن واحد، قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضوا. ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى: لأن مخرجها من الكتاب واحد.
    ثالثاً- الموالاة أو الوِلاء:
    هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في وجوبها.
    فقال الحنفية والشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل، أجزأه، لأن الوضوء عبادة لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج.
    وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل ما يأتي:
    رابعاً- الدلك الخفيف باليد:
    الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه. والمراد باليد: باطن الكف، فلا يكفي دلك الرِجْل بالأخرى.
    واختلف الفقهاء في إيجابه.
    فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر به، والسنة لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. والثابت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إضافة الماء مع تخلل أصول الشعر.
    وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمراراً العضو على العضو إمرارً متوسطاً، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.
    وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.

    التيمم

    التعريف:
    التيمم لغة: القصد والتوخي والتعمد.
    وفي الاصطلاح: هو مسح الوجه واليدين بوسيلة مخصوصة على وجه مخصوص.
    مشروعية التيمم:
    يجوز التيمم في السفر والحضر قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43].
    وقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].
    قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا" [رواه البخاري ومسلم]. أي: له صلى الله عليه وسلم ولأمته.
    وقد أجمع المسلمون على أن التيمم مشروع بدلاً عن الوضوء والغسل في أحوال خاصة.
    شروط وجوب التيمم:
    يشترط لوجوب التيمم ما يلي:
    أ- البلوغ، فلا يجب التيمم على الصبي لأنه غير مكلف.
    ب- القدرة على استعمال الصعيد.
    جـ- وجود الحدث الناقض. أما من كان على طهارة بالماء فلا يجب عليه التيمم.
    أما الوقت فإنه شرط لوجوب الأداء عند البعض لا لأصل الوجوب، ومن ثم فلا يجب التيمم إلا إذا دخل الوقت عندهم. فيكون الوجوب موسعاً في أوله ومضيقاً إذا ضاق الوقت.
    هذا وللتيمم شروط وجوب وصحة معاً وهي:
    أ-الإسلام: فلا يجب التيمم على الكافر لأنه غير مخاطب، ولا يصح منه لأنه ليس أهلاً للنية.
    ب-انقطاع دم الحيض والنفاس.
    جـ- العقل.
    د- وجود الصعيد الطهور.
    فإن فاقد الصعيد الطهور لا يجب عليه التيمم ولا يصح منه بغيره حتى ولو كان طاهراً فقط، كالأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، فإنها تكون طاهرة تصح الصلاة عليها، ولا تكون مطهرة فلا يصح التيمم بها.
    أركان التيمم:
    للتيمم أركان وفرائض، والركن ما توقف عليه وجوب الشيء، وكان جزءاً من حقيقته، وبناء على هذا قالوا: للتيمم ركنان هما:الضربتان، واستيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين بالمسح فقط. واختلفوا في النية هل هي ركن أم شرط؟
    أ-النية:
    ذهب الجمهور إلى أن النية عند مسح الوجه فرض.
    وذهب الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنها شرط.
    ما ينويه بالتيمم:
    ذهب الحنفية إلى أنه: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة: إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة، أو سجدة التلاوة، أو صلاة الجنازة عند فقد الماء.
    وأما عند وجوده إذا خاف فوتها فإنما تجوز به الصلاة على جنازة أخرى إذا لم يكن بينهما فاصل. فإن نوى التيمم فقط من غير ملاحظة استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة بهذا التيمم، كما إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد، ومس المصحف، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها، كالأذان، والإقامة، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم لقراءة القرآن، أو للسلام، أو ردّهِ من المحدث حدثاً أصغر، فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن صح له أن يصلي به سائر الصلوات، وأما تعيين الحدث أو الجنابة فلا يشترط عندهم، ويصح التيمم بإطلاق النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث، لأن التيمم رافع له كالوضوء.
    ويشترط عندهم لصحة النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه، ليعرف حقيقة المنوي.
    وذهب المالكية إلى أنه ينوي بالتيمم استباحة الصلاة أو فرض التيمم، ووجب عليه وملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه وأعاد تيممه، هذا إذا لم ينو فرض التيمم، أما إذا نوى فرض التيمم فيجزيه عن الأكبر والأصغر وإن لم يلاحظ، ولا يصلى فرض عند المالكية بتيمم نواه لغيره.
    وذهب الشافعية إلى إنه ينوي استباحة الصلاة ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة. كطواف، وحمل مصحف، وسجود تلاوة، ولو تيمم بنية الاستباحة ظاناً أن حدثه أصغر فبان أكبر أو عكسه صح، لأن موجبهما واحد، وإن تعمد لم يصح في الأصح لتلاعبه. فلو أجنب في سفره ونسي، وكان يتيمم وقتاً، وتوضأ وقتاً، أعاد صلاة الوضوء فقط.
    ولا تكفي عند الشافعية نية رفع الحدث الأصغر، أو الأكبر، أو الطهارة عن أحدهما، لأن التيمم لا يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وقد تيمم عن الجنابة من شدة البرد: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ [رواه البخاري].
    ولو نوى فرض التيمم، أو فرض الطّهر، أو التيمم المفروض، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة لم يكف في الأصح لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة،فلا يجعل مقصوداً، بخلاف الوضوء.
    والقول الثاني عندهم: يكفي كالوضوء ويجب قرن النية بنقل الصعيد الحاصل بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، وكذا يجب استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح. فلو زالت النية قبل المسح لم يكف،لأن النقل وإن كان ركناً فهو غير مقصود في نفسه.
    وذهب الحنابلة إلى أنه ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم، ويجب تعيين النية لما تيمم له كصلاة، أو طواف، أو مس مصحف من حدث أصغر أو أكبر أو نجاسة على بدنه، لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة، فلا بد من تعيين النية تقوية لضعفه.
    وصفة التعيين: أن ينوي الاستباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك.
    وإن التيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر، لأنهما طهارتان فلم تؤد إحداهما بنية الأخرى. ولا يصح التيمم بنية رفع حدث لأن التيمم لا يرفع الحدث عند الحنابلة كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير" [أخرجه أبو داود].
    نية التيمم لصلاة النفل وغيره:
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من نوى بتيممه فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى فرضاً ولم يعين فيأتي بأي فرض شاء، وإن عين فرضاً جاز له فعل فرض واحد غيره، وإن نوى الفرض استباح مثله وما دونه من النوافل، وذلك لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه.
    أما إذا نوى نفلاً أو أطلق النية كأن نوى استباحة الصلاة بلا تعيين فرض أو نفل لم يصل إلا نفلاً، لأن الفرض أصل والنفل تابع فلا يجعل المتبوع تابعاً، وكما إذا أحرم بالصلاة مطلقاً بغير تعيين فإن صلاته تنعقد نفلاً والمالكية كالشافعية والحنابلة إلا أنهم صرحوا بوجوب نية الحدث الأكبر إن كان عليه حال نية استباحة الصلاة، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أن الحدث الأكبر عليه لم يجزه وأعاد أبداً.
    ويندب عند المالكية نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة، أو استباحة ما منعه الحدث، ولكن لو نوى فرض التيمم فلا تندب نية الأصغر ولا الأكبر، لأن نية الفرض تجزىء عن كل ذلك.
    وإذا تيمم لقراءة قرآن ونحو ذلك لا يجوز للمتيمم أن يصلي به.
    وذهب الحنفية إلى جواز صلاة الفرض والنفل سواء نوى بتيممه الفرض أو النفل، لأن التيمم بدل مطلق عن الماء، وهو رافع للحدث أيضاً عندهم.
    ب- مسح الوجه واليدين:
    اتفق الفقهاء على أن من أركان التيمم مسح الوجه واليدين، لقوله تعالى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6].
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مسح الوجه فرض، ومسح اليدين فرض آخر. ولكن ذهب المالكية إلى أن الفرض الأول هو الضربة الأولى، والفرض الثاني هو تعميم مسح الوجه واليدين.
    وذهب الحنفية والشافعية إلى أن المطلوب في اليدين هو مسحهما إلى المرفقين على وجه الاستيعاب كالوضوء. لقيام التيمم مقام الوضوء فيحمل التيمم على الوضوء ويقاس عليه.
    وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الفرض مسح اليدين في التيمم إلى الكوعين، ومن الكوعين إلى المرفقين سنة، لحديث عمار بن ياسر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين". [رواه البخاري ومسلم].
    ثم إن المفروض عند الحنفية والشافعية ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.
    وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الضربة الأولى فرض، والثانية سنة.
    واتفق الفقهاء على إزالة الحائل عن وصول التراب إلى العضو الممسوح كنزع خاتم ونحوه بخلاف الوضوء. وذلك لأن التراب كثيف ليس له سريان الماء وسيلانه.
    ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية ويستحب في الأولى، ويجب النزع عند المسح لا عند نقل التراب.
    وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع كي يتم المسح.
    والتخليل عند الشافعية والحنابلة مندوب احتياطاً. وأما إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف فليس بواجب عندهم جميعاً لما فيه من العسر بخلاف الوضوء.
    جـ- الترتيب:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحب، لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل الذي يتم به المسح.
    وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض كالوضوء.
    وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب.
    د-الموالاة:
    ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة في التيمم كما في الوضوء، وكذا تسن الموالاة بين التيمم والصلاة.
    وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الموالاة في التيمم عن الحدث الأصغر فرض، وأما عن الحدث الأكبر فهي فرض عند المالكية دون الحنابلة.
    وزاد المالكية وجوب الموالاة بين التيمم وبين ما يفعل له من صلاة ونحوها.
    الأعذار التي يشرع بسببها التيمم:
    المبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد. وهو العجز عن استعمال الماء، والعجز إما لفقد الماء وإما لعدم القدرة على استعماله مع وجوده:
    أولاً: فقد الماء:
    أ- فقد الماء للمسافر:
    إذا فقد المسافر الماء بأن لم يجده أصلاً، أو وجد ماء لا يكفي للطهارة حساً جاز له التيمم، لكن يجب عند الشافعية والحنابلة أن يستعمل ما تيسر له منه في بعض أعضاء الطهارة ثم يتيمم عن الباقي لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ويكون فقد الماء شرعاً للمسافر بأن خاف الطريق إلى الماء، أو كان بعيدا عنه فلا يكلف المسافر حينئذ بطلبه.
    ويشترط عند الشافعية والحنابلة لمن ظن وجود الماء أو شك في وجوده (ومثله عند الشافعية ما لو توهم وجوده) أن يطلبه فيما قرب منه لا فيما بعُد.
    حد البعد عن الماء:
    اختلف الفقهاء في حد البعد عن الماء الذي يبيح التيمم:
    فذهب الحنفية إلى أنه ميل وهو يساوي أربعة آلاف ذراع أي ما يعادل 1680 متراً.
    وحدده المالكية بميلين وحدده الشافعية بأربعمائة ذراع، وهو حد الغوث وهو مقدار غلوة (رمية سهم)، وذلك في حالة توهمه للماء أو ظنه أو شكّه فيه، فإن لم يجد ماء تيمم، وكذلك الحكم عند الحنفية فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.
    وذهب الشافعية إلى أنه إن تيقن فقد الماء حوله تيمم بلا طلب، أما إذا تيقن وجود الماء حوله طلبه في حد القرب (وهو ستة آلاف خطوة) ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة.
    وقال المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء طلبه لأقل من ميلين، ويطلبه عند الحنابلة فيما قرب منه عادة.
    هذا فيما إذا لم يجد الماء، أما إذا وجد الماء عند غيره أو نسيه في رحله فهل يجب عليه شراؤه أو قبول هبته؟
    الشراء:
    يجب على واجد الماء عند غيره أن يشتريه إذا وجده بثمن المثل أو بغبن يسير، وكان ما عنده من المال فاضلاً عن حاجته.
    فإن لم يجده إلا بغبن فاحش أو لم يكن معه ثمن الماء تيمم.
    الهبة:
    ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والحنابلة- وهو الأصح عن الشافعية إلى أنه لو وهب له ماء أو أعير دلوا وجب عليه القبول، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالاتفاق لعظم المنة.
    ب- فقد الماء للمقيم:
    إذا فقد المقيم الماء وتيمم فهل يعيد صلاته أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء:
    فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أنه لا يعيد، لأن الشرط هو عدم الماء فأينما تحقق جاز التيمم.
    ويعيد عند المالكية المقصّر في طلب الماء ندباً في الوقت، وصحت صلاته إن لم يعد، كواجد الماء الذي طلبه طلباً لا يشق عليه بقربه بعد صلاته لتقصيره، أو وجد الماء في رحله بعد طلبه. أما خارج الوقت فلا يعيد، وقد اختلف المالكية في تيمم الصحيح الحاضر الفاقد للماء لصلاة الجمعة إذا خشي فواتها بطلب الماء، ففي المشهور من المذهب لا يتيمم لها فإن فعل لم يجزه، لأن الواجب عليه أن يصلي الظهر، وخلاف المشهور يتيمم لها ولا يدعها وهو أظهر مدركاً من المشهور.
    أما إذا كان فرض التيمم لعدم الماء بالمرة فيصليها بالتيمم ولا يدعها، ويصلي الظهر وهو ظاهر.
    وكذا عند المالكية لا يتيمم الحاضر الصحيح الفاقد للماء لجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم يوجد غيره من متوضىء أو مريض أو مسافر.
    ولا يتيمم لنفل استقلالا، ولا وتراً إلا تبعاً لفرض بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو حكماً فلا يضر الفصل اليسير.
    نسيان الماء:
    لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى فإن تذكره قطع صلاته وأعادها إجماعا، أما إذا أتم صلاته ثم تذكر الماء فإنه يقضى صلاته عند الشافعية في الأظهر، والحنابلة سواء في الوقت أو خارجه.
    وذهب المالكية إلى أنه إذا تذكر في الوقت أعاد صلاته، أو خارج الوقت فلا يقضي.
    وسبب القضاء تقصيره في الوقوف على الماء الموجود عنده، فكان كما لو ترك ستر العورة وصلى عريانا، وكان في رحله ثوب نسيه.
    وذهب الحنفية إلى أنه لا يقضي لأن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان، فيجوز التيمم كما لو حصل العجز بسب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشاء.
    وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يعيد إذا كان هو الواضع للماء في الرحل أو غيره بعلمه سواء كان بأمره أو بغير أمره، أما لو كان الواضع للماء غيره وبلا علمه فلا إعادة اتفاقاً عندهم.
    ثانياً: عدم القدرة على استعمال الماء:
    يجب على من وجد الماء أن يستعمله في عبادة وجبت عليه لا تصح إلا بالطهارة، ولا يجوز العدول عن ذلك إلى التيمم إلا إذا عدمت قدرته على استعمال الماء، ويتحقق ذلك بالمرض، أو خوف المرض من البرد ونحوه، أو العجز عن استعماله.
    أ- المرض:
    اتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض إذا تيقن التلف، وكذلك عند الأكثرين إذا خاف من استعمال الماء لوضوء أو لغسل، على نفسه أو عضوه هلاكه، أو زيادة مرضه، أو تأخر برئه، ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل، واكتفى بعض الحنفية بأن يكون مستورا أي غير ظاهر الفسق، وصرح الشافعية في الأظهر -الحنابلة زيادة على ما تقدم- خوف حدوث الشين الفاحش.
    وقيده الشافعية بما يكون في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره، والمراد بالظاهر عند الشافعية ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.
    وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المريض الذي لا يقدر على الحركة ولا يجد من يستعين به يتيمم كعادم الماء ولا يعيد.
    وقال الحنفية: فإن وجد من يوضئه ولو بأجر المثل وعنده مال لا يتيمم في ظاهر المذهب.
    ب- خوف المرض من البرد ونحوه:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التيمم في السفر والحضر (خلافاً لأبي يوسف ومحمد في الحضر) لمن خاف من استعمال الماء في شدة البرد هلاكاً، أو حدوث مرض، أو زيادته، أو بطء برء إذا لم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد أجرة الحمام، أو ما يدفئه، سواء في الحدث الأكبر أو الأصغر، لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه على تيممه خوف البرد وصلاته بالناس إماما ولم يأمره بالإعادة.
    وذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد خاص بالجنب، لأن المحدث لا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح خلافاً لبعض المشايخ إلا إذا تحقق الضرر من الوضوء فيجوز التيمم حينئذ.
    وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المتيمم للبرد -على الخلاف السابق- لا يعيد صلاته.
    وذهب الشافعية إلى أنه يعيد صلاته في الأظهر إن كان مسافراً، والثاني: لا يعيد لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أما إذا تيمم المقيم للبرد فالمشهور القطع بوجوب الإعادة.
    جـ-العجز عن استعمال الماء:
    يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على استعمال الماء ولا يعيد كالمكره، والمحبوس،والمربوط بقرب الماء، والخائف من حيوان، أو إنسان في السفر والحضر، لأنه عادم للماء حكما، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير".
    واستثنى الحنفية مما تقدم المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.
    د- الحاجة إلى الماء:
    يتيمم ولا يعيد من اعتقد أو ظن أنه يحتاج الماء الذي معه ولو في المستقبل، لنحو عطش إنسان معصوم الدم، أو حيوان محترم شرعاً -ولو كلب صيد أو حراسة- عطشا مؤدياً إلى الهلاك أو شدة الأذى، وذلك صوناً للروح عن التلف، بخلاف الحربي، والمرتد، والكلب غير المأذون فيه، فإنه لا يتيمم بل يتوضأ بالماء الذي معه لعدم حرمة هؤلاء.
    وسواء أكانت الحاجة للماء للشرب، أم العجن، أم الطبخ.
    ومن قبيل الاحتياج للماء إزالة النجاسة غير المعفو عنها به، سواء أكانت على البدن أم الثوب، وخصها الشافعية بالبدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً ولا إعادة عليه.
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء، أو خوف الضرر باستعماله تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، وهو رواية للحنابلة.
    وذهب الحنابلة إلى أنه لا قضاء عليه، واستدلوا بعموم الحديث السابق ذكره (الصعيد الطيب طهور المسلم). ونقل ابن قدامة عن أكثر الفقهاء أن من على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها يصلي بحسب حاله بلا تيمم ولا يعيد.
    ما يجوز به التيمم:
    اتفق الفقهاء على جواز التيمم بالصعيد الطاهر، وهو شرط عند الجمهور، فرض عند المالكية.
    قال الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
    وقد اختلفوا في المراد بالصعيد هل هو وجه الأرض أو التراب المنبت؟ أما جواز المسح على التراب المنبت فبالإجماع.
    وأما غيره مما على وجه الأرض، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن المراد بالصعيد وجه الأرض، فيجوز عندهم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، لأن الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم كل ما صعد على الأرض من أجزائها. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالأرض" من غير فصل، وقوله عليه الصلاة والسلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" واسم الأرض يتناول جميع أنواعها.
    والطيب عندهم هو الطاهر، وهو الأليق هنا، لأنه شرع مطهراً، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر، من أن معنى الطهارة صار مرادا بالإجماع حتى لا يجوز التيمم بالصعيد النجس.
    وقد اختلفوا في بعض ما يجوز به التيمم:
    فذهب المالكية إلى إنه يجوز التيمم بالتراب -وهو الأفضل من غيره عند وجوده- والرمل، والحصى، والجص الذي لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به.
    ويجوز التيمم المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها إذا لم تكن من أحد النقدين -الذهب أو الفضة- أو من الجواهر كاللؤلؤ، فلا يتيمم على المعادن من شب، وملح،وحديد، ورصاص، وقصدير، وكحل، إن نقلت من محلها وصارت أموالا في أيدي الناس.
    ولا يجوز التيمم بالخشب والحشيش سواء أوجد غيرهما أم لا، لأنها ليسا من أجزاء الأرض، وفي المسألة خلاف وتفصيل عند المالكية.
    ويجوز التيمم عندهم بالجليد وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر، حيث عجز عن تحليله وتصييره ماء، لأنه أشبه بجموده الحجر فالتحق بأجزاء الأرض.
    وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ثم اختلفا، فقال أبو حنيفة يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، التزق بيده شيء أو لا، لأن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقاً من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل.
    وقال محمد: لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه، فالأصل عنده أنه لا بد من استعمال جزء من الصعيد ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شيء منه.
    فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالجص، والنورة، والزرنيخ، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والكحل، والحجر الأملس، والحائط المطين، والمجصص، والملح الجبلي دون المائي،والآجر، والخزف المتخذ من طين، خالص، والأرض الندية، والطين الرطب.
    ولكن لا ينبغي أن يتيمم بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت، لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة فيصير بمعنى المثلة، وإن كان لو تيمم به أجزأه عندهما، لأن الطين من أجزاء الأرض، فإن خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى عندهما، ويجوز التيمم عندهما بالغبار بأن ضرب يده على الثوب، أو لبد، أو صفّة سرج، فارتفع غبار، أو كان على الحديد، أو على الحنطة، أو الشعير، أو نحوها غبار، فتيمم به أجزأه في قولهما، لأن الغبار وإن كان لطيفاً فإنه جزء من أجزأه الأرض فيجوز التيمم، كما يجوز بالكثيف بل أولى.
    وقد روي أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان بالجابية (منطقة في دمشق) فمطروا فلم يجدوا ماء يتوضؤون به، ولا صعيداً يتيممون به، فقال ابن عمر: لينفض كل واحد منكم غبار ثوبه، أو صفّة سرجه، وليتيمم، وليصل، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعاً. ولو كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا وليس في ثوبه وسرجه غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين فإذا جف تيمم به.
    أما ما لم يكن من جنس الأرض فلا يجوز التيمم به اتفاقاً عند الحنفية. فكل ما يحترق بالنار فيصير رماداً كالحطب والحشيش ونحوهما، أو ما ينطبع ويلين كالحديد، والصفر، والنحاس، والزجاج ونحوها، فليس من جنس الأرض. كما لا يجوز التيمم بالرماد لأنه من أجزاء الحطب وليس من أجزاء الأرض.
    وذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء منه، فما لا غبار له كالصخر، لا يمسح بشيء منه. وقوله صلى اله عليه وسلم: "جعل التراب لي طهورا" [أخرجه أحمد].
    فإن كان جريشا أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف. لأن الصعيد الطيب هو التراب المنبت، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما أي الصعيد أطيب فقال: الحرث، وهو التراب الذي يصلح للنبات دون السبخة ونحوها.
    وأضاف الشافعية إلى التراب الرمل الذي فيه غبار، وعن أحمد روايتان: الجواز وعدمه، وعن أبي يوسف روايتان أيضاً.
    ولا يجوز عندهم جميعاً (الشافعية وأحمد وأبو يوسف) التيمم بمعدن كنفط، وكبريت، ونورة، ولا بسحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً.
    ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران،وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بطين رطب، لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس كالوضوء باتفاق العلماء. لقوله تعالى:
    فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
    وقال الشافعية إن ما استعمل في التيمم لا يتيمم به كالماء المستعمل. وزاد الحنابلة المغصوب ونحوه فلا يجوز التيمم به.
    ويجوز المسح بالثلج عند الحنابلة على أعضاء الوضوء إذ تعذر تذويبه لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم". ثم إذا جرى الماء على الأعضاء بالمس لم يعد الصلاة لوجود الغسل وإن كان خفيفاً، وإن لم يسل أعاد صلاته، لأنه صلى بدون طهارة كاملة.

    كيفية التيمم:
    اختلف الفقهاء في كيفية التيمم:
    أ- فذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين لقوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين".
    ب- وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التيمم الواجب ضربة واحدة، لحديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: "إنما كان يكفيك ضربة واحدة للوجه واليدين" واليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع كما في اليد المقطوعة في السرقة.
    والأكمل عنهم ضربتان وإلى المرفقين كالحنفية والشافعية.
    وصورته -عندهم جميعاً- في مسح اليدين بالضربة الثانية: أن يمر اليد اليسرى على اليد اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك.
    والمقصود من التيمم إيصال التراب إلى الوجه واليدين، فبأي صورة حصل استيعاب العضوين بالمسح أجزأه تيممه. سواء احتاج إلى ضربتين أو أكثر، وعلى هذا اتفق الفقهاء.
    سنن التيمم:
    يسن في التيمم أمور:
    أ- التسمية:
    ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة في أول التيمم كالوضوء بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم .
    ويكتفي عند الحنفية بسم الله، وقيل: الأفضل ذكرها كاملة.
    وذهب المالكية إلى أن التسمية فضيلة -وهي عندهم أقل من السنة- أما عند الحنابلة فالتسمية واجبة كالتسمية في الوضوء.
    ب- الترتيب:
    يسن الترتيب عند الحنفية والمالكية بأن يمسح الوجه أولاً ثم اليدين، فإن عكس صح تيممه، إلا أنه يشترط عند المالكية أن يعيد مسح اليدين إن قرب المسح ولم يصلّ به، وإلا بطل التيمم.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الترتيب كالوضوء.
    جـ- الموالاة:
    ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة سنة.
    وذهب المالكية والحنابلة وهو قول الشافعي في القديم إلى وجوب الموالاة بحيث لو كان المستعمل ماء لا يجف العضو السابق قبل غسل الثاني كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الوضوء المنقول عنه حيث لم يقع فيها الفصل بين أعضاء الوضوء.
    د-سنن أخرى:
    ذهب الحنفية إلى سنية الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضها اتقاء تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة. وذهبوا أيضاً إلى سنية تفريج الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها.
    وذهب المالكية إلى سنية الضربة الثانية ليديه والمسح إلى المرفقين، وأن لا يمسح بيديه شيئاً بعد ضربهما بالأرض قبل مسح الوجه واليدين، فإن فعل كره وأجزأه، وهذا لا يمنع من نفضهما نفضاً خفيفاً.
    ومن الفضائل عندهم في التيمم استقبال القبلة، والبدء باليمنى، وتخليل الأصابع.
    وذهب الشافعية إلى سنية البداءة بأعلى الوجه، وتقديم اليمنى، وتفريق الأصابع في الضربة الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً، وتخفيف الغبار لئلا تتشوه به خلقته.
    ويسن عندهم أيضاً الموالاة بين التيمم والصلاة خروجاً من خلاف من أوجبها -وهم المالكية- ويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وعدم تكرار المسح، واستقبال القبلة، والشهادتان بعده كالوضوء فيهما.
    ويسن نزع الخاتم في الضربة الأول باعتبار اليد فيها أداة للمسح، وفي الثانية هي محل للتطهير وهو ركن فيجب، ويسن السواك قبله، ونقل التراب إلى أعضاء التيمم.
    ويستحب عند الحنابلة تخليل الأصابع أيضاً.
    مكروهات التيمم:
    يكره تكرار المسح بالاتفاق.
    ويكره عند المالكية كثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين، وهو المسمى بالتحجيل.
    وقال الشافعية: يكره تكثير التراب وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ومسح التراب عن أعضاء التيمم، فالأحب أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة.
    وعند الحنابلة: يكره الضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً.
    نواقض التيمم:
    ينقض التيمم ما يأتي:
    أ- كل ما ينقض الوضوء والغسل، لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لبدله.
    ب- رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو لم يكف عند الشافعية والحنابلة وذلك قبل الصلاة لا فيها باتفاق الفقهاء، بشرط أن يكون الماء فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأن الماء المشغول بالحاجة كالمعدوم.
    وقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يبطل تيممه كالمستيقظ أما رؤية الماء في الصلاة فإنها تبطل التيمم عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء.
    ولا تبطله عند المالكية، ولا عند الشافعية بالنسبة للمسافر في محل لا يغلب فيه وجود الماء، لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاؤه، لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] وقد كان عمله سليماً قبل رؤية الماء والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلاة.
    أما بالنسبة لصلاة المقيم بالتيمم فإنها تبطل عند الشافعية إذا رأى الماء في أثناء الصلاة وتلزمه الإعادة لوجود الماء، لكن ليس مطلقاً، بل قيد الشافعية ذلك بكونه في محل يغلب فيه الماء، أما إذا كان المقيم في محل لا يغلب فيه وجود الماء فلا إعادة عليه، وحكمه حينئذ حكم المسافر.
    وأما إذا رأى الماء بعد انتهاء الصلاة، فإن كان بعد خروج وقت الصلاة فلا يعيدها المسافر باتفاق الفقهاء، وإن كان في أثناء الوقت لم يعدها باتفاق الفقهاء أيضاً بالنسبة للمسافر. وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أن المقيم في محل يغلب فيه وجود الماء إذا تيمم لفقد الماء فإنه يعيد صلاته لندور الفقد وعدم دوامه.
    وفي قوله: لا يقضي واختاره النووي، لأنه أتى بالمقدور، وفي قول: لا تلزمه الصلاة في الحال بل يصبر حتى يجده في الوقت، بخلاف المسافر فإنه لا يعيد إلا إذا كان في محل يغلب فيه وجود الماء كما سبق.
    جـ- زوال العذر المبيح له، كذهاب العدو والمرض والبرد، لأن ما جاز بعذر بطل بزواله.
    د- خروج الوقت: فإنه يبطل التيمم عند الحنابلة سواء أكان في أثناء الصلاة أم لا، وإن كان في أثناء الصلاة تبطل صلاته، لأنها طهارة انتهت بانتهاء وقتها، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة.
    هـ- الردة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الردة -والعياذ بالله- لا تبطل التيمم فيصلي به إذا أسلم، لأن الحاصل بالتيمم الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل لا زوال الحدث.
    وذهب الشافعية إلى أن الردة تبطل التيمم لضعفه بخلاف الوضوء لقوته.
    و- الفصل الطويل: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفصل الطويل بين التيمم والصلاة لا يبطله، والموالاة ليست واجبة بينهما .
    وذهب الشافعية في الأصح إلى أن العاصي بسفره، ومن سافر ليتعب نفسه أو دابته عبثاً يلزمه أن يصلي بالتيمم ويقضي، لأنه من أهل الرخصة.
    وذهب الشافعية أيضاً إلى أن العاصي بمرضه ليس من أهل الرخصة، فإن عصى بمرضه لم يصح تيممه حتى يتوب.
    التيمم بدل عن الماء:
    ذهب عامة الفقهاء إلى أن التيمم ينوب عن الوضوء من الحدث الأصغر، وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس فيصح به ما يصح بهما من صلاة فرض أو سنة وطواف وقراءة للجنب ومس مصحف وغير ذلك.
    وقد اختلفوا في مرجع الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} بناء على اختلافهم فيقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [المائدة:6] فمن ذهب من العلماء إلى أن الملامسة هي الجماع. قال: إن الضمير يعود على المحدث مطلقاً، سواء أكان الحدث أصغر أم أكبر.
    أما من ذهب منهم إلى أن الملامسة بمعنى اللمس باليد قال: إن الضمير يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط، وبذلك تكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة، كحديث عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". [رواه البخاري].

    نوع بدلية التيمم عن الماء:
    اختلف الفقهاء في نوع البدل هل هو بدل ضروري أو بدل مطلق؟
    فذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم بدل ضروري ولذلك فإن الحدث لا يرتفع بالتيمم، فيباح للمتيمم الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة لحديث أبي ذر: "فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإنه خيرٌ لك". ولو رفع التيمم الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، وإذا رأى الماء عاد الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، وأبيحت له الصلاة للضرورة.
    إلا أن الحنابلة أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه خلافاً للمالكية والشافعية.
    وذهب الحنفية إلى أن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة لقوله صلى الله عليه وسلم "التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث".
    أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء على التيمم وسماه به. والوضوء مزيل للحدث فكذا التيمم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" والطهور اسم للمطهر، والحديث يدل على أن الحدث يزول بالتيمم إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد حكم الحدث.

    ثمرة هذا الخلاف:
    يترتب على خلاف الفقهاء في نوع بدلية التيمم ما يلي:
    أ- وقت التيمم:
    ذهب الجمهور إلى عدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص.
    وذهب الحنفية إلى جواز التيمم قبل الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً لأن التيمم يرتفع به الحدث إلى وجود الماء، وليس بمبيح فقط، وقاسوا ذلك على الوضوء، لأن التوقيت لا يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه.
    تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر الوقت:
    اتفق الفقهاء في الجملة على أن تأخير الصلاة بالتيمم لآخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت عند الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية) وبعض الحنابلة.
    وقيد الحنفية أفضلية التأخير إلى آخر الوقت بأن لا يخرج وقت الفضيلة لا مطلقا، حتى لا يقع المصلي في كراهة الصلاة بعد وقت الفضيلة.
    واختلفوا في صلاة المغرب هل يؤخر أم لا؟ ذهب إلى ذلك فريق من الحنفية.
    وأما المالكية فقد فصلوا في هذه المسألة، فقالوا: استحباب التأخير لمن كان يرجو وجود الماء ظناً أو يقيناً، أما إذا كان متردداً أو راجياً له فيتوسط في فعل الصلاة.
    والشافعية خصوا أفضلية تأخير الصلاة بالتيمم بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت -مع جوازه في أثنائه- لأن الوضوء هو الأصل والأكمل، فإن الصلاة به -ولو آخر الوقت- أفضل منها بالتيمم أوله.
    أما إذا ظن وجود الماء في آخره، فتعجيل الصلاة بالتيمم أفضل في الأظهر، لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء.
    والقول الثاني: التأخير أفضل.
    أما إذا شك فالمذهب تعجيل الصلاة بالتيمم.
    ومحل الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة، فإن صلى أول الوقت بالتيمم وبالوضوء في أثنائه فهو النهاية في إحراز الفضيلة.
    وذهب الحنابلة إلى أن تأخير الصلاة بالتيمم أولى بكل حال وهو المنصوص عن أحمد، لقول علي -رضي الله عنه- في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم، ولأنه يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العشاء وقضاء الحاجة كيلا يذهب خشوعها، وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى.

    ما يجوز فعله بالتيمم الواحد:
    لما كان التيمم بدلاً عن الوضوء والغسل يصح به ما يصح بهما كما سبق، لكن على خلاف بين الفقهاء فيما يصح بالتيمم الواحد.
    فذهب الحنفية إلى أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، لأنه طهور عند عدم الماء كما سبق. واستدلوا بحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" وبالقياس على الوضوء، وعلى مسح الخف، لأن الحدث الواحد لا يجب له طهران.
    وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يصلي بتيمم واحد فرضين، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي أكثر من فرض بتيمم واحد، ويجوز له أن يجمع بين النوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية.
    أما عند الشافعية فيتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها لأنها غير محصورة، واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنه (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى).
    وهذا مقتضى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه طهارة ضرورية، فلا يصلي بها فريضتين، كما استدلوا بأن الوضوء كان لكل فرض لقوله تعالى:
    إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] والتيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على ما كان عليه، ولقول ابن عمر يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث.
    وذهب الحنابلة إلى أنه إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت ويجمع بين صلاتين، ويتطوع بما شاء ما دام في الوقت، فإذا دخل وقت صلاة أخرى بطل تيممه وتيمم، واستدل الحنابلة بأنه كوضوء المستحاضة يبطل بدخول الوقت.
    ويجوز عند المالكية والشافعية في الأصح صلاة الجنازة مع الفرض بتيمم واحد، لأن صلاة الجنازة لما كانت فرض كفاية سلك بها مسلك النفل في جواز الترك في الجملة.
    ويجوز بالتيمم أيضاً قراءة القرآن إن كان جنباً ومس المصحف، ودخول المسجد للجنب، وأما المرور فيجوز بلا تيمم.
    وعند الشافعية يجدد التيمم للنذر لأنه كالفرض في الأظهر، ولا يجمعه في فرض آخر.
    ويصح عند الشافعية لمن نسي صلاة من الصلوات الخمس أن يصليها جميعاً بتيمم واحد، لأنه لما نسي صلاة ولم يعلم عينها وجب عليه أن يصلي الخمس لتبرأ ذمته بيقين -وإنما جاز التيمم الواحد لهنّ لأن المقصود بهنّ واحدة والباقي وسيلة.
    وعند المالكية يتيمم خمساً، لكل صلاة تيمم خاص بها، ولا يجمع بين فرضين بتيمم واحد.

    ما يصح فعله بالتيمم مع وجود الماء:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يصح فعل عبادة مبنية على الطهارة بالتيمم عند وجود الماء إلا لمريض، أو مسافر وجد الماء لكنه محتاج إليه، أو عند خوف البرد وعلى هذا فمن فعل شيئاً من العبادات المبنية على الطهارة بالتيمم مع وجود الماء في غير الأموال المذكورة بطلت عبادته ولم تبرأ ذمته منها.
    وذهب الحنفية -في المفتى به عندهم- إلى جواز التيمم لخوف فوت صلاة جنازة- أي: فوت جميع تكبيراتها- أما إذا كان يرجو أن يدرك بعض تكبيراتها فلا يتيمم لأنه يمكنه أداء الباقي وحده، سواء كان بلا وضوء، أو كان جنباً، أو حائضاً، أو نفساء إذا انقطع دمها على العادة.
    لكنهم اشترطوا في الحائض أن يكون انقطاع دمها لأكثر الحيض.
    أما إذا كان الانقطاع لتمام العادة فلا بد أن تصير الصلاة دينا في ذمتها، أو تغتسل، أو يكون تيمماً كاملاً بأن يكون عند فقد الماء.
    ولو جيء بجنازة أخرى إن أمكنه التوضؤ بينهما، ثم زال تمكنه أعاد التيمم وإلا لا يعيد، وعند محمد يعيد على كل حال.
    واختلفوا في ولي الميت، هل يجوز له التيمم لأن له حق التقدم، أو ينتظر لأن له حق الإعادة ولو صلوا؟ فيه خلاف في النقل عن أبي حنيفة.
    ويجوز التيمم عند وجود الماء أيضاً لخوف فوت صلاة العيد بفراغ إمام، أو زوال شمس ولو بناء على صلاته بعد شروعه متوضئأ وسبق حدثه فيتيمم لإكمال صلاته، بلا فرق بين كونه إماماً أو مأموما في الأصح، لأن المناط خوف الفوت لا إلى بدل.
    وكذا كل صلاة غير مفروضة خاف فوتها ككسوف وخسوف، وسنن رواتب ولو سنة فجر خاف فوتها وحدها، لأنها تفوت لا إلى بدل، هذا على قياس أبي حنيفة وأبي يوسف، أما على قياس محمد فلا يتيمم لها، لأنها إذا فاتته لاشتغاله بالفريضة مع الجماعة يقضيها بعد ارتفاع الشمس عنده، وعندهما لا يقضيها.
    ويجوز التيمم عند الحنفية أيضاً عند وجود الماء لكل ما يستحب له الطهارة، ولا تشترط كنوم وسلام وردّ سلام، ولدخول مسجد والنوم فيه، وإن لم تجز به الصلاة.
    ولا يجوز التيمم عند الحنفية مع وجود الماء لخوف فوت جمعة، ووقت، ولو وتراً، لفواتها إلى بدل.
    وقال زفر: يتيمم لفوات الوقت.
    فالأحوط أن يتيمم ويصلي ثم يعيد.

    حكم فاقد الطهورين:
    فاقد الطهورين هو الذي لم يجد ماء ولا صعيدا يتيمم به، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمم به، وكان محتاجاً للماء الذي معه لعطش، وكالمصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى ماء، وكمن لا يستطيع الوضوء ولا التيمم لمرض ونحوه.
    فذهب جمهور العلماء إلى أن صلاة فاقد الطهورين واجبة لحرمة الوقت ولا تسقط عنه مع وجوب إعادتها عند الحنفية والشافعية، ولا تجب إعادتها عند الحنابلة، وأما عند المالكية فإن الصلاة عنه ساقطة على المعتمد من المذهب أداء وقضاء.

    التيمم للجبيرة والجرح وغيرهما:
    اتفق الفقهاء على أن من كان في جسده كسور أو جروح أو قروح ونحو ذلك، فإن لم يخف ضرراً أو شيناً وجب غسلها في الوضوء والغسل، فإن خاف شيئاً من ذلك فيجوز المسح على الجرح ونحوه، ويجوز التيمم وذلك في أحوال خاصة يذكر تفصيلها والخلاف فيها في مصطلح: (جبيرة).




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    الحَيْض


    تعريفه لغة:
    مصدر حاض، يقال: حاض السيل إذا فاض،وحاضت المرأة: سال دمها.
    تعريفه شرعاً:
    هو دم ينفضه رحم المرأة سليمة عن داء وصغر.
    أو دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات معلومة.

    الحكم التكليفي لتعلم أحكام الحيض:
    يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض. وعلى زوجها أو وليها أن يعلمها ما تحتاج إليه منه إن علم، وإلا أذن لها بالخروج لسؤال العلماء، ويحرم عليه منعها إلا أن يسأل هو ويخبرها فتستغني بذلك. ولها أن تخرج بغير إذنه إن لم يأذن لها.
    وهو من علم الحال المتفق على فرضية تعلمه.

    ركن الحيض:
    صرح فقهاء الحنفية بأن للحيض ركناً، وهو بروز الدم من الرحم، أي ظهور الدم بأن يخرج من الفرج الداخل إلى الفرج الخارج، فلو نزل إلى الفرج الداخل فليس بحيض وبه يفتى.
    وما صرح به الحنفية لا يأباه فقهاء المذاهب الأخرى حيث إنهم يعرفون الحيض بأنه (دم يخرج...).
    شروط الحيض:
    هناك شروط لا بد من تحققها حتى يكون الدم الخارج حيضاً.
    1- أن يكون رحم امرأة لا داء بها ولا حبل. فالخارج من الدبر ليس بحيض، وكذا الخارج من رحم البالغة بسبب داء يقتضي خروج دم بسببه.
    2- ألا يكون بسبب الولادة، فالخارج بسبب الولادة دم نفاس لا حيض.
    3- أن يتقدمه نصاب الطهر ولو حكماً. ونصاب الطهر مختلف فيه فهو خمسة عشر يوماً عند الحنفية والمالكية والشافعية، وثلاثة عشر يوماً عند الحنابلة.
    4- ألا ينقص الدم عن أقل الحيض، حيث إن للحيض مدة لا ينقص عنها، فإذا نقص علمنا أنه ليس بدم حيض.
    5- أن يكون في أوانه، وهو تسع سنين قمرية، فمتى رأت دماً قبل بلوغ السن لم يكن حيضاً، وإذا رأت دماً بعد سن الإياس لم يكن حيضاً أيضاً.

    ما تراه الحائض من ألوان أثناء الحيض:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان.
    والصفرة والكدرة: هما شيء كالصديد. واختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.
    فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنهما ليسا بحيض في غير أيام الحيض، لقول أم عطية:
    " كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً" .
    وقال المالكية والشافعية إلى أنهما حيض. إذا رأتهما المعتادة بعد عادتها، فإنها تجلس أيامهما عند الشافعية.

    السن التي تحيض فيها المرأة:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين قمرية.
    سن الإياس:
    وحدّ التمرتاشي -من علماء الحنفية- سن الإياس بخمسين سنة، وقال: وعليه المعول. وعليه الفتوى في زماننا. وحدّه كثير منهم بخمس وخمسين سنة.
    وقال الشافعية: بتحديده باثنتين وستين سنه لأنه باعتبار الغالب حتى لا يعتبر النقص عنه.
    وعند المالكية أقوال ملخصها: بنت سبعين سنة ليس دمها بحيض، وبنت خمسين يسأل النساء، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض وإلا فلا، والمراهقة وما بعدها للخمسين يجزم بأنه حيض ولا سؤال، والمرجع في ذلك العرف والعادة.
    وقال الحنابلة: إلى إن أكثر سن تحيض فيه المرأة خمسون سنة.

    أقل فترة الحيض وأكثرها:
    ذهب الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها -وقدروها باثنتين وسبعين ساعة، وأكثره عشرة أيام بلياليها.
    وذهب المالكية إلى أنه لا حد لأقله بالزمان، ولذلك بينوا أقله في المقدار وهو دفعة، قالوا: وهذا بالنسبة إلى العبادة، وأما في العدة والاستبراء فلا بد من يوم أو بعضه.
    وأما أكثره فإنه يختلف عندهم بوجود الحمل وعدمه، فأكثر الحيض لغير الحامل خمسة عشر يوماً سواء كانت مبتدأة أو معتادة، غير أن المعتادة -وهي التي سبق لها حيض ولو مرة- تستظهر ثلاثة أيام على أكثر عادتها إن تمادى بها.
    فإذا اعتادت خمسة ثم تمادى مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر. فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر، فإن تمادى في مرة أخرى مكثت يوماً ولا تزيد على الخمسة عشر.
    وأما الحامل -وهي عندهم تحيض- فأكثر حيضها يختلف باختلاف الأشهر سواء كانت مبتدأة أو معتادة.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً بلياليهن.
    أحوال الحائض:
    الحائض إما أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو متحيرة.
    فالمبتدأة: هي من كانت في أول حيض أو نفاس، أو هي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك.
    والمعتادة: عند الحنفية هي من سبق منها دم وطهر صحيحان أو أحدهما .
    وقال المالكية: هي التي سبق لها حيض ولو مرة.
    وهي عند الشافعية من سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدراً ووقتاً.
    ومذهب الحنابلة أن العادة لا تثبت إلا في ثلاثة أشهر -في كل شهر مرة- ولا يشترطون فيها التوالي.
    والمتحيرة: من نسيت عادتها عدداً أو مكاناً.
    وقال الشافعية: هي المستحاضة غير المميزة الناسية للعادة.

    أ- المبتدأة:
    إذا رأت المبتدأة الدم وكان في زمن إمكان الحيض -أي في سن تسع سنوات فأكثر- ولم يكن الدم ناقصاً عن أقل الحيض ولا زائداً على أكثره فإنه دم حيض، ويلزمها أحكام الحائض، لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والأصل عدمه.
    فإذا انقطع الدم لدون أقل الحيض فليس بحيض لعدم صلاحيته له، بل هو دم فساد.
    ثم إن للمبتدأة أحوالاً، بحسب انقطاع الدم واستمراره.
    الحالة الأولى: انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون:
    إذا انقطع الدم دون أكثر الحيض أو لأكثره ولم يجاوز ورأت الطهر، طهرت، ويكون الدم بين أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضاً، يجب عليها خلاله ما يجب على الحائض، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية.
    وذهب الحنابلة إلى أن الدم إن جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز لأنه مشكوك فيه، بل تغتسل عقب أقل الحيض وتصوم وتصلي فيما جاوزه، لأن المانع منها هو الحيض وقد حكم بانقطاعه، وهو آخر الحيض حكماً، أشبه آخره حسا.
    الحالة الثانية: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض:
    اختلف الفقهاء فيما إذا استمر دم المبتدأة وجاوز أكثر الحيض، فمذهب الحنفية والمالكية إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض وطهرها ما جاوزه. فذهب الحنفية أن حيضها في كل شهر عشرة، وطهرها عشرون.
    والمشهور عند المالكية أنها تمكث خمسة عشر يوماً -لأكثر فترة الحيض عندهم- أخذاً بالأحوط ثم هي مستحاضة.
    ب-المعتادة:
    ثبوت العادة:
    ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية -إلى أن العادة تثبت بمرة واحدة في المبتدأة.
    وذهب الحنابلة إلى أنها لا تثبت إلا بثلاث مرات في كل شهر مرة.
    واختلف الحنفية في المعتادة إذا رأت ما يخالف عادتها مرة واحدة، هل يصير ذلك المخالف عادة لها أم لا بد من تكراره؟ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يصير ذلك عادة بمرة واحدة. وذهب محمد إلى أنه لا يصير عادة إلا بتكراره.
    أحوال المعتادة:
    المعتادة إما أن ترى من الدم ما يوافق عادتها،أو ينقطع الدم دون عادتها، أو يجاوز عادتها.
    موافقة الدم للعادة:
    اتفق الفقهاء على أنه إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها بأن انقطع دمها ولم ينقص أو يزد على عادتها، فأيام الدم حيض وما بعدها طهر. فإن كانت عادتها خمسة أيام حيضاً. وخمسة وعشرين طهراً ورأت ما يوافق ذلك، فحيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة وعشرون كعادتها.

    انقطاع الدم دون العادة:
    اتفق الفقهاء على أنه إذا انقطع دم المعتادة دون عادتها، فإنها تطهر بذلك ولا تتمم عادتها،بشرط أن لا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض. ومنع الحنفية وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت. قالوا: لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب.
    ومذهب الجمهور أنه يجوز وطؤها. وقد صرح الحنابلة بعدم كراهته كسائر الطاهرات.
    وإن عاد الدم بعد انقطاعه، فمذهب الحنفية أنه يبطل الحكم بطهارتها بشرط أن يعود في مدة أكثر الحيض -عشرة أيام- ولم يتجاوزها إلى العشرة، فإذا رأت الدم في اليوم الأول تترك الصلاة والصوم. وإذا طهرت في الثاني توضأت وصّلت وفي الثالث تترك الصلاة والصوم. وفي الرابع تغتسل وتصلي وهكذا إلى العشرة.
    ومذهب المالكية فيما لو عاد الدم بعد انقطاعه، فإن كان مقدار الانقطاع لا يبلغ أقل الطهر ألغي ولم يحتسب به، وأضيف الدم الأول إلى الثاني، وجعل حيضة منقطعة تغتسل منها المرأة عند إدبار الدم وإقبال الطهر، يوماً كان أو أكثر، وتصلي فإذا عاد الدم إليها كفّت عن الصلاة وضمته إلى أيام دمها، وعدته من حيضتها.
    وذهب الشافعية إلى أنه إذا عاد الدم بعد النقاء، فالكل حيض -الدم والنقاء- بشروط: وهي أن لا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء من أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشا بين دمي الحيض.
    وذهب الحنابلة إلى أنها إن طهرت في أثناء عادتها طهراً خالصاً ولو أقل مدة فهي طاهر تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولا يكره وطء الزوج لها بعد الاغتسال فإن عاودها الدم في أثناء العادة ولم يجاوزها، فإنها تجلس زمن الدم من العادة كما لو لم ينقطع، لأنه صادف زمن العادة.
    مجاوزة الدم للعادة:
    اختلف الفقهاء فيما إذا جاوز دم المعتادة عادتها.
    فذهب الحنفية إلى أنه إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها، فإما أن تنتقل عادتها أوْلاً، فإن لم تنتقل ردت إلى عادتها، فيجعل المرئي فيها حيضاً وما جاوز العادة استحاضة، وإن انتقلت فالكل حيض فإذا استمر دم المعتادة وزاد على أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت فترد إليها فيهما في جميع الأحكام إن كان طهرها أقل من ستة أشهر، فإن كان طهرها ستة أشهر فأكثر فإنه لا يقدر حينئذ بذلك.
    وذهب المالكية إلى أنه إذا تمادى دم الحيض على المعتادة، فإنها تستظهر ثلاثة أيام من أيام الدم الزائد على أكثر عادتها، ثم هي طاهر بشرط أن لا تجاوز خمسة عشر يوماً، فإذا اعتادت خمسة أيام أولاً، ثم تمادى، مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر، فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر. فإن تمادى في مرة أخرى فلا تزيد على الخمسة عشر. ومن كانت عادتها ثلاثة عشر فتستظهر يومين. ومن عادتها خمسة عشر فلا استظهار عليها.
    وذهب الشافعية إلى أنه إن جاوز الدم عادتها ولم يعبر أكثر الحيض فالجميع حيض، لأن الأصل استمرار الحيض.
    والمذهب عند الحنابلة أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن عادتها قبل تكرره، فما تكرر من ذلك ثلاثاً أومرتين على اختلاف في ذلك فهو حيض، وإلا فلا، فتصوم وتصلي قبل التكرار.
    انتقال العادة:
    مذهب الحنفية في انتقال العادة:
    إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها في الحيض. فإذا لم يجاوز الدم العشرة الأيام، فالكل حيض، وانتقلت العادة عدداً فقط إن طهرت بعده طهراً صحيحاً خمسة عشر يوماً، وإن جاوز العشرة الأيام ردت إلى عادتها، لأنه صار كالدم المتوالي.
    انتقال العادة عند غير الحنفية:
    صرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن العادة قد تنتقل، فتتقدم أو تتأخر، أو يزيد قدر الحيض أو ينقص. ومن أمثلة انتقال العادة عند المالكية ما إذا تمادى دم المعتادة وزاد على عادتها فإنها تستظهر بثلاثة أيام على عادتها، ويصير الاستظهار عادة لها.
    أنواع العادة:
    العادة قسمان: متفقة، ومختلفة.
    فالمتفقة ما كانت أياماً متساوية، كسبعة من كل شهر، فهذه تجلس أيام عادتها ولا تلتفت إلى ما زاد عليها.
    والمختلفة هي ما كانت أياماً مختلفة، وهي قسمان:
    مرتبة، بأن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. فهذه إذا استحيضت في شهر وعرفت نوبته عملت عليه. وإن نسيت نوبته جلست الأقل، وهو ثلاثة لأنه المتيقن.
    وغير مرتبة: بأن تتقدم هذه مرة، هذه أخرى كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة. فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف هو، فالتي قبلها، وإن لم يمكن ضبطه ردت إلى ما قبل شهر الإستحاضة عند الشافعية بناء على ثبوت العادة بمرة.
    وعند الحنابلة تجلس الأقل في كل شهر.

    الطهر من الحيض:
    أقل الطهر وأكثره:
    أجمع الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر، لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً.
    واختلفوا في أقل الطهر . فذهب الحنفية والمالكية على المشهور، والشافعية إلى أن أقل طهر بين حيضتين خمسة عشر يوماً بلياليها، لأن الشهر غالباً لا يخلو من حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقل الطهر كذلك. واستدل الحنفية على ذلك بإجماع الصحابة.
    وذهب الحنابلة إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.
    علامة الطهر:
    الطهر من الحيض يتحقق بأحد أمرين، إما انقطاع الدم، أو رؤية القصة.
    والمقصود بانقطاع الدم الجفاف بحيث تخرج الخرقة غير ملوثة بدم، أو كدرة، أو صفرة. فتكون جافة من كل ذلك، ولا يضر بللها بغير ذلك من رطوبة.
    والقصة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة يأتي في آخر الحيض. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "لما كانت النساء يبعثن إليها بالدُّرجة (اللفافة) فيها الكُرْسف (القطن) فيه الصفرة من دم الحيض. لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".
    وقد صرح الحنفية والشافعية بأن الغاية الانقطاع، فإذا انقطع طهرت، سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا.
    وفرق المالكية بين معتادة الجفوف، ومعتادة القصة، ومعتادة القصة مع الجفوف. فمعتادة الجفوف إذا رأت القصة أولاً، لا تنتظر الجفوف وإذا رأت الجفوف أولاً، لا تنتظر القصة.
    وأما معتادة القصة فقط، أو مع الجفوف إذا رأت الجفوف أولاً، ندب لها انتظار القصة لآخر الوقت المختار. وإن رأت القصة أولاً فلا تنتظر شيئاً بعد ذلك. فالقصة أبلغ لمعتادتها، ولمعتادتها مع الجفوف أيضاً.
    حكم الطهر المتخلل بين أيام الحيض:
    اختلف الفقهاء في النقاء المتخلل بين أيام الحيض، هل هو حيض أو طهر؟ فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه حيض.
    وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه طهر.
    دم الحامل:
    اختلف الفقهاء في دم الحامل هل هو دم حيض، أو علة وفساد؟.
    فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن دم الحامل دم علة وفساد، وليس بحيض، لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض" فجعل الحيض علما على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه.
    وذهب المالكية والشافعية إلى أن دم الحامل حيض، إن توافرت شروطه لعموم الأدلة.
    وإجماع أهل المدينة عليه، ولأنه دم متردد بين دمي الجِبِلَّة والعلة، والأصل السلامة من العلة، لأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضاً، وإن ندر فكذا لا يمنعه الحيض.
    أنواع الطهر:
    قسم الحنفية الطهر إلى صحيح، وفاسد، وإلى تام، وناقص.
    فالطهر الصحيح: هو النقاء خمسة عشر يوماً فأكثر لا يشوبه خلالها دم مطلقاً لا في أوله، ولا في وسطه، ولا في آخره، ويكون بين دمين صحيحين.
    والطهر الفاسد ما خالف الصحيح في أحد أوصافه، بأن كان أقل من خمسة عشر، أو خالطه دم أو لم يقع بين دمين صحيحين.
    فإذا كان الطهر أقل من خمسة عشر يوماً، فإنه طهر فاسد، ويجعل كالدم المتوالي. ولو كان خمسة عشر يوماً، لكن خالطه دم صار طهراً فاسداً.
    والطهر التام ما كان خمسة عشر يوماً فأكثر سواء أكان صحيحاً، أم فاسداً.
    والطهر الناقص: ما نقص عن خمسة عشر يوماً، وهو نوع من الطهر الفاسد.

    ما يترتب على الحيض:
    (1) البلوغ:
    اتفق الفقهاء على أن الحيض علامة من علامات البلوغ التي يحصل بها التكليف، فإذا رأت المرأة الدم في زمن الإمكان، فأصبحت بالغة مكلفة يجب عليها ما يجب على البالغات المكلفات.
    (2) التطهر:
    صرح الحنفية والمالكية والشافعية بأنه لا تصح طهارة الحائض، فإذا اغتسلت الحائض لرفع حدث الجنابة، فلا يصح غسلها.
    وذهب الحنابلة إلى أن الحائض إن اغتسلت للجنابة زمن حيضها صح غسلها، واستحب تخفيفاً للحدث، ويزول حكم الجنابة. لأن بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر.
    غسل الحائض:
    اتفق الفقهاء على أن الحيض موجب من موجبات الغسل، فإذا انقطع الدم وجب على المرأة أن تغتسل لاستباحة ما كانت ممنوعة منه بالحيض.
    وغسل الحيض كغسل الجنابة، ويستحب للمغتسلة من الحيض غير المحرمة والمحدة تطييب موضع الدم.
    طهارة الحائض:
    لا خلاف بين الفقهاء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز أكل طبخها وعجنها، وما مسته من المائعات، والأكل معها ومساكنتها.
    (3)الصلاة:
    اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلاة من الحائض، إذ الحيض مانع لصحتها. كما أنه يمنع وجوبها، ويحرم عليها أداؤها.
    وصرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن سجود التلاوة والشكر في معنى الصلاة فيحرمان على الحائض.
    كما اتفق الفقهاء على أن قضاء ما فات الحائض في أيام حيضها ليس بواجب.

    إدراك وقت الصلاة:
    الحائض إما أن تدرك أول وقت الصلاة بأن تكون طاهراً قم يطرأ الحيض، أو تدرك آخر الوقت بأن تكون حائضاً ثم تطهر.
    (أ) إدراك أول الوقت:
    اختلف الفقهاء فيما إذا أدركت الحائض أول الوقت، بأن كانت طاهراً ثم حاضت هل تجب عليها تلك الصلاة أولاً.
    فذهب الحنفية إلى أنه إن طرأ الحيض في أثناء الوقت سقطت تلك الصلاة، ولو بعد ما افتتحت الفرض.
    أما لو طرأ وهي في التطوع، فإنه يلزمها قضاء تلك الصلاة.
    وذهب المالكية إلى أنه إن حدث الحيض في وقت مشترك بين الصلاتين سقطت الصلاتان، وإن حدث في وقت مختص بإحداهما، سقطت المختصة بالوقت وقضيت الأخرى.
    وذهب الشافية إلى أنه إن طرأ الحيض في أول الوقت، فإنه تجب عليها تلك الصلاة فقط إن أدركت قدر الفرض، ولا تجب معها الصلاة التي تجمع معها بعدها، ويجب الفرض الذي قبلها أيضاً، إن كانت تجمع معها وأدركت قدره ولم تكن قد صّلته لتمكنها من فعل ذلك.
    وذهب الحنابلة إلى أنه إن أدركت المرأة من أول الوقت قدر تكبيرة، ثم طرأ الحيض لزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت التكبيرة من وقتها فقط، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف، لم يقم به مانع وجوباً مستقراً، فإذا قام به مانع بعد ذلك لم يسقطها. فيجب قضاؤها عند زوال المانع.

    (ب) إدراك آخر الوقت:
    اختلف الفقهاء في مقدار الوقت الذي تدرك فيه الحائض الصلاة إن طهرت. فذهب الحنفية إلى التفريق بين انقطاع الدم لأكثر الحيض، انقطاعه قبل أكثر الحيض بالنسبة للمبتدأة، وانقطاع دم المعتادة في أيام عادتها أو بعدها، أو قبلها بالنسبة للمعتادة.
    فإن كان انقطاع الدم لأكثر الحيض في المبتدأة، فإنه تجب عليها الصلاة لو بقي من الوقت مقدار تحريمه، وإن بقي من الوقت ما يمكنها الاغتسال فيه أيضا، فأنه يجب أداء الصلاة. فإن لم يبق من الوقت هذا المقدار فلا قضاء ولا أداء. فالمعتبر عندهم الجزء الأخير من الوقت بقدر التحريمة. فلو كانت فيه طاهرة وجبت الصلاة وإلا فلا.
    وذهب المالكية إلى أن الحائض تدرك الصلاة إذا بقي من الوقت ما يسع ركعة تامة، وذلك في صلاة الصبح والعصر والعشاء، فإذا طهرت الحائض قبل الطلوع، أو الغروب، أو الفجر بقدر ركعة، فإنها تجب عليها تلك الصلاة، ولا تدرك بأقل من ركعة على المشهور، وتدرك الظهر والمغرب إذا بقي من وقتها الضروري ما يسع فضل ركعة على الصلاة الأولى لا الثانية، فإذا طهرت الحائض وقد بقي من الليل قدر أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، لأنه إذا صلت المغرب بقيت ركعة للعشاء.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الصلاة تجب على الحائض إذا طهرت وقد أدركت من آخر الوقت قدر تكبيرة، فيجب قضاؤها فقط إن لم تجمع مع التي قبلها، وقضاؤها وقضاء ما قبلها إن كانت تجمع، فإذا طهرت قبل طلوع الشمس، وبقي من الوقت ما يسع تكبيرة لزمها قضاء الصبح فقط، لأن التي قبلها لا تجمع إليها. وإن طهرت قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة لزمها قضاء الظهر والعصر، وكذا إن طهرت قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة لزمها قضاء المغرب والعشاء،.
    (4) الصوم
    اتفق الفقهاء على تحريم الصوم على الحائض مطلقاً فرضاً أو نفلاً، وعدم صحته منها. كما اتفق الفقهاء على وجوب قضاء رمضان عليها.
    إدراك الصوم:
    لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا انقطع دم الحيض بعد الفجر، فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم ويجب عليها قضاؤه، ويجب عليها الإمساك حينئذ عند الحنفية والحنابلة.
    وعند المالكية يجوز لها التمادي على تعاطي المفطر ولا يستحب لها الإمساك.
    وعند الشافعية لا يلزمها الإمساك.
    كما اتفق الفقهاء على أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر، فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم.
    (5) الحج:
    1- أغسال الحج:
    اتفق الفقهاء على سنية أغسال الحج للحائض، لحديث عائشة: قالت: قدمت مكة
    وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"[أخرجه البخاري].
    فيسن لها أن تغتسل للإحرام، ولدخول مكة. وللوقوف بعرفة وغيرها من الأغسال المسنونة.
    ب- الطواف:
    لا خلاف بين الفقهاء في أن الحيض لا يمنع شيئاً من أعمال الحج إلا الطواف.
    أ- قراءة القرآن:
    اختلف الفقهاء في حكم قراءة الحائض للقرآن، فذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى حرمة قراءتها للقرآن لقوله النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" [أخرجه الترمذي ].
    وهناك تفصيلات بيانها فيما يلي:
    قال الحنفية: فلو قرأت الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئاً من الآيات التي فيها معنى
    الدعاء، ولم ترد القراءة لا بأس به، وصرحوا أن ما ليس فيه معنى الدعاء كسورة المسد، لا تؤثر فيه نية الدعاء فيحرم، وقد أجازوا للمعلمة الحائض تعليم القرآن كلمة كلمة، وذلك بأن تقطع بين كل كلمتين.
    ومذهب الشافعية حرمة قراءة القرآن للحائض ولو بعض آية، كحرف للإخلال بالتعظيم سواء أقصدت مع ذلك غيرها أم لا، وصرحوا بجواز إجراء القرآن على قلبها من غير تحريك اللسان، وجواز النظر في المصحف، وإمرار ما فيه في القلب، وكذا تحريك لسانها وهمسها بحيث لا تسمع نفسها، لأنها ليست بقراءة قرآن. ويجوز لها قراءة ما نسخت تلاوته.
    ومذهب الحنابلة أنه يحرم عليها قراءة آية فصاعداً، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية، لأنه لا إعجاز فيه، وذلك ما لم تكن طويلة.
    وذهب المالكية إلى أن الحائض يجوز لها قراءة القرآن في حال استرسال الدم مطلقاً، كانت جنباً أم لا، خافت النسيان أم لا. وأما إذا انقطع حيضها، فلا تجوز لها القراءة حتى تغتسل جنباً كانت أم لا، إلا أن تخاف النسيان.
    هذا هو المعتمد عندهم، لأنها قادرة على التطهر في هذه الحالة.

    (ب) مس المصحف وحمله:
    اتفق الفقهاء على أنه يحرم على الحائض مس المصحف من حيث الجملة لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة 79].
    واستثنى المالكية من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف.
    دخول المسجد:
    اتفق الفقهاء على حرمة اللبث في المسجد للحائض.
    واتفقوا على جواز عبورها للمسجد دون لبث في حالة الضرورة والعذر، كالخوف من السبع قياساً على الجنب لقوله تعالى:
    {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] واللص والبرد والعطش.
    ويرى الحنفية والمالكية حرمة دخولها المسجد مطلقاً سواء للمكث أو للعبور، واستثنى الحنفية من ذلك دخولها للطواف.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى حرمة مرورها في المسجد إن خافت تلويثه بالنجاسة لأن تلويثه بالنجاسة محرم.
    الاستمتاع بالحائض:
    اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في الفرج لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
    واختلف الفقهاء في الاستمتاع بما بين السرة والركبة، فذهب جمهور الفقهاء
    -الحنفية والمالكية والشافعية- إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة، لحديث عائشة رضي الله عنها. قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه [أخرجه: البخاري]
    وقد أجاز الحنفية والشافعية الاستمتاع بما بين السرة والركبة من وراء حائل.
    ومنعه المالكية. كما منع الحنفية النظر إلى ما تحت الإزار، وصرح المالكية والشافعية بجوازه ولو بشهوة.
    كفارة وطء الحائض:
    نص الشافعية على أن وطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد المختار العالم بالتحريم، ويكفر مستحله.
    وعند الحنفية لا يكفر مستحله لأنه حرام لغيره.
    واستحب الحنفية والشافعية أن يتصدق بدينار إن كان الجماع في أول الحيض وبنصفه إن كان في آخره.
    وطء الحائض بعد انقطاع الحيض:
    ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يحل وطء الحائض حتى تطهر -ينقطع الدم- وتغتسل. فلا يباح وطؤها قبل الغسل.
    طلاق الحائض:
    اتفق الفقهاء على أن إيقاع الطلاق في فترة الحيض حرام، وهو أحد أقسام الطلاق البدعي الذي نهى الشارع عنه.
    كما ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق في زمن الحيض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بالمراجعة، وهي لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق.
    وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب مراجعتها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مراجعتها سنة.
    خلع الحائض:
    ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى جواز الخلع في زمن الحيض لإطلاق قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال.
    ما يحل بانقطاع الدم:
    إذا انقطع دم الحيض لم يحل مما حرم غير الصوم والطلاق، ولم يبح غيرهما حتى تغتسل وإنما أبيح الصوم والطلاق بالانقطاع دون الغسل، أما الصوم فلأن تحريمه بالحيض لا بالحدث بدليل صحته من الجنب، وقد زال.
    أحكام عامة:
    1- إنزال ورفع الحيض بالدواء:
    صرح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وقيّدوا ذلك بإذن الزوج.
    كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحاً لحصول الحيض، إلا أن يكون لها غرض محرم شرعاً كفطر رمضان فلا يجوز.
    وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض فإنه حيض وتنقضي به العدة.
    2- ادعاء الحيض:
    ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا ادعت المرأة الحيض وأمكن ذلك قبل قولها وجوباً، لأنها مؤتمنة فيحرم وطؤها حينئذ وإن كذبها، وقيد الحنفية ذلك مما إذا كانت عفيفة أو غلب على الظن صدقها، أما لو كانت فاسقة ولم يغلب على الظن صدقها بأن كانت في غير أوان الحيض فلا يقبل قولها اتفاقاً.
    وذهب الشافعية إلى أنها إن أخبرته بالحيض فإنه يحرم عليه مباشرتها إن صدقها وإلا فلا، وإذا صدقها وادعت دوامه صدقت.

    النفاس
    تعريف النفاس:
    ذهب الحنفية والشافعية إلى أن النفاس: هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم وتومىء في صلاتها ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض عندهم، وذهب المالكية إلى أن: الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض.
    والنفاس عند الحنابلة الدم الخارج بسبب الولادة.
    والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة.
    مدة النفاس:
    أقل مدة النفاس: ذهب الشافعية إلى أنَّ أقلَّ النفاس لحظة أي مجة أو دفعة.
    وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً.
    أكثر مدة النفاس:
    ذهب المالكية والشافعية إلى أنَّ: أكثره ستون يوماً والمعتمد في ذلك
    الاستقراء.
    وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنَّ: أكثر النفاس أربعون يوماً.
    يحرم على النفاس ما يحرم على الحائض: أنظر بحث الحيض.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    الصلاة
    التعريف:
    الصلاة أصلها في اللغة: الدعاء، لقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أي ادع لهم. وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ، وإن كان مفطراً فليطعم" رواه مسلم، أي ليدع لأرباب الطعام.
    وفي الاصطلاح: قال الجمهور: هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة.
    وقال الحنفية: هي اسم لهذه الأفعال المعلومة من القيام والركوع والسجود.
    مكانة الصلاة في الإسلام:
    للصلاة مكانة عظيمة في الإسلام. فهي آكد الفروض بعد الشهادتين وأفضلها، وأحد أركان الإسلام الخمسة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" رواه البخاري، وقد نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركها إلى الكفر فقال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وعن عبد الله شقيق العقيلي قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فالصلاة عمود الدين الذي لا يقوم إلا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهي أول ما يحاسب العبد عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر" رواه الترمذي كما أنها آخر وصية وصَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند مفارقته الدنيا فقال صلى الله عليه وسلم: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" رواه ابن ماجه، وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدّين كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة". رواه أحمد.
    كما أنها العبادة الوحيدة التي لا تنفك عن المكّلف، وتبقى ملازمة له طول حياته لا تسقط عنه بحال.
    وقد ورد في فضلها والحث على إقامتها، والمحافظة عليها، ومراعاة حدودها آيات وأحاديث كثيرة مشهورة.
    فرض الصلوات الخمس وعدد ركعاتها:
    أصل وجوب الصلاة كان في مكة في أول الإسلام، لوجود الآيات المكية التي نزلت في بداية الرسالة تحث عليها.
    وأما الصلوات الخمس بالصورة المعهودة فإنها فرضت ليلة الإسراء والمعراج على خلاف بينهم في تحديد زمنه.
    وقد ثبتت فرضية الصلوات الخمس بالكتاب والسنة والإجماع :
    أما الكتاب فقوله تعالى في غير موضع من القرآن.
    {وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [البقرة: 110]، وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] أي فرضاً مؤقتاً. وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى الصلوات المعهودة، وهي التي تؤدى في كل يوم وليلة.
    وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} [هود: 114] يجمع الصلوات الخمس، لأن صلاة الفجر تؤدى في أحد طرفي النهار، وصلاة الظهر والعصر يؤديان في الطرف الآخر، إذ النهار قسمان غداة وعشي، والغداة اسم لأول النهار إلى وقت الزوال، وما بعده العشي، فدخل في طرفي النهار ثلاث صلوات ودخل في قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} المغرب والعشاء، لأنهما يؤديان في زلف من الليل وهي ساعاته. وقوله تعالى:
    {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] قيل: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل أول ظلمته، فيدخل فيه صلاة الظهر والعصر، وقوله: {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ} أي وأقم قرآن الفجر وهو صلاة الفجر. فثبتت فرضية ثلاث صلوات بهذه الآية وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر.
    وقيل: دلوك الشمس غروبها فيدخل فيها صلاة المغرب والعشاء، وفرضية الظهر والعصر وثبتت بدليل آخر.
    وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عام حجة الوداع : "اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم". رواه أحمد.
    وقد انعقد إجماع الأمة على فرضية هذه الصلوات الخمس وتكفير منكرها.
    حكمة تشريع الصلاة: الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين، لحديث جابر : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". رواه مسلم.
    وقد شرعت شكراً لنعم الله تعالى الكثيرة، ولها فوائد دينية وتربوية على المستويين الفردي والاجتماعي.
    فوائد الصلاة الدينية:عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق، وإظهار العبودية لله، وتفويض الأمر له، والتماس الأمن والسكينة والنجاة في رحابه، وهي طريق الفوز والفلاح، وتكفير السيئات والخطايا، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 و 2] {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج 19 - 22].
    وقال صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نَهَراً بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" متفق عليه.
    وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر" رواه مسلم والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إن العبد إذا قام يصلي، أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه" رواه ابن حبان، أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء الله تعالى.
    فوائد الصلاة الشخصية: التقرب بها إلى الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وتقوية النفس والإرادة، والاعتزاز بالله تعالى دون غيره، والسمو عن الدنيا ومظاهرها، والترفع عن مغرياتها وأهوائها، وعما يحلو في النفس مما لدى الآخرين من جاه ومال وسلطان: {{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].
    كما أن في الصلاة راحة نفسية كبيرة، وطمأنينة روحية وبعداً عن الغفلة التي تصرف الإنسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: "حُبِّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة" رواه النسائي وأحمد، وكان عليه السلام إذا حَزبه أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: "أرحنا بها يا بلال". رواه أبو داود وأحمد.
    وفي الصلاة: تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة، لأدائها في أوقات منظمة، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار، ويتعود على حصر الذهن في المفيد النافع، لتركيز الانتباه في معاني آيات القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة.
    كما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر:
    {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].
    فوائد الصلاة الاجتماعية: إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع، وتقويتها في نفوسهم، وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة، وفيها تقوية الشعور بالجماعة، وتنمية روابط الانتماء للأمة، وتحقيق التضامن الاجتماعي، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
    وفي صلاة الجماعة: فوائد عميقة وكثيرة، من أهمها إعلان مظهر المساواة، وقوة الصف الواحد، ووحدة الكلمة، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى.
    كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام بأوضاع وأحوال المسلمين العامة، ومساندة الضعيف والمريض والسجين والملاحَق بتهمة والغائب عن أسرته وأولاده. ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة، تخرِّج القيادة، وتدعم السلطة الشرعية، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة، والقول الليِّن، والنقد البناء الهادف، لأن "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" حديث.
    والصلاة تميِّز المسلم عن غيره، فتكون طريقاً للثقة والائتمان، وبعث روح المحبة والمودة فيما بين الناس : "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم".
    حكم تارك الصلاة:
    لتارك الصلاة حالتان: إما أن يتركها جحوداً لفرضيتها، أو تهاوناً وكسلاً لا جحوداً.
    فأما الحالة الأولى: فقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة جحوداً لفرضيتها كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كفراً كجاحد كل معلوم من الدين بالضرورة، ومثل ذلك ما لو جحد ركنا أو شرطاً مجمعاً عليه. واستثنى الشافعية والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلاً لقرب عهده بالإسلام أو نحوه فليس مرتداً، بل يعرّف الوجوب، فإن عاد بعد ذلك صار مرتداً.
    وأما الحالة الثانية: فقد اختلف الفقهاء فيها - وهي: ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً - فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يقتل حداً أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" رواه البخاري ومسلم، ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقالصلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" رواه أبوا داود، فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة. وذهب الحنفية إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً عمداً فاسق لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يموت أو يتوب.
    وذهب الحنابلة: إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويقال له: إن صليت وإلاّ قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله ولا يقتل حتى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كل صلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، وقيل كفراً، أي لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. لكن لا يرق ولا يسبى له أهل ولا ولد كسائر المرتدين. لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من تركها فقد كفر" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى عبادة مرفوعاً "من ترك الصلاة متعمداً فقد خرج من الملة" وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام، فيخرج بتركها منه كالشهادتين. وقال عمر رضي الله عنه: "لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة" رواه الطبراني، وكذا عندهم لو ترك ركناً أو شرطاً مجمعاً عليه كالطهارة والركوع والسجود، ولا يقتل بترك صلاة فائتة.
    كما اختلف القائلون بالقتل في محله. فمحله عند المالكية هو بقاء ركعة بسجدتيها من الوقت الضروري إن كان عليه فرض واحد فقط. قال مالك: إن قال: أصلي ولم يفعل قتل بقدر ركعة قبل طلوع الشمس للصبح، وغروبها للعصر، وطلوع الفجر للعشاء، فلو كان عليه فرضان مشتركان أخر لخمس ركعات في الظهرين، ولأربع في العشاءين. وهذا في الحضر، أما في السفر فيؤخر لثلاث في الظهرين وأربع في العشاءين.
    وذهب الشافعية إلى أن محل القتل هو إخراجها عن وقتها الضروري فيما له وقت ضرورة - بأن يجمع مع الثانية في وقتها - فلا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق الوقت ويتوعد بالقتل إن أخرها عن الوقت، فإن أخر وخرج الوقت استوجب القتل، وصرحوا بأنه يقتل بعد الاستتابة، لأنه ليس أسوأ حالاً من المرتد.
    والاستتابة تكون في الحال، لأن تأخيرها يفوت صلوات، وقيل: يمهل ثلاثة أيام. والقولان في الندب، وقيل في الوجوب.
    أوقات الصلاة

    وقت الفجر:
    يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. والفجر الصادق: هو البياض المنتشر ضوءه معترضاً في الأفق. ويقابله الفجر الكاذب: وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في وسط السماء، ثم تعقبُه ظُلْمة. والأول: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء، والثاني: لا يتعلق به شيء من الأحكام، بدليل قوله عليه السلام: "الفجر فجران: فجر يحرِّم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام" رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه.
    وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: "ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس" وما بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتاً مهملاً لا فريضة فيه.
    وقت الظهر:
    من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله، سوى ظل أو فيء الزوال وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة. وقال أبو حنيفة: إن آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مِثْليْه.
    وزوال الشمس: هو ميلها عن وسط السماء، ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط (أو كبد) السماء: حالة الاستواء، وإذا تحولت الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال.
    ويعرف الزوال: بالنظر إلى قامة الشخص، أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض مستوية (مسطحة)، فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال، وإن وقف لا يزيد ولا ينقص، فهو وقت الاستواء، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت.
    فإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، أو مالت الشمس إلى جهة المغرب، بدأ وقت الظهر، وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول، مع إضافة مقدار ظل أو فيء الاستواء، أي الظل الموجود عند الزوال.
    ودليل الجمهور: أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي حين صار ظل كل شيء مثله، ولا شك أن هذا هو الأقوى. ودليل أبي حنيفة قوله عليه السلام إذا "اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه البخاري، وأشد الحر في ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل شيء مثله. ودليل الكل على بدء وقت الظهر قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] أي زوالها.
    وقت العصر:
    يبدأ من خروج وقت الظهر، على الخلاف بين القولين المتقدمين، وينتهي بغروب الشمس، أي أنه يبدأ من حين الزيادة على مثل ظل الشيء، أدنى زيادة عند الجمهور، أو من حين الزيادة على مثلي الظل عند أبي حنيفة وينتهي الوقت بالاتفاق قبيل غروب الشمس، لحديث: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" متفق عليه.
    ويرى أكثر الفقهاء أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله صلى الله عليه وسلم: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنَقَرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً" رواه أبو داود والترمذي، وقوله عليه السلام أيضاً: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس". رواه مسلم.
    وصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى عند أكثر العلماء، بدليل ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ:
    {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، والصلاة الوسطى: صلاة العصر، رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن مسعود وسمرة قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الوسطى: صلاة العصر" وسميت وسطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.
    وعند مالك: إن صلاة الصبح هي الوسطى لما روى النسائي عن ابن عباس قال: "أدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عرّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، فصلى وهي صلاة الوسطى".
    وقت المغرب:
    من غروب الشمس بالإجماع، أي غياب قرصها بكامله، ويمتد عند الجمهور (الحنفية والحنابلة) إلى مغيب الشَّفَق، لحديث: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". رواه مسلم.
    والشفق عند الحنفية والحنابلة والشافعية: هو الشفق الأحمر، لقول ابن عمر: "الشفق: الحمرة". رواه الترمذي وابن خزيمة.
    وعند المالكية: أن وقت المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات، أي أن وقته مضيق غير ممتد، لأن جبريل عليه السلام صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليومين في وقت واحد، كما بينا في حديث جابر المتقدم، فلو كان للمغرب وقت آخر لبينه، كما بين وقت بقية الصلوات. ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار، وهو المسمى بوقت الفضيلة. وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له.
    وقت العشاء:
    يبدأ من مغيب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق، أي قبيل طلوعه لقول ابن عمر المتقدم: "الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة" ولحديث: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" رواه مسلم. فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع.
    وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه، لحديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه الترمذي وابن ماجه، وحديث أنس: "أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" متفق عليه وحديث ابن عمرو: "وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل". رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
    وأول وقت الوتر: بعد صلاة العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
    الوقت الأفضل:
    للفقهاء آراء في بيان أفضل أجزاء وقت كل صلاة أو الوقت المستحب، فقال الحنفية: يستحب للرجال الإسفار بالفجر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والإسفار: التأخير للإضاءة. وحد الإسفار: أن يبدأ بالصلاة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة، أي أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية، ثم يعيدها بطهارة لو فسدت. ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى التكثير أفضل، وليسهل تحصيل ما ورد عن أنس من حديث حسن: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له: كأجر حجة تامة، وعمرة تامة".
    وأما النساء: فالأفضل لهن الغَلَس (الظلمة)، لأنه أستر، وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ الرجال من الجماعة. وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة.
    ويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف، بحيث يمشي في الظل، لقوله صلى الله عليه وسلم السابق: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم" ويستحب تعجيله في الشتاء والربيع والخريف، لحديث أنس عند البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة".
    ويستحب تأخير العصر مطلقاً، توسعة لأداء النوافل، ما لم تتغير الشمس بذهاب ضوئها، فلا يتحير فيها البصر، سواء في الشتاء أم الصيف، لما فيه من التمكن من تكثير النوافل، لكراهتها بعد العصر.
    ويستحب تعجيل المغرب مطلقاً، فلا يفصل بين الأذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة، لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، ولقوله عليه السلام: "لا تزال أمتي بخير أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم". رواه أبو داود.
    ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الأول، في غير وقت الغيم، فيندب تعجيله فيه، للأحاديث السابقة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه".
    ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل ويثق بالانتباه: أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ليكون آخر صلاته فيه، فإن لم يثق من نفسه بالانتباه أوتر قبل النوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل". رواه مسلم.
    وقال المالكية: أفضل الوقت أوله، فهو رضوان الله، لقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها" رواه البخاري. وعن ابن عمر مرفوعاً: "الصلاة في أول الوقت: رضوان الله، وفي آخره عفو الله". رواه الترمذي.
    وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخير الظهر للإبراد، أي الدخول في وقت البرد.
    والخلاصة: أن المبادرة في أول الوقت مطلقاً هو الأفضل، إلا في حال انتظار الفرد جماعة للظهر وغيره، وفي حال الإبراد بالظهر أي لأجل الدخول في وقت البرد.
    وقال الشافعية: يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء لأول الوقت، إلا الظهر، فيسن الإبراد بالظهر في شدة الحر، للأحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية، والحنفية، والأصح: اختصاص التأخير للإبراد ببلد حار، وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة، يقصدونه من مكان بعيد.
    ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتْمة للنهي عنه، أما النهي عن الأول ففي خبر البخاري: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب: هي العشاء" وأما النهي عن الثاني ففي خبر مسلم: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل" وفي رواية " بحلاب الإبل" معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام"، ويكره النوم قبل صلاة العشاء، والحديث بعدها إلا في خير، لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها".
    وقال الحنابلة: الصلاة في أول الوقت أفضل إلا العشاء، والظهر في شدة الحر، والمغرب في حالة الغيم، أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه أفضل، ما لم يشق على المأمومين أو على بعضهم، فإنه يكره، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم السابق: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" ولأنه صلى الله عليه وسلم "كان يأمر بالتخفيف رفقاً بهم".
    وأما الظهر فيستحب الإبراد به على كل حال في وقت الحر، ويستحب تعجيلها في وقت العشاء، عملاً بالحديثالسابق: "إذا اشتد الحر فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم".
    وأما حالة الغيم: فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه، وتعجيل العصر والعشاء، لأنه وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد، فيكون في تأخير الصلاة الأولى من أجل الجمع بين الصلاتين في المطر، وتعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض.
    ولا يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة، وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول "العتمة" صاح وغضب، وقال: "إنما هو العشاء".
    متى تقع الصلاة أداء في الوقت؟
    من المعلوم أن الصلاة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء، وإن فعلت مرة ثانية في الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة، وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء، والقضاء: فعل الواجب بعد وقته.
    أما إن أدرك المصلي جزءاً من الصلاة في الوقت فهل تقع أداء ؟ للفقهاء رأيان: الأول للحنفية، والحنابلة، والثاني للمالكية والشافعية.
    الرأي الأول- للحنفية والحنابلة: تدرك الفريضة أداء كلها بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغير عذر، لحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها" رواه مسلم، وللبخاري "فليتم صلاته" وكإدراك المسافر صلاة المقيم، وكإدراك الجماعة، ولأن بقية الصلاة تبع لما وقع في الوقت.
    الرأي الثاني- للمالكية، والشافعية: تعد الصلاة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة بسجدتيها في الوقت، وإلا بأن وقع أقل من ركعة فهي قضاء، لخبر الصحيحين: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة" أي مؤداة.
    الاجتهاد في الوقت:
    من جهل الوقت بسبب عارض أو حبس في بيت مظلم، وعدم ثقة يخبره به عن علم، ولم يكن معه ساعة تؤقت له، اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة وصلاة ونحوه كخياطة وصوت ديك مجَّرب، وعمل على الأغلب في ظنه.
    والاجتهاد يكون واجباً إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو الشمس مثلاً، وجائزاً إن قدر عليه.
    وإن أخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم، أي مشاهدة، عمل به، لأنه خبر ديني يرجع فيه المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إن أخبره عن اجتهاد فلا يقلده، لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر.
    وإذا شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك، وحينئذ تباح له الصلاة، ويستحب تأخيرها قليلاً احتياطاً لتزداد غلبة ظنه، إلا أن يخشى خروج الوقت.
    وإن تيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت، ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة، قضى عند الشافعية وعند أكثر العلماء، وإلا أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت، فلا قضاء عليه. ودليل القضاء: ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنهما أعادا الفجر، لأنهما صلياها قبل الوقت.
    تأخير الصلاة: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس، فسمح لهم بالتأخير. لكن من أخر الصلاة عمداً، ثم خرج الوقت وهو فيها، أثم وأجزأته.
    الأوقات المكروهة:
    ثبت في السنة النبوية النهي عن الصلاة في أوقات خمسة، ثلاثة منها في حديث، واثنان منها في حديث آخر.
    أما الثلاثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني: "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلِّي فيهن، وأن نقبُر فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب".
    وهذه الأوقات الثلاثة تختص بأمرين: دفن الموتى والصلاة.
    وأما الوقتان الآخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" ولفظ مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" وهذان الوقتان يختصان بالنهي عن الصلاة فقط.
    فالأوقات الخمسة هي ما يأتي:
    1- ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمْح في رأي العين.
    2- وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة.
    3- وقت الاستواء إلى أن تزول الشمس أي يدخل وقت الظهر.
    4- وقت اصفرار الشمس حتى تغرب.
    5- بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
    والحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وتحريم النوافل فيها هي: أن الأوقات الثلاثة الأولى ورد تعليل النهي عن الصلاة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود والنسائي: وهو أن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وعند قيام قائم الظهيرة تسجر (توقد) جهنم وتفتح أبوابها، وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار. فالحكمة هي إما التشبه بالكفار عبدة الشمس، أو لكون الزوال وقت غضب.
    وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت، وإنما لأن الوقت كالمشغول حكماً بفرض الوقت، وهو أفضل من النفل الحقيقي.
    وأما نوع الحكم المستفاد من النهي: فهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الأوقات الخمسة وعند المالكية في الأوقات الثلاثة، والكراهة التنزيهية في الوقتين الآخرين.
    والحرمة أو الكراهة التحريمية تقتضي عدم انعقاد الصلاة على الخلاف الآتي.
    وأما نوع الصلاة المكروهة ففيها خلاف بين الفقهاء.
    أولاً- الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) قال الحنفية: يكره تحريماً فيها كل صلاة مطلقاً، فرضاً أو نفلاً، أو واجباً، ولو قضاء لشيء واجب في الذمة، أو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو سهو، إلا يوم الجمعة على المعتمد المصحح، وإلا فرض عصر اليوم أداء.
    والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر، وينعقد النفل بالشروع فيه مع كراهة التحريم فإن طرأ الوقت المكروه على صلاة شرع فيها تبطل إلا صلاة جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل والنذر المقيد بها، وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده، فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً، في الأولى منها، ومع الكراهة التنزيهية في الثانية، والتحريمية في البواقي.
    ودليلهم عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وعدم صحة القضاء، لأن الفريضة وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.
    ولا يصح أداء فجر اليوم عند الشروق، لوجوبه في وقت كامل فيبطل في وقت الفساد، إلا العوام فلا يمنعون من ذلك، لأنهم يتركونها، والأداء الجائز عن البعض أولى من الترك.
    ويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية، لحديث أبي هريرة: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
    ويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلاوة المقروءة في وقت النهي أو أداء صلاة منذورة فيه أو نافلة شرع بأدائها فيه، لوجوبها في هذا الوقت. كذلك تصح صلاة الجنازة إذا حضرت في وقت مكروه لحديث الترمذي: "يا علي ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت لها كفؤاً".
    ثانياً- الوقتان الآخران (بعد صلاتي الفجر والعصر): يكره تحريماً أيضاً التنفل فيهما، ولو بسنة الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة أو بتحية مسجد، أو منذور، وركعتي طواف، وسجدتي سهو، أو قضاء نفل أفسده، وتنعقد الصلاة.
    ولا يكره في هذين الوقتين قضاء فريضة فائتة أو وتر أو سجدة تلاوة وصلاة جنازة، لأن الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الأصلية، فإذا أديت لم تبق كراهة بشغله بفرض آخر أو واجب لعينه، لكن عدم الكراهة في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل تغير الشمس، أما بعده فلا يجوز فيه القضاء أيضاً، وإن كان قبل أن يصلي العصر.
    وقال المالكية: يحرم النفل لا الفرض في الأوقات الثلاثة، ويجوز قضاء الفرائض الفائتة فيها وفي غيرها، ومن النفل عندهم: صلاة الجنازة، والنفل المنذور، والنفل المفسد، وسجود السهو البعدي، لأن ذلك كله سنة، عملاً بمقتضى النهي السابق الثابت في السنة.
    ويكره تنزيهاً النفل في الوقتين الآخرين (بعد طلوع الفجر وبعد أداء العصر) إلى أن ترتفع الشمس بعد طلوعها قدر رمح(1)، وإلى أن تصلى المغرب، إلا صلاة الجنازة وسجود التلاوة بعد صلاة الصبح قبل إسفار الصبح، وما بعد العصر قبل اصفرار الشمس فلا يكره بل يندب، وإلا ركعتي الفجر، فلا يكرهان بعد طلوع الفجر، لأنهما رغيبة كما سيأتي.
    ______________________
    (1) المقصود رمح من رماح العرب، وقدره اثنا عشر شبر بشبر متوسط.

    ويقطع المتنفل صلاته وجوباً إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلاة، وندباً إن أحرم بوقت كراهة، ولا قضاء عليه.
    وقال الشافعية: تكره الصلاة تحريماً على المعتمد في الأوقات الثلاثة،وتنزيهاً في الوقتين الآخرين. ولا تنعقد الصلاة في الحالتين.
    واستثنى الشافعية حالات كراهة فيها وهي ما يأتي :
    1- يوم الجمعة: لا تكره الصلاة عند الاستواء يوم الجمع، لاستثنائه في خبر البيهقي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه، ولفظه: "وكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". رواه أبو داود.
    والأصح عندهم جواز الصلاة في هذا الوقت، سواء أحضر إلى الجمعة أم لا.
    2- حرم مكة: الصحيح أنه لا تكره الصلاة في هذه الأوقات في حرم مكة لخبر جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الترمذي، ولما فيه من زيادة فضل الصلاة فلا تكره بحال، لكنها خلاف الأولى خروجاً من الخلاف.
    3- الصلاة ذات السبب غير المتأخر، كفائتة، وكسوف، وتحية مسجد، وسنة الوضوء وسجدة شكر، لأن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب مقارن. والفائتة فرضاً أو نفلاً تقضى في أي وقت بنص الحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه وخبر الصحيحين: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين، وقال: همااللتان بعد الظهر" والكسوف وتحية المسجد ونحوهما معرضان للفوات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة "أنه صلى الله عليه وسلم قال لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفْ نعليك(1) بين يدي في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي".
    __________________
    (1) الدَّف : صوت النعل وحركته على الأرض

    وفي سجدة الشكر: ورد في الصحيحين أيضاً في توبة كعب بن مالك: "أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس".
    أما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام: فإنه لا ينعقد، كالصلاة التي لا سبب لها.
    وقال الحنابلة: يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، لعموم الحديث السابق: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" ولحديث أبي قتادة: "ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها". رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
    ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها، خلافاً للحنفية، للحديث السابق:
    "إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته".
    ويجوز فعل الصلاة المنذور في وقت النهي، ولو كان نذرها فيه، خلافاً للحنفية، لأنها صلاة واجبة، فأشبهت الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة.
    ويجوز فعل ركعتي الطواف، للحديث السابق عند الشافعية: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار".
    وتجوز صلاة الجنازة في الوقتين (بعد الصبح وبعد العصر) وهو رأي جمهور الفقهاء، ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) إلا أن يخاف عليها فتجوز مطلقاً للضرورة، ودليلهم على المنع قول عقبة بن عامر السابق: "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا".
    وتجوز إعادة الصلاة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يصلون، سواء أكان صلى جماعة أم وحده، لما روى يزيد بن الأسود، قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما قضى صلاته، إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكم نافلة" رواه أبو داود والترمذي، وهذا نص في الفجر، وبقية الأوقات مثله، ولأنه متى لم يعد لحقته تهمة في حق الإمام.
    ويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الأوقات الخمسة، للأحاديث المتقدمة، سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلاوة وشكر وسنة راتبة كسنة الصبح إذا صلاها بعد صلاة الصبح، أو بعد العصر، وكصلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وسنة الوضوء، أم ليس له سبب كصلاة الاستخارة، لعموم النهي، وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها، لأنها حاظرة وتلك مبيحة، والحاظر مقدم على المبيح، وأما الصلاة بعد العصر فمن خصائصه صلى الله عليه وسلم. لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب فيركعهما، للحديث السابق "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة".
    ويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة. والصحيح في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما، فقلت له: أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا". ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف.
    والمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي.
    ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، لعموم النهي.
    كما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف، لعموم الأحاديث في النهي.
    كراهة التنفل في أوقات أخرى:
    كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي، علماً بأن الكراهة تحريمية عند الحنفية في كل ما يذكر هنا:
    1- ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح: قال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر، ولا كراهة عند الشافعية والحنابلة.
    وقال المالكية: يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح، ويجوز فيه قضاء الفوائت وركعتا الفجر، والوتر، والوِرْد، أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه.
    ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: "لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر". رواه الطبراني.
    2- ما قبل صلاة المغرب: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب، للعمومات الواردة في تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب" رواه أبو داود والترمذي، وحديث عقبة بن عامر: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم" رواه أبو داود، والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة.
    وقال الشافعية: يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي سنة غير مؤكدة، وقال الحنابلة: إنهما جائزتان وليستا سنة، ودليلهم: ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين" وقال أنس: "كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب" رواه مسلم، وعن عبد الله بن مُغّفَّل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". رواه البخاري وأبو داود.
    3- أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والاستسقاء: يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، لحديث أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت" متفق عليه، وأضاف المالكية أنه يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس من المسجد.
    وكذلك يكره التنفل تنزيهاً أثناء الخطبة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية المسجد إن لم يخش فوات تكبيرة الإحرام، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات، فإن لم يكن صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له الزيادة على ركعتين، ولا تنعقد صلاة غير التحية عند الشافعية. ودليلهم خبر الصحيحين: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" فهو مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: "جاء سُلَيك الغطفاني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا سليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما" رواه مسلم، أي خفف فيهما.
    4- ما قبل صلاة العيد وبعده: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد وبعده، لحديث أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين" رواه ابن ماجه، وأضاف الحنابلة: لا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى.
    والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم، وسواء أكان في المسجد أم المصلى، أما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد.
    وقال الشافعية: يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده، لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها" متفق عليه.
    ولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، كذلك لا يكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة، فإن كان يسمع الخطبة كره له.
    5- عند إقامة الصلاة المكتوبة: قال الحنفية: يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة المفروضة، لحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" رواه مسلم، إلا سنة الفجر إن لم يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده، فإن خاف تركها أصلاً، فيجوز الإتيان بسنة الفجر عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه السلام: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" رواه مسلم، وقالت عائشة: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر" متفق عليه. وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود: "أنه دخل المسجد، وأقيمت الصلاة، فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة".
    وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة، لتفويته الفرض عن وقته.
    وقال الشافعي والجمهور: يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء أكانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أم غيرها كتحية للمسجد.
    ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" وفي الرواية الأخرى: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقال: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً" ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى "من صلى الصبح أربعاً" لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً.
    والصحيح في الحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة: أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. وفيه حكمة أخرى هو النهي عن الاختلاف على الأئمة.
    إلا أن الإمام مالك قال: إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد.



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي


    الأذان:
    معنى الأذان:
    الأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس} [التوبة: 3]، أي إعلام "وأذِّن في الناس بالحج" [الحج: 27] أي أعلمهم.
    وشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة. أو هو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
    مشروعيته وفضله:
    دل القرآن والسنة والإجماع على شرعية الأذان، لأن فيه فضلاً كثيراً وأجراً عظيماً.
    فمن القرآن: قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة ...} [المائدة: 58].
    ومن السنة: أحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبركم" رواه مالك، ودل حديث عبد الله بن زيد على كيفية الأذان المعروف بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن الخطاب في حديث طويل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى صوتاً منك" رواه أبو داود وأحمد.
    والخبر الصحيح أن بدء الأذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر، وعلى هذا كانت رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وأيده النبي صلى الله عليه وسلم.
    وفي الأذان ثواب كبير، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتهموا عليه(1) لاستهموا عليه" متفق عليه، وقوله عليه السلام: "إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة" رواه البخاري.
    وفي حديث آخر: "المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة".
    _________________
    (1) الاستهام : الاقتراع.
    واعتبر الأذان مع الإقامة عند الشافعي والحنابلة أفضل من الإمامة، لقوله تعالى:
    {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً} [فصلت: 33] رواه أبو داود والترمذي، قالت عائشة: هم المؤذنون، وللأخبار السابقة في فضيلته، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" رواه أبو داود والترمذي. والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه لضيق وقتهم عنه.
    وقال الحنفية: الإقامة والإمامة أفضل من الأذان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه تولوا الإمامة، ولم يتولوا الأذان.
    حكم الأذان:
    الأذان والإقامة عند الجمهور (غير الحنابلة): سنة مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها، كالعيد والكسوف والتراويح وصلاة الجنازة، ويقال فيها عند أدائها جماعة: "الصلاة جامعة" لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: "لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نودي: الصلاة جامعةٌ" أما الأذان والإقامة، فلأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، والقيام إليها. ولا تسن للنافلة والمنذورة. ودليلهم على السنية الحديث السابق: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، لاستهموا عليه" ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهما في حديث الأعرابي، مع ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة. وبناء عليه: لم يأثم أهل بلدة بالاجتماع على ترك الأذان إذا قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحسبوا.
    وأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو جماعة النساء، منعاً من خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به. وقال الحنفية: إنه تكره الإقامة كالأذان للنساء، لما روي عن أنس وابن عمر من كراهتهما له، ولأن مبنى حالهن على الستر، ورفع صوتهن حرام.
    الأذان للفائتة وللمنفرد:
    عند الشافعي: يستحب أيضاً الأذان والإقامة للمنفرد أيضاً أداء أو قضاء رغم سماع أذان الحي أو المسجد، ويرفع صوته بالأذان إلا إذا كان بمسجد وقعت فيه جماعة، لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى، وإن اجتمع على المصلي فوائت أو جمع تقديماً أو تأخيراً أذن للأولى وحدها، لما روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين" والمستحب عند الشافعي أن يكون للجمعة أذان واحد بين يدي الإمام عند المنبر، لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بلال.
    وهذا مذهب الشافعية في الفوائت. وقال الحنفية: يؤذن المصلي للفائتة ويقيم، لأنها بمنزلة الحاضرة، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية بعدها: إن شاء أذن وأقام لكل واحدة، وهو أولى، لأن ما سن للصلاة في أذانها، سن في قضائها كسائر المسنونات. وإن شاء اقتصر فيما بعد الأولى على الإقامة، لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور، والأولى الأذان والإقامة لكل لفريضة، بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن الصلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر النبي صلى بلالاً بالأذان والإقامة لكل صلاة. رواه الترمذي والنسائي.
    وقال مالك: إنه يقيم ولا يؤذن، لما روى أبو سعيد قال: "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأمره فأقام الظهر فصلاها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها" ولأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات. وعلى هذا قال المالكية: يكره الأذان لفائتة، ولصلاة ذات وقت ضروري (أي المجموعة مع غيرها جمع تقديم أو تأخير) ولصلاة جنازة ونافلة كعيد وكسوف.
    وقيد المالكية سنية الأذان في كل مسجد ولو تلاصقت المساجد: بجماعة طلبت غيرها، سواء في حضر أو سفر، ولا يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها، بل يكره لهم إن كانوا في حضر.
    ويندب لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها في أثناء السفر، ولو لمسافة دون مسافة القصر (89 كم).
    أما أكثر الحنابلة فقالوا: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة والجمعة دون غيرها، للحديث السابق: "إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم، وعن أبي الدرداء مرفوعاً: "ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان" رواه أبو داود والنسائي، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرضي كفاية كالجهاد، فإذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وبناء عليه يقاتل أهل بلد تركوها.
    ويكره ترك الأذان والإقامة للصلوات الخمس، ولا يعيد.
    ويكفي أذان واحد في المصر، ويكتفي بقية المصلين بالإقامة.
    وهو رأي الحنفية والمالكية أيضاً، خلافاً للشافعية كما بينا، ودليلهم أن ابن مسعود وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان، قال سفيان: كفتهم إقامة المصر لكن قال الحنفية: من صلى في بيته في المصر، يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز، لقول ابن مسعود: "أذان الحي يكفينا".
    ومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين في وقت أولاهما استحب له أن يؤذن للأولى، ثم يقيم لكل صلاة إقامة، وهو موافق لقول الشافعية. ودليلهم على ذلك حديث أبي سعيد المتقدم: "إذا كنت في غنمك .." وحديث أبي قتادة "أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فناموا حتى طلعت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بلال، قم فأذن الناس بالصلاة" متفق عليه.
    ومن دخل مسجداً قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام، لما روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس: "أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه، فأمر رجلاً فأذن وأقام، فصلى بهم في جماعة" وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة.
    وليس على النساء أذان ولا إقامة، خلافاً للشافعية والمالكية في الإقامة، لما روى النجاد بإسناده عن أسماء بنت بريد، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس على النساء أذان ولا إقامة".
    والخلاصة: أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور، ويكره ذلك عند المالكية، ويسن الأذان للرجال دون النساء، بالاتفاق، وتسن الإقامة للمرأة سراً عند الشافعية والمالكية، وتكره عند الحنفية، ولا تشرع عند الحنابلة. ويكفي عند الجمهور أذان الحي، ولا يكفي عند الشافعية.
    شروط الأذان:
    يشترط في الأذان والإقامة ما يأتي:
    1- دخول الوقت: فلا يصح الأذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت الصلاة، فإن فعل أعاد في الوقت، لأن الأذان للإعلام، وهو قبل دخول الوقت تجهيل. ولذا يحرم الأذان قبل الوقت لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام بدخول الوقت، كما يحرم تكرير الأذان عند الشافعية، وليس منه أذان المؤذنين المعروف.
    لكن أجاز الجمهور غير الحنفية: الأذان للصبح بعد نصف الليل، ويندب بالسَّحَر وهو سدس الليل الأخير، ثم يعاد استناناً عند طلوع الفجر الصادق، لخبر الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" زاد البخاري: "وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت" لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يؤذن في وقت واحد في الليالي كلها، منعاً للالتباس على الناس. ويشترط في المرتب (الموظف) للأذان علمه بالمواقيت، أما غير الموظف فلا يشترط علمه بالمواقيت، فمن أذن لنفسه أو لجماعة مرة، أو كان أعمى، صح أذانه إذا علم من غيره دخول الوقت.
    2- أن يكون باللغة العربية، فلا يصح بغيرها إن أذن لجماعة، فإن أذن غير العربي لنفسه وهو لا يحسن العربية، جاز عند الشافعية، ولم يجز مطلقاً عند الحنابلة والحنفية لوروده بلسان عربي كالقرآن.
    3- يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان منفرداً.
    4- الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة: اتباعاً للسنة كما روى مسلم وغيره، ولأن الموالاة بين كلمات الأذان يخل بالإعلام، فلا يصح الأذان إلا مرتباً، كما لا يصح بغير المتوالي ويعاد غير المرتب وغير المتوالي، ولا يضر فاصل يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو كلام ويبطل بالردة عند الفقهاء، فإن ارتد بعد انتهاء الأذان لم يبطل. وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة. وقال الحنفية والمالكية: يسن ترتيب كلمات الأذان والإقامة، والموالاة بينها، ويصح بغير الترتيب والموالاة، مع الكراهة، والأفضل أن يعيد الأذان والإقامة.
    ويرى بعض الحنابلة أن الأذان يبطل بالكلام المحرم ولو يسيراً كالسب ونحوه، وفيوجه آخر لا يبطل كالكلام المباح.
    5- كونه من شخص واحد: فلو أذن مؤذن ببعضه، ثم أتمه غيره لم يصح، كما لا يصح إذا تناوبه اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الآخر، لأن الأذان عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين يبني أحدهما على الآخر.
    أما اجتماع جماعة على الأذان، بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل، فهو صحيح. وأضاف المالكية: أنه يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الآخر. ويكره تعدد الأذان لصلاة واحدة.
    ويلاحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معاً هم بنو أمية، والأذان الجماعي غير مكروه كما حقق ابن عابدين.
    6- أن يكون المؤذن مسلماً عاقلاً (مميزاً)، رجلاً، فلا يصح أذان الكافر، والمجنون والصبي غير المميز والمغمى عليه والسكران، لأنهم ليسوا أهلاً للعبادة. ولا يصح أذان المرأة، لحرمة أذانها وأنه لا يشرع لها الأذان، فلا تصح إمامتها للرجال، ولأنه يفتتن بصوتها، ولا يصح أذان الخنثى، لأنه لا يعلم كونه رجلاً.
    وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة. ويقرب منهم مذهب الحنفية، لأنهم قالوا: يكره تحريكاً أذان هؤلاء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط، ويستحب إعادته. وعلى هذا: يسن عند الحنفية: أن يكون المؤذن رجلاً عاقلاً تقياً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة. ولا يشترط عند الجمهور (غير المالكية) البلوغ والعدالة، فيصح أذان الصبي المميز، والفاسق، لكن يستحب أن يكون المؤذن بالغاً عدلاً أميناً، لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم أذانه إذا لم يكن كذلك.
    وقال الحنفية: يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته.
    وقال المالكية: يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن، فلا يصح أذان الفاسق، والصبي المميز إلا إذا اعتمد في دخول الوقت على بالغ.
    واشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس: "ليؤذن لكم خياركم، ويؤمكم قراؤكم" رواه أبو داود وابن ماجه.
    ولا يشترط النية عند الحنفية، والشافعية، لكن يشترط الصرف (أي عدم قصد غير الأذان) فلو قصد به تعليم غيره، لم يعتد به.
    وتشترط النية عند الفقهاء الآخرين، فإن أتى بالألفاظ المخصوصة بدون قصد الأذان لم يصح.
    ولا يشترط في الأذان والإقامة عند جمهور الفقهاء: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، وعدم الكلام في أثنائه، وإنما يندب ذلك، ويكره الأذان عند الجمهور للمحدث، وللجنب أشد كراهة، والإقامة أغلظ، والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب، ويعاد أذانه عندهم وعند الحنابلة، ولا يكره عند الحنفية أذان المحدث. ودليل ندب الطهارة حديث: "لا يؤذن إلا متوضئ" رواه الترمذي. ويكره الأذان قاعداً، مستدبراً القبلة، كما يكره الكلام فيه.
    ويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، اتباعاً للسنة، فإن أقام غير المؤذن جاز، لأن بلالاً أذن، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام أقام، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وبناء على هذه الشروط: يبطل الأذان والإقامة بردة وسكر وإغماء ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما، ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلام.
    كيفية الأذان أو صفته:
    اتفق الفقهاء على الصيغة الأصلية للأذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ولا نقصان وهو مثنى مثنى، كما اتفقوا على التثويب أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلاح وهي "الصلاة خير من النوم" مرتين، عملاً بما ثبت في السنة عن بلال ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة - فيما رواه أحمد وأبو داود - "فإذا كان أذان الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم مرتين" واختلفوا في الترجيع: وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، فأثبته المالكية والشافعية، وأنكره الحنفية والحنابلة، لكن قال الحنابلة: لو أتى بالترجيع لم يكره.
    قال الحنفية والحنابلة: الأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه، كما جاء في خبر عبد الله بن زيد السابق، وهي: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
    معاني كلمات الأذان:
    معنى ألفاظ الأذان: هو أن قوله "الله أكبر" أي من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير.
    وقوله: "أشهد" أي أعلم. وقوله "حي على الصلاة" أي أقبلوا إليها، أو أسرعوا. والفلاح: الفوز والبقاء، لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله، فيبقى فيها ويخلَّد. والدعوة إلى الفلاح معناها: هلموا إلى سبب ذلك. وختم بـ (لا إله إلا الله) ليختم بالتوحيد وباسم الله تعالى، كما ابتدأ به.
    سنن الأذان:
    يسن في الأذان ما يأتي:
    1- أن يكون المؤذن صيِّتاً (عالي الصوت)، حسن الصوت، يرفع صوته بالأذان، على مكان مرتفع وبقرب المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد المتقدم: "ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً" أي أبعد، ولزيادة الإبلاغ، وليرق قلب السامع، ويميل إلى الإجابة، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال، وروى الدارمي وابن خزيمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عشرين رجلاً فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان.
    أما رفع الصوت: فليكون أبلغ في إعلامه، وأعظم لثوابه، كما ذكر في حديث أبي سعيد: "إذا كنت في غنمك .." ولما رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ولكن لا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته، لئلا يضر بنفسه، وينقطع صوته. ويسن رفع الصوت بالأذان لمنفرد فوق ما يسمع نفسه، ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحداً منهم، ويخفض صوته في مصلى أقيمت فيه جماعة وانصرفوا. (وينوب عن ذلك في زماننا مكبرات الصوت لحصول المقصود به).
    وكونه على مكان مرتفع، ليكون أيضاً أبلغ لتأدية صوته، روى أبو داود عن عروة بن الزبير عن امرأته من بني النجار، قالت: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر (وهو السدس الأخير من الليل)، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش: أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن" وكونه بقرب المسجد، لأنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل.
    2- أن يؤذن قائماً: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائماً. وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: "قم فأذن" متفق عليه، وكان مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياماً. فإن كان له عذر كمرض، أذن قاعداً. كذلك يسن أن يقيم قائماً.
    3- أن يكون المؤذن حراً بالغاً عدلاً أميناً صالحاً عالماً بأوقات الصلاة، لحديث ابن عباس السابق: "ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم". وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية، أما المالكية فيشترطون العدالة، كما أن الشافعية يشترطون في موظف الأذان العلم بالوقت.
    4- أن يكون متوضئاً طاهراً، للحديث السابق: " لا يؤذن إلا متوضئ" وفي حديث ابن عباس: "إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر".
    5- أن يكون المؤذن بصيراً، لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه، فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمرو فيما روى البخاري: "كان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت" وقال المالكية: يجوز أذان الأعمى إن كان تبعاً لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت.
    6- أن يجعل أصبعيه في أذنيه، لأنه أرفع للصوت، ولما روى أبو جحيفة "أن بلالاً أذن، ووضع إصبعيه في أذنيه" متفق عليه، وعن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: "إنه أرفع لصوتك" رواه ابن ماجه والحاكم.
    7- أن يترسَّل (يتمهل أو يتأنى) في الأذان بسكتة بين كل كلمتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: "إذا أذنت فترسَّل ، وإذا أقمت فاحدر" رواه الترمذي، ولأن الأذان لإعلام الغائبين بدخول الوقت، والإعلام بالترسل أبلغ، أما الإقامة فلإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة، ويتحقق المقصود بالحدر.
    8- أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة: لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، ولأن فيه مناجاة فيتوجه بها إلى القبلة.
    ويستحب في الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح): أن يدير أو يحول وجهه يميناً في الأولى، وشمالاً في الثانية، من غير أن يحول قدميه، لأن فيه مناداة فيتوجه به إلى من على يمينه وشماله، ولما روى أبو جحيفة قال: "رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتَتبَّع فاه ههنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأصبعاه في أذنيه" وفي لفظ قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أَدَم (جلد) فخرج بلال، فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر" رواه أبو داود، ويصح عن استدبار القبلة إن احتيج إليه.
    ويستحب بعد انتهاء الأذان: أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر المصلون، مع مراعاة الوقت المستحب، وفي المغرب بقدر قراءة ثلاث آيات قصار. ودليل هذا الاستحباب قوله عليه السلام: "يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل" رواه أحمد.
    ولأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن، وقعد قعدة أي لانتظار الجماعة، حتى يتحقق المقصود من النداء.
    وقال الحنفية: يستحب بعد الأذان في الأصح أن يثوب في جميع الأوقات، كأن يقول: الصلاة الصلاة يا مصلين، لظهور التواني في الأمور الدينية.
    وقال الشافعية: يسن أن يقول المؤذن بعد الأذان أو الحيعلتين في الليلة الممطرة أو ذات الريح أو الظلمة: ألا صلوا في الرحال".
    9- أن يؤذن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً باتفاق العلماء.
    ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية، والحنابلة، لأنه استئجار على الطاعة، وقربة لفاعله والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه، فلا تجوز الإجارة عليه كالإمامة وغيرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
    وأجاز المالكية والشافعية الاستئجار على الأذان، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال. وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم - كما سيأتي في بحث الإجارة - بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية، ضماناً لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال.
    كما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالأذان والإقامة، أعطي من يقوم بهما من مال الفيء المعد للمصالح العامة.
    10- يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان، لا أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم" متفق عليه، ويجوز الاقتصار على مؤذن واحد للمسجد، والأفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث، فإن احتاج إلى الزيادة عليهما، جاز إلى أربعة، لأنه كان لعثمان رضي الله عنه أربعة مؤذنين، ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر الحاجة والمصلحة عند الحنابلة والشافعية.
    وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، كما فعل بلال وابن أم مكتوم، كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام.
    وفي حالة تعدد المؤذنين: إما أن يؤذن كل واحد في منارة، أو ناحية، أو يؤذنوا دفعة واحدة في موضع واحد.
    11- يستحب أنْ يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس، فيستعدوا للصلاة، وروى جابر ابن سمرة قال: "كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئاً" رواه ابن ماجه، وفي رواية قال: "كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يؤخر، ثم لا يقيم، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج أقام حين يراه" رواه أحمد.
    12- يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة، لما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    13- يستحب ألا يقوم الإنسان قبل فراغ المؤذن من أذانه، بل يصبر قليلاً إلى أن يفرغ أو يقارب الفراغ، لأن في التحرك عند سماع الأذان تشبهاً بالشيطان.
    مكروهات الأذان:
    للأذان مكروهات هي ما يأتي:
    1- يكره الأذان إذا لم تتوافر السنن السابقة، وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق السنن، فقالوا:
    يكره تحريماً أذان جنب وإقامته، ويعاد أذانه، وإقامة المحدث، وأذان مجنون ومعتوه وصبي لا يعقل، وامرأة وخنثى، وفاسق، وسكران، وقاعد إلا إذا أذن لنفسه، وراكب إلا المسافر.
    2- يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، أو الزيادة والنقص فيها، أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب. ويصح أذان ملحَّن على الراجح عند الحنابلة، لحصول المقصود منه كغير الملحن. ويكره أيضاً اللحن أو الخطأ في النحو أو الإعراب.
    3- يكره المشي فيه، لأنه قد يخل بالإعلام، والكلام في أثنائه، حتى ولو بِرَدّ السلام، ويكره السلام على المؤذن ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الأذان. ولا يبطله الكلام اليسير، ويبطله الكلام الطويل، لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان عند الجمهور غير الحنفية. وأشار الحنابلة: أنه يجوز رد السلام في أثناء الأذان والإقامة.
    4- يكره التثويب في غير الفجر، سواء ثوّب في الأذان أو بعده، لما روي عن بلال أنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء" رواه ابن ماجه، ولأن التثويب مناسب لصلاة الفجر حيث يكون الناس نياماً، فاحتيج إلى قيامهم إلى الصلاة عن نوم.
    5- قال الحنابلة: يحرم ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، لعمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الشعثاء: "كنا قعوداً مع أبي هريرة في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وقال عثمان بن عفان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق".
    أما الخروج لعذر فمباح، بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه.
    وقال الشافعية: يكره الخروج من المسجد بعد الأذان من غير صلاة إلا لعذر.
    6- قال الحنابلة: يكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان، لئلا يغتر الناس به، فيتركوا السحور. ويحتمل ألا يكره في حق من عرف عادته بالأذان في الليل، لأن بلالاً كان يفعل ذلك، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" وقوله عليه السلام: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم، ويرجع قائمكم". ويكره عندهم القول قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ولا بأس بنحنحة قبلها، كما يكره عندهم النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، مثل أن يقول: الصلاة، أو الإقامة، أو الصلاة رحمكم الله. وقال النووي: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإقامة.
    إجابة المؤذن والمقيم:
    يسن عند جمهور العلماء لمن سمع المؤذن أو المقيم: أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى عقب كل جملة، إلا في الحيعلتين، فيحوقل فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ومعنى ذلك: أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته، كما قال ابن مسعود.
    وروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فيقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وروى ابن خزيمة: عن أنس رضي الله عنه قال: "من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم" وسن أن يقول: أقامها الله وأدامها عند قول المقيم قد قامت الصلاة لما أخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقامها الله وأدامها".
    ويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآناً أن يقطع القراءة، ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم، لأنه يفوت، والقراءة لا تفوت، لكن إن سمعه في الصلاة، لم يقل مثل قوله، لئلا يشتغل عن الصلاة بما ليس منها، وقد روي "إن في الصلاة لشغلاً" وعلى هذا ينبغي عند الحنفية ألا يتكلم ولا يشتغل بشيء حال الأذان أو الإقامة.
    وتشمل الإجابة عند الجمهور كل سامع، ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو كان في طواف فرضاً أو نفلاً، ويجيب بعد الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل بينه وبين الأذان.
    وقال الحنفية: تشمل الإجابة من سمع الأذان ولو كان جنباً، لا حائضاً ونفساء وسامع خطبة وفي صلاة جنازة، وجماع، ومستراح في بيت الخلاء، وأكل، وتعليم علم وتعلمه، لكن في أثناء قراءة القرآن يجيب لأنه لا يفوت، وتكرار القراءة للأجر.
    ويندب عند الحنفية القيام عند سماع الأذان، والأفضل أن يقف الماشي للإجابة ليكون في مكان واحد.
    ويجيب المؤذن سواء سمعه كله أم بعضه. فإن لم يسمعه لبعد أو صمم لا تسن له الإجابة.
    وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل، وإن طال فلا.
    قال الشافعية: وإذا دخل المسجد، والمؤذن قد شرع في الأذان، لم يأت بتحية ولا بغيرها، بل يجيب المؤذن واقفاً حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الإجابة والتحية.
    وقال الحنفية والحنابلة: إذا دخل المسجد، والمؤذن يقيم، قعد إلى قيام الإمام في مصلاه.
    ما يستحب بعد الأذان:
    يستحب بعد الأذان وبعد الإقامة ما يأتي:
    1- أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد الفراغ من الأذان لكل من المؤذن والسامع، للحديث الآتي. وقد استحدث الصلاة على النبي بعد الأذان في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة 781هـ في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة، ثم بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب، ثم فيها مرتين، قال الفقهاء: وهو بدعة حسنة.
    2- أن يدعو بالدعاء المأثور: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته" لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت عليه الشفاعة" رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
    وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    "من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، غفر له ذنبه" رواه مسلم.
    وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته - حلت له شفاعتي يوم القيامة". رواه البخاري.
    وإذا كان الأذان للمغرب قال: "اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، وحضور صلواتك، فاغفر لي" رواه أبو داود والترمذي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تقول ذلك ويقول بعد الصبح: "اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي".
    3- يدعو عند فراغ الأذان بينه وبين الإقامة، ويسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو العافية في الدنيا والآخرة" رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
    والمستحب أن يقعد المؤذن بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة، كما بينا في سنن الأذان.
    الإقامة:
    صفة الإقامة:
    الإقامةسنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة، على المنفرد والجماعة، للرجال والنساء عند الجمهور غير الحنابلة. أما الحنابلة فقالوا: ليس على النساء أذان وإقامة.
    واختلف العلماء في صفة الإقامة على آراء ثلاثة:
    فقال الحنفية: الإقامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيه بعد الفلاح: "قد قامت الصلاة مرتين" فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة، بدليل ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رجلاً قام وعليه بُرْدان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى".
    وروى الترمذي عن عبد الله بن زيد، قال: "كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة".
    وعن أبي محذورة قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
    وقال المالكية: الإقامة عشر كلمات، تقول: قد قامت الصلاة" مرة واحدة، لما روى أنس قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
    وقال الشافعية والحنابلة: الإقامة فرادى، إحدى عشرة كلمة، إلا لفظ الإقامة: "قد قامت الصلاة" فإنها تكرر مرتين، لما روى عبد الله بن عمر أنه قال: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة".
    أحكام الإقامة:
    أحكام الإقامة كأحكام الأذان السابقة، ويزاد عليها ما يأتي:
    - يسن إدراج الإقامة أو حدرها: أي الإسراع بها مع بيان حروفها، فيجمع بين كل كلمتين منها بصوت، والكلمة الأخيرة بصوت، عملاً بالحديث السابق عن جابر: "إذا أذنت فترسّل - أي تمهل - وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرُغ الآكل من أكله".
    - الأفضل في المذاهب الأربعة أن يتولى الإقامة من أذن، اتباعاً للسنة: "من أذن فهو يقيم"، كما بينا في شروط الأذان، فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز.
    لكن قال الحنفية: يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك، لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، ولا يكره إن كان لا يتأذى به.
    - يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه، لأن الإقامة شرعت للإعلام، فشرعت في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام، إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد، فيقيم في غير موضعه، لئلا يفوته بعض الصلاة.
    وقال الشافعية: يستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان.
    ولا يقيم حتى يأذن له الإمام، فإن بلالاً كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: "فجعلت أقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقيم أقيم ؟" وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة".
    - لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". متفق عليه.
    وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة: فقال المالكية: يجوز للمصلي القيام حال الإقامة أو أولها أو بعدها، فلا يطلب له تعيين حال، بل بقدر الطاقة للناس، فمنهم الثقيل والخفيف. وقال الحنفية: يقوم عند "حي على الفلاح" وبعد قيام الإمام.
    وقال الحنابلة: يستحب أن يقوم عند قول المؤذن "قد قامت الصلاة" لما روي عن أنس "أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة".
    وقال الشافعية: يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء الإقامة إذا كان الإمام مع المصلين في المسجد، وكان يقدر على القيام بسرعة، بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الإحرام، وإلا قام قبل ذلك بحيث يدركها.
    - يسن كما في الأذان أن يقيم قائماً متطهراً، مستقبل القبلة، ولا يمشي في أثناء إقامته، ولا يتكلم، ويشترط ألا يفصل بين الإقامة والصلاة بفاصل طويل، وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعاً كأكل أن تعاد الإقامة. ويسن أن يحرم الإمام عقب فراغ الإقامة، ولا يفصل إلا بمندوب كأمر الإمام بتسوية الصفوف. ولا تجزئ إقامة المرأة للرجال.
    ويسن عند الشافعية لمن كان أهلاً أن يجمع بين الأذان والإقامة والإمامة. وكذلك قال الحنفية: الأفضل كون الإمام هو المؤذن، لأنه عليه السلام - كما في الضياء - أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر.
    ولا يسن في الإقامة كونها في مكان مرتفع، ولا وضع الأصبع في الأذن، ولا الترجيع فيها والترتيل.
    - إذا أذن المؤذن وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم، وإنما يقول مثل ما يقول المؤذن، لأن السنة وردت بهذا.
    - يستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه وشماله، فيقول: استووا رحمكم الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" متفق عليه.




    شروط الصلاة:
    شروط وجوب الصلاة:
    الإِسلام:
    تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى. ولا تجب على الكافر الأصلي لأنها لو وجبت عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها، لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء، واللازم منتف، ويترتب على هذا أنا لا نأمر الكافر بالصلاة في كفره ولا بقضائها إذا أسلم، لأنه أسلم خلق كثير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده فلم يؤمر أحد بقضاء الصلاة، ولما فيه من التنفير عن الإِسلام، ولقول الله تعالى:
    {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وهذا بناء على أن الكفار غير مكلفين. وعلى القول بتكليفهم وهو المعتمد فهو شرط صحة.
    وقد صرح الشافعية والحنابلة بأن الصلاة لا تجب على الكافر الأصلي وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن يعاقب على تركها في الآخرة زيادة على كفره، لتمكنه من فعلها بالإِسلام.
    واختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على المرتد. فذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة: - إلى أن الصلاة لا تجب على المرتد فلا يقضي ما فاته إذا رجع إلى الإِسلام، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي، وذهب الشافعية إلى وجوب الصلاة على المرتد على معنى أنه يجب عليه قضاء ما فاته زمن الردة بعد رجوعه إلى الإِسلام تغليظاً عليه، ولأنه التزمها بالإِسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي.
    العقــــل:
    يشترط لوجوب الصلاة على المرء أن يكون عاقلاً، فلا تجب على المجنون باتفاق الفقهاء. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" رواه أبو داود. وفي رواية الحاكم: "وعن المعتوه حتى يفيق".
    واختلفوا فيمن تغطى عقله أن ستر بمرض أو إغماء أو دواء مباح.
    فذهب الحنفية: إلى التفريق بين أن يكون زوال العقل بآفة سماوية، أو بصنع العبد، فإن كان بآفة سماوية كأن جنّ أو أغمي عليه ولو بفزع من سبع أو آدمي نظر، فإن كانت فترة الإِغماء يوماً وليلة فإنه يجب عليه قضاء الخمس، وإن زادت عن ذلك فلا قضاء عليه للحرج، ولو أفاق في زمن السادسة إلا أن تكون إفاقته في وقت معلوم فيجب عليه قضاء ما فات إن كان أقل من يوم وليلة مثل أن يخف عنه المرض عند الصبح مثلاً فيفيق قليلاً ثم يعاوده فيغمى عليه، فتعتبر هذه الإِفاقة، ويبطل ما قبلها من حكم الإِغماء إذا كان أقل من يوم وليلة، وإن لم يكن لإِفاقته وقت معلوم لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه فلا عبرة بهذه الإِفاقة.
    وإن كان زوال العقل بصنع الآدمي كما لو زال عقله ببنج أو خمر أو دواء لزمه قضاء ما فاته وإن طالت المدة: ويسقط القضاء بالبنج والدواء، لأنه مباح فصار كالمريض، والمراد شرب البنج لأجل الدواء، أما لو شربه للسكر فيكون معصية بصنعه كالخمر. ومثل ذلك النوم فإنه لا يسقط القضاء، لأنه لا يمتد يوماً وليلة غالباً، فلا حرج في القضاء.
    وذهب المالكية: إلى سقوط وجوب الصلاة على من زال عقله بجنون أو إغماء ونحوه، إلا إذا زال العذر وقد بقي من الوقت الضروري ما يسع ركعة بعد تقدير تحصيل الطهارة المائية أو الترابية، فإذا كان الباقي لا يسع ركعة سقطت عنه الصلاة. ويستثنى من ذلك من زال عقله بسكر حرام فإنه تجب عليه الصلاة مطلقاً، وكذا النائم والساهي تجب عليهما الصلاة، فمتى تنبه الساهي أو استيقظ النائم وجبت عليهما الصلاة على كل حال سواء أكان الباقي يسع ركعة مع فعل ما يحتاج إليه من الطهر أم لا، بل ولو خرج الوقت ولم يبق منه شيء.
    وعند الشافعية: لا تجب الصلاة على من زال عقله بالجنون أو الإِغماء أو العته أو السكر بلا تعد في الجميع، لحديث عائشة: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر".
    فورد النص في المجنون، وقيس عليه من زال عقله بسبب يعذر فيه، وسواء قلّ زمن ذلك أو طال، إلا إذا زالت هذه الأسباب وقد بقي من الوقت الضروري قدر زمن تكبيرة فأكثر، لأن القدر الذي يتعلق به الإِيجاب يستوي فيه الركعة وما دونها، ولا تلزمه بإدراك دون تكبيرة، وهذا بخلاف السكر أو الجنون أو الإِغماء المتعدِّى به إذا أفاق فإنه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات زمن ذلك لتعديه.
    قالوا: وأما الناسي للصلاة أو النائم عنها والجاهل لوجوبها فلا يجب عليهم الأداء، لعدم تكليفهم، ويجب عليهم القضاء، لحديث: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصلّيها إذا ذكرها" رواه مسلم ويقاس على الناسي والنائم: الجاهل إذا كان قريب عهد بالإِسلام.
    وقصر الحنابلة عدم وجوب الصلاة على المجنون الذي لا يفيق، لحديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يفيق، وعن الصبي حتى يكبر" ولأنه ليس من أهل التكليف أشبه الطفل، ومثله الأبله الذي لا يفيق.
    وأما من تغطى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح فيجب عليه الصلوات الخمس، لأن ذلك لا يسقط الصوم، فكذا الصلاة، ولأن عمّاراً - رضي الله عنه - "غشي عليه ثلاثاً، ثم أفاق فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت من ثلاث، ثم توضأ وصلى تلك الثلاث"، وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب نحوه، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع، ولأن مدة الإِغماء لا تطول - غالباً - ولا تثبت عليه الولاية، وكذا من تغطى عقله بمحرم - كمسكر - فيقضي، لأن سكره معصية فلا يناسب إسقاط الواجب عنه.
    وكذا تجب الصلوات الخمس على النائم: بمعنى يجب عليه قضاؤها إذا استيقظ لقوله صلى الله عليه وسلم : "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" رواه مسلم. ولو لم تجب عليه حال نومه لم يجب عليه قضاؤها كالمجنون، ومثله الساهي.
    البلوغ:
    لا خلاف بين الفقهاء في أن البلوغ شرط من شروط وجوب الصلاة، فلا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ، للخبر الآتي، ولأنها عبادة بدنية، فلم تلزمه كالحج، لكن على وليه أن يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنوات، ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنوات، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع". رواه أبو داود.
    وقد حمل جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - الأمر في الحديث على الوجوب، وحمله المالكية على الندب.
    وقد صرح الحنفية بأن الضرب يكون باليد لا بغيرها كالعصا والسوط، وأن لا يجاوز الثلاث، ويفهم من كلام المالكية جوازه بغير اليد، ولا يحد بعدد كثلاثة أسواط بل يختلف باختلاف حال الصبيان، ومحل الضرب عند المالكية إن ظن إفادته، قالوا: الضرب يكون مؤلماً غير مبرح إن ظن إفادته وإلا فلا.
    وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن وجوب الأمر بها يكون بعد استكمال السبع والأمر بالضرب يكون بعد العشر بأن يكون الأمر في أول الثامنة وبالضرب في أول الحادية عشرة. وقال المالكية: يكون الأمر عند الدخول في السبع والضرب عند الدخول في العشر.
    وقال الشافعية: يضرب في أثناء العشر، ولو عقب استكمال التسع، لأن ذلك مظنة البلوغ، وأما الأمر بها فلا يكون إلا بعد تمام السبع.
    شروط صحة الصلاة:
    يشترط لصحة الصلاة: الإسلام والتمييز والعقل، كما يشترط ذلك لوجوب الصلاة، فتصح الصلاة من المميز، لكن لا تجب عليه، وهناك شروط إحدى عشرة أخرى متفق عليها بين الفقهاء: وهي دخول الوقت، والطهارة عن الحدثين، والطهارة عن النجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية.
    1- العلم بدخول الوقت:
    لقول الله تعالى: {أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر، حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
    وقد اتفق الفقهاء على أنه يكفي في العلم بدخول الوقت غلبة الظن.
    2- الطهارة عن الحدثين:
    الأصغر والأكبر (الجنابة والحيض والنفاس) بالوضوء والغسل أو التيمم، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ .... إلى قوله سبحانه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". رواه مسلم. "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". متفق عليه.
    والطهارة عن الحدث شرط في كل صلاة، مفروضة أو نافلة، كاملة أو ناقصة كسجدة التلاوة، وسجدة الشكر.
    فإذا صلى بغير طهارة، لم تنعقد صلاته.
    وإذا تعمد الحدث بطلت الصلاة بالإجماع، إلا في آخر الصلاة فلا تبطل عند الحنفية، وإن سبقه الحدث بطلت صلاته حالاً عند الشافعية والحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته". رواه مسلم وأبو داود والترمذي وقال الحنفية: لا تبطل في الحال وإنما تبطل بمكثه قدر أداء ركن بعد سبق الحدث مستيقظاً بلا عذر. فإن وجد عذر كرعاف مثلاً بنى على صلاته إن شاء (أي أكملها من بعد وقت العذر) بعد استكمال الطهارة، وإن شاء استأنف الصلاة، أي ابتدأها من جديد، ويخرج من الصلاة واضعاً يده على أنفه تستراً.
    وقال المالكية كالحنفية: يجوز البناء على الصلاة في حالة الرعاف بشروط ستة بعد أن يخرج من الصلاة ممسكاً أنفه من أعلاه وهو مارنه، لا من أسفله من الوترة لئلا يبقى الدم في طاقتي أنفه. وهذا الشروط هي:
    الأول: إن لم يتلطخ بالدم بما يزيد على درهم، وإلا قطع الصلاة.
    الثاني: ولم يجاوز أقرب مكان ممكن، لغسل الدم فيه، فإن تجاوزه بطلت الصلاة.
    الثالث: أن يكون المكان الذي يغسل فيه قريباً، فإن كان بعيداً بعداً فاحشاً بطلت.
    الرابع: ألا يستدبر القبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت.
    الخامس: ألا يطأ في طريقه نجساً، وإلا بطلت.
    السادس: ألا يتكلم في مضيه للغسل، فإن تكلم ولو سهواً بطلت.
    3- الطهارة عن الخبث: أي النجاسة الحقيقية.
    وهي طهارة البدن والثوب والمكان عن النجاسة الحقيقية، لقوله تعالى:
    {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وإذا وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" رواه الدارقطني وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". رواه البخاري ومسلم فثبت الأمر باجتناب النجاسة، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي الفساد.
    وأما طهارة مكان الصلاة فلقوله تعالى:
    {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] وقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} فهي تدل بدلالة النص على وجوب طهارة المكان كما استدل بها على وجوب طهارة البدن كما سبق.
    ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومعاطن الإِبل وقوارع الطريق والحمام والمقبرة ... إلخ". رواه الترمذي.
    ومعنى النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة كونهما موضع النجاسة.
    مسائل متفرعة على طهارة الثوب والبدن والمكان:
    طهارة الثوب والبدن:
    أ- لو وقعت ثياب المصلي كالعباءة على أرض نجسة عند السجود: لا يضر ذلك عند الحنفية، لأن المفسد للصلاة عندهم أن يكون النجس في موضع قيامه أو جبهته أو في موضع يديه أو ركبتيه.
    وتفسد الصلاة عند الشافعية والحنابلة، فلا تصح صلاة ملاقٍ بعضُ لباسه أو بدنه نجاسة، لأن ثوب المصلي تابع له، وهو كعضو سجوده.
    ب- جهل النجاسة: لو صلى حاملاً نجاسة غير معفو عنها، ولا يعلمها: تبطل صلاته في المذاهب الثلاثة (غير المالكية) وعليه قضاؤها، لأن الطهارة مطلوبة في الواقع، ولو مع جهله بوجود النَّجِس أو بكونه مبطلاً، لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] والمشهور عند المالكية: أن الطهارة من الخبث أو إزالة النجاسة واجبة في حال الذكر والقدرة، فمن صلى بها ذاكراً قادراً، أعاد، ويسقط الوجوب بالعجز والنسيان، فلا يعيد إن صلى ناسياً أو عاجزاً.
    جـ- الثوب المتنجس أو المكان النجس: إن لم يجد المصلي غير ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولم يتيسر غسل النجاسة، أو وجد الماء ولم يجد من يغسلها وهو عاجز عن غسلها، أو وجده ولم يرض إلا بأجرة ولم يجدها، أو وجدها ولم يرض إلا بأكثر من أجرة المثل، أو حبس على نجاسة، واحتاج إلى فرض السترة عليها، لم يجز لبس الثوب النجس عند الشافعية لأنه سترة نجسة، وجاز لبسه عند الحنفية والمالكية والحنابلة وصلى بالثوب النجس عند المالكية، وصلى عندهم قائماً عُرْياناً إن لم يجد ثوباً يستر به عورته، لأن ستر العورة مطلوب عند توفر القدرة على سترها، والمعتمد الإعادة في الوقت إن وجد ثوباً طاهراً. إن صلى بنجس أو بحرير أو بذهب ولو خاتماً، أو صلى عرياناً.
    ويصلي في حال فقد الساتر جالساً، يومئ إيماءً عند الحنابلة والحنفية، عملاً بفعل ابن عمر، روى الخلال بإسناده عن ابن عمر في قوم انكسرت مراكبهم، فخرجوا عراة، قال: "يصلون جلوساً، يؤمئون إيماءً برءوسهم" وروى عبد الرازق عن ابن عباس، قال: "الذي يصلي في السفينة، والذي يصلي عرياناً، يصلي جالساً". أما في حالة وجود الساتر النجس فيصلي فيه، ولا يعيد، ولا يصلي عرياناً، لأن الستر آكد من إزالة النجاسة، فكان أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غطِّ فخذك" وهذا عام، ولأن السترة متفق على اشتراطها، والطهارة من النجاسة مختلف فيها، فكان المتفق عليه أولى.
    ويصلي عند الشافعية عرياناً قائماً متماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم، لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض. لكن لو كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ما يغسل به، صلى وأعاد كفاقد الطهورين، لأن الصلاة مع النجاسة لا يسقط بها الفرض.
    وفصل الحنفية في الأمر فقالوا: إن كان ربع الثوب فأكثر طاهراً، صلى فيه حتماً، ولم يصل عرياناً، لأن الربع كالكل، يقوم مقامه في مواضع منها كشف العورة، ويتحتم عليه تقليل النجاسة بقدر الإمكان، ويلبس أقل ثوبيه نجاسة.
    وإن كان أقل من ربعه طاهراً، ندب صلاته فيه بالقيامة والركوع والسجود، وجاز أن يصلي عارياً بالإيماء، والصلاة في ثوب نجس الكل أحب من الصلاة عرياناً. وإذا لم يجد المسافر ما يزيل به النجاسة أو يقللها، صلى معها، أو عارياً، ولا إعادة عليه، والقاعدة عندهم: أن فاقد ما يزيل به النجاسة يصلي معها، ولا إعادة عليه، ولا على فاقد ما يستر عورته. والصلاة عُرْياناً: أن يمد رجليه إلى القبلة لكونه أستر، ويومئ إيماء بالركوع والسجود وهو أفضل من الصلاة قائماً، لأن الستر آكد.
    د- جهالة محل النجاسة في الثوب: إذا وجد ثوب متنجس، ولكن خفي عليه موضع النجاسة:
    يكفي عند الحنفية غسل طرف من الثوب، ولو من غير تحر، ويطهر. ويغسل الثوب كله أو البدن كله عند الشافعية إن كان الخفاء في جميعه، وكذلك يغسل كله على الصحيح إن ظن طرفاً، لأن الثوب والبدن واحد. ولو اشتبه عليه طاهر ونجس من ثوبين أو بيتين، اجتهد فيهما للصلاة.
    هـ- طرف الثوب على نجاسة: لو كان على المصلي ثوب أو غيره وطرفه واقع على نجاسة كطرف عمامته الطويلة أو كمه الطويل المتصل بنجاسة:
    لم تصح صلاته عند الشافعية كالمسألة الأولى، وإن لم يتحرك الطرف الذي يلاقي النجاسة بحركته أثناء قيامه وقعوده أو ركوعه وسجوده، لأن اجتناب النجاسة في الصلاة شرع للتعظيم، وهذا ينافيه هنا. وذلك بخلاف ما لو سجد على متصل بالنجاسة حيث تصح الصلاة إن لم يتحرك بحركته، لأن المطلوب في السجود كونه مستقراً على غيره، لحديث "مكّن جبهتك" فإذا سجد على متصل بنجس لم يتحرك بحركته، حصل المقصود. وعلى هذا لا يضر في صحة الصلاة نجس يحاذي صدر المصلي في الركوع والسجود وغيرهما على الصحيح، لعدم ملاقاته له.
    وقال الحنفية: تصح صلاته إن لم يتحرك الطرف النجس بحركته، فإن تحرك لم تصح، لأن الشرط عندهم طهارة ثوب المصلي وما يتحرك بحركته، أو يعد حاملاً له، كما سيأتي. وذلك بخلاف ما لم يتصل كبساط طرفه نجس، وموضع الوقوف والجبهة طاهر، فلا يمنع صحة الصلاة.
    و- إمساك حبل مربوط بنجس: إذا أمسك المصلي حبلاً مربوطاً بنجس، كالحبل الذي يمسك به كلب بقلادة في عنقه، أو دابة أو مركب صغير يحملان نجساً:
    لم تصح صلاته عند الشافعية، لأن الكلب سواء أكان صغيراً أم كبيراً نجس العين عندهم، ويصبح المصلي في هذه الحالة حاملاً نجساً، لأنه إذا مشى انجر معه. بخلاف السفينة الكبيرة التي لا تنجر بجره، فإنها كالدار، تصح الصلاة بحبل متصل بها. لكن لو جعل طرف الحبل تحت رجله، صحت صلاته في جميع الصور عند الشافعية.
    وتصح صلاته عند الحنفية كالحالة السابقة في حالة إمساك الكلب لأنه ليس بنجس العين، بل هو طاهر الظاهر، كغيره من الحيوانات سوى الخنزير، فلا ينجس إلا بالموت. وذلك إذا لم يسل من الكلب ما يمنع الصلاة.
    ز- حمل بيضة صار مُحُّها(1) دماً: لو صلى المصلي حاملاً بيضة مَذِرة (فاسدة) صار محها دماً، جاز عند الحنفية، كمسألة الكلب، لأن الدم في معدن البيض، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النجاسة، بخلاف ما لو حمل قارورة فيها بول، فلا تجوز صلاته، لأنه في غير معدنه.
    __________________
    (1) المح : خالص كل شيء. والمراد هنا صفرة البيض أو كل ما في البيض.

    ولا تصح صلاته في الحالتين عند الشافعية، لأنه يكون حاملاً نجاسة.
    ح- حمل صبي صغير في الصلاة: لو حمل المصلي صبياً صغيراً عليه نجس: تبطل صلاته عند الحنفية إن لم يستمسك بنفسه، لأنه يعد حاملاً للنجاسة، ويشترط عندهم طهارة ما يعد حاملاً له أي باستثناء ما يكون في الجوف كمسألة الكلب والبيضة السابقة. وتصح صلاته إن كان الصغير يستمسك بنفسه، لأنه لا يعد حاملاً للنجاسة.
    وقال الشافعية كالحنفية وغيرهم اتفاقاً لا خلاف فيه: لا يضر حمل الصبي الذي لا تظهر عليه نجاسة، فلو حمل حيواناً طاهراً في صلاته، صحت صلاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته. متفق عليه. ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدن النجاسة هو كالنجاسة التي في جوف المصلي.
    ط- وصل العظم بنجس: قال الشافعية: لو وصل عظمه المنكسر بنجس لفقد الطاهر، فهو معذور تصح صلاته معه للضرورة.
    ثانياً- طهارة المكان:
    أ- الصلاة على بساط عليه نجاسة: إذا صلى على بساط عليه نجاسة: فإن صلى على الموضع النجس، فلا تصح صلاته بالاتفاق، لأنه ملاق للنجاسة، ووضع العضو على النجاسة بمنزلة حملها، وإن صلى على موضع طاهر صحت صلاته اتفاقاً أيضاً، ولو كان البساط صغيراً عند الحنفية، لأنه غير ملاق للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بالنجاسة.
    ب- الصلاة على موضع نجس بحائل: إن فرش على الأرض النجسة شيئاً وصلى عليه، جاز بالاتفاق إن صلح الفرش ساتراً للعورة، لأنه غير مباشر للنجاسة ولا حامل لما هو متصل بها. فإن لامس النجاسة من ثقوب الفرش، بطلت صلاته، وأضاف الحنفية: أنه تجوز الصلاة على لِبْد (فرش سميك) وجهه الأعلى طاهر، والأسفل نجس، وعلى ثوب طاهر وبطانته نجسة إذا كان غير مخيط بها، لأنه كثوبين فوق بعضهما.
    جـ- النجاسة في بيت أو صحراء: إذا كانت النجاسة في بيت أو صحراء وعرف مكانها، صلى في المواضع الخالية عن النجاسة.
    وإن خفي عليه موضعها: تحرى المكان الطاهر وصلى عند الحنفية.
    وقال الشافعية: إن كانت الأرض واسعة كصحراء، فصلى في موضع منها جاز، لأنه غير متحقق لها، ولأن الأصل فيها الطهارة، ولا يمكن غسل جميعها.
    وإن كانت الأرض صغيرة كبيت، لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله، كما في حالة الشك بنجاسة جزء من الثوب، لأن البيت ونحوه يمكن غسله وحفظه من النجاسة،فإذا نجس أمكن غسله، وإذا خفي موضع النجاسة منه غسله كله كالثوب.
    وإن كانت النجاسة في أحد البيتين واشتبها عليه، تحرى كما يتحرى في الثوبين.
    وإن حبس في موضع نجس - حُش (هو الخلاء)، وجب عليه أن يصلي عند جمهور العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه. وقياساً على المريض العاجز عن بعض الأركان.
    وإذا صلى يجب عليه أن يتجافى عن النجاسة في قعوده بيديه وركبتيه وغيرهما القدر الممكن، ويجب عليه أيضاً الإيماء أو الانحناء في السجود إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة، ولا يسجد على الأرض، على الصحيح، لأن الصلاة قد تجزئ مع الإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة.
    وتجب عليه الإعادة في موضع طاهر جديد، لأنه ترك الفرض لعذر نادر غير متصل، فلم يسقط عنه الفرض، كما لو ترك السجود ناسياً. والذي يعتبر فرضاً هو الصلاة الثانية.
    4- ستر العورة:
    لقول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]
    قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: المراد به الثياب في الصلاة.
    ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" رواه أبو داود وقال الترمذي حديث حسن، ولأن ستر العورة حال القيام بين يدي الله تعالى من باب التعظيم.
    شروط الساتر:
    1- يجب أن يكون صفيقاً كثيفاً: فالواجب الستر بما يستر لون البشرة ولا يصفها من ثوب صفيق أو جلد أو ورق، فإن كان الثوب خفيفاً أو رقيقاً يصف ما تحته أو يتبين لون الجلد من ورائه، فيعلم بياضه أو حمرته، لم تجز الصلاة به، لأن الستر لا يحصل بذلك. وإن كان يستر لونها، ويصف الخلقة أو الحجم، جازت الصلاة به، لأن هذا مما لا يمكن التحرز منه، حتى ولو كان الساتر صفيقاً، لكنه عند الشافعية للمرأة مكروه، وللرجل خلاف الأولى.
    وقال الشافعية: شرط الساتر: ما يمنع لون البشرة، ولو ماء كدراً أو طيناً، لا خيمة ضيقة وظلمة، ويجب عندهم أن يكون الساتر طاهراً.
    وقال المالكية: إن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه.
    2- والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن يشمل المستور لبساً ونحوه، فلا تكفي الخيمة الضيقة والظلمة.
    3- والمطلوب هو ستر العورة من جوانبها، عند الحنفية، وغيرهم من الفقهاء، فلا يجب الستر من أسفل أو من فتحة قميصه، فلو صلى على زجاج يصف ما فوقه، جاز.
    وإن وجد ما يستر بعض عورته، يجب سترها ولو بيده عند الشافعية، لحصول المقصود، فإن كفى الساتر سوأتيه أو الفرجين تعين لهما، وإن كفى أحدهما تعين عليه ستر القُبُل ثم الدبر عند الشافعية، وبالعكس عند الحنفية والمالكية. ويجب أن يزر قميصه أو يشد وسطه إن كانت عورته تظهر منه في الركوع أو غيره.
    الصلاة في الثوب الحرام: ويصح الستر مع الحرمة عند المالكية والشافعية، وتنعقد الصلاة مع الكراهة التحريمية عند الحنفية: بما لا يحل لبسه كثوب حرير للرجل، ويأثم بلا عذر، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
    وقال الحنابلة: لا تصح بالحرام كلبس ثوب حرير، أو صلاة في أرض مغصوبة ولو منفعتها أو بعضها، أو صلاة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان متختماً بخاتم ذهب، إن كان عالماً ذاكراً، لما روى أحمد عن ابن عمر: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة، مادام عليه" ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: "صُمَّتا إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقوله"، ولحديث عائشة: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم، ولأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه، فلم يقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض، وكالنجس.
    فإن جهل كونه حريراً أو غصباً، أو نسي كونه حريراً أو غصباً، أو حبس بمكان غصب أو نجس، صحت صلاته، لأنه غير آثم.
    واتفق علماء المذاهب: أن ستر العورة واجب ولو بإعارة، فإن صلى عرياناً مع وجود ثوب عارية، أو مع وجود حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة، بطلت صلاته. ولو وُعد به ينتظر ما لم يخف فوات الوقت، وهو الأظهر عند الحنفية، ويلزمه الشراء بثمن المثل كالمقرر في شراء الماء سابقاً.
    عادم الساتر: ومن لم يجد ساتراً لعورته: صلى عرياناً عند المالكية، لأن ستر العورة مطلوب عند القدرة، ويسقط بالعجز.
    وصلى قاعداً يومئ إيماء عند الحنابلة، عملاً بفعل ابن عمر كما بينا سابقاً في الشرط الثالث.
    ويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى تمام صلاته، أو بماء كدر غير صاف، وتكفيه الظلمة للاضطرار عند الحنفية والمالكية، وباليد عند الشافعية في الأصح وعند الحنابلة لحصول المقصود كما قدمنا، ويصلي قائماً عند الشافعية متمماً الأركان، ولا إعادة عليه على المذهب عندهم كما أوضحنا. ويصلي قاعداً مومياً بركوع وسجود عند الحنفية كالحنابلة، وهو أفضل من الصلاة قائماً بإيماء أو بركوع وسجود، لأن الستر أهم من أداء الأركان.
    قال الحنابلة: ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل بالماء صلى على دابته، يومئ بالركوع والسجود.
    انكشاف العورة فجأة: إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلاً عن غير عمد، فستره في الحال، لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة لانتفاء المحذور، وإن قصر أو طال الزمان، بطلت لتقصيره، ولأن الكثير يفحش انكشاف العورة فيه، ويمكن التحرز منه، فلم يعف عنه. وقال المالكية: تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة.
    وقال الحنفية: إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة، فسدت الصلاة إن استمر بمقدار أداء ركن، بلا صنعه، فإن كان بصنعه فسدت في الحال.
    صلاة العراة جماعة: الجماعة مشروعة للعراة، فلهم عند الشافعية والحنابلة أن يصلوا فرادى أو جماعة، وفي حال الصلاة جماعة يقف الإمام معهم في الصف وسطاً، ويكون المأمومون صفاً واحداً، حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض، فإن لم يمكن إلا صفين، صلوا وغضوا الأبصار.
    وإن اجتمع نسوة عراة، استحب لهن الجماعة، وتقف وسطهن في كل حال لأنهن عورات، وذلك لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، كما هو الثابت في السنة. ويصلون قياماً مع إتمام جميع الأركان عند الشافعية، ويومئون إيماء، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم عند الحنابلة.
    وهل الأفضل أن يصلوا جماعة أم فرادى؟
    قال الشافعية: إن كانوا عُمْياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً، استحبت الجماعة بلا خلاف، ويقف إمامهم قُدَّامهم. وإن كانوا بحيث يرون، فأصح الأقوال أن الجماعة والانفراد سواء.
    وإن وجد مع إنسان كسوة، استحب أن يعيرهم، فإن لم يفعل، لم يغصب منه، لأن صلاتهم تصح من غير سترة.
    وقال المالكية والحنفية: يصلون فرادى، ويتباعد بعضهم من بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم. وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة قياماً صفاً واحداً مع ركوع وسجود، إمامهم وسطهم، غاضين أبصارهم وجوباً.
    حد العورة: يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلاة ستر العورة لكن الفقهاء اختلفوا في حد العورة للرجل.
    مذهب الحنفية:
    أ- عورة الرجل: هي ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته فالركبة من الفخذ عورة.
    ب- المرأة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل ما عدا الوجه والكفين، والقدمين ظاهرهما وباطنهما لعموم الضرورة، والصوت ليس بعورة، والقدمان ليسا بعورة في حق الصلاة، والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس. واستدلوا بقوله تعالى:
    {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] والمراد محل زينتهن، وما ظهر منها: الوجه والكفان، كما قال ابن عباس وابن عمر، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان" رواه الترمذي. وبحديث عائشة السابق: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفه". رواه أبو داود.
    وبحديث عائشة المتقدم أيضاً: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" والخمار : ما يغطى به رأس المرأة.
    وقال الحنفية: أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة (الغليظة وهي القبل والدبر وما حولهما، أو المخففة: وهي ماعدا السوأتين) إن استمر بمقدار أداء ركن، بدون تعمد، يبطل الصلاة، لأن ربع الشيء له حكم الكل، كما قدمنا سابقاً. ولا تبطل بما دون ذلك.
    مذهب المالكية:
    يجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعاً، أما في الصلاة فالعورة هي:
    أ- عورة الرجل في الصلاة: هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من المقدم: الذكر مع الأنثيين، ومن المؤخر: ما بين الأليتين. فيجب إعادة الصلاة في الوقت لمكشوف الأليتين فقط، أو مكشوف العانة. فليس الفخذ عورة عندهم، وإنما السوأتان فقط، لحديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حَسَر الإزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه". رواه البخاري.
    ب- عورة المرأة المغلظة: جميع البدن ما عدا الصدر والأطراف من رأس ويدين ورجلين. وما قابل الصدر من الظهر كالصدر. فإن انكشف من العورة المخففة شيء من صدرها أو أطرافها، ولو ظهر قدم لا باطنه، أعادت في الوقت الضروري السابق بيانه: في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح للطلوع.
    فمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة بطلت صلاته، ويعيد الصلاة أبداً.
    ومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة، لا تبطل صلاته، وإن كان كشفها مكروهاً ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة المخففة أن يعيد الصلاة في الوقت الضروري (في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين: الليل كله، وفي الصبح للطلوع).
    مذهب الشافعية:
    أ- عورة الرجل: ما بين سُرَّته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم، لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال : "عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته" وروي في ستر الفخذ أحاديث منها: "لا تُبرز فخِذاك، ولا تنظر إلى فخذي حي ولا ميت" رواه أبو داود وابن ماجه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لجَرْهد الأسلمي: "غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة". رواه أبو داود والترمذي.
    فالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح، لحديث أنس السابق في مذهب المالكية المتضمن إظهار النبي صلى الله عليه وسلم فخذه. لكن يجب ستر شيء من الركبة لستر الفخذ، ومن السرة، لأن ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    ب- عورة المرأة ومثلها الخنثى: ما سوى الوجه والكفين، ظهرهما وبطنهما من رؤوس الأصابع إلى الكوعين (الرسغ أو مفصل الزند) لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم: "هو الوجه والكفان" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة الحرام (المحرمة بحج أو عمرة) عن لبس القفازين والنقاب، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين". رواه البخاري، ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الإحرام، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة.
    وإذا انكشف بعض العورة في الصلاة مع القدرة على سترها بطلت صلاته، إلا إن كشفها ريح أو سهواً، فسترها في الحال فلا تبطل. وإن كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير مميز فتبطل.

    مذهب الحنابلة:
    أ- عورة الرجل: ما بين سرته وركبته، للأحاديث السابقة التي استدل بها الحنفية والشافعية، وليست سرته وركبتاه من عورته، لحديث عمرو بن شعيب السابق: ".. فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة"، ولأن الركبة حد، فلم تكن من العورة كالسرة. والخنثى المشكل كالرجل، إذ لا نوجب عليه الستر بأمر محتمل متردد.
    وإن انكشف من العورة يسير، لم تبطل صلاته، لما رواه أبو داود عن عمرو بن سلمة الذي كانت تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد.
    وإن انكشف من العورة شيء كثير، تبطل صلاته. والمرجع في التفرقة بين اليسير والكثير إلى العرف والعادة.
    لكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد، فستره في الحال، من غير تطاول الزمان، لم تبطل، لأن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر، فإن طال كشفها، أو تعمد كشفها، بطلت الصلاة مطلقاً.
    جـ- عورة المرأة: جميع بدنها سوى وجهها، وكفيها لقوله تعالى:
    {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال ابن عباس وعائشة: "وجهها وكفيها" رواه البيهقي وليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، بدليل الأحاديث السابقة عند الشافعية. والدليل على وجوب تغطية القدمين: ما روت أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله، أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها". رواه أبو داود وهذا يدل على وجوب تغطية القدمين، ولأنه محل لا يجب كشفه في الإحرام، فلم يجز كشفه في الصلاة كالساقين.
    ويجزئ المرأة من اللباس ما سترها الستر الواجب، لحديث أم سلمة السابق. والمستحب أن تصلي المرأة في دِرْع (قميص سابغ يغطي قدميها) وخمار يغطي رأسها وعنقها، وجلباب تلتحف به من فوق الدرع. وحكم انكشاف شيء من عورة المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين اليسير والكثير، كحكم الرجل سابقاً.
    5- استقبال القبلة:
    اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، لقوله تعالى:
    {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] إلا في حالتين: في شدة الخوف، وصلاة النافلة للمسافر على الراحلة. وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع وبحالة القدرة، فلا يجب الاستقبال مع الخوف، ولا مع العجز كالمربوط والمريض الذي لا قدرة له على التحول ولا يجد من يحوله، فيصلي لغيرها إلى أي جهة قدر، لتحقق العذر.
    واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة: ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقيناً. ومثله عند الحنابلة: أهل مكة أو الناشئ بها وإن كان هناك حائل محدث كالحيطان بينه وبين الكعبة.
    وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور (غير الشافعية) إصابة جهة الكعبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"وهذا في قبلة أهل المدينة والشام، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها.
    وقال الشافعي في الأم: فرضه - أي الغائب عن مكة - إصابة العين أي عين الكعبة، لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين.
    والمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره إليها، بأن يبقى شيء من الوجه مسامتاً (محاذياً) للكعبة، أو لهوائها عند الجمهور غير المالكية، بحيث لو امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة، لكان ماراً على الكعبة أو هوائها، والكعبة: من الأرض السابعة إلى العرش، فمن صلى في الجبال العلية والآبار العميقة السافلة، جاز، كما يجوز على سطحها وفي جوفها، ولو افترض زوالها، صحت الصلاة إلى موضع جدارها.
    وقال المالكية: الواجب استقبال بناء الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.
    الاجتهاد في القبلة:
    ويجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل على من كان عاجزاً عن معرفة القبلة، واشتبهت عليه جهتها، ولم يجد أحداً ثقة يخبره بها عن علم يقين ومشاهدة لعينها، فمن وجده اتبعه، لأن خبره أقوى من الاجتهاد.
    والدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل من على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فنزلت {فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله} [البقرة: 115] رواه الترمذي ابن ماجه.
    الخطأ في الاجتهاد:
    وإن تيقن الخطأ في اجتهاده، فقال الحنفية: إن كان في الصلاة استدار وبنى عليها أي أكمل صلاته، فلو صلى كل ركعة لجهة جاز. وإن كان بعد الصلاة صلى الصلاة القادمة، ولا إعادة عليه لما مضى، لإتيانه بما في وسعه، قال علي: "قبلة المتحري جهة قصده" ومن صلى بلا تحرٍ وأصاب، لم تصح صلاته، لتركه فرض التحري، إلا إذا علم إصابته بعد فراغه.
    ومن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة أخرى، وتحرى من خلفه، وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، فمن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته، ومن لم يعلم ما صنع الإمام، صحت صلاته وأجزأه، لوجود التوجه إلى جهة التحري، ومخالفة المأمومين لإمامهم لا تمنع صحة الصلاة، كالصلاة في جوف الكعبة.
    وقال المالكية: إن تبين المجتهد في القبلة خطأ: يقيناً أو ظناً، في أثناء الصلاة، قطعها إن كان بصيراً منحرفاً كثيراً: بأن استدبر أو شرّق أو غرب، وابتدأها بإقامة، ولا يكفي تحوله لجهة القبلة.
    وإن كان أعمى، أو كان منحرفاً انحرافاً يسيراً، فلا إعادة عليه. وإن كان بصيراً منحرفاً كثيراً أو ناسياً للجهة التي أداه اجتهاده إليها، أو التي دله عليها العارف، أعاد في الوقت.
    وقال الشافعية: إن تيقن الخطأ في الصلاة أو بعدها، استأنفها أي أعادها من جديد، لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلم يعتد بما مضى، كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه.
    وإن تغير اجتهاده للصلاة الثانية، فأداه اجتهاده إلى جهة أخرى، صلى الصلاة الثانية إلى الجهة الثانية، ولا يلزمه إعادة ما صلاه إلى الجهة الأولى، كالحاكم إذا حكم باجتهاد، ثم تغير اجتهاده، لم ينقض ما حكم فيه بالاجتهاد الأول.
    ويجتهد لكل فرض، فإن تحير، صلى كيف شاء، ويقضي وجوباً لأن ذلك أمر نادر.
    وقال الحنابلة: إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة، استدار إلى جهة الكعبة، وبنى على ما مضى من الصلاة، كما قرر الحنفية، لأن ما مضى منها كان صحيحاً، فجاز البناء عليه، كما لو لم يبن له الخطأ. وكذلك تستدير الجماعة مع الإمام إن بان لهم الخطأ في حال واحدة.
    وإن تبين خطأ اجتهاده بعد الصلاة، بأن صلى إلى غير جهة الكعبة يقيناً لم يلزمه الإعادة. ومثل المجتهد في هذا: المقلد الذي صلى بتقليده، وهذا موافق لمذهب الحنفية.
    أما من صلى في الحضر إلى غير الكعبة سواء أكان بصيراً أم أعمى، ثم بان له الخطأ، فعليه الإعادة، لأن الحضر ليس بمحل الاجتهاد، لأن من فيه يقدر على معرفة القبلة بالمحاريب، ويجد من يخبره عن يقين غالباً، فلا يكون له الاجتهاد، كالقادر على النص في سائر الأحكام.
    والخلاصة : أن الحنفية والحنابلة يقررون البناء على الصلاة في أثنائها، ولا يوجبون الإعادة في حال الاجتهاد. وتبين الخطأ بعد الفراغ من الصلاة. والمالكية والشافعية يقررون قطع الصلاة إذا عرف الخطأ فيها، وإعادة الصلاة إذا عرف الخطأ بعدها، لكن المالكية يوجبون الإعادة في الوقت الضروري فقط. والشافعية يوجبون الإعادة مطلقاً في الوقت وبعده، لتبين فساد الأولى.
    هذا ويتعلق بشرط الاستقبال بحث أمرين: الصلاة في الكعبة، وصلاة المسافر على الراحلة.
    الصلاة في الكعبة:
    عرفنا أنه لابد شرعاً من استقبال جزء من الكعبة، وعند غير المالكية: أو هوائها إلى السماء، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل الكعبة المشرفة يوم فتح مكة مرة واحدة وصلى فيها، روى ابن عمر أنه قال لبلال: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى في وجهة الكعبة ركعتين" رواه البخاري وأحمد.
    وقد أقر الفقهاء مشروعية الصلاة في جوف الكعبة، فقال الحنفية: يصح أداء الصلاة فرضاً أو نفلاً ولو جماعة في الكعبة أو على سطحها وإن لم يتخذ سترة، لكنه يكره الصلاة فوقها، لإساءة الأدب، باستعلائه عليها، وترك التعظيم المطلوب لها، ونهي النبي عنه، وإن صلى الإمام بجماعة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته، لتقدمه على الإمام.
    وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام، تحلَّق الناس حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام،لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب.
    وتكره السنن المؤكدة كالوتر والعيدين وركعتي الفجر وركعتي الطواف.
    ولا تجوز صلاة الفرض في الكعبة أو في الحِجْر، فإن وقع، أعاده بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح حتى طلوع الشمس). وتبطل صلاة الفرض على ظهر الكعبة، ويعاد أبداً،لأن الواجب استقبال البناء، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء.
    وقال الشافعية: تجوز الصلاة فرضاً أو نفلاً في الكعبة أو على سطحها إن استقبل من بنائها أو ترابها شاخصاً (سترة) ثابتاً كعتبة وباب مردود أو عصا مسمَّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عنه ثلاثة أذرع فأكثر.
    وإنما صح استقبال هوائها لمن هو خارج عنها، فلأنه يعد حينئذ متوجهاً إليها كالمصلي على أعلى منها كأبي قبيس، بخلاف القريب منها المصلي فيها أو عليها.
    وأجاز الحنابلة أيضاً صلاة النافلة في الكعبة أو على سطحها، ولا تصح صلاة الفريضة لقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] والمصلي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعداً، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة.
    صلاة النافلة على الراحلة للمسافر:
    يجوز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده بإجماع العلماء، ولِما ثبت في السنة، عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على راحلته يسبِّح، يومئ برأسه، قِبَل أي وِجْهة توجَّه، ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" متفق عليه.
    وللفقهاء آراء وشروط في صلاة النافلة على الرحلة:
    قال الحنفية: إن قبلة العاجز لمرض أو ركوب على دابة جهة قدرته، ولو مضطجعاً، ويصلي بإيماء أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر، سواء أكان مسافراً أم خائفاً من عدو أو سبع أو لص، أم هارباً من العدو. لكن يشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف الضرر، كأن تذهب القافلة وينقطع، فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة، حتى في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام.
    والجائز هو صلاة النفل والسنن المؤكدة إلا سنة الفجر، فلا تجوز صلاة الفرض، والواجب بأنواعه كالوتر، والمنذور، وصلاة الجنازة، لا يجوز ذلك على الدابة بلا عذر لعدم الحرج.
    والنافلة تجوز للمقيم الراكب خارج المصر لمسافة يجوز القصر فيها (وهي 89 كم)، كما تجوز للمسافر بالأولى، فالأول في حكم الثاني.
    وتتم الصلاة بالإيماء بالركوع والسجود، إلى أي جهة توجهت دابته للضرورة، ولا يشترط استقبال القبلة في الابتداء كما أشرنا، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة، جاز الافتتاح إلى غير جهتها.
    وتصح الصلاة ولو كان على سرج الدابة أو ركابها نجس كثير.
    وقال المالكية: يجوز للمسافر الراكب في السفر الذي يخاف إن نزل لصاً أو سبعاً أن يتنفل بالصلاة ولو بوتر، على الدابة إلى القبلة وغيرها بحسب اتجاه الدابة، ولو كان بمَحْمِل (وهو ما يركب فيه من مِحَفَّة(1) أو هَوْدَج ونحوهما مما يجلس فيه) ويصلي فيه متربعاً.
    والراكب يصلي بالإيماء، فيومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت. ولا يشترط طهارة الأرض.
    ___________________
    (1) المحفة : مركب من مراكب النساء كالهَوْدَج، إلا أنها لا تُقبَّب كما تقبب الهوادج.
    واشترطوا لجواز التنفل صوب السفر شروطاً:
    1- أن يكون السفر طويلاً سفر قصر (89 كم) ومشروعاً، فلا يتنفل العاصي بسفره.
    2- وأن يكون راكباً لا ماشياً ولا جالساً. أما الراكب في السفينة فيصلي إلى القبلة، فإن دارت السفينة استدار.
    3- وأن يكون راكباً دابة من حمار أو بغل أو فرس أو بعير، لا سفينة أو راجل.
    4- وأن يكون ركوبه لها على الوجه المعتاد، لا مقلوباً، أو جاعلاً رجليه معاً لجنب واحد.
    ولا تصح صلاة فرض على ظهر الدابة، وإن كان المصلي مستقبلاً القبلة إلا في أحوال أربعة هي:
    أولها- حالة التحام القتال مع العدو الكافر أو غيره، من كل قتال جائز لا يمكن النزول فيه عن الدابة، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، ولا يعيد الملتحم.
    ثانيها- حالة الخوف من عدو كسبع أو لص إن نزل عن دابته، فيصلي الفرض على ظهرها إيماء للقبلة إن أمكن، وإن لم يمكن صلى لغير القبلة. فإن أمن الخائف بعد صلاته، أعاد في الوقت.
    ثالثها- الراكب في خضخاض (قليل) من ماء، لا يطيق النزول فيه أو خشي تلطخ ثيابه، وخاف خروج الوقت الاختياري (المعتاد) أو الضروري. ويصلي الفرض على الدابة إيماء، فإن لم يخف خروج الوقت أخر الصلاة لآخر الاختياري.
    رابعها- حالة مرض الراكب الذي لا يطيق النزول معه، فيؤدي الفريضة إيماء على الدابة للقبلة بعد إيقافها، كما يؤديها على الأرض بالإيماء.
    وقال الشافعية: يجوز للمسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً صلاة النافلة على الراحلة، ولا يجوز ذلك للعاصي بسفره والهائم، ولا للماشي، فعليهم إتمام الشروط والأركان كلها من استقبال القبلة وإتمام الركوع والسجود، ولا يمشي الماشي إلا في قيامه وتشهده.
    ويومئ المتنفل بركوعه وسجوده، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويشترط أن يبدأ الصلاة بالاتجاه إلى القبلة إن أمكنه. ولا تصح صلاة الآخذ بزمام الدابة إذا كان بها نجاسة، وإن وطئت نجاسة رطبة أو جافة لم تفارقها بطلت صلاته، وتفصيل ذلك فيما يأتي :
    أ- إن كان الراكب في مَرْقَد أو هودج (محمل واسع)، لزمه أن يتوجه إلى القبلة في جميع صلاته وإتمام الأركان كلها أو بعضها الذي هو الركوع والسجود، لتيسره عليه، وإن لم يسهل عليه ذلك، فلا يلزمه إلا التوجه للقبلة في تكبيرة إحرامه إن سهل عليه: بأن تكون الدابة واقفة وأمكنه تحريفها، أو تكون سائرة وبيده زمامها، وهي سهلة القيادة. فإن كانت صعبة أو لم يمكن تحريفها، أو كانت مقطورة لم يلزمه التوجه للقبلة للمشقة واختلال أمر السير عليه. ويحرم انحراف المصلي عن طريقه إلا إلى القبلة.
    ودليل اشتراط استقبال القبلة في ابتداء الصلاة: حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر، وأراد أن يصلي على راحلته تطوعاً، استقبل القبلة، وكبر، ثم صلى، حيث توجهت به" رواه أبو داود وأحمد.
    ب- وأما الملاح في سفينة (أي قائدها) فلا يلزمه التوجه للقبلة لمشقة ذلك عليه.
    وقال الحنابلة: يجوز للمسافر الراكب لا الماشي، سفراً طويلاً أو قصيراً أن يتطوع في السفر على الراحلة إذا قصد جهة معينة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، قال جابر: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، والسجود أخفض من الركوع" رواه أبو داود، ولا يسقط الاستقبال إذا تنفل في الحضر كالراكب السائر في مصره أو قريته، لأنه ليس مسافراً، وليس للهائم والتائه والسائح التنفل، إذ ليس له جهة معينة.
    ويجوز أن يصلى على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر" رواه أبو داود والنسائي، لكن إن صلى على حيوان نجس، فلا بد أن يكون بينهما سترة طاهرة. وقبلة المصلي: حيث كانت وجهته، ولا يجوز انحرافه عن جهة سيره عند الإمكان إلا إلى القبلة، فإن فعل ذلك مغلوباً أو نائماً فهو على صلاته. وإن كان في مركب أو سفينة كبيرة يدور فيه كيفما شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك. وإن قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود، استقبل القبلة وأومأ بهما.
    وإن عجز عن الاستقبال سقط بغير خلاف، كما يسقط الاستقبال لأعذار أخرى كالتحام حرب وهرب من سيل أو نار أو سبع ونحوه، ولو كان العذر نادراً كمريض عجز عن الاستقبال، وكمقعد عجز عمن يديره إلى القبلة وكمربوط ونحوه. وإن عجز عن الاستقبال في ابتداء صلاته، كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان في قافلة (قطار) فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة. ولا يلزم الملاح في سفينة الاتجاه إلى القبلة ولو في الفرض، لحاجته إلى تسيير السفينة وإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه كراكب راحلة منفردة تطيعه لحديث أنس السابق في مذهب الشافعية.
    ويجوز للمسافر التنفل على الراحلة ولو كانت النافلة وتراً أو غيره من سنن الرواتب وسجود التلاوة. والماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه، بل يلزمه افتتاح النافلة إلى القبلة، كما يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة على الأرض لتيسر ذلك عليه مع متابعة سيره، ويفعل باقي الصلاة إلى جهة سيره.
    وأما الصلاة على الراحلة لأجل المرض فإنه يجوز، لأن المشقة بالنزول في المرض أشد منها بالنزول في المطر. ومن صلى على الراحلة لمرض أو مطر، فليس له ترك الاستقبال.
    والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على جواز الصلاة على الراحلة في السفر الطويل، وعل كون الصلاة بالإيماء، واختلفوا في السفر القصير، فأجازها الشافعية والحنابلة، ومنعها المالكية والحنفية.
    وليس استقبال القبلة شرطاً عند الحنفية والمالكية، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة في بداية الإحرام بالصلاة عند الإمكان، ويسقط بالعجز، بأن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا مشقة، كأن يكون مركوبه حَرُوناً تصعب عليه إدارته.
    ولا يضر اشتمال الدابة على نجاسة عند الحنفية والمالكية، ويضر ذلك عند الشافعية، وتصح الصلاة عند الحنابلة بشرط وجود ساتر، إذ إنه يشترط لصحة التنفل طهارة محل المصلي نحو سرج وإكاف كغيره، لعدم المشقة فيه، فإن كان المركوب نجس العين، أو أصاب موضع الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة ونحوها، صحت الصلاة، وإن وطئت دابته نجاسة، لم تبطل صلاته عند الحنابلة.
    ولا تصح صلاة الفرض على الدابة إلا إذا أتى بها كاملة الأركان مستوفية الشروط. ومن صلى في سفينة عليه أن يستقبل القبلة متى قدر على ذلك، وعليه إذا غيرت جهتها أن يدور لو دارت السفينة وهو يصلي.
    6- النية:
    النية من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي من فروض الصلاة أو أركانها عند الشافعية ولدى بعض المالكية، لأنها واجبة في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع.
    وهي لغة: القصد، وشرعاً: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى.
    بأن يقصد بعمله الله تعالى، دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح أو نحوه. وهذا هو الإخلاص.
    والنية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى، لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية. ودل الحديث المعروف على إيجابها أيضاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلِ امرئ ما نوى" متفق عليه، فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.
    وكمال النية أن يستشعر المصلي الإيمان، وينوي التقرب إلى الله بالصلاة، ويعتقد وجوبها وأداءها في ذلك اليوم، ويعينها، وينوي عدد ركعاتها، وينوي الإمامة أو المأمومية (الاقتداء) أو الانفراد، ثم ينوي تكبيرة الإحرام.
    والواجب باتفاق الفقهاء استصحاب حكم النية دون حقيقتها، بمعنى أنه لا ينوي قطعها، فلو ذهل عنها وعزبت (غابت عنه) في أثناء الصلاة، لم يضر.
    شروط النية: وشروط النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي.
    مقارنة النية للتكبير: ويشترط اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي عند الحنفية بين النية والتكبيرة، والفاصل عمل لا يليق بالصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، أما إذا فصل بينهما بعمل يليق بالصلاة كالوضوء والمشي إلى المسجد، فلا يضر، فلو نوى، ثم توضأ أو مشى إلى المسجد، فكبر، ولم تحضره النية جاز، لعدم الفاصل الأجنبي، بدليل إن أحدث في الصلاة، له البناء عليها بعد تجديد الوضوء.
    ويندب اقتران النية بتكبيرة الإحرام، خروجاً من الخلاف، ولا يصح أن تتأخر النية عن التحريمة في الصحيح.
    وكذلك يجوز تقديم النية في الحج، فلو خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره النية، جاز. وكذلك الزكاة تجوز بنية وجدت عند الإفراز.
    ولا تجزئ النية المتأخرة عن التكبير في الصلاة، أما الصوم فيجوز تأخيرها عند البدء به للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة.
    وقال الحنابلة: الأفضل مقارنة النية للتكبير، خروجاً من خلاف من أوجبه، فإن تقدمت النية على التكبير بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسخها، وكان ذلك مع بقاء إسلامه، بأن لم يرتدّ، صحت صلاته، لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناوياً مخلصاً، ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط، وفي طلب المقارنة حرج ومشقة، فيسقط لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]، ولأن أول الصلاة من أجزائها، فكفى استصحاب النية فيه كسائرها.
    وقال المالكية: يجب استحضار النية عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بزمن يسير.
    وقال الشافعية: يشترط اقتران النية بفعل الصلاة، فإن تراخى عنه سمي عزماً، ولو قال: "نويت أصلي الظهر، الله أكبر، نويت" بطلت صلاته، لأن قوله "نويت" بعد التكبيرة كلام أجنبي عن الصلاة، وقد طرأ بعد انعقاد الصلاة، فأبطلها.
    تعيين المنوي: ويشترط تعيين نوع الفرض الذي يصليه باتفاق الفقهاء، كالظهر أو العصر، لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.
    محل النية: ومحل التعيين هو القلب بالاتفاق، ويندب عند الجمهور غير المالكية التلفظ بالنية، وقال المالكية: يجوز التلفظ بالنية، والأولى تركه في صلاة أو غيرها. والأصح عند الشافعية أيضاً وجوب نية الفرضية، دون الإضافة إلى الله تعالى، فتكون شروط النية عندهم ثلاثة: القصد، والتعيين، والفرضية.
    آراء الفقهاء في النية:
    تفصيل آراء المذاهب في النية فيما يأتي:
    قال الحنفية:
    الكلام في النية يتناول مواضع ثلاثة: تفسير النية، وكيفية النية، ووقت النية.
    أ- تفسير النية: النية: هي الإرادة، فنية الصلاة: هي إرادة الصلاة لله تعالى، والإرادة عمل القلب. فمحل النية: هو القلب: بأن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، ولا يشترط الذكر باللسان، وإنما يستحب إعانة للقلب الجمع بين نية القلب وتلفظ اللسان.
    أما التعيين فهو أفضل وأحوط عموماً، ثم إن كانت الصلاة فرضاً كظهر وعصر مثلاً أو واجباً كالوتر وسجود التلاوة والنذر وصلاة العيدين، فلا بد من التعيين، كما لا بد من تعيين اليوم أو الوقت في حالة القضاء، ولا يلزم نية القضاء. أما الأداء فلا يلزم قرن النية باليوم أو الوقت، كما لا يلزم تعيين عدد الركعات.
    وأما صلاة النفل ولو سنة الفجر والتراويح وغيرها في الصحيح، فيكفيها مطلق النية، والاحتياط : التعيين، فينوي مراعياً صفة النافلة بالتراويح أو سنة الوقت.
    ولا تبطل نية الصلاة أو الصوم بتعليقها بمشيئة الله، لأن محل النية: القلب.
    والمعتمد أن العبادة ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها.
    ولو أدرك شخص القوم في الصلاة، ولم يدر أفرض أم تراويح، ينوي الفرض، فإن كانوا هم فيه صح، وإن لم يكن فيه تقع نفلاً.
    ب- كيفية النية: إن كان المصلي منفرداً: عين نوع الفرض أو الواجب، وإن كان تطوعاً تكفيه نية الصلاة، كما بينا.
    وإن كان المصلي إماماً: عين كما سبق، ولا يشترط للرجل نية إمامة الرجال، ويصح اقتداؤهم به بدون إمامتهم. ويشترط له نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به، والفرق أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل، فربما تحاذيه، فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نيه اقتدائها به، حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال.
    والخلاصة: تلزم نية الإمام في صورة واحدة: وهي حالة صلاة الرجل إماماً بالنساء.
    وإن كان مقتدياً: عين أيضاً كما سبق، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام، كأن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته.
    جـ- وقت النية: يندب أن تكون النية وقت التكبير، أي مقارناً له ويصح عندهم تقديم النية على التحريمة، إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقران ليس بشرط.
    وقال المالكية:
    النية: قصد الشيء، ومحلها القلب، ونية الصلاة فرض والراجح أنها شرط بأن يقصد بقلبه أداء فرض الظهر مثلاً، والقصد للشيء خارج عن ماهية الشيء، والأولى ترك التلفظ بها، إلا الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس، ويجب أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، فإن تأخرت النية أو تقدمت بوقت كثير، بطلت اتفاقاً، وإن تقدمت بوقت يسير، فقيل: تصح كالحنفية.
    ويجب التعيين في الفرائض، والسنن الخمس (وهي الوتر والعيد والكسوف والخسوف والاستسقاء) وسنة الفجر، دون غيرها من النوافل، كالضحى والرواتب والتهجد، فيكفي فيه نية مطلق نفل، وينصرف للضحى إن كان قبل الزوال، ولراتب الظهر إن كان قبل صلاته، أو بعده، ولتحية المسجد إن كان حين الدخول فيه، وللتهجد إن كان في الليل، وللشفع (سنة العشاء) إن كان قبل الوتر.
    ولا يشترط نية الأداء أو القضاء أو عدد الركعات، فيصح القضاء بنية الأداء وعكسه.
    ويستثنى من وجوب التعيين صورة واحدة: وهي ما إذا دخل شخص المسجد، فوجد الإمام يصلي، فظن أن صلاته هي الجمعة، فنواها، فتبين أنها الظهر، فتصح، وعكس ذلك باطل.
    وتجب نية الانفراد، والمأمومية، ولا تجب نية الإمامة إلا في الجمعة والجمع بين الصلاتين تقديماً للمطر، والخوف، والاستخلاف(1)، لكون الإمام شرطاً فيها، فلو ترك الإمام نية الإمامة في الجمعة بطلت الصلاة عليه وعلى المأمومين، ولو تركها في صلاة الجمع تقديماً للمطر بطلت الثانية، وإذا تركها في صلاة الخوف تبطل الصلاة على الطائفة الأولى من المأمومين فقط، وتصح للإمام وللطائفة الثانية. ولو تركها في صلاة الاستخلاف، صحت له، وبطلت على المأمومين.
    _____________________
    (1) الاستخلاف : أن يقدم الإمام أو المصلون أحد المصلين لمتابعة الصلاة، في حال فساد صلاة الإمام بالحدث وغيره، وذلكقبل خروج الإمام من المسجد.

    وقال الشافعية:
    النية: قصد الشيء مقترناً بفعله، ومحلها القلب، ويندب النطق بها قبيل التكبير.
    ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو لسانه، فإن قصد التبرك ووقوع الفعل بمشيئة الله تعالى، لم يضره. وإن قصد به التعليق أو الشك، لم يصح. فإن كانت الصلاة فرضاً ولو فرض كفاية كصلاة الجنازة، أو قضاء كالفائتة، أو معادة، أو نذراً، يجب ثلاثة أمور: نية الفرضية (أي يلاحظ ويقصد كون الصلاة فرضاً)، وقصد إيقاع الفعل (بأن يقصد فعل الصلاة لتتميز عن سائر الأفعال) وتعيين نوع الفريضة من صبح أو ظهر مثلاً: بأن يقصد إيقاع صلاة فرض الظهر مثلاً.
    ويشترط أن يكون ذلك مقارناً لأي جزء من أجزاء تكبيرة الإحرام، وهذا هو المقصود عندهم بالاستحضار والمقارنة العرفيين (أي يستحضر قبل التحريمة فعل الصلاة من أقوالها وأفعالها في أولها وآخرها ولو إجمالاً، ويقرن ذلك الاستحضار السريع في الذهن في أثناء تكبيرة الإحرام). وإن كانت الصلاة نفلاً ذات وقت كسنن الرواتب، أو ذات سبب كالاستسقاء، وجب أمران: قصد فعله، وتعيينه كسنة الظهر أو عيد الفطر أو الأضحى، ولا يشترط نية النفلية على الصحيح.
    ويكفي في النفل المطلق (وهو الذي لا يتقيد بوقت ولا سبب نحو تحية المسجد وسنة الوضوء): نية فعل الصلاة.
    ولا تجب الإضافة إلى الله تعالى، لأن العبادة لا تكون إلا له سبحانه وتعالى، لكن تستحب ليتحقق معنى الإخلاص.
    ويستحب نية استقبال القبلة وعدد الركعات خروجاً من الخلاف، فلو أخطأ في العدد، كأن نوى الظهر ثلاثاً أو خمساً، لم تنعقد صلاته، كما يستحب نية الأداء والقضاء.
    والأصح أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه في حالة العذر، كجهل الوقت بسبب غيم أو نحوه، فلو ظن خروج الوقت، فصلاها قضاء، فبان بقاؤه، أو ظن بقاء الوقت فصلاها أداء، فبان خروجه، صحت صلاته.
    كذلك تصح صلاته في حالة عدم العذر إذا قصد المعنى اللغوي، لاستعمال كل بمعنى الآخر، تقول: قضيت الدين وأديته، بمعنى واحد، وهو دفعه.
    أما إذا فعل ذلكبلا عذر، ولم ينو المعنى اللغوي، لم تصح صلاته لتلاعبه.
    ولا يشترط التعرض للوقت، فلو عين اليوم وأخطأ، لم يضر. ومن عليه فوائت: لا يشترط أن ينوي ظهر يوم كذا، بل يكفيه نية الظهر مثلاً. ولا يندب ذكر اليوم أو الشهر أو السنة.
    والنية شرط في جميع الصلاة، فلو شك في النية، هل أتى بها أم لا، بطلت صلاته.
    ولا يشترط لإمام نية الإمامة، بل يستحب ليحوز فضيلة الجماعة،فإن لم ينو لمتحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. وتشترط نية الإمامة في حالات أربعة: في الجمعة، والصلاة المجموعة مع غيرها للمطر جمع تقديم، والصلاة المعادة في الوقت جماعة، والصلاة التي نذر أن يصليها جماعة للخروج من الإثم.
    ويشترط للمقتدي نية الاقتداء: بأن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الائتمام أو الجماعة بالإمام الحاضر أو بمن في المحراب ونحو ذلك، لأن التبعية عمل، فافتقرت إلى نية، إذ ليس للمرء إلا ما نوى. ولا يكفي إطلاق نية الاقتداء، من غير إضافة إلى الإمام. فلو تابع بلا نية، أو مع الشك فيها، بطلت صلاته إن طال انتظاره.
    وقال الحنابلة:
    النية: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، فلا تصح الصلاة بدونها بحال. ومحلها القلب وجوباً، واللسان استحباباً.
    فإن كانت الصلاة فرضاً: اشترط أمران: تعيين نوع الصلاة: ظهراً أو عصراً أو غيرهما، وقصد الفعل، ولا يشترط نية الفرضية بأن يقول: أصلي الظهر فرضاً.
    أما الفائتة: فإن عينها بقلبه أنها ظهر اليوم، لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء، ويصح القضاء بنية الأداء أو عكسه إذا بان خلاف ظنه.
    وإن كانت الصلاة نافلة: فيجب تعيينها إن كانت معينة أو مؤقتة بوقت كصلاة الكسوف والاستسقاء، والتراويح والوتر، والسنن الرواتب.
    ولا يجب تعيينها إن كانت مطلقة، كصلاة الليل، فيجزئه نية الصلاة لا غير، لعدم التعيين فيها، فهم كالشافعية في هذا.
    وقالوا: إذا دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها، لم تصح، لأن النية عزم جازم، ومع التردد لا يحصل الجزم، وهذا باتفاق الفقهاء. وإن دخل في الصلاة بنية صحيحة، ثم نوى قطعها والخروج منها، بطلت عند الجمهور، لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطعها بما حدث. وقال أبو حنفية: لا تبطل بذلك، لأنها عبادة صح دخوله فيها، فلم تفسد بنية الخروج منها، كالحج.
    الشك في النية: وإن شك في أثناء الصلاة، هل نوى أو لا؟ أو شك في تكبيرة الإحرام، استأنفها، كما قال الشافعية، لأن الأصل عدم ما شك فيه. فإن ذكر أنه كان قد نوى، أو كبر قبل قطعها، فله البناء أي الإكمال، لأنه لم يوجد مبطل لها. وإن عمل في الصلاة عملاً مع الشك، بطلت الصلاة، كما قال الشافعية.
    تغيير النية: وإذا أحرم بفريضة، ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى، بطلت الاثنتان، لأنه قطع نية الأولى، ولم ينو الثانية عند الإحرام، وهذا متفق مع الشافعية أيضاً. فإن حول الفرض إلى نفل فعند الشافعية والحنابلة، تنقلب نفلاً، لأن نية الفرض تتضمن نية النفل، بدليل أنه لو أحرم بفرض، فبان أنه لم يدخل وقته، كانت صلاته نافلة، والفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل.
    ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها، بأن يقول: أصلي لله، أو أصوم لله، ونحوه، لأن العبادات لا تكون إلا لله، بل يستحب ذلك خروجاً من خلاف من أوجبه. كما لا يشترط أيضاً ذكر عدد الركعات، ولا استقبال القبلة، كما قال الشافعية.
    وتأتي النية عند تكبيرة الإحرام، إما مقارنة لها أو متقدمة عليها بزمن يسير، كما قال المالكية والحنفية، لكن الأفضل المقارنة، كما أسلفنا.
    ويشترط لصحة الجماعة: أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم في أول الصلاة إلا في صورتين: الأولى: أن يكون المأموم مسبوقاً، فله أن يقتدي بعد سلام إمامه بمسبوق مثله في غير الجمعة. والثانية: ما إذا اقتدى مقيم بمسافر يقصر الصلاة، فله أن يقتدي بمثله في بقية الصلاة.




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    سنن الصلاة الداخلة فيها:
    سنن الصلاة : هي الأقوال والأفعال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يعاتب ويلام، ولا تنجبر إذا تركت بسجود السهو، ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً.
    والسنة كما ذكر الحنفية: ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق المواظبة، ولم يتركها إلا لعذر، كدعاء الثناء، والتعوذ، وتكبيرات الركوع والسجود.
    وللصلاة عندهم سنن وآداب، والأدب فيها : ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة : والزيادة على القراءة المسنونة، وقد شرع لإكمال السنة:
    والسنة أو الأدب عندهم دون الواجب، لأن الواجب في الصلاة : ما تجوز الصلاة بدونه، ويجب بتركه ساهياً سجدتا السهو.
    وذكر المالكية للصلاة أربع عشرة سنة، وثمانية وأربعين أدباً. والسنة عندهم: ما طلبه الشرع وأكد أمره وعظم قدره وأظهره في الجماعة. ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالوتر وصلاة العيدين.
    والمندوب عندهم: ما طلبه الشرع طلباً غير جازم، وخفف أمره، ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر. ويسجد سجود السهو لثمان من السنن وهي: السورة، والجهر، والإسرار، والتكبير، والتحميد، والتشهد، والجلوس لهما.
    وسنن الصلاة عند الشافعية نوعان: أبعاض وهيئات.
    والأبعاض: هي التي يجبر تركها بسجود السهو وهي ثمانية:
    التشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وعلى آله بعد التشهد الأخير، والقنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان، وللقيام للقنوت، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله بعد القنوت.
    والهيئات: وهي أربعون كالتسبيحات ونحوها لا يجبر تركها بسجود السهو.
    والسنة أو المستحب عندهم إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بفرض آخر، فمن ترك التشهد الأول، فذكره بعد اعتداله مستوياً، لا يعود إليه لكنه يسجد للسهو، فإن عاد إليه عامداً عالماً بتحريمه، بطلت صلاته، أما إن عاد إليه ناسياً أنه في الصلاة، فلا تبطل صلاته، ويلزم القيام عنه فوراً عند تذكيره ثم يسجد للسهو. هذا إن كان المصلي إماماً أو منفرداً.
    فإن كان المصلي مأموماً عاد وجوباً لمتابعة إمامه؛ لأن المتابعة آكد من التلبس بالفرض، فإن لم يعد عامداً عالماً، بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة، فإن نواها لم تبطل.
    وقال الحنابلة: ما ليس بفرض نوعان: واجبات، وسنن. والواجبات: وهي ما تبطل الصلاة بتركه عمداً، وتسقط سهواً أو جهلاً، ويجيز تركها سهواً بسجود السهو، وهي ثمانية:
    1- التكبير "الله أكبر" للانتقال في محله: (وهو ما بين انتهاء فعل وابتداء فعل آخر) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فلو شرع المصلي في التكبير قبل الانتقال، كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هُوِّية إليه، لم يجزئه، ويجزئه فيما بين الابتداء والانتقال وانتهائه.
    وهذا التكبير غير تكبيرتي الإحرام، وتكبيرة ركوع مأموم أدرك إمامه راكعاً، فإن الأولى ركن، والثانية سنة للاجتزاء عنه بتكبيرة الإحرام.
    2- التسميع: أي قول "سمع الله لمن حمده" لإمام، ومنفرد دون مأموم.
    3- التحميد: أي قول "ربنا لك الحمد" لكل من الإمام والمأموم والمنفرد.
    4- تسبيح الركوع: "سبحان ربي العظيم".
    5- تسبيح السجود: "سبحان ربي الأعلى".
    6- دعاء "رب اغفر لي" بين السجدتين. والواجب مرة واحدة في كل ما سبق، والأكمل أن يكرر ذلك مراراً، وأدنى الكمال: ثلاث.
    7- التشهد الأول: لأنه صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به، وسجد للسهو حين نسيه. وأقله: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
    8- الجلوس للتشهد الأول. وهذا مع ما قبله واجب على غير مأموم قام إمامه عنه سهواً.
    وأما السنن: فهي سنن أقوال وأفعال وهيئات. وسنن الأقوال سبع عشرة وهي (الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، والتأمين، وقراءة السورة في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية والثلاثية، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، وفي التطوع كله، والجهر والإخفات في محلهما، وقول: "ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" بعد التحميد في حق الإمام والمنفرد، دون السجدتين، والتعوذ في التشهد الأخير، أي قول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ... الخ، والدعاء في آخر التشهد الأخير، والصلاة في التشهد الأخير على آل النبي صلى الله عليه وسلم والبركة فيه، أي قول: وبارك على محمد وعلى آل محمد ... الخ، وما زاد على المجزئ من التشهد الأول، والقنوت في الوتر).
    وما سوى ذلك: سنن أفعال وهيئات، كسكون الأصابع مضمومة ممدودة حال رفع اليدين مبسوطة (ممدودة الأصابع) مضمومة الأصابع مستقبل القبلة ببطونها إلى حذو منكبيه، عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، وحطهما عقب ذلك.
    بيان سنن الصلاة الداخلة فيها:
    1-- رفع اليدين للتحريمة:
    لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة، وذلك خَذْو (مقابل) المنكبين عند المالكية والشافعية، ويخير عند الحنابلة في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه. وقال الحنفية: يحاذي الرجل بإبهاميه أذنيه، وترفع المرأة حذاء منكبيها فقط، لأنه أستر لها.
    ودليل الحنفية: حديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، وكبّر، وصفَّهما حيال أذنيه" رواه مسلم وحديث البراء بن عازب : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه" رواه أحمد وحديث أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر، فحاذى بإبهاميه أذنيه" رواه الدارقطني والحاكم.
    ودليل الشافعية والمالكية: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة" متفق عليه.
    ودليل الحنابلة على التخيير: أن كلا الأمرين مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرفع إلى حذو المنكبين: في حديث أبي حميد الذي رواه أبو داود والترمذي، والرفع إلى حذو الأذنين: رواه وائل بن حجر ومالك بن الحويرث الذي رواه مسلم.
    2- زمن الرفع: ووقت الرفع عند الحنفية : أنه يرفع أولاً، ثم يكبر، لأن في فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى.
    وقال المالكية: ترفع اليدان مبسوطتين ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض على صفة الخائف، عند الشروع في تكبير الإحرام، لا عند غيره.
    وقال الشافعية والحنابلة: إنه يرفع مع ابتداء تكبيرة الإحرام، ويكون انتهاؤه مع انقضاء التكبير، ولا يسبق أحدهما صاحبه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما، لأنه سنة فات محلها، وإن ذكره في أثناء التكبير رفع، لأن محله باق. فإن لم يمكنه رفع يديه إلى المنكبين، رفعهما قدر ما يمكنه، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى رفعها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وإن لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما، لأنه يأتي بالسنة.
    3- حالة الأصابع: قال الحنفية والمالكية والشافعية: يسن نشر الأصابع، أي ألا تضم كل الضم، ولا تفرج كل التفريج، بل تترك على حالها منشورة، أي مفرقة تفريقاً وسطاً، لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا كبّر، رفع يديه، ناشراً أصابعه" رواه الترمذي، أي مفرقاً أصابعه.
    وقال الحنابلة: يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع، ويضم بعضها إلى بعض، لما روى أبو هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدّاً"رواه مسلم وأبو داود والترمذي، والمد: ما يقابل النشر.
    4- الجهر بتكبيرة الإحرام: قال المالكية: يندب لكل مصل إماماً أو مأموماً أو منفرداً الجهر بتكبيرة الإحرام، وأما تكبيرات الانتقال فيندب للإمام دون غيره الجهر بها، والأفضل لغير الإمام الإسرار بها.
    5- رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام : قال الحنفية والمالكية: لا يسن رفع اليدين في غير الإحرام عند الركوع أو الرفع منه، إذ لم يصح ذلك عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلوا.
    بفعل ابن مسعود، قال: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول أمره. وفي لفظ:"فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن، وقال أيضاً : "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة" رواه البيهقي والدارقطني.
    وقال الشافعية والحنابلة: يسن رفع اليدين في غير الإحرام، عند الركوع، وعند الرفع منه، أي عند الاعتدال، لما ثبت في السنة المتواترة عن واحد وعشرين صحابياً، منها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحَذْو مِنْكَبيه، ثم يكبّر، فإذا أراد أن يركع، رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضاً، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
    وأضاف الشافعية: أنه يستحب الرفع أيضاً عند القيام من التشهد الأول، بدليل حديث نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان إذا دخل الصلاة، كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ابن عمر ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري.
    6- النظر إلى موضع السجود:
    قال الشافعية وغيرهم: يستحب النظر إلى موضع سجود المصلي، لأنه أقرب إلى الخشوع، ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده" وذلك إلا عند التشهد فينظر إلى سبابته التي يشير بها، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد : وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصرُه إشارته" رواه أبو داود والنسائي.
    7- دعاء الثناء أو الاستفتاح :
    قال المالكية: يكره دعاءالاستفتاح، بل يكبر المصلي ويقرأ، لما روى أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" متفق عليه.
    وقال الجمهور: يسن دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى، وله صيغ كثيرة، المختار منها عند الحنفية والحنابلة:
    "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" لما روت عائشة، قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك" رواه أبو داود. وسبحانك: من التسبيح: وهو تنزيه الله تعالى، وتبارك اسمك: من البركة وهي ثبوت الخبر الإلهي في الشيء، وتعالى جدك: الجد: العظمة، وتعالى: تفاعل من العلو، أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك، أو علا جلالك وعظمتك. ومعناه إجمالاً: تنزيهاً لك يا رب، وإنما أنزهك بحمدك، دام خبر اسمك في كل شيء، وعلا جلالك، ولا معبود غيرك.
    قالوا : ولا يخفى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالإيثار والاختيار.
    والمختار عند الشافعية صيغة:
    "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين" كما روى مسلم.
    ومعناه : قصدت بعبادتي خالق السماوات والأرض، مائلاً إلى الدين الحق وهو الإسلام، مبتعداً عن كل شرك بالله، مخلصاً كل شيء لله، فصلاتي وعبادتي وحياتي وموتي لله، وأنا مسلم.
    وأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير: "سبحانك اللهم"، وأجاز الحنفية في النافلة الجمع بين الثناء والتوجه، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط.
    وإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة والحنفية أن يقرأ الثناء، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً، أي لاحقاً الإمام بعد الابتداء بصلاته، أو مدركاً الإمام بعد ما اشتغل بالقراءة، وذلك لأن الاستماع للقرآن في الجهرية فرض، وفي السرية يسن تعظيماً للقراءة، فكان سنة غير مقصودة لذاتها، وعدم قراءة المؤتم في السرية لا لوجوب الإنصات، بل لأن قراءة الإمام له قراءة. ويستفتح المأموم ويستعيذ عند الحنابلة في الصلاة السرية، أو الجهرية في مواضع سكتات الإمام.
    ويجوز عند الشافعية البدء بنحو "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ونحو "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً" ونحو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد".
    ويستحب الجمع بين جميع ذلك للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل. ويزاد على ذلك لهما: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسَعْديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك".
    ويستحب التوجه عند الشافعية في افتتاح الفريضة والنافلة، للمنفرد والإمام والمأموم، حتى وإن شرع إمامه في الفاتحة أو أمَّن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، ولكن لا يبدأ به إذا بدأ هو بالفاتحة أو بالتعوذ، فإنهم قالوا لا يستحب إلا بشروط خمسة :
    أولاً- أن يكون في غير صلاة الجنازة، فليس فيها توجه، وإنما يسن فيها التعوذ.
    ثانياً- ألا يخاف فوت وقت الأداء : وهو ما يسع ركعة، فلو لم يبق من الوقت إلا ما يسع ركعة لم يسن التوجه.
    ثالثاً- ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن، وإن بدأ به قرأ بقدره من الفاتحة.
    رابعاً- ألا يدرك الإمام في غير القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً لم يسن. وإن أدركه في التشهد، وسلم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه، سن له الافتتاح به.
    خامساً- ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، فإن شرع لم يعد له.
    8- التعوذ أو الاستعاذة(1) قبل القراءة في الصلاة:
    قال المالكية: يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة، لحديث أنس السابق: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين".
    وقال الحنفية: يتعوذ في الركعة الأولى فقط.
    وقال الشافعية والحنابلة: يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة، بأن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وعن أحمد أنه يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ودليله عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزه ونفْخه ونَفْثه" رواه أحمد والترمذي، ثم يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" سراً عند الحنفية والحنابلة، وجهراً في الجهرية عند الشافعية كما قدمنا، واستدلوا على سنية التعوذ بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل : 98].
    9- التأمين:
    هو أن يقول المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً: "آمين" أي استجب، بعد الانتهاء من الفاتحة، وذلك عند الحنفية والمالكية سراً، وعند الشافعية والحنابلة: سراً في الصلاة السرية، وجهراً فيما يجهر فيه بالقراءة. ويؤمن المأموم مع تأمين إمامه.
    ودليلهم حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمَّن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال ابن شهاب الزهري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. رواه أبو داود والنسائي.
    وأضاف الحنابلة: فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته، ليذكّر الإمام، فيأتي به، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم. وإن ترك المصلي التأمين نسياناً أو عمداً حتى شرع في قراءة السورة لم يأت به، لأنه سنة فات محلها.
    والدليل على كون التأمين سراً عند المالكية والحنفية قول ابن مسعود: "أربع يخفيهن الإمام: التعوذ والتسمية والتأمين والتحميد" أي قول: ربنا لك الحمد.
    _______________________
    (1) أي الاستجارة إلى ذي منعة، على جهة الاعتصام به من المكروه
    ودليل الجهر به عند الشافعية والحنابلة: حديث أبي هريرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول" رواه أبو داود وحديث وائل بن حُجْر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: غير المغضوب
    عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يُمدُّ بها صوته" رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
    10- السكتة اللطيفة:
    قال الشافعية: ست سكتات لطيفة تسن في الصلاة بقدر: "سبحان الله" إلا التي بين: آمين والسورة، فهي في حق الإمام في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة. ويسن للإمام أن يشتغل فيها بقراءة أو دعاء سراً، والقراءة أولى، فمعنى السكوت فيها: عدم الجهر، وإلا فلا يطلب السكوت حقيقة في الصلاة.
    والسكتات الست: هي ما بين التوجه والتعوذ، وما بين التحرم والتوجه، وبين التعوذ والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسورة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، أي ثلاثة قبل الفاتحة وثلاثة بعد الفاتحة. والحكمة من السكتة الرابعة: أن يعلم المأموم أن لفظة "آمين" ليست من القرآن.
    وقال الحنابلة: يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة يستريح فيها، ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة، كيلا ينازعوه فيها، كما يستحب السكوت عقب التكبير، وبعد الانتهاء من القراءة، وبعد الفاتحة قبل قوله: "آمين".
    ودليل مشروعية السكتات: حديث سمرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت سكتتين، إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها" وفي رواية: "سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة: غير المغضوب عليهم ولا الضالين" رواه أبو داود والترمذي، ففيه دليل على مشروعية سكتات ثلاث: بعد التكبير، وبعد الفاتحة، وبعد القراءة كلها.
    وقال الحنفية والمالكية : السكتة مكروهة. إلا أن المالكية قالوا في بحث وجوب الفاتحة على المشهور: يندب الفصل بسكوت، أو ذكر وهو أولى بين تكبيرة الإحرام والركوع، لئلا تلتبس تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع، فإن لم يفصل وركع أجزأه.
    وقال الحنفية: يخير مصلي الفريضة (المفترض) على المذهب في الركعتين الأخريين (الثالثة والرابعة) بين قراءة الفاتحة وتسبيح ثلاثاً، وسكوت قدرها، ولا يكون مسيئاً بالسكوت، لثبوت التخيير عن علي وابن مسعود، وهو الصارف لمواظبة النبي على الفاتحة عن الوجوب.
    11- تفريج القدمين:
    قال الحنفية: يسن تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع، لأنه أقرب إلى الخشوع.
    وقال الشافعية: يفرق بين القدمين بمقدار شبر، ويكره لصق إحدى القدمين بالأخرى حيث لا عذر، لأنه تكلف ينافي الخشوع.
    وقال المالكية والحنابلة: يندب تفريج القدمين، بأن يكون بحالة متوسطة بحيث لا يضمهما ولا يوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً.
    12- قراءة سورة بعد الفاتحة:
    هذا واجب عند الحنفية كما بينا، سنة عند الجمهور في الركعتين الأولى والثانية من كل صلاة، ويجهر بهما فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسر فيما يسر بها فيه، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أبا قتادة روى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية وكان يطول في الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية" متفق عليه وروى أبو برزة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح من الستين إلى المائة" متفق عليه، وقد اشتهرت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للسورة مع الفاتحة في صلاة الجهر، ونقل نقلاً متواتراً وأمر به معاذاً، فقال: "اقرأ بالشمس وضحاها، وبسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى" متفق عليه.
    نوع السورة المقروءة: قال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية، وأن يقرأ في الركعة الأولى من محل، وفي الثانية من آخر، ولو كان المقروء من سورة واحدة إن كان بينهما آيتان فأكثر.
    ويكره الفصل بسورة قصيرة، وأن يقرأ مكنوساً، بأن يقرأ في الثانية سورة أعلى مما قرأ في الأولى، لأن ترتيب السور في القراءة من واجبات التلاوة، وإنما جوز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم، واستثنوا من كراهة التنكيس: أن يختم القرآن، فيقرأ من البقرة.
    ولو قرأ في الأولى {الْكَافِرُونَ} وفي الثانية {أَلَمْ تَرَ} أو {تَبَّتْ} ثم تذكر القراءة يتم. ولا يكره في النفل شيء من ذلك.
    وقراءة ثلاث آيات تبلغ قدر أقصر سورة أفضل من آية طويلة، لأن التحدي والإعجاز وقع بذلك القدر، لا بالآية. والأفضلية ترجع إلى كثرة الثواب. والعبرة الأكثر آيات في قراءة سورة وبعض سورة.
    مواطن الجهر والإسرار في القراءة: اتفق الفقهاء على أنه يسن الجهر في الصبح والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضان، ويسر في الظهر والعصر. وللفقهاء في النوافل كالوتر وغيره تفصيل:
    فقال الحنفية: يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان، وصلاة العيدين، والتراويح. ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية. وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها.
    ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداء، أو قضاء في وقتها أو غير وقتها، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً. أما الصلاة السرية فيجب عليه أن يسر بها على الصحيح.
    ويجب على المأموم الإنصات في كل حال.
    وقال المالكية: يندب الجهر في جميع النوافل الليلية، والسر في جميع النوافل النهارية إلا النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء، فيندب الجهر فيها.
    ويندب للمأموم الإسرار.
    وقال الشافعية: يسن الجهر في العيدين وخسوف القمر والاستسقاء والتراويح ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلاً أو وقت الصبح، والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار، إن لم يشوش على نائم أو مصل أو نحوه. والعبرة في قضاء الفريضة بوقته أي وقت القضاء على المعتمد. وجهر المرأة دون جهر الرجل. ومحل جهرها إن لم تكن بحضرة أجانب.
    وقال الحنابلة: يسن الجهر في صلاة العيد والاستسقاء والكسوف والتراويح والوتر إذا وقع بعد التراويح، ويسر فيما عدا ذلك.
    ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية، كما قال الحنفية.
    الدعاء أثناء القراءة: يستحب طلب الرحمة والمغفرة عند قراءة آية رحمة، والتعوذ من النار عند المرور بذكره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ذكر الجنة والنار: "أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار" رواه أحمد، وكان لا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله عز وجل واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل، ورَغِب إليه رواه أحمد، وكان إذا قرأ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] ؟ قال: "سبحانك، فَبَلى" رواه أبو داود، كذلك يسن التسبيح عند آية التسبيح نحو {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:96] وأن يقول عند آخر {وَالتِّينِ} وآخر القيامة: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر المرسلات: آمنا بالله.
    متى وكيف تقرأ السورة؟
    قال الشافعية: ولا سورة في الجهرية للمأموم، بل يستمع، فإن بعد، أو كانت الصلاة سرية، قرأ في الأصح إذ لا معنى لسكوته. وغير الشافعية قالوا: لا سورة على المأموم.
    وقال المالكية والحنابلة: ويسن أن يفتتح السورة بقراءة {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ويندب كمال سورة بعد الفاتحة، فلا يقتصر على بعضها، ولا على آية أو أكثر، ولو من الطوال، ويندب قراءة خلف إمام سراً في الصلاة السرية، وفي أخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء.
    ويكره تكرير السورة عند الجمهور في الركعتين، بل المطلوب أن يكون في الثانية سورة غير التي قرأها في الأولى، أنزل منها لا أعلى، فلا يقرأ في الثانية "سورة القدر" بعد قراءته في الأولى سورة البينة. وقال الحنفية: لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية. ويندب عند الجمهور تقصير قراءة ركعة ثانية عن قراءة ركعة أولى في فرض، وقال أبو حنفية: يندب تطويل الركعة الأولى في الفجر. اتباعاً للسنة، رواه الشيخان في الظهر والعصر، ورواه مسلم في الصبح، ويقاس غير ذلك عليه.
    ويندب باتفاق الفقهاء أن يكون ترتيب السور في الركعتين على نظم المصحف، فتنكيس السور مكروه. ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها، لأن أبا سعيد قال : "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر". وجاز الجمع بين السورتين فأكثر في صلاة النافلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء" أما الفريضة : فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة من غير زيادة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر صلاته.
    المستحب في مقادير السور في الصلوات: يسن أن تكون السورة لإمام جماعة محصورين رضوا بالتطويل في صلاة الفجر من طوال المفصَّل(1) باتفاق الفقهاء، وفي الظهر أيضاً عند المالكية والحنفية والشافعية، أما عند الحنابلة فمن أوساط المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل. وقال المالكية : العصر كالمغرب يقرأ فيه.
    والدليل حديث أبي هريرة قال: "ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه، فكان يقرأ في الغداة بطوال المفصل، وفي المغرب بقصاره، وفي العشاء بوسط المفصل" رواه النسائي، والحكمة في إطالة القراءة في الفجر والظهر: طول وقتهما، وليدركهما من كان في غفلة بسبب النوم آخر الليل وفي القيلولة. والتوسط في العصر لانشغال الناس بالأعمال آخر النهار، وفي العشاء لغلبة النوم والنعاس. والتخفيف في المغرب لضيق وقته.
    والحديث الجامع للقراءة في الصلوات عن جابر بين سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ: ق والقرآن المجيد ونحوها، وكان صلاته بعد إلى تخفيف. وفي رواية: كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحوَ ذلك، وفي الصبح أطولَ من ذلك" رواه مسلم، وفي رواية: "كان إذا دحَضَت - مالت- الشمس، صلى الظهر، وقرأ بنحو من: والليل إذا يغشى، والعصر كذلك، والصلوات كلِّها كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها". رواه أبو داود.
    _________________
    1. سمي بالمفصل لكثرة فواصله، وفصله بالبسملة وهو السبع السابع من القرآن.
    وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد" ويندب للإمام التخفيف عموماً، لحديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معاذ، أفتَّان أنت؟! أو قال: أفاتن أنت، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى" متفق عليه، وفي رواية عند البخاري وغيره: "من أمَّ بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة".
    تحديد مقادير السور: للفقهاء آراء في تحديد السور الطوال والأوساط والقصار:
    قال الحنفية: طوال المفصل: من سورة الحجرات إلى آخر البروج، (أو قدر أربعين أو خمسين آية) وأوساط المفصل: من الطارق إلى أول البينة (أو مقدار خمس عشرة آية)، وقصار المفصل: من البينة إلى آخر القرآن الكريم (أو مقدار خمس آيات في كل ركعة).
    وقال المالكية: طوال المفصل: من الحجرات إلى سورة النازعات. وأوسط المفصل من عبس إلى سورة: والليل. وقصاره من سورة "والضحى" إلى آخر القرآن.
    وقال الشافعية: طوال المفصل: من الحجرات إلى النبأ (عمَّ)، وأوسطه من النبأ إلى الضحى، وقصاره: من الضحى إلى آخر القرآن. ويقرأ في الركعة الأولى من صبح الجمعة "آلم تنزيل" وفي الثانية: "هل أتى" لما ثبت من حديث أبي هريرة فيما رواه البخاري ومسلم.
    وقال الحنابلة: أول المفصل سور "ق" وقيل : الحجرات.
    وأوضح الحنابلة أنه يقرأ بما وافق مصحف عثمان، وهو ما صح تواتره وسنده ووافق اللغة، ولا تصح الصلاة وتحرم القراءة بما يخرج عن مصحف عثمان، كقراءة ابن مسعود وغيرها من القراءات الشاذة (وهي التي اختل فيها ركن من أركان القراءة المتواترة الثلاثة: موافقة العربية ولو بوجه، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح إسنادها).
    حد الجهر والإسرار: قال الحنفية: أقل الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه كأهل الصف الأول، فلو سمع واحد أو اثنان لا يجزئ. وأقل المخافتة إسماع نفسه أو من بقربه من رجل أو رجلين.
    وقال المالكية : أقل جهر الرجل أن يسمع من يليه، وأقل سره: حركة اللسان. أما المرأة فجهرها إسماع نفسها. وقال الشافعية والحنابلة: أقل الجهر: أن يسمع من يليه ولو واحداً، وأقل السر أن يسمع نفسه، أما المرأة فلا تجهر بحضرة أجنبي.
    13- التكبير عند الركوع والسجود والرفع منه، وعند القيام:
    بأن يقول: "الله أكبر" وهو ثابت بإجماع الأمة، لقول ابن مسعود: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكبّر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود" رواه الترمذي والنسائي، وهو يدل على مشروعية التكبير في هذه الأحوال إلا في الرفع من الركوع، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده. وقد قال الحنابلة بوجوب التكبير، كوجوب "سمع الله لمن حمده" وقول "ربي اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول.
    ويسن في الركوع ما يأتي:
    أ- أخذ الركبتين باليدين وتمكين اليدين من الركبتين، وتسوية الظهر أثناء الركوع، وتفريج الأصابع للرجل، أما المرأة فلا تفرجها، ونصب الساقين، وتسوية الرأس بالعجز، وعدم رفع الرأس أو خفضه، ومجافاة الرجل عضديه عن جنبيه، بدليل حديث أبي مسعود عقبة بن عَمْرو: "أنه ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي" رواه أبو داود والنسائي، وحديث مصعب بن سعد قال: صليت إلى جنب أبي، فطبَّقت بين كفَّيَّ، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني عن ذلك، وقال: كنا نفعل هذا، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب" رواه البخاري ومسلم، وحديث أبي حميد الساعدي في بيان صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم: وضع يديه على ركبتيه، ووَتَر يديه فنحاهما عن جنبيه" رواه أبو داود والترمذي، وحديث وابصة بن معبد عند ابن ماجه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فكان إذا ركع، سوَّى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر" وحديث عائشة عند مسلم: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك".
    ب- أن يقول: "سبحان ربي العظيم" مرة وهو الحد الأدنى، وأدنى الكمال ثلاثاً عند الجمهور، ولا حد له عند المالكية، ويضيف المالكية والشافعية والحنابلة "وبحمده". والدليل حديث حذيفة قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرَّت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ منها" رواه الترمذي، وحديث عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزلت: فسبح باسم ربك العظيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم" رواه أبو داود وابن ماجه وحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا ركع أحدكم، فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه" رواه أبو داود وابن ماجه.
    ولا يزيد الإمام عن التسبيحات الثلاث، ويكره له ذلك، تخفيفاً على المأمومين. ولكن عند الشافعية: يزيد المنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل : "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي. رواه مسلم وفي رواية بزيارة وما استقلت به قدمي" رواه ابن حبان.
    وقال الحنفية: وكره تحريماً إطالة ركوع، أو قراءة لإدراك الجائي إن عرفه، وإلا فلا بأس به، وهذا موافق لبقية الأئمة، والاطمئنان في الركوع واجب في المذاهب الأربعة كما بينا سابقاً.
    14- التسميع والتحميد:
    أي قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: للإمام سراً في التحميد وللمنفرد عند الحنفية والحنابلة، وأما المقتدي فيقول فقط عند الحنابلة وعلى المعتمد عند الحنفية: "ربنا لك الحمد" أو "ربنا ولك الحمد" أو "اللهم ربنا لك الحمد" والأول عند الشافعية أولى لورود السنة به، وأفضله عند الحنفية الأخير، ثم "ربنا ولك الحمد" ثم الأول. والأفضل عند الحنابلة والمالكية: "ربنا ولك الحمد".
    وعند المالكية: الإمام لا يقول: "ربنا لك الحمد" والمأموم لا يقول: "سمع الله لمن حمده" والمنفرد يجمع بينهما حال القيام، لا حال رفعه من الركوع، إذا الرفع يقترن بـ "سمع الله"، فإذا اعتدل قال: "ربنا ..." الخ.
    والخلاصة: أن المقتدي عند الجمهور يكتفي بالتحميد.
    ويسن عند الشافعية: الجمع بين التسميع والتحميد في حق كل مصل، منفرد وإمام ومأموم.
    والدليل على الجمع لدى الشافعية: حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ..." الحديث متفق عليه، وفي رواية لهما: "ربنا لك الحمد" متفق عليه.
    ودليل التفرقة بين الإمام والمأموم لدى الجمهور: حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" متفق عليه.
    ويسن عند الشافعية والحنابلة القول: "ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد" أي بعدهما كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يعلمه إلا هو، ويزيد المنفرد وإمام قوم محصورين رضوا بالتطويل: "أهلَ الثناء والمجد(1)، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ"(2).
    ودليلهم حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربَّنا لك الحمد، مِلء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدَّ منك الجدُّ" رواه مسلم والنسائي وكذلك حمله الحنفية على حال الانفراد.
    __________________
    (1) أي يا أهل المدح والعظمة.
    (2) أي لا ينفع ذا الغنى عندك أو ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبى، إنما ينفعه طاعتك.
    15- وضع الركبتين، ثم اليدين، ثم الوجه عند الهوي للسجود، وعكس ذلك عند الرفع من السجود.
    هذا عند الجمهور غير المالكية، لحديث وائل بن حجر السابق: "رأيت رسول الله صلى عليه وسلم إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
    وقال المالكية: يضع يديه، ثم ركبتيه عند السجود، ويرفع ركبتيه ثم يديه عند الرفع منه، لحديث أبي هريرة: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه" وقد سبق بيان ذلك ولا ترجيح بين الكيفيتين.
    16- هيئات السجود الأخرى:
    أ- وضع الوجه بين الكفين عند الحنفية، وتوجيه الأصابع مضمومة مكشوفة نحو القبلة باتفاق المذاهب ووضع اليدين حذو (مقابل) المنكبين في أثناء السجود عند غير الحنفية وإبرازهما من ثوبه والاعتماد على بطونهما، والتفرقة بقدر شبر بين القدمين والركبتين والفخذين عند الشافعية.
    وعلى هذا يكون توجيه أصابع الرجلين نحو القبلة سنة.
    دليل الحالة الأولى: حديث وائل بن حجر: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع وجهه بين كفيه".
    ب- مباعدة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن جنبيه، وذراعيه عن الأرض في السجود في غير زحمه، وتفريقه بين ركبتيه ورجليه. أما المرأة فتضم بطنها إلى فخذيها وفي جميع أحوالها، لأنه أستر لها.
    ودليل حالة الرجل أحاديث: منها:
    حديث ميمونة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت" رواه مسلم.
    وحديث عبد الله بن بُحَيْنة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد يُجنِّح في سجوده، حتى يُرى وَضَحُ إبطيه" متفق عليه، أي بياض إبطيه.
    وحديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجد فَرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنَه على شيء من فخذيه" رواه أبو داود.
    وحديث أنس في النهي عن ترك المجافاة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطُ أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" رواه البخاري ومسلم.
    جـ- تجب الطمأنينة باتفاق المذاهب كما بينا، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة كما ذكرنا، لحديث أبي حميد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه" رواه أبو داود والترمذي.
    د- التسبيح في السجود: بأن يقول: سبحان ربي الأعلى" مرة في الحد الأدنى، وثلاثاً وهو أدنى الكمال، وهو سنة بالاتفاق لحديث ابن مسعود السابق: "... وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات".
    وحديث حذيفة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد، قال: "سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات" رواه ابن ماجه.
    قال الحنفية: ولا يزيد الإمام على ذلك تخفيفاً على المأمومين، ولا حد للتسبيح عند المالكية.
    وزاد المالكية والشافعية والحنابلة: "وبحمده" ويزيد عند الشافعية المنفرد و إمام قوم محصورين راضين بالتطويل: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح، اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين".
    ودليلهم على الجملة الأولى حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس، ربُّ الملائكة والروح" رواه مسلم، وسبوح قدوس: من صفات الله، والمراد: المسبَّح والمقدس، فكأنه يقول: مسبح مقدس، ومعنى "سبوح" المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالألوهية. وقدوس: المطهر من كل ما لا يليق بالخالق.
    وبقية التسبيح رواه مسلم.
    هـ- الدعاء في السجود: قال الحنفية: لا يأتي المصلي في ركوعه وسجوده بغير التسبيح، على المذهب، وما ورد محمول على النفل، ويندب الدعاء في السجود عند المالكية بما يتعلق بأمور الدين أو الدنيا، أو الآخرة، له أو لغيره، خصوصاً أو عموماً، بلا حدّ بل بحسب ما يسر الله تعالى. ولا بأس عند الحنابلة بالدعاء المأثور أو الأذكار.
    ويتأكد طلب الدعاء في السجود عند الشافعية.
    ودليلهم خبر مسلم وغيره: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، فقِمِن أن يستجاب لكم" رواه مسلم أي أكثروا الدعاء في سجودكم، فحقيق أن يستجاب لكم.
    وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معاذ، إذا وضعت وجهك ساجداً، فقل: اللهم أعني على شكرك وحسن عبادتك".
    وعن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي
    ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه(1)، وأوله وآخره، وعلانيته وسره" رواه مسلم.
    17- الجلوس بين السجدتين، مطمئناً مفترشاً الرجل رجله اليسرى، وناصباً اليمنى، موجهاً أصابعه نحو القبلة، واضعاً يديه على فخذيه، بصورة مبسوطة، بحيث تتساوى رؤوس الأصابع مع الركبة.
    18- الدعاء بين السجدتين:
    ليس عند الحنفية بين السجدتين دعاء مسنون، كما ليس بعد الرفع من الركوع دعاء، ولا في الركوع والسجود على المذهب كما قدمنا، وما ورد محمول على النفل أو التهجد.
    ولم يذكر المالكية هذا الدعاء من مندوبات الصلاة، وذكره ابن جزي فيما يقال بين السجدتين.
    والدعاء مشروع عند الشافعية والحنابلة، بل قال الحنابلة: إنه واجب، وأدناه أن يقول مرة: "رب اغفر لي" وأدنى الكمال عندهم أن يقول ذلك: ثلاث مرات كالكمال في تسبيح الركوع والسجود.
    وصيغة هذا الدعاء عند الشافعية والمالكية والحنابلة: "رب اغفر لي وارحمنى، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني" وقال الحنابلة: لا يجوز في الصلاة، بغير الوارد في السنة، ولا يجوز بما ليس من أمر الآخرة، كحوائج الدنيا وملاذها، وتبطل الصلاة به.
    ودليل المشروعية: ما روى حذيفة: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي" رواه ابن ماجه والنسائي.
    وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني، وارزقني، فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك" أي لأن المغفرة والستر، والعافية: اندفاع البلاء عن الإنسان، والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنه للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم.
    جلسة الاستراحة: قال الشافعية: سنُّ جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية تسمى جلسة الاستراحة، في كل ركعة يقوم عنها فلا تسن عقب سجدة التلاوة، اتباعاً لما ثبت في السنة عند البخاري. وروى الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً" رواه البخاري.
    ولا تستحب جلسة الاستراحة عند الجمهور، إذ لم تذكر في حديث أبي حميد الساعدي في بيان صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ______________
    (1) قليله وكثيره.
    19- التشهد الأول، والافتراش له كالجلوس بين السجدتين، والتورك في التشهد الأخير:
    وصيغة التشهد عند الشافعية: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله".
    وقد اتفق الفقهاء على مشروعية التشهد الأول والجلوس له، على أنهما سنتان عند الجمهور، وواجبان عند الحنابلة، بدليل الأمر به وسقوطه بالسهو، قال ابن مسعود: "إن محمداً صلى الله عليه وسلم قال: إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبَه إليه، فليدع ربه عز وجل" رواه النسائي وأحمد.
    واستدل الحنابلة على وجوبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته على فعله، وأمره به في حديث ابن عباس، فقال: "قولوا: التحيات لله" وسجد للسهو حين نسيه، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولا تستحب عند الجمهور الزيادة على هذا التشهد ولا تطويله، وقال الحنابلة أيضاً: إذا أدرك المسبوق بعض الصلاة مع الإمام، لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يكرره حتى يسلم الإمام.
    ويسن أن يضم إليه عند الشافعية: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخره، فيقول: "اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي".
    ويلاحظ أن كلاً من التشهد الأول والأخير سنة عند المالكية، والأول سنة والأخير واجب عند الحنفية، والأول سنة أو بعض، والأخير فرض عند الشافعية، والأول واجب والأخير فرض عند الحنابلة. ويسن باتفاق الفقهاء الإسرار بقراءة التشهد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر به، قال ابن مسعود: "من السنة إخفاء التشهد" رواه أبو داود، ولأنه ذكر غير القراءة كالتسبيح فاستحب إخفاؤه.
    وأما صفة الجلوس للتشهد الأول: فهي الافتراش عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أن يجلس على كعب يسراه بعد أن يضجعها، وينصب يمناه. وتتورك المرأة فيه عند الحنفية: لأنه أستر لها، ودليل الافتراش حديث عائشة: "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى" رواه أبو داود والنسائي.
    وحديث وائل بن حجر: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فسجد، ثم قعد فافترش رجله اليسرى" وحديث أبي حميد "أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس - يعني للتشهد - فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" رواه البخاري، وحديث رفاعة بن رافع "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: إذا سجدت، فمكِّن لسجودك، فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى" رواه أحمد.
    وقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير، لما بينا، ولما روى ابن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً".
    وقال الحنفية: الجلوس للتشهد الأخير كالتشهد الأول، يكون مفترشاً، لحديث أبي حميد.
    وقال الشافعية والحنابلة: يسن التورك للتشهد الأخير، وهو كالافتراش، لكن يخرج يسراه من جهة يمينه، ويلصق وَرِكَه بالأرض، بدليل حديث أبي حميد: "حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رِجْله اليسرى، وقعد على شقه متوركاً، ثم سلم" رواه أبو داود والترمذي.
    والأصح عندهم: يفترش المسبوق والساهي.
    والخلاصة : أنه يسن التورك في التشهد الأخير عند الجمهور، ولا يسن عند الحنفية، إلا أن الحنابلة قالوا: لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، فلا يتورك في تشهد الصبح.
    20- وضع اليدين على الفخذين:
    بحيث تكون رؤوس أصابعهما على الركبتين، ورفع الإصبع السبابة من اليمنى فقط عند الشهادة في التشهد:
    وقال الحنفية: يضع يمناه على فخذه اليمنى، ويسراه على اليسرى، ويبسط أصابعه، كالجلسة بين السجدتين، مفرجة قليلاً، جاعلاً أطرافها عند ركبتيه، ولا يأخذ الركبة، ويشير بسبابة يده اليمنى عند الشهادة، يرفعها عند نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، بقوله: "لا إله"، ويضعها عند إثبات الألوهية لله وحده، بقوله: "إلا الله" ليكون الرفع إشارة إلى النفي، والوضع إشارة إلى الإثبات، ولا يعقد شيئاً من أصابعه.
    ودليلهم رواية في صحيح مسلم عن ابن الزبير تدل على ذلك، لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة.
    وقال المالكية: ترسل اليد اليسرى، ويعقد من اليد اليمنى في حال تشهده ما عدا السبابة والإبهام: وهو الخنصر والبنصر والوسطى، بجعل رؤوسها باللُّحْمة التي بجنب الإبهام، مادَّاً إصبعه السبابة كالمشير بها، فتصير الهيئة هيئة التسعة والعشرين، لأن مدَّ السبابة مع الإبهام صورة عشرين، وقبض الثلاثة تحت الإبهام صورة تسع.
    ويندب دائماً تحريك السبَّابة تحريكاً وسطاً من أول التشهد إلى آخره، يميناً وشمالاً، لا لجهة: فوق وتحت، واستدلوا بحديث وائل بن حجر: أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم قعد فافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه، وركبته اليسرى، وجعل حد مِرْفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حَلْقةً، ثم رفع أُصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.
    ويحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ: "كان يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته" قال ابن حجر: وأصله في مسلم دون قوله: "ولا يجاوز بصره إشارته".
    وقال الشافعية والحنابلة: السنة وضع اليدين على الفخذين في الجلوس للتشهد الأول والأخير، يبسط يده اليسرى منشورة، مضمومة الأصابع عند الشافعية، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، مستقبلاً بجميع أطراف أصابعها القبلة، فلا تفرج الأصابع، لأن تفريجها يزيل الإبهام عن القبلة.
    ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض منها الخنصر والبنصر، وكذا والوسطى عند الشافعية، أما عند الحنابلة: فإنه يحلق الإبهام مع الوسطى.
    ويشير بالسبابة (أو المُسبِّحة)، ويرفعها عند قوله: "إلا الله" ولا يحركها، لفعله صلى الله عليه وسلم، ويديم نظره إليها، لخبر ابن الزبير السابق.
    والأظهر عند الشافعية والحنابلة: ضم الإبهام إلى السبابة، كعاقد ثلاثة وخمسين، بأن يضعها تحتها على طرف راحته. ولو أرسل الإبهام والسبابة معاً، أو قبضهما فوق الوسطى، أو حلق بينهما برأسهما أو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، أتى بالسنة، لورود جميع ذلك، لكن الأول أفضل كما قال الشافعية، لأن رواته أفقه.
    ودليلهم حديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة" رواه مسلم، ودليلهم على عدم تحريك الأصبع: حديث عبد الله بن الزبير: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها" رواه أبو داود والنسائي، وحديث سعد بن أبي وقاص قال: "مرَّ عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو باصابعي، فقال: أحد، أحد، وأشار بالسبابة". رواه النسائي.
    21- قراءة الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة من الصلوات المفروضة:
    تسن على الصحيح عند الحنفية ولو ضم إليها سورة لا بأس به، لأن القراءة في هاتين الركعتين مشروعة من غير تقدير. وهي فرض عند الشافعية، وواجبة للإمام والمنفرد عند المالكية والحنابلة.
    دليل الحنفية: هو أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة، وتجزئ قراءة آية من القرآن في أي موضع كان، لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل:20] وقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام، فكذا في الصلاة. وقد وردت آثار عن بعض الصحابة (علي وابن مسعود) بسنيتها، فصرف الوجوب الظاهر من الأحاديث للمواظبة على الفاتحة إلى السنية، وهو أدنى ما تدل عليه الأحاديث.
    ودليل الجمهور: حديث عبادة بن الصامت: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه، وبما أن القراءة (أي قراءة شيء من القرآن) فرض أو ركن في الصلاة، فكانت معينة كالركوع والسجود.
    وأما خبر المسيء صلاته فمقيد بحديث عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله أن تقرأ" رواه أبو داود، فهو محمول على الفاتحة، وما تيسر معها من القرآن مما زاد عليها.
    22- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله في التشهد الأخير:
    قال الحنفية: الصلاة على النبي وعلى آله - الصلوات الإبراهيمية: سنة وكذلك قال المالكية: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، كما أن كل تشهد (أول أو أخير ولو في سجود سهو) هو سنة مستقلة.
    وقال الشافعية والحنابلة: تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير،أما الصلاة على الآل فيه فهي سنة عند الشافعية، واجبة عند الحنابلة.
    ودليل الوجوب عند الحنابلة: حديث كعب بن عُجرة السابق: "إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا الله كيف نسلم عليك، فيكف نصلي عليك؟قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" متفق عليه.
    والأمر يقتضي الوجوب، وصفة الصلاة على النبي وآله: تكون على النحو المذكور في حديث كعب.
    واستدل الشافعية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر القرآني: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وبالحديث السابق، وبحديث آخر في معناه رواه الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط مسلم، وبحديث أبي مسعود عند أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه. وأقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله : اللهم صلِّ على محمد وآله، والزيادة إلى "مجيد" سنة.
    وأما كون الصلاة على الآل سنة: فلخبر أبي زرعة: "الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمر، من تركها أعاد الصلاة" ولم يذكر الصلاة على آله.
    ودليل الحنفية والمالكية على السنية مطلقاً (الصلاة على النبي وآله): أن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعلم كيفيته، وهي لا تفيد الوجوب. قال الشوكاني: إنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته، فترك تعليم المسيء للصلاة، لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" قرينة صالحة لحمله على الندب. ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود بعد تعليمه التشهد: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" رواه أبو داود والترمذي.
    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة: أما الصلاة على النبي في غير الصلاة فهي مندوبة، لا واجبة. وقال الحنفية: هي فرض مرة واحدة في العمر، والمذهب أنه تستحب على التكرار كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ولو اتحد المجلس.
    السيادة لمحمد صلى الله عليه وسلم: قال الحنفية والشافعية: تندب السيادة لمحمد في الصلوات الإبراهيمية، لأن زيادة الإخبار بالواقع عين سلوك الأدب، فهو أفضل من تركه. وأما خبر "لا تسودوني في الصلاة" فكذب موضوع. وعليه: أكمل الصلاة على النبي وآله: "اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد".
    23- الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
    بما هو مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند الحنفية، أو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة عند الأئمة الآخرين، والمأثور أفضل. ويندب تعميم الدعاء، لأنه أقرب إلى الإجابة، ومن الدعاء العام: "اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزماً" أي جزماً.
    ومن الدعاء المأثور: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" ومنه: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" رواه البخاري، ومنه أيضاً: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه مسلم، ومنه: "اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم" ومنه: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" رواه مسلم. وعن معاذ بن جبل قال: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه مسلم، وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً، أو قال: واجعلني نوراً".
    قال الحنفية: لا يجوز أن يدعو في صلاته بما يشبه كلام الناس، مثل "اللهم ارزقني كذا" مثلاً، أو بما لا يستحيل حصوله من الناس مثل : "اللهم زوجني فلانة"، وهو مكروه تحريماً، ويُبطل الصلاة إن وجد قبل القعود للتشهد الأخير وقدر التشهد، ويفوت الواجب لوجوده بعد القعود قبل السلام بخروجه به من الصلاة دون السلام. وقد استدلوا بحديث مسلم السابق: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
    وأجاز غير الحنفية الدعاء بما شاء الإنسان بدليل ما ثبت في السنة عن بعض الصحابة كابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما، وبدليل حديث ابن مسعود السابق في التشهد: "ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به" رواه أحمد، وفي رواية "ثم يتخير من المسألة ما شاء" رواه أحمد، وفي رواية: "ليتخير بعد من الكلام ما شاء" رواه البخاري.
    الدعاء بالعربية: يكون الدعاء بالعربية باتفاق الفقهاء، قال الحنفية: الدعاء بغير العربية حرام، لكن تصح أذكار الصلاة عند أبي حنيفة بغير العربية، مع الكراهة التحريمية. وقال الشافعية: ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز عنه بالعربية لعذره، لا القادر عليه لعدم عذره.
    24- الالتفات يميناً ثم شمالاً بالتسليمتين:
    عرفنا أن السلام واجب عند الحنفية، ركن عند الجمهور، ويسن عند الجميع الالتفات يميناً وشمالاً حتى يرى بياض خده، قائلاً عند الجمهور: "السلام عليكم ورحمة الله" ويزيد عند المالكية "وبركاته" والأول هو الواجب عند المالكية والشافعية، والتسليمتان واجبتان عند الحنفية والحنابلة.
    ودليل سنية الالتفات: حديث مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنت أرى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده"، وفي رواية الدارقطني: "كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده، وعن يساره حتى يرى بياض خده".
    ودليل إضافة "وبركاته" عند المالكية حديث ابن مسعود ووائل بن حجر السابقين. وقد عرفنا أنه ينوي بالسلام من عن يمنيه ويساره من ملائكة وإنس وجن. وينوي الإمام السلام على المقتدين، وهم ينوون الرد عليه، إلا أنه عند الحنفية ينوون الرد عليه في التسليمة الأولى إن كانوا في جهة اليمين، وفي التسليمة الثانية إن كانوا في جهة اليسار، وعند الشافعية بالعكس.
    استقبال القبلة في السلام: يرى الحنفية أنه يسن التيامن في التسليمة الأولى، ثم يسلم عن يساره في الثانية. ويرى المالكية أن المأموم يندب له التيامن كلياً بتسليمة التحليل من الصلاة. أما الإمام والمنفرد، فيشير عند النطق بالتسليمة للقبلة، ويختمها بالتيامن عند النطق بالكاف والميم من "عليكم" حتى يرى من خلفه صفحة وجهه.
    وقال الشافعية والحنابلة: يبتدئ السلام مستقبل القبلة، قائلاً "السلام عليكم" ثم يلتفت ويتم سلامه قائلاً: "ورحمة الله" لقول عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه" معناه ابتداء السلام، ورحمة الله: يكون في حال التفاته.
    25- خفض التسليمة الثانية عن الأولى:
    يسن ذلك عند الحنفية والحنابلة، لأن الأولى للإعلام، فيجهر بها، وقد حصل العلم بالجهر بها، فلا يشرع الجهر بغيرها.
    وقال المالكية: يسن الجهر بتسليمة التحليل فقط دون تسليمة الرد، بل يندب السر فيها، أي يسن للإمام والمأموم والمنفرد الجهر بالتسليمة يخرج بها من الصلاة، ويندب السر في تسليمة المقتدي للرد على إمامه وعلى من يساره من إمام ومأموم. وقال الحنابلة: يجهر الإمام بالتسليمة الأولى فقط، ويسر غيره التسليمتين.
    26- مقارنة المقتدي لسلام الإمام:
    يسن ذلك عند أبي حنيفة موافقة للإمام، كما تسن مقارنته في غير التسليم من تكبير الإحرام وتكبيرات الانتقال.
    وقال الشافعية: فإنه يسن عندهم في التسليم المعاقبة والبعدية عن الإمام، لئلا يسرع المأموم بأمور الدنيا.
    وأضاف الشافعية القول: إنه تنقضي القدوة بسلام الإمام، فللمأموم أن يشتغل بدعاء ونحوه، ثم يسلم. ولو اقتصر الإمام على تسليمة، فللمأموم أن يسلم اثنتين، لإحراز فضيلة الثانية، ولزوال المتابعة بالأولى.
    27- انتظار المسبوق فراغ الإمام من التسليمتين، لوجوب المتابعة، حتى يعلم ألا سهو عليه. وهذه سنة عند الحنفية.
    28- ذكر الشافعية أنه يسن الخشوع وتدبر القراءة والأذكار، ودخول الصلاة بنشاط وفراغ القلب من الشواغل الدنيوية، لأنه أعون على الخضوع والخشوع.
    آداب الصلاة عند الحنفية:
    عرفنا أن الأدب: ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين، ولم يواظب عليه كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود، والزيادة على القراءة المسنونة. وقد شرع لإكمال السنة. ومن هذه الآداب عند الحنفية ما يأتي:
    1- إخراج الرجل كفيه من كميه عند تكبيرة الإحرام، لقربه من التواضع إلا لضرورة، كبرد. أما المرأة فتستر كفيها حذراً من كشف ذراعيها.
    2- نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وإلى ظاهر قدميه راكعاً، وإلى أرنبة أنفه ساجداً، وإلى حجره جالساً، وإلى منكبيه مسلِّماً، تحصيلاً للخشوع في الصلاة، ملاحظاً قوله صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" رواه مسلم.
    3- إمساك فمه عند التثاؤب، فإن لم يقدر غطاه بظهر يده اليسرى، أو كمه، لأن التغطية بلا ضرورة مكروهة.
    4- دفع السعال ما استطاع، لأنه بلا عذر مفسد للصلاة.
    5- قيام الإمام والمؤتم في حالة الإقامة عند القول: "حي على الفلاح" لأنه أمر به فيجاب. هذا إذا كان الإمام حاضراً بقرب المحراب. فإن لم يكن حاضراً يقوم كل صف حين ينتهي إليه الإمام على الأظهر. وإن دخل الإمام من قدام، قاموا حين يقع بصرهم عليه. وإن أقام الإمام بنفسه في مسجد، فلا يقف المؤتمون حتى يتم إقامته.
    ويشرع الإمام في الصلاة مذ قيل: "قد قامت الصلاة" ولو أخر حتى أتمها، لا بأس به إجماعاً. وهو قول الأئمة الثلاثة غير الحنفية.
    التبليغ خلف الإمام:
    اتفق الفقهاء على أنه يسن (وعند المالكية: يندب) للإمام الجهر بقدر الحاجة بالتكبير والتسميع والسلام، لإعلام من خلفه، فإن عجز جاز التبليغ من غيره، لأن أبا بكر في مرض النبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغ المؤتمين تكبيره. أما المؤتم والمنفرد فيسمع نفسه، وقال المالكية : يندب لكل مصلٍ الجهر بتكبيرة الإحرام، كما بينا.
    فإن كان من خلف الإمام يسمعه، كره التبليغ من غيره لعدم الحاجة إليه.
    ويجب أن يقصد المبلغ سواء أكان إماماً أم غيره الإحرام للصلاة بتكبيرة الإحرام، فلو قصد الإعلام فقط، لم تنعقد صلاته، وكذا لا تنعقد عند الشافعية إذا أطلق، فلم يقصد شيئاً، فإن قصد مع الإحرام الإعلام، صحت الصلاة عند الشافعية والحنفية.
    أما غير تكبيرة الإحرام الانتقال والتسميع والتحميد: فإن قصد بها التبليغ فقط، فلا تبطل صلاته عند الجمهور، وإنما يفوته الثواب.
    لكن قال الحنفية: إن قصد بذلك مجرد إعجاب الناس بتبليغه، فسدت صلاته على الراجح، كما أن من رفع صوته زيادة على الحاجة، فقد أساء، والإساءة دون الكراهة.
    وقال الشافعية: إذا قصد بذلك مجرد التبليغ، أو لم يقصد شيئاً، بطلت صلاته إن كان غير عامي، أما العامي فلا تبطل صلاته، ولو قصد الإعلام فقط.
    ودليل مشروعية التبليغ الحديث المتفق عليه عن جابر، قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا".
    الأمور التي تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة: ذكر الشافعية أربعة أمور تخالف فيها المرأة الرجل في الصلاة يمكن ملاحظتها مما سبق، وهي ما يأتي:
    1- الرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه في الركوع والسجود. والمرأة تضم بعضها إلى بعض، فتلصق بطنها بفخذيها وتضم ركبتيها وقدميها في ركوعها وسجودها، لأنه أستر لها.
    2- يجهر الرجل في موضع الجهر، ويسر في موضع الإسرار، كما بينا سابقاً، وتخفض المرأة صوتها إن صلت بحضرة الرجال الأجانب، بحيث لا يسمعها من صلت بحضرته من الأجانب، دفعاً للفتنة، وإن كان الأصح أن صوتها ليس بعورة، فلا يحرم سماع صوت المرأة ولو مغنية، إلا عند خوف الفتنة، بأن كان لو اختلى الرجل بها، لوقع بينهما مُحرَّم.
    3- إذا ناب الرجل شيء في الصلاة سبَّح، فيقول: "سبحان الله" بقصد الذكر فقط أو مع الإعلام، أو أطلق، ولا تبطل صلاته، لكن إن قصد الإعلام فقط بطلت صلاته.
    أما المرأة إذا نابها شيء في الصلاة، فتصفق، وإن كانت خالية عن الرجال الأجانب على المعتمد، بضرب بطن اليمين على ظهر الشمال، فلو ضربت بطناً ببطن بقصد اللعب، ولو قليلاً، مع علم التحريم بطلت صلاتها، فلو لم تقصد اللعب لم تبطل صلاتها. والخنثى كالمرأة في التصفيق والضم وغيرهما.
    ولا يضر التصفيق وإن كثر وتوالى حيث كان بقدر الحاجة. وكذا لو صفق الرجل فإنه لا يضر وإن كثر وتوالى، ولا تبطل الصلاة، لأن الفعل خفيف، فأشبه تحريك الأصابع في سبحة، أو لنحو جرب.
    ولا تبطل الصلاة بالتصفيق ولو بقصد الإعلام، ولو من الرجل على المعتمد، بخلاف التسبيح بقصد الإعلام فإنه يبطل الصلاة، لأن التسبيح لفظ يصلح لقصد الذكر، والتصفيق فعل لا يصلح له.
    أما التصفيق خارج الصلاة فيكره بلا قصد اللعب على المعتمد عند الرملي، ولو بقصد اللعب على المعتمد عند ابن حجر، وذلك منعاً من التشبه بالعرب في الجاهلية:
    {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35].
    4- عورة الرجل: ما بين سرته وركبته في الصلاة والطواف وأمام الرجال الأجانب والنساء المحارم. أما عند النساء الأجانب فعورته جميع بدنه، وعورته في الخلوة: السوأتان فقط. والأمة كالرجل.
    وليست السرة والركبة من العورة، لكن يجب ستر جزء منهما ليتحقق ستر العورة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
    وجميع بدن المرأة الحرة في الصلاة عورة إلا وجهها وكفيها، أما خارج الصلاة فعورتها جميع البدن.

    سنن الصلاة الخارجة عنها:
    للصلاة سنن قبلها كالاستياك والأذان والإقامة، واتخاذ السترة، وهنا نبحث الأخير، وقد سبق بحث ما قبله:
    1- تعريف سترة المصلي:
    هي ما يجعله المصلي أمامه لمنع المرور بين يديه.
    2- حكم السترة:
    هي سنة مشروعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر، فليقاتله، فإنه شيطان" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي.
    وليست واجبة باتفاق الفقهاء، لأن الأمر باتخاذها للندب، إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة وليست شرطاً في الصلاة، ولعدم التزام السلف اتخاذها، ولو كان واجباً لالتزموه، ولأن الإثم على المار أمام المصلي، ولو كانت واجبة لأثم المصلي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء" رواه البخاري.
    3- حكمتها:
    منع المرور أمام المصلي بين يديه، مما يقطع خشوعه، وتمكين المصلي من حصر تفكيره في الصلاة، وعدم استرساله في النظر إلى الأشياء، وكف بصره عما وراء سترته لئلا يفوت خشوعه.
    4- آراء الفقهاء في السترة:
    للفقهاء رأيان في اتخاذها مطلقاً أو في حالة خشية مرور أحد: فقال المالكية والحنفية : السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له، لأنه عليه السلام صلى ببطحاء مكة إلى عَنَزة(1)، ولم يكن للقوم سترة. ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه الطريق. فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عوداً أو يضع شيئاً، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط، لأن المقصود وهو الحيلولة بينه وبين المار لا يحصل به.
    وقال الشافعية والحنابلة: يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم بيت، فيصلي إلى حائط أو سارية (عمود)، أم في فضاء، فيصلي إلى شيء شاخص بين يديه كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خطَّ خطاً قبالته، أو بسط مصلَّى كسجادة كما ذكر الشافعية.
    ودليلهم حديث أبي جحيفة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع" متفق عليه، وحديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخَّرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" رواه مسلم.
    وسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية.
    وفي حديث عن ابن عباس قال: "أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد" متفق عليه.
    وذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلى بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر أحمد - "أنه صلى ثَمَّ، ليس بينه وبين الطواف سترة" أي كأن مكة مخصوصة.
    5- صفة السترة وقدرها:
    للفقهاء آراء متقاربة في ذلك فقال الحنفية: أدنى السترة طول ذراع (46.20سم) فصاعداً وغلظ أصبع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضرك من مر بين يديك" رواه مسلم، وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي صلى الله عليه وسلم في الصحراء بذراع طولاً. ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط كما بينا. ويجوز عندهم الاستتار بظهر
    ________________
    (1) العنزة : أطول من العصا، وأقصر من الرُّمح.
    آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر. ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئاً بين يدي المصلي، ثم يمر من ورائه.
    وقال المالكية أيضاً: أقلها طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت، طاهر، وكره النجس، لا يشوش القلب، فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم المربوطة، لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولا يجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما روي عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد، يأمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر" متفق عليه، وعن أبي جحيفة قال: "وبين يديه عَنَزة" وهي عصا قصيرة فيها زُجّ(1). متفق عليه.
    ويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح.
    وقال الشافعية: يستحب أن يصلي إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولاً وإن لم يكن له عرض كسهم، لخبر: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" رواه الحاكم، ولا يستتر بدابة.
    وقال الحنابلة كالحنفية والمالكية: قدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة.
    واستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء الخط بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصاً، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه" رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.
    وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولاً. وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضاً كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضاً وإن شاء طولاً.
    وإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عند الجمهور عرضاً، لأن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه. وقال المالكية: لابد من وضعها منصوبة.
    وأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس، بدليل ما روى ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى بعير" رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض راحلته، ويصلي إليها" قال: قلت: فإذا ذهب الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان، فلا بأس، فإنه يقوم مقام غيره من السترة.
    ____________________
    (1) الزج : الحديدة التي في أسفل الرمح.
    وعن نافع قال: "كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ظهرك". رواه البخاري.
    وروي عن حميد بن هلال قال : "رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي، والناس يمرون بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولا تعجل.
    والخلاصة: أنه يصح الاستتار بظهر آدمي أو امرأة عند الحنفية والمالكية، وقال الحنابلة: يصح الاستتار بالآدمي مطلقاً، ويصح عند الجمهور الاستتار بسترة مغصوبة ولا يصح بها وتكره الصلاة إليها عند الحنابلة، ويصح الاستتار عند الجمهور بالسترة النجسة، ولا يصح ذلك عند المالكية، ويصح بالاتفاق الاستتار بجدار.
    6- استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي:
    اتفق الفقهاء على أنه يكره أن يصلي مستقبلاً وجه إنسان، لأن عمر رضي الله عنه أدب على ذلك، وفي حديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم، فاستقبله، فأنسل انسلالاً" متفق عليه، ولأنه شبه السجود لذلك الشخص. والكراهة فيه عند الحنفية تحريمية.
    ويكره اتفاقاً أن يصلى إلى نار من تنور، وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها، لأن النار تعبد من دون الله، فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها.
    وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجهك، لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: "كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فنهاني: أو قالت: كره ذلك" ولأن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعاً على الأرض. وقال الحنفية: لا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق، لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير، لاستهانته بها.
    ويكره أن يصلي، وأمامه امرأة تصلي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أخروهن من حيث أخرهن الله". أما في غير الصلاة، فلا يكره لخبر عائشة المتقدم. وروى أبو حفص بإسناده عن أم سلمة قالت: "كان فراشي حيال مصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم".
    7- المسافة بين السترة والمصلي:
    يستحب عند الجمهور أن يقرب المصلي من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه، لحديث بلال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة، فصلى بينه وبين الجدار نحوٌ من ثلاثة أذرع" رواه أحمد والنسائي، وروى الإسماعيلي عن سلمة: "كان المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز" وممر العنز: ثلاثة أذرع.
    وقال المالكية: يجعل بينه وبينها قدر ممر الهر أو الشاة، وقيل: ثلاثة أذرع. للحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد: "كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر شاة".
    8- موقف المصلي من السترة:
    السنة باتفاق المذاهب الأربعة: أن يميل المصلي عن السترة يميناً أو يساراً، بحيث لا يقابلها، ولا يصمُد لها صمداً (أي لا يجعلها تلقاء وجهه)، لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود، قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى عود أو إلى عمود، ولا شجرة، إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صَمْداً" أي لا يستقبله، فيجعله وسطاً.
    9- المرور بين يدي المصلي:
    قال الحنفية: يكره تحريماً المرور بين يدي المصلي، ويأثم المار في موضع سجود المصلي، إذا اتخذ سترة، دون أن يكون بينهما حائل كعمود أو جدار، وتحاذت بعض أعضاء المار أعضاء المصلي كمحاذاة رأس المار قدمي المصلي، وذلك إذا كان يصلي في الصحراء. ولو مر رجلان، فالإثم على من يلي المصلي.
    فإن مر إنسان فيما بعد موضع سجود المصلي، أو لم يكن المصلي متخذاً سترة، أو وجد حائل ولو ستارة، أو لم تتحاذ كل أعضاء المار مع أعضاء المصلي بأن مشى جانبه، أو مر في المسجد وراء السترة، لم يحرم المرور ولم يأثم المار، لأن المؤثم المرور بين يدي المصلي، ولأن المسجد كبقعة واحدة، ويجوز المرور بين يدي المصلي لسدّ فرجة في الصف.
    كذلك يكره للمصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه، بأن يصلي بدون سترة في طريق مثلاً، فيأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل، لا بترك السترة، فلو لم يمر أحد لا يأثم، لأن اتخاذ السترة في ذاته ليس واجباً.
    ومن الذي يأثم؟ المصلي أم المار؟ هناك صور أربعة: الأولى: إثم المار وحده: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلين ولم يتعرض المصلي لذلك، فيختص المار بالإثم إن مر. الثانية: إثم المصلي وحده: وهي عكس الأولى: أن يكون المصلي تعرض للمرور وليس للمار مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة، فيأثمان. الرابعة: ألا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.
    وقال المالكية: يأثم المار بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، سواء صلى لسترة أم لا، ما لم يكن محرماً بصلاة، فيجوز له المرور لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف، وما لم يكن طائفاً بالبيت الحرام، فلا حرمة على الطائف والمصلي إذا مَرَّا بين يدي المصلي، ولو كان لهما مندوحة، أي سعة وطريق يمران فيهما. وحرمة المرور هذه إذا كان للمار مندوحة أي سعة وطريق آخر يمر فيه. فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي، فلا إثم عليه إن احتاج للمرور، وإلا أثم.
    ويأثم مصل تعرَّض بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور، ومرَّ بين يديه أحد.
    وقد يأثمان معاً إن تعرض بغير سترة، وكان للمار مندوحة.
    وقد يأثم أحدهما، فيأثم المصلي إن تعرض، ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له مندوحة ولم يتعرض المصلي، أي إن قصر أحدهما دون الآخر أثم وحده.
    وقد لا يأثم واحد منهما إن اضطر المار، ولم يتعرض المصلي.
    وقال الشافعية: الصحيح تحريم المرور إن اتخذ المصلي سترة، وإن لم يجد المار سبيلاً آخر، لخبر أبي جهم الأنصاري: "لو يعلم المار بين يدي المصلي (أي إلى السترة) ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خريفاً، خيراً له من أن يمر بين يديه" رواه البخاري ومسلم.
    ويكره تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه.
    وقال الحنابلة: يأثم المار بين يدي المصلي، ولو لم يكن له سترة، لحديث أبي جهم الأنصاري السابق. ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور، كما قال الشافعية.
    المرور أمام المصلي في أثناء الطواف:اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي المصلي للطائف بالبيت أو داخل الكعبة أو خلف مقام إبراهيم عليه السلام، وإن وجدت سترة، وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها.
    10- موضع حرمة المرور:
    قال الحنفية: إن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير، فيحرم المرور بين يديه، من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان يصلي في بيت أو مسجد صغير (وهو ما كان أقل من أربعين ذراعاً)، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة، لأنه كبقعة واحدة، إن لم يكن له سترة.
    فلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها.
    ولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد، لأنه لو جعل كذلك، لزم الحرج على المارة، فاقتصر على موضع السجود.
    وقال المالكية: إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم من ورائها، وإن صلى لغير سترة، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده فقط.
    وقال الشافعية: يحرم المرور فيما بين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع فأقل.
    وقال الحنابلة: إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.
    11- دفع المار بين يدي المصلي:
    يرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه، لما ثبت في السنة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه، فإن أبى فلْيقاتلْه، فإن معه القَرين" رواه مسلم وابن ماجه.
    ومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستُره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" رواه البخاري ومسلم أي من فعل الشيطان.
    ولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار:
    فقال الحنفية: هو رخصة، والأولى تركه، والعزيمة ترك التعرض له. أما الأمر بمقاتلة المار فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً، فهو منسوخ.
    وإذا أراد الرجل الدفع عملاً بالرخصة: دفع بالإشارة، أو التسبيح، أو الجهر بالقراءة، ولا يزاد عليها، ويكره الجمع بينهما. وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق لا بباطن الكفين، وإنما ببطن اليمنى على ظهر اليسرى.
    ودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بولدي أم سلمة رضي الله عنها رواه ابن ماجه. ودليل الدفع بالتسبيح حديث: "من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء". وراه البخاري ومسلم.
    وقال المالكية: يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن كثر أبطل صلاته، ولو دفعه فأتلف له شيئاً، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال، ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعاً مأذوناً فيه.
    وقال الشافعية والحنابلة: يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته، عملاً بالأحاديث الثابتة المتقدمة، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه. هذا ولا يرد المار بين يدي المصلي في مكة والحرم، بدليل ما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن المُطّلِب بن وَدَاعة: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سُترة".
    12- هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟
    اتفق ائمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها ولا يبطلها، وإنما ينقص الصلاة إذا لم يرده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرءوا ما استطعتم".
    وقال الإمام أحمد: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم(1)، قال معاذ ومجاهد: الكلب الأسود شيطان، وهو يقطع الصلاة.
    واقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، لمعارضة هذين الحديثين بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أمام حمار، وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول عليه وهي معترضة بينه وبين القبلة، وحديث ابن عباس السابق المتفق عليه الذي مر راكباً على حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف، فبقي الكلب الأسود خالياً عن معارض فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض.
    صفة الصلاة أو كيفيتها:
    ما تحرم الصلاة فيه (الصلاة في الموضع المغصوب):
    الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع، لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى.
    وهل تصح الصلاة في المكان المغصوب؟
    قال الجمهور غير الحنابلة: الصلاة صحيحة، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فلم يمنع صحتها، كما لو صلى وهو يرى غريقاً يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقاً يقدر على إطفائه فلم يطفئه، أو مطل غريمه الذي يمكن ايفاؤه وصلى. ويسقط بها الفرض مع الإثم، ويحصل بها الثواب، فيكون مثاباً على فعله، عاصياً بمقامه، وإثمه إذن للمكث في مكان مغصوب.
    وقال الحنابلة: لا تصح الصلاة في الموضع المغصوب، ولو كان جزءاً مشاعاً، أو في ادعائه الملكية، أو في المنفعة المغصوبة من أرض أو حيوان أو بادعاء إجارتها ظالماً، أو وضع يده عليها بدون حق، لأنها عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها، وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعاً بما هو عاص به، ممتثلاً بما هو محرم عليه، متقرباً بما يبعد به ؟! فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال اختياريه، هو عاص بها منهي عنها. ويختلف الأمر عن إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق، لأن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها.
    وأضاف الحنابلة: أنه يصح الوضوء والأذان وإخراج الزكاة والصوم والعقود كالبيع والنكاح وغيرهما، والفسوخ كالطلاق والخلع، في مكان مغصوب، لأن البقعة ليست شرطاً فيها، بخلاف الصلاة.
    وتصح الصلاة في بقعة أبنيتها غصب، ولو استند إلى الأبنية لإباحة البقعة المعتبرة في الصلاة.
    وتصح صلاة من طولب برد وديعة أو رد غصب، قبل دفعها إلى صاحبها، ولو بلا عذر، لأن التحريم لا يختص بالصلاة.
    ولو صلى على أرض غيره ولو كانت مزروعة بلا ضرر ولا غصب، أو صلى على مصلاه بلا غصب ولا ضرر، جاز وصحت صلاته.
    وإن صلى في غصب من بقعة أو غيرها جاهلاً أو ناسياً كونه غصباً، صحت صلاته، لأنه غير آثم.
    وإذا حبس في مكان غصب، صحت صلاته، لحديث: "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
    الأرض المسخوط عليها: وتصح الصلاة في الأرض المسخوط عليها، كأرض الخسف، وكل بقعة نزل فيها عذاب، كأرض بابل، وأرض الحِجْر(1)، ومسجد الضرار(2)، وتكره الصلاة في هذه المواضع، لأن هذا المسجد موضع مسخوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم مر بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
    الأذكار الواردة عقب الصلاة:
    يسن ذكر الله والدعاء المأثور والاستغفار عقب الصلاة، إما بعد الفريضة مباشرة إذا لم يكن لها سنة بعدية كصلاة الفجر وصلاة العصر، وإما بعد الانتهاء من السنة البعدية كصلاة الظهر والمغرب والعشاء، لأن الاستغفار يعوض نقص الصلاة، والدعاء سبيل الحظوة بالثواب والأجر بعد التقرب إلى الله بالصلاة.
    ويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين فيجهر إلى أن يتعلموا، ويقبل الإمام على الحاضرين، جاعلاً يساره إلى المحراب، قال سمرة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه" رواه البخاري.
    ___________________
    (1) ديار ثمود بين المدينة والشام، وهم قوم صالح عليه السلام.
    (2) هو مسجد بناه المنافقون، مجاور لمسجد قباء في المدينة، ليكون مركزاً للمؤمرات، وفيه نزلت الآيات : {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وارصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ...} (الآية 17 من سورة التوبة).
    1- يقول: "أستغفر الله" ثلاثاً، أو "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم وأتوب إليه" ثلاثاً. ثم يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، وإليك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام" لما روى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا سلم - وفي لفظ إذا انصرف من صلاته - استغفر ثلاثاً، ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم.
    ثم يقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" لحديث معاذ ابن جبل، قال: "لقيني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة - أو في دبر كل صلاة - اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه أبو داود والنسائي.
    2- يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوذتين {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} والفاتحة، لما روى الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي في دُبُر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى" رواه الطبراني، ولخبر أبي أمامه: "من قرأ آية الكرسي، وقل هو الله أحد، دُبُر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" رواه النسائي.
    ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.
    3- يسبح الله يقول (سبحان الله)، ويحمده يقول (الحمد لله)، ويكبره يقول (الله أكبر) ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" لحديث أبي هريرة، قال: "من سبَّح الله دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسع وتسعون - عدد أسماء الله الحسنى - وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه، ولو كانت مثلَ زَبَد البحر" رواه مسلم.
    وعن المغيرة بن شُعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجدّ" متفق عليه، وروى مسلم عن ابن الزبير نحوه، وزاد بعد "قدير": "ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
    4- يقول - قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين - بعد صلاتي الصبح والمغرب، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم، عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير" لخبر أحمد عن عبد الرحمن بن غُنم مرفوعاً. رواه الترمذي والنسائي.
    ويقول أيضاً وهو على الصفة المذكورة سبع مرات: "اللهم أجرني من النار" لحديث مسلم بن الحرث التميمي عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرَّ إليه، فقال: إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات" وفي رواية: "قبل أن تكلم أحداً، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك، كتب لك جواراً منها، وإذا صليت الصبح، فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك، كتب لك جواراً منها، قال الحرث: أسر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نخص بها إخواننا" رواه أبو داود وأحمد وابن حبان.
    5- ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وخصوصاً بعد الفجر والعصر، لحضور ملائكة الليل والنهار فيهما، فيؤمِّنون على الدعاء، فيكون أقرب للإجابة. وأفضل الدعاء هو المأثور في السنة، مثل ما روى سعد بن أبي وقاص: أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يُعلِّم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ بهن دُبُر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر" رواه البخاري.
    ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة:
    استحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة ما يأتي.
    1- يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين، إذا كان هناك نساء، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم، قام النساء، حتى يقضي تسليمَه، وهو يمكث في مكانه يسيراً، قبل أن يقوم، قالت: فنُرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يُدركَهن الرجال. رواه البخاري.
    2- وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن له حاجة، انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل، لقول ابن مسعود: "لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينصرف عن شماله" رواه مسلم، وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ينصرف عن شقيه" رواه أبو داود وابن ماجه.
    3- يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه، والفصل بالانتقال أفضل، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور، والانتقال أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد له يوم القيامة. ويفصل بين الصبح وسنته بالاضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر، اتباعاً للسنة.
    وقال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كما قال علي رضي الله عنه. وقال أحمد أيضاً: من صلى وراء الإمام، فلا بأس أن يتطوع مكانه، كما فعل ابن عمر. روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي فيه بالناس" وذكر الشافعية أن النفل الذي لا تسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه بالمسجد، للخبر الصحيح: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" لتعود بركة صلاته على منزله.
    - القنوت في الصلاة:
    يندب القنوت في الصلاة، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على آراء، فقال الحنفية والحنابلة: يقنت في الوتر، قبل الركوع عند الحنفية، وبعد الركوع عند الحنابلة، ولا يقنت غيره من الصلوات.
    وقال المالكية والشافعية: يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، والأفضل عند المالكية قبل الركوع، ويكره عند المالكية القنوت في غير الصبح.
    ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة: القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح، والحنفية في صلاة جهرية.
    وتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي:
    أولاً- قنوت الوتر أو الصبح :
    قال الحنفية: يقنت المصلي في صلاة الوتر، فيكبر بعد الانتهاء من القراءة، ويرفع يديه كرفعه عند الافتتاح، ثم يضعهما تحت سرته، ثم يقنت، ثم يركع، ولا يقنت في صلاة غير الوتر إلا لنازلة في الصلاة الجهرية، وأما قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر شهراً فهو منسوخ بالإجماع، لما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه. رواه الطبراني والبزار.
    وحكمه عندهم: أنه واجب عند أبي حنيفة.
    ومحل أدائه: الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة، بدليل ما روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم (عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب) أن قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الوتر قبل الركوع.
    ومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في القنوت: اللهم إنا نستعينك، أو اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، وكلاهما على مقدار هذه السورة.
    وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع(1) ونترك من يفجُرُك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد(2)، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ(3) بالكفار مُلحِقَ"(4) وهو الدعاء المشهور لابن عمر، ولا مانع من صحة نسبته لكل من عمر وابنه.
    وذلك بدليل ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران، قال : "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعَّاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر شيء، ثم علّمه القنوت: اللهم إنا نستعينك ... إلخ" ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا القنوت، فالأولى أن يقرأه. ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً. والأولى أن يقرأه بعدما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته: اللهم اهدنا فيمن هديت .. إلى آخره، رواه الترمذي وأبو داود. ثم بعده يصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، فيقول: "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".
    ومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه،إما أن يقول: يا رب أو اللهم اغفر لي ثلاثاً أو "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" والآية الأخيرة أفضل. ويجعل قنوته سراً.
    وحكمه حال نسيانه: إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع، ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الركوع، لا يعود إليه، ويسقط عنه القنوت. كما يسقط عنه إذا تذكره في الركوع، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته قبل السلام، لفوات القنوت عن محله، فإن عاد إليه وقنت، ولم يعد الركوع، لم تفسد صلاته، لكون ركوعه بعد قراءة تامة.
    ويأتي المأموم بقنوت الوتر، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع، لأنه مجتهد فيه.
    وإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر، كان مدركاً للقنوت حكماً، فلا يأتي به في آخر صلاته.
    وقالوا أخيراً: إذا قنت الإمام في صلاة الفجر سكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد
    __________________
    (1) نلقي.
    (2) نبادر ونسارع.
    (3) الحق.
    (4) لاحق بهم.
    رحمهما الله، وهو الأظهر، لأنه منسوخ ولا متابعة فيه، وقال أبو يوسف: يتابعه، لأنه تبع لإمامه، والقنوت مجتهد فيه.
    مذهب المالكية:
    يندب عند المالكية قنوت سراً في الصبح فقط، لا في الوتر وغيره فيكره، وذلك قبل الركوع، وهو أفضل، ويجوز بعد الركوع. ولفظه المختار: اللهم إنا نستعينك ... إلخ كالحنفية، ولا يضم إليه: "اللهم اهدنا فيمن هديت .." إلخ على المشهور.
    ويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً، ولا بأس برفع اليدين فيه.
    مذهب الشافعية:
    يسن عندهم القنوت في اعتدال ثانية الصبح، وصيغته المختارة هي: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك"(1)، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
    ويقنت الإمام بلفظ الجمع، فيقول: اللهم اهدنا .. إلخ، لأن البيهقي رواه بلفظ الجمع، فحمل على الإمام.
    ودليلهم على اختيار هذه الصيغة: ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ ما تقدم. وزاد البيهقي فيه عبارة: "فلك الحمد على ما قضيت .. "إلخ.
    وقال أنس بن مالك: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر، حتى فارق الدنيا" رواه أحمد وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم.
    والصحيح سن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر القنوت للأخبار الصحيحة في ذلك. كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية، اتباعاً للسنة.
    ويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء. وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في القنوت : "وقني شر ما قضيت" لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة.
    _____________________
    (1) معناه إجمالاً : اللهم دلني على الطريق التي توصل إليك، مع من دللته إلى الطريق التي توصل إليك، وعافني من البلايا مع من عافيته منها، وتول أموري وحفظي مع من توليت أموره وحفطه، وأنزل يا الله البركة : وهي الخير الإلهي فيما أعطيته لي، واحفظني مما يترتب على ما قضيته من السخط والجزع، وإلا فالقضاء المحتم لا بد من نفوذه. وأنت تحكم ولا يحكم عليك، لا معقب لحكمه، ولا يحصل لمن واليته ذل، ولا يحصل لمن عاديته عز، تزايد برك وإحسانك وارتفعت عما لا يليق بك. ويقول "ربنا" بصيغة الجمع ولو كان منفرداً اتباعاً للوارد. لك الحمد من حيث نسبته إليك، لأنه لا يصدر عنك إلا الجميل، وإنما يكون شراً بنسبته لنا، أستغفرك من الذنوب وأتوب إليك.

    والصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه، لعدم وروده، كما قال البيهقي. والإمام يجهر بالقنوت، اتباعاً للسنة، ويؤمن المأموم للدعاء إلى قوله: "وقني شر ما قضيت"، ويجهر به كما في تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله: "فإنك تقضي .." إلخ، لأنه ثناء وذكر فكانت الموافقة فيه أليق، أو يقول: أشهد، والأول أولى، وقال بعضهم: الثاني أولى. فإن لم يسمع الإمام قنت ندباً معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها.
    وهل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الدعاء، فيؤمن فيها، أو من قبيل الثناء فيشارك فيها ؟ المعتمد هو الأول، لكن الأولى الجمع بينهما. ولا يرد على اقتصاره على التأمين قوله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف امرئ ذكرت عنده، فلم يصل علي" رواه الترمذي والحاكم لأنه في غير المصلي، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه.
    ويصح الدعاء بغير هذه الصيغة، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء، مثل: "اللهم اغفر لي يا غفور" فقوله: "اغفر لي" دعاء، وقوله: "يا غفور" ثناء، ومثل "وارحمني يا رحيم" أو "والطف بي يا لطيف" والأولى أن يقول: "اللهم اهدني .." السابق.
    ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، لكن يستحب له الجمع بين قنوت النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم اهدني .. إلخ" وقنوت عمر أو ابنه: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك" السابق. والجمع لمنفرد وإمام جماعة التطويل، وإن اقتصر فليقتصر على الأول.
    ويزاد عليهما: "اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسولك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم أصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم (أي ألهمهم) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق، واجعلنا منهم".
    والقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة، فإن تركه كله أو بعضه، أو ترك شيئاً من قنوت عمر إذا جمعه مع قنوت النبي عليه السلام، أو ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده، سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه الحنفي، أو تركه إمامه المذكور وأتى به هو.
    مذهب الحنابلة:
    يسن القنوت عندهم كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة، بعد الركوع، كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان، فإن قنت قبل الركوع فلا بأس، لما روى ابن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع" رواه مسلم وروى حميد، قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح؟ فقال: "كنا نقنت قبل الركوع وبعده" رواه ابن ماجه.
    ويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: "اللهم إنا نستعينك .. إلخ" "اللهم اهدنا فيمن هديت" والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة، لما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت .. إلخ رواه أبو داود والترمذي. وعن عمر رضي الله عنه: أنه قنت في صلاة الفجر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك .. إلخ ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى آله. ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء غير ما تقدم.
    وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه، ويرفع يديه، ويمسح وجهه بيديه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بها وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه، وروى السائب بن يزيد عن أبيه : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بهما وجهه" رواه أبو داود. ويؤمن المأموم بلا قنوت إن سمع، وإن لم يسمع دعا.
    ولا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر، كما قال الحنفية، لما روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه" رواه مسلم.
    ثانياً- القنوت أثناء النوازل:
    قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يشرع القنوت للنازلة لا مطلقاً، في الجهرية فقط عند الحنفية، وفي سائر الصلوات المكتوبات عند غيرهم إلا الجمعة عند الحنابلة اكتفاءً بالدعاء في خطبتها، ويجهر في دعائه في هذا القنوت. والنازلة: أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد، أو نحوها، اتباعاً للسنة، لأنه "صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة" وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع ..".
    وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام، عند الشافعية، فلأنه صلى الله عليه وسلم لم يقنت إلا عند النازلة.
    ويدعو بنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك".
    ولا يسن السجود لترك قنوت النوازل، لأنه - كما قال الشافعية - ليس من أبعاض الصلاة.
    - صلاة الوتر:
    التعريف:
    الوتر (بفتح الواو وكسرها) لغة: العدد الفردي، كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر" رواه مسلم. ومن كلام العرب: كان القوم شفعاً فوترتهم وأوترتهم، أي جعلت شفعهم وتراً. وفي الحديث: "من استجمر فليوتر" رواه البخاري، معناه: فليستنج بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة، ولا يستنج بالشفع.
    والوتر في الاصطلاح: صلاة الوتر، وهي صلاة تفعل ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، تختم بها صلاة الليل، سميت بذلك لأنها تصلى وتراً، ركعة واحدة، أو ثلاثاً، أو أكثر، ولا يجوز جعلها شفعاً، ويقال: صليت الوتر، وأوترت، بمعنى واحد. وصلاة الوتر اختلف فيها، ففي قول: هي جزء من صلاة قيام الليل والتهجد، قال النووي: هذا هو الصحيح المنصوص عليه في الأم، وفي المختصر. وفي وجه أي لبعض الشافعية: أنه لا يسمى تهجداً، بل الوتر غير التهجد.
    حكم الوتر:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوتر سنة مؤكدة، وليس واجباً، ودليل سنيته قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن" رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وواظب عليه.
    واستدلوا لعدم وجوبه بما ثبت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أعرابي: عما فرض الله عليه في اليوم والليلة؟ فقال: خمس صلوات، فقال : هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع" رواه البخاري ومسلم.
    وقال علي - رضي الله عنه - "الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكن سنة، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم" قالوا: ولأن الوتر يجوز فعله على الراحلة لغير الضرورة، وثبت ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أي وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" رواه البخاري، فلو كانت واجبة لما صلاها على الراحلة، كالفرائض.
    وذهب أبو حنيفة إلى أن الوتر واجب، وليس بفرض، وإنما لم يجعله فرضاً لأنه لا يكفر جاحده، ولا يؤذن له كأذان الفرائض، واستدل بوجوبه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا" كرر ثلاثاً رواه أبو داود، وبقوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر" رواه الترمذي والحاكم، وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والأحاديث الآمرة به كثيرة، ولأنه صلاة مؤقتة تقضى.
    وجوب الوتر على النبي صلى الله عليه وسلم:
    صرح الشافعية والحنابلة: بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوتر عليه، قالوا: وكونه كان يصلي الوتر على الراحلة يحتمل أنه لعذر، أو أنه كان واجباً عليه في الحضر دون السفر. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن عليّ فرائض، وهن لكن تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى".
    درجة السنية في صلاة الوتر عند غير الحنفية، ومنزلتها بين سائر النوافل:
    صلاة الوتر عند الجمهور سنة مؤكدة للأحاديث التي تحض عليها، وحديث خارجة بن حذافة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي صلاة الوتر، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر". رواه الترمذي والحاكم.
    ومن هنا ذهب الحنابلة إلى أن من تركها فقد أساء، وكره له ذلك. قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة .. ا هـ.
    والوتر من السنن الرواتب عند الحنابلة، وهو عند المالكية والشافعية: آكد الرواتب وأفضلها.
    وآكد النوافل عند الحنابلة: صلاة الكسوف، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتركها عند وجود سببها، ثم الاستسقاء، لأنه تشرع لها الجماعة مطلقاً، فأشبهت الفرائض، ثم التروايح، لأنه لم يداوم عليها خشية أن تفرض، لكنها أشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها، ثم الوتر، لأنه ورد فيه من الأخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، ثم سنة الفجر، ثم سنة المغرب، ثم باقي الرواتب سواء.
    وقت الوتر:
    وقت الوتر عند الحنابلة وعند الشافعية يبدأ من بعد صلاة العشاء وذلك لحديث خارجة المتقدم، وفيه: "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" قالوا: ويصلي استحباباً بعد سنة العشاء، ليوالى بين العشاء وسنتها. قالوا : ولو جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم، أي في وقت المغرب فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء.
    ومن صلى الوتر قبل أن يصلي العشاء لم يصح وتره لعدم دخول وقته، فإن فعله نسياناً أعاده.
    وآخر وقته عند الشافعية، والحنابلة طلوع الفجر الثاني لحديث خارجة المتقدم.
    وذهب المالكية: إلى أن أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء الصحيحة ومغيب الشفق، فمن قدم العشاء في جمع التقديم فإنه لا يصلي الوتر إلا بعد مغيب الشفق. وأما آخر وقت الوتر عندهم فهو طلوع الفجر، إلا في الضرورة، وذلك لمن غلبته عيناه عن ورده فله أن يصليه، فيوتر ما بين طلوع الفجر وبين أن يصلي الصبح، ما لم يخش أن تفوت صلاة الصبح بطلوع الشمس. فلو شرع في صلاة الصبح، وكان منفرداً، قبل أن يصلي الوتر، ندب له قطعها ليصلي الوتر. ولا يندب ذلك للمؤتم، وفي الإمام روايتان.
    وذهب الحنفية: إلى أن وقت الوتر هو وقت العشاء، أي من غروب الشفق إلى طلوع الفجر، ولذا اكتفي بأذان العشاء وإقامته، فلا يؤذن للوتر، ولا يقام لها، مع قولهم بوجوبها.
    قالوا: ولا يجوز تقديم صلاة الوتر على صلاة العشاء، لا لعدم دخول وقتها، بل لوجوب الترتيب بينها وبين العشاء. فلو صلى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما، فظهر فساد صلاة العشاء دون الوتر يصح الوتر ويعيد العشاء وحدها عند أبي حنيفة، لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر. وقال الحنفية - أيضاً -: من لم يجد وقت العشاء والوتر، بأن كان في بلد يطلع فيه الفجر مع غروب الشفق، أو قبله، فلا يجب عليه العشاء ولا الوتر.
    واتفق الفقهاء: على أنه يسن جعل الوتر آخر النوافل التي تصلى بالليل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". رواه البخاري ومسلم.
    فإن أراد من صلى العشاء أن يتنفل يجعل وتره بعد النفل، وإن كان يريد أن يتهجد - أي يقوم من آخر الليل - فإنه إذا وثق باستيقاظه أواخر الليل يستحب له أن يؤخر وتره ليفعله آخر الليل، وإلا فيستحب تقديمه قبل النوم، لحديث: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من كلّ اللّيل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول اللّيل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السّحر" رواه البخاري ومسلم.
    عدد ركعات صلاة الوتر:
    أقل صلاة الوتر عند الشافعية والحنابلة ركعة واحدة. قالوا: ويجوز ذلك بلا كراهة لحديث: "صلاة اللّيل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" رواه البخاري ومسلم، والاقتصار عليها خلاف الأولى، لكن في قول عند الشافعية: شرط الإيتار بركعة سبق نفل بعد العشاء من سنتها، أو غيرها ليوتر النفل.
    وقال الحنفية: لا يجوز الإيتار بركعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن البتيراء" قالوا: "روي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلاً يوتر بواحدة، فقال: ما هذه البتيراء؟ لتشفعنّها أو لأؤدبنك".
    وقال الشافعية والحنابلة: أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، وفي قول عند الشافعية أكثره ثلاث عشرة ركعة، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار، لقول النبي صلى الله عليه وسم: "من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وقوله: "أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة" وقالت أم سلمة - رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة" رواه الحاكم. لكن قال المحلي: يحمل هذا على أنها حسبت فيه سنة العشاء.
    وأدنى الكمال عند الشافعية والحنابلة ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى. ونص الحنابلة: على أنه لا يكره الإيتار بركعة واحدة، ولو بلا عذر. وأكمل من الثلاث خمس، ثم سبع، ثم تسع ثم إحدى عشرة، وهي أكمله.
    أما الحنفية: فلم يذكروا في عدده إلا ثلاث ركعات، بتشهدين وسلام، كما يصلى المغرب. واحتجوا بقول عائشة - رضي الله عنها - "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلّم إلا في آخرهن" رواه الحاكم.
    أما عند المالكية: فإن الوتر ركعة واحدة، لكن لا تكون إلا بعد شفع يسبقها. واختلف: هل تقديم الشفع شرط صحة أو كمال؟ قالوا: وقد تسمى الركعات الثلاث وتراً إلا أن ذلك مجاز، والوتر في الحقيقة هو الركعة الواحدة. ويكره أن يصلي واحدة فقط، بل بعد نافلة، وأقل تلك النافلة ركعتان، ولا حدّ لأكثرها. قالوا: والأصل في ذلك حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".
    وقالوا: لا يشترط في الشفع الذي قبل ركعة الوتر نية تخصه، بل يكتفي بأي ركعتين كانتا.
    صفة صلاة الوتر:
    أولاً: الفصل والوصل:
    المصلي إما أن يوتر بركعة، أو بثلاث، أو بأكثر:
    أ- فإن أوتر المصلي بركعة - عند القائلين بجوازه - فالأمر واضح.
    ب- وإن أوتر بثلاث، فله ثلاث صور:
    الصورة الأولى: أن يفصل الشفع بالسلام، ثم يصلي الركعة الثالثة بتكبيرة إحرام مستقلة. وهذه الصورة عند غير الحنفية، وهي المعيّنة عند المالكية، فيكره ما عداها، إلا عند الاقتداء بمن يصِلُ.
    وأجازها الشافعية والحنابلة، وقالوا: إن الفصل أفضل من الوصل، لزيادته عليه السلام وغيره. وفي قول عند الشافعية: إن كان إماماً فالوصل أفضل، لأنه يقتدي به المخالف، وإن كان منفرداً فالفصل أفضل. قالوا: ودليل هذه الصورة ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة" رواه أحمد وورد: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يسلم من الركعتين حتى يأمر ببعض حاجته.
    وصرح الحنابلة بأنه يسن فعل الركعة بعد الشفع بعد تأخير لها عنه. نص على ذلك أحمد. ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر ليفصل. وذكر الشافعية أنه ينوي في الركعتين إن أراد الفصل: (ركعتين من الوتر) أو (سنة الوتر) أو (مقدمة الوتر) قالوا: ولا يصح بنية (الشفع) أو (سنة العشاء) أو (صلاة الليل).
    الصورة الثانية: أن يصلي الثلاث متصلة سرداً، أي من غير أن يفصل بينهن بسلام ولا جلوس، وهي عند الشافعية والحنابلة أولى من الصورة التالية. واستدلوا لهذه الصورة بأن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يوتر بخمس، ولا يجلس إلا في آخرها".
    وهذه الصورة مكروهة عند المالكية، لكن إن صلى خلف من فعل ذلك فيواصل معه.
    الصورة الثالثة: الوصل بين الركعات الثلاث، بأن يجلس بعد الثانية فيتشهد ولا يسلم، بل يقوم للثالثة ويسلم بعدها، فتكون في الهيئة كصلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة بعد الفاتحة خلافاً للمغرب.
    وهذه الصورة هي المتعينة عند الحنفية.
    وقال الشافعية: هي جائزة مع الكراهة، لأن تشبيه الوتر بالمغرب مكروه.
    وقال الحنابلة: لا كراهة.
    ج- أن يصلي أكثر من ثلاث:
    وهو جائز - كما تقدم - عند الشافعية والحنابلة.
    قال الشافعية: فالفصل بسلام بعد كل ركعتين أفضل، لحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بإحدى عشرة ركعة ويسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة" ويجوز أن يصلي أربعاً بتسليمة، وستاً بتسليمة، ثم يصلي ركعة، وله الوصل بتشهد، أو تشهدين في الثلاث الأخيرة.
    وقال الحنابلة: إن أوتر بخمس أو سبع فالأفضل أن يسردهن سرداً فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث عائشة - رضي الله عنها -: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها" رواه مسلم. ولحديث أم سلمة - رضيالله عنها - قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بخمس، وسبع، لا يفصل بينهن بتسليم" رواه النسائي.
    وإن أوتر بتسع فالأفضل أن يسرد ثمانياً، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلّم.
    ويجوز في الخمس والسبع والتسع أن يسلم من كل ركعتين.
    وإن أوتر بإحدى عشرة فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد عشراً، ثم يتشهد، ثم يقوم فيأتي بالركعة ويسلم، ويجوز أن يسرد الإحدى عشرة فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها.

    ثانياً: القيام والقعود في صلاة الوتر، وأداؤها على الراحلة:
    ذهب الحنفية إلى أن صلاة الوتر لا تصح إلا من قيام، إلا لعاجز، فيجوز أن يصليها قاعداً، ولا تصح على الراحلة من غير عذر.
    وذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أنه تجوز للقاعد أن يصليها ولو كان قادراً على القيام، وإلى جواز صلاتها على الراحلة ولو لغير عذر. وذلك مروي عن علي وابن عمر وابن عباس والثوري وإسحاق - رضي الله عنهم - قالوا: لأنها سنة، فجاز فيها ذلك كسائر السنن.
    واحتجوا لذلك بما ورد من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يسبح على الراحلة قبل أيّ وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" رواه البخاري.
    وعن سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر - رضي الله عنهما - بطريق مكة، قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم أدركته، فقال لي ابن عمر: "أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقلت: بلى والله. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير" رواه مسلم.

    ثالثاً: الجهر والإسرار:
    قال الحنفية: يجهر في الوتر إن كان إماماً في رمضان لا في غيره.
    وقال المالكية: تأكد ندب الجهر بوتر، سواء صلاه ليلاً أو بعد الفجر.
    وقال الشافعية: يسن لغير المأموم أن يجهر بالقراءة في وتر رمضان، ويسر في غيره.
    وقال الحنابلة: يخير المنفرد في صلاة الوتر في الجهر وعدمه.
    رابعاً: ما يقرأ في صلاة الوتر:
    اتفق الفقهاء على أنه يقرأ في كل ركعة من الوتر الفاتحة وسورة. والسورة عند الجمهور سنّة، لا يعود لها إن ركع وتركها.
    ثم ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقّت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة، فما قرأ فيه فهو حسن، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ به في الأولى بسورة {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الثانية بالـ {الكافِرُون} وفي الثالثة {بالإخلاص}، فيقرأ به أحياناً، ويقرأ بغيره أحياناً للتحرز عن هجران باقي القرآن.
    وذهب الحنابلة إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث المذكورة، لما ورد من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ذلك" رواه الترمذي والحاكم.
    وذهب المالكية والشافعية - كذلك- إلى أنه يندب في الشفع (سبح، والكافرون)، أما في الثالثة فيندب أن يقرأ (بسورة الإخلاص، والمعوذتين)، لحديث عائشة - رضي الله عنها - في ذلك. لكن قال المالكية: يندب ذلك إلا لمن له حزب، أي قدر من القرآن يقرؤه ليلاً، فيقرأ من حزبه في الشفع والوتر.
    خامساً: القنوت في صلاة الوتر:
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القنوت في الوتر مشروع في الجملة، واختلفوا في أنه واجب أو مستحب، وفي أنه يكون في جميع ليالي السنة أو في بعضها، وفي أنه هل يكون قبل الركوع أو بعده، وفيما يسن أن يدعو به، وفي غير ذلك من مسائله. وذهب المالكية إلى أن القنوت في الوتر مكروه.
    الوتر في السفر:
    لا يختلف حكم صلاة الوتر في السفر عنه في الحضر، فمن قال: إنه سنة، وهم المالكية والشافعية والحنابلة فإنه يسن في السفر كالحضر.
    ومن قال إنه واجب - وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة يجب في السفر كالحضر.

    أداء صلاة الوتر في جماعة:
    ينص الشافعية والحنابلة على أنه لا يسن أن يصلي الوتر في جماعة، لكن تندب الجماعة في الوتر الذي يكون عقب التراويح، تبعاً لها. وصرح الحنفية بأنه يندب فعله حينئذ في المسجد تبعاً للتراويح.
    وقال المالكية: يندب فعلها في البيوت ولو جماعة إن لم تعطل المساجد عن صلاتها بها جماعة. وعللوا أفضلية الانفراد بالسلامة من الرياء، ولا يسلم منه إلا إذا صلى وحده في بيته.
    ونص الحنابلة على أن فعل الوتر في البيت أفضل، كسائر السنن إلا لعارض، فالمعتكف يصليها في المسجد، وإن صلى مع الإمام التراويح يصلي معه الوتر لينال فضيلة الجماعة، لكن إن كان له تهجد فإنه يتابع الإمام في الوتر فإذا سلّم الإمام لم يسلِّم معه بل يقوم فيشفع وتره، وذلك لينال فضيلة الجماعة.
    ونص الحنابلة كذلك على أنه لو أدرك المسبوق بالوتر مع الإمام ركعة فإن كان الإمام سلم من اثنتين أجزأت المسبوق الركعة عن وتره، وإن كان الإمام لم يسلم من الركعتين فعلى المسبوق أن يقضيهما لحديث: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" رواه عبد الرزاق في المصنف.
    نقض الوتر:
    من صلى الوتر ثم بدا له بعد ذلك أن يصلي نفلاً، فإن ذلك جائز بلا كراهة عند الشافعية ولو صلى مع الإمام التراويح، ثم أوتر معه وهو ينوي القيام بعد ذلك، فلا بأس أن يوتر معه إن طرأت له النية بعده أو فيه. أما إن طرأت له قبل ذلك فيكره له على ما صرح به المالكية.
    وإذا أراد أن يصلي بعد الوتر فله عند الفقهاء طريقتان:
    الطريقة الأولى: أن يصلي شفعاً ما شاء، ثم لا يوتر بعد ذلك.
    وقد أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة بهذه الطريقة وهو مروي عن أبي بكر وسعد وعمار وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -، استدلوا بقول عائشة - رضي الله عنها - وقد سئلت عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد بن منصور. واستدلوا على عدم إيتاره مرة أخرى بحديث طلق بن علي مرفوعاً: "لا وتران في ليلة"رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ولما صح: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين" رواه ابن ماجه.
    والطريقة الثانية: وعند الشافعية: أن يبدأ نفله بركعة يشفع بها وتره، ثم يصلي شفعاً ما شاء ثم يوتر، وهو مروي عن عثمان وعلي وأسامة، وسعد وابن عمر وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" رواه البخاري ومسلم.
    قضاء صلاة الوتر:
    ذهب الحنفية إلى أن من طلع عليه الفجر ولم يصل الوتر يجب عليه قضاؤه، سواء أتركه عمداً أم نسياناً وإن طالت المدة، ومتى قضاه يقضيه بالقنوت. فلو صلى الصبح وهو ذاكر أنه لم يصل الوتر فصلاة الصبح فاسدة عند أبي حنفية لوجوب الترتيب بين الوتر والفريضة. ولا يقضي الوتر عند المالكية إذا تذكره بعد أن صلى الصبح. فإن تذكره فيها ندب له إن كان منفرداً أن يقطعها ليصلي الوتر ما لم يخف خروج الوقت، وإن تذكره في أثناء ركعتي الفجر فقيل: يقطعها كالصبح، وقيل: يتمها ثم يوتر.
    وذهب الحنابلة إلى أنه يقضى الوتر إذا فات وقته، أي على سبيل الندب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره" رواه أبو داود والحاكم، قالوا: ويقضيه مع شفعه.
    وعند الشافعية: أنه يستحب قضاء الوتر وهو المنصوص في الجديد ويستحب القضاء أبداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام على صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
    التسبيح بعد الوتر:
    يستحب أن يقول بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ويمد صوته بها في الثالثة، لحديث عبد الرحمن بن أبزى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم يرفع صوته بها في الثالثة" رواه النسائي.




  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي


    صلاة الجماعة:
    1- مشروعية صلاة الجماعة:
    الجماعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
    أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ..} [النساء: 102] الآية، أمر الله بالجماعة في حالة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن أولى، ولو لم تكن مطلوبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.
    وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، بسبع وعشرين درجة" متفق عليه.
    وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة على مشروعيتها بعد الهجرة.
    2- فضل صلاة الجماعة: ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وأنهن من سُنَن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور، ثم يَعْمَد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه سيئة، ولقد رأتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم وأبو داود.
    وهي أيضاً نور المسلم يوم القيامة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر المشاءين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داود والترمذي.
    وآكد الجماعات في غير الجمعة: جماعة الصبح ثم العشاء ثم العصر، للحديثين الآتيين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير، لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمة والصبح لأتوها، ولو حَبْواً" متفق عليه.
    وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" رواه مسلم. أما العصر فلأنها الصلاة الوسطى.
    3- حكمة صلاة الجماعة: تحقيق التآلف والتعارف والتعاون بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والود في قلوبهم، وإشعارهم بأنهم إخوة متساوون متضامنون في السراء والضراء، دون فارق بينهم في الدرجة أو الرتبة أو الحرفة أو الثروة والجاه، أو الغنى والفقر.
    وفيها تعويد على النظام والانضباط وحب الطاعة في البر والمعروف، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة العامة والخاصة، فتثمر الصلاة جماعة أطيب الثمرات، وتحقق أبعد الأهداف، وتربي الناس على أفضل أصول التربية، وتربط أبناء المجتمع بأقوى الروابط، لأن ربهم واحد، وإمامهم واحد، وغايتهم واحدة، وسبيلهم واحدة.
    4- حكم صلاة الجماعة:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى أن: الجماعة في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد والمريض والشيخ الهرم ومقطوع اليد والرجل من خلاف. وكونها سنة، لأن ظاهر الحديث السابق "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" يدل على أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة.
    وذهب الشافعية إلى أن: الجماعة فرض كفاية، لرجال أحرار مقيمين، لا عراة، في أداء مكتوبة، بحيث يظهر الشعار أي شعار الجماعة بإقامتها، في كل بلد صغير أو كبير. فإن امتنعوا كلُّهم من إقامتها قوتلوا (أي قاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس)، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح.
    وذهب الحنابلة إلى أن: الجماعة واجبة وجوب عين. لقوله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيدهن لقد هممت أن آمر بحطب ليحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً، فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم" متفق عليه.
    5- أقل الجماعة أو من تنعقد به الجماعة:
    ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم ولو مع صبي ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الجماعة لا تنعقد مع صبي مميز لكن عند الحنابلة في فرض لا نفل فتصح به، لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض. ويصح أن يؤم صغيراً في نفل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ ابن عباس، وهو صبي في التهجد.
    6 - أفضل الجماعة:
    الجماعة في المسجد لغير المرأة أو الخنثى أفضل منها في غير المسجد، كالبيت لأن المسجد مشتمل على الشرف والطهارة وإظهار الشعائر.
    7-أفضلية المساجد التي تقام فيها الجماعة:
    فقال الحنابلة: إن كان البلد ثغراً، وهو المكان المخوف، فالأفضل لأهله الاجتماع في مسجد واحد، لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. والأفضل لغيرهم: الصلاة في المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره، أو تقام فيه الجماعة بدون حضوره، لكن فيه جبر قلوب الإمام أو الجماعة. ثم المسجد العتيق (مسجد مكة)، لأن الطاعة فيه أسبق.
    الأفضل من المساجد: ما كان أكثر جماعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل مع الرجل أولى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" رواه أحمد وأبو داود.
    ثم المسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس في الصلاة أجراً أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه مسلم ولكثرة حسناته بكثرة خطاه.
    8- حضور النساء إلى المساجد:
    ذهب أبو حنيفة إلى أن: يكره للنساء الشوابّ حضور الجماعة مطلقاً، لما فيه من خوف الفتنة، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.
    وذهب المالكية إلى أنه: يجوز خلافاً للأولى خروج امرأة متجالَّة لا أرب للرجال فيها للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف، كما يجوز خروج شابة غير مُفتنة لمسجد وجنازة قريب من أهلها، أما التي يخشى منها الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال، لأنها مظنة الفتنة، وتصلي في بيتها. ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت (غير متعطرة) بإذن زوجها، وبيتها خير لها. لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات" رواه أحمد وأبو داود أي غير متطيبات. وعن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".
    9- إدراك ثواب الجماعة:
    وذهب الحنابلة والحنفية إلى أنه: من كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى، أدرك الجماعة، ولو لم يجلس معه، لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة. لكنه دون فضل من يدركها من أولها.
    وذهب الشافعية إلى أن: إدراك فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، وإن لم يقعد معه، بأن انتهى سلامه عقب تحرّمه، وإن بدأ بالسلام قبله، لإدراكه ركناً معه، لكنه دون فضل من يدركها من أولها. واستثنوا صلاة الجمعة فإن جماعتها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام.
    وذهب المالكية إلى أنه: إنما يحصل فضل الجماعة الوارد به الخبر المتضمن كون ثوابها بخمس أو بسبع وعشرين درجة، بإدراك ركعة كاملة يدركها مع الإمام، بأن يمكن يديه من ركبتيه أو مما قاربهما قبل رفع الإمام وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه. أما مدرك ما دون الركعة فلا يحصل له فضل الجماعة، وإن كان مأموراً بالدخول مع الإمام، وأنه مأجور بلا نزاع.
    10- إدراك الفريضة مع الإمام:
    ذهب أئمة المذاهب إلى الاتفاق: على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه، فإنه يدرك الركعة مع الإمام، وتسقط عنه القراءة، فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع، لم تحسب الركعة. لكن المالكية قالوا: إنما تدرك الركعة مع الإمام بانحناء المأموم في أول ركعة له مع الإمام قبل اعتدال الإمام من ركوعه، ولو حال رفعه، ولو لم يطمئن المأموم في ركوعه إلا بعد اعتدال الإمام مطمئناً، ثم يكبر لركوع أو سجود بعد تكبيرة الإحرام، ولا يؤخر الدخول مع الإمام في أي حالة من الحالات حتى يقوم للركعة التي تليها، وإن شك هل ركع قبل اعتدال الإمام أو بعده لم تحسب له الركعة.
    وقال الحنابلة: من أدرك الإمام راكعاً، أجزأته تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لأنه فعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.
    واشترط الشافعية كالمالكية تكبيرة الركوع عدا تكبيرة الإحرام ليدرك جزءاً من القيام.
    11 - المشي للجماعة:
    يستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها، وعليه السكينة والوقار، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا" متفق عليه.
    وذهب المالكية إلى أنه: أنه يجوز الإسراع لإدراك الصلاة مع الجماعة، بلا خَبَب (أي هرولة: وهي ما دون الجري) وتكره الهرولة، لأنها تذهب الخشوع، والجري أولى.
    12-المبادرة للاقتداء مع الإمام:
    ذهب أئمة المذاهب إلى أن المصلي يبادر للاقتداء بالإمام، سواء أكان قائماً أم راكعاً أم ساجداً أم نحوه.
    تاسعاً - تكرار الجماعة في المسجد:
    ذهب الحنفية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة بأذان وإقامة في المسجد، إلا إذا كان مسجد طريف، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً.
    أما مسجد الشارع، فالناس فيه سواء، لا اختصاص له بفريق دون فريق. وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق: وهي ما ليس لها إمام وجماعة معينون.
    وذهب المالكية إلى أنه: يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، وكذلك يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب، ويحرم إقامة جماعة الإمام الراتب. والقاعدة عندهم: أنه متى أقيمت الصلاة مع الإمام الراتب، فلا يجوز إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لا جماعة ولا فرادى. ومن صلى جماعة مع الإمام الراتب، وجب عليه الخروج من المسجد، لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام. وإذا دخل جماعة مسجداً، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى، ندب لهم الخروج ليصلوا جماعة خارج المسجد، إلا المساجد الثلاثة (المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)، فيصلون فيها فرادى، إن دخلوها، لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل من جماعة غيرها.
    وذهب الشافعية إلى أنه: يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن الإمام الراتب، ولا يكره تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس، أو في السوق، أو فيما ليس له إمام راتب، أو له وضاق المسجد عن الجميع، أو خيف خروج الوقت، لأنه لا يحمل التكرار على المكيدة.
    وذهب الحنابلة إلى أنه: يحرم إقامة جماعة في مسجد له إمام الراتب إلا بإذنه، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة أخرى أثناء صلاة الإمام الراتب، ولا تصح الصلاة في كلتا الحالتين. وعلى هذا فلا يحرم ولا تكره الجماعة بإذن الإمام الراتب، لأنه مع الإذن يكون المأذون نائباً عن الراتب، ولا تحرم ولا تكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر، أو ظن عدم حضوره، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته.
    ولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب إلا في مسجدي مكة والمدينة فقط، فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما، رغبة في توفير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى، وذلك إلا لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين.
    14 - إعادة المنفرد الصلاة جماعة:
    ذهب الحنفية إلى أنه: يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة، وتكون صلاته الثانية نفلاً. وإذا كانت نفلاً، أعطيت حكم النافلة، فتكره إعادة صلاة العصر، لأن النفل ممنوع بعد العصر، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر من ثلاثة، وإلا فلا تكره إن أعادوها بدون أذان، وتكره مطلقاً إن أعادوها بأذان. وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً، لا نفلاً، لأن صلاة النافلة خلف الفرض غير مكروهة.
    وذهب المالكية إلى أنه: من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد المساجد الثلاثة فيندب له الإعادة. ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في جماعة: اثنين فأكثر، لا مع واحد، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد فيعيد معه: لأن الراتب كالجماعة، ويعيد كل الصلوات غير المغرب، والعشاء بعد الوتر، فتحرم إعادتهما لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فلا تعاد، لأنها تصير مع الأول شفعاً، لأن المعادة في حكم النفل، والعشاء تعاد قبل الوتر، ولا تعاد بعده، لأنه إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وتران في ليلة"، وإن لم يعده، لزم مخالفة: "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً".
    ولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة، فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها، ويندب إعادتها جماعة فيها.
    ويعيد إذا كان مأموماً، ولا يصح أن يكون إماماً كما قال الحنفية. وينوي المعيد الفرض، مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين.
    وذهب الشافعية إلى أنه: يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة: إعادة الفرض بنية الفرض منفرداً أو مع جماعة يدركها في الوقت ولو ركعة فيه، ولو كان الوقت وقت كراهة، وتكون الإعادة مرة واحدة على الراجح، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذورة ولا صلاة الجنازة، إذا لا يتنفل بها، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء، وألا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية عن الصف مع إمكان دخوله فيه، وأن تكون الصلاة الثانية من قيام لقادر، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من يعيدها، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام، ويصح أن يكون المعيد إماماً.
    وإذا صلى وأعاد مع الجماعة، فالفرض هو الأول، ولأنه أسقط الفرض بالصلاة الأولى، فوجب أن تكون الثانية نفلاً. وينوي إعادة الصلاة المفروضة، حتى لا تكون نفلاً مبتدءاً.
    وذهب الحنابلة إلى أنه: يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي، سواء أكانت الإعادة مع الإمام الراتب أو غيره إلا المغرب، فلا تسن إعادتها، لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر. وتكون صلاته الأولى فرضه، لحديث يزيد ابن الأسود السابق. وينوي بالثانية كونها معادة، لأن الأولى أسقطت الفرض. وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهراً مثلاً، صحت، وكانت نفلاً.
    أما من كان خارج المسجد فوجد جماعة تقام: فإن كان الوقت وقت نهي، لم يستحب له الدخول، حتى تفرغ الصلاة، وتحرم عليه الإعادة ولم تصح، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أم لا. وأما إذا لم يكن الوقت وقت نهي، وقصد المسجد للإعادة، فلا تسن له الإعادة، وإن لم يقصد ذلك، كانت الإعادة مسنونة.
    15 - وقت استحباب القيام للجماعة أو للصلاة:
    ذهب الحنفية إلى أن المصلي يقوم عند "حي على الفلاح" وبعد قيام الإمام.
    وذهب الحنابلة إلى أنه يقوم عند "قد قامت الصلاة".
    وذهب الشافعية إلى أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة.
    16 - أعذار ترك الجماعة والجمعة:
    يعذر المرء بترك الجمعة والجماعة، فلا تجبان للأسباب الآتية:
    - المرض الذي يشق معه الحضور كمشقة المطر، وإن لم يبلغ حداً يسقط القيام في الفرض، بخلاف المرض الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس بعذر. ومثله تمريض من لا متعهد له ولو غير قريب ونحوه، لأن دفع الضرر عن الآدمي من المهمات، ولأنه يتألم على القريب أكثر مما يتألم بذهاب المال. وغير القريب كالزوجة والصهر والصديق والأستاذ.
    فلا تجب الجماعة على مريض ومقعد وزَمِن ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل فقط، ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى وإن وجد قائداً في رأي الحنفية، ولا يعذر حينئذ عند الحنابلة والمالكية والشافعية في ترك الجمعة دون الجماعة.
    - أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو عرضه أو مرضاً يشق معه الذهاب.
    فلا تجب الجماعة والجمعة بسبب خوف ظالم، وحبس معسر، أو ملازمة غريم معسر، وعُرْي، وخوف عقوبة يرجى تركها كتعزير لله تعالى، أو لآدمي، وقَوَد (قصاص) وحد قذف مما يقبل العفو إن تغيب أياماً، وخوف زيادة المرض أو تباطئه. فإن لم يتضرر المريض بإتيانه المسجد راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بأن يركبه أو يحمله أو يقوده إن كان أعمى، لزمته عند الحنابلة والمالكية والشافعية الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة. ولا تجب الجماعة والجمعة بسبب الخوف عن الانقطاع عن الرفقة في السفر ولو سفر نزهة. أو بسبب الخوف من تلف مال كخبز في تنور، وطبيخ على نار ونحوه، أو الخوف من فوات فرصة كالخوف من ذهاب شخص يدله على ضائع في مكان ما.
    - المطر، والوَحَل (الطين) والبرد الشديد، والحر ظهراً، والريح الشديدة في الليل لا في النهار، والظلمة الشديدة، لدليل ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة، نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم" متفق عليه، والثلج والجليد كالمطر.
    - مدافعة الأخبثين (البول أو الغائط) أو أحدهما، لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها. وحضور طعام تتوقه نفسه، أي جوع وعطش شديدان لخبر أنس في الصحيحين: "لا تعجلن حتى تفرغ منه"، وإرادة سفر، ويخشى أن تفوته القافلة أي تأهب لسفر مع رفقة ترحل، أما السفر نفسه فليس بعذر، وغلبة نعاس ومشقة، لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده عند تطويل معاذ، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره. لكن الصبر والتجلد على دفع النعاس، والصلاة جماعة أفضل، لما فيه من نيل فضل الجماعة. وأضاف الحنفية: واشتغاله بالفقه لا بغيره.
    - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالته، ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً ونحوه، حتى يذهب ريحه، لتأذي الملائكة بريحه، ولحديث: "من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته" متفق عليه. ومثله جزار له رائحة منتنة، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة، لأن العلة الأذى. وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياساً على أكل الثوم ونحوه بجامع الأذى.
    - الحبس في مكان، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
    - أضاف الشافعية: تقطير سقوف الأسواق والزلزلة، والسموم: وهي ريح حارة ليلاً أو نهاراً، والبحث عن ضالة يرجوها، والسعي في استرداد مغصوب، والسمن المفرط، والهم المانع من الخشوع، والاشتغال بتجهيز ميت، ووجود من يؤذيه في طريقه أو في المسجد، وزفاف زوجته إليه في الصلاة الليلية، وتطويل الإمام على المشروع، وترك سنة مقصودة، وكونه سريع القراءة والمأموم بطيئاً، أو ممن يكره الاقتداء به، وكونه يخشى وقوع فتنة له أو به.
    وأيدهم الحنابلة في عذر تطويل الإمام، وزفاف الزوجة أو العروس. وتسقط الجمعة والجماعة عند المالكية لمدة ستة أيام بسبب الزفاف، ولا تسقط عن العروس في السابع وأضافوا كالشافعية: يعذر من عليه قصاص (قَوَد) إن رجا العفو عنه، ومن عليه حد القذف، إن رجا العفو أيضاً، لأنه حق آدمي. أما من عليه حد لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة، فلا يعذر في ترك الجمعة ولا الجماعة، لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.
    يسقط حضور الجماعة عند الحنفية: واحد من ثمانية عشر أمراً: مطر، وبرد، وخوف، وظلمة، وحبس، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووحل، وزمانة، وشيخوخة، وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تتوقه نفسه، وإرادة سفر، وقيامه بمريض، وشدة ريح ليلاً لا نهاراً. وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له ثوابها.
    الإمامة في الصلاة:
    شروط صحة الإمامة أو الجماعة:
    تصح إمامة الإمام بالشروط التالية:
    الشرط الأول: الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر.
    الشرط الثاني العقل: فلا تصح الصلاة خلف مجنون، لأن صلاته لنفسه باطلة. فإن كان جنونه متقطعاً. صحت الصلاة وراءه حال إفاقته.
    الشرط الثالث البلوغ: فلا تصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ، في فرض أو نفل عند الحنفية، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة، أما في النفل ككسوف وتراويح فتصح إمامته لمثله، لأنه متنفل يؤم متنفلاً، ودليلهم ما روى الأثرم عن ابن مسعود وابن عباس: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم"ولأن الإمامة حال كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، ولأنه لا يؤمن الصبي لإخلاله بشروط الصلاة أو القراءة.
    وذهب الشافعية إلى أنه: يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن سلمة قال: أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين" رواه البخاري، وتصح إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً، مع الكراهة.
    الشرط الرابع الذكورة المحققة: فلا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال، لا في فرض ولا في نفل.
    أما إن كان المقتدي نساء فلا تشترط الذكورة في إمامتهن عند الجمهور، (المالكية والشافعية والحنبلية) فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم، بدليل ما روي عن عائشة وأم سلمة وعطاء: أن المرأة تؤم النساء.
    ولا تكره عند الشافعية جماعة النساء، بل تستحب وتقف وسطهن.
    وذهب الحنفية إلى أنه: يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في التراويح، في غير صلاة الجنازة، فلا تكره فيها، لأنها فريضة غير مكررة، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن كما يصلى للعراة.
    الشرط الخامس: الطهارة من الحدث والخبث: فلا تصح إمامة المحدث، أو من عليه نجاسة لبطلان صلاته، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً. وقال المالكية: الشرط: عدم تعمد الحدث، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن تعمد الإمام الحدث، بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان ناسياً، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة، لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم، ولا يصح الاقتداء بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك، وتصح صلاة المقتدين، ولهم ثواب الجماعة باتفاق المذاهب الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام أربعين مع المحدث أو المتنجس، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه، بعد الفراغ من الصلاة.
    الشرط السادس إحسان القراءة والأركان: أي أن يحسن الإمام قراءة ما لا تصح الصلاة إلا به، وأن يقوم بالأركان، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي عند الجمهور، وتجب الإعادة على القارئ المؤتم به، كما لا تصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس مثله، ولا خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو استقبال القبلة، أو اجتناب النجاسة، إلا بمثله، فتصح الصلاة خلف المماثل،إلا ثلاثة عند الحنفية : الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة لاحتمال الحيض.
    وقال المالكية: يشترط في الإمام القدرة على الأركان، فإن عجز عن ركن منها، قولي كالفاتحة أو فعلي كالركوع أو السجود أو القيام، لم يصح الاقتداء به، إلا إذا تساوى الإمام والمأموم في العجز، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ ويصح اقتداء أخرس بمثله، وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله، إلا لمومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو اضطجاع، فلا يصح له الاقتداء بمثله.
    الشرط السابع: كون الإمام غير مأموم:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام إمامه.

    الشرط الثامن: السلامة من الأعذار، كالرعاف الدائم، وانفلات الريح، وسلس البول، ونحوها.
    وذهب المالكية والشافعية إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وصححوا صلاة المقتدي الصحيح بالإمام المعذور.
    الشرط التاسع: أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على وجهها، فلا تصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً، أو السين ثاء، أو الذال زاياً، لعدم المساواة، إلا إذا كان المقتدي مثله في الحال.
    ويعد كالألثغ عند الحنفية: التمتام: وهو الذي يكرر التاء في كلامه، والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء، لا تصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلهما.
    واستثنى الحنابلة: من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء، فتصح إمامته بمن لا يبدلها ظاء، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال.
    وقال الجمهور غير الحنفية: تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير المماثل مع الكراهة.
    الصلاة وراء المخالف في المذهب:
    الشرط العاشر الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً، فلا تصح إمامة الفاسق ولو بمثله، فلو صلى شخص خلف الفاسق، ثم علم بفسقه، وجبت عليه إعادة الصلاة، إلا في صلاة الجمعة والعيدين، فإنهما تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر الصلاة خلف عدل.
    واشترط المالكية: أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة، كأن يتهاون في شرائطها أو فرائضها، كمن يصلي بلا وضوء أو يترك قراءة الفاتحة. أما إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني، أو شارب الخمر، فتصح إمامته مع الكراهة على الراجح.
    الشرط الحادي عشر اشترط المالكية والحنفية والحنابلة: ألا يكون الإمام معيداً صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد، لأن صلاة المعيد نفل ولا يصح فرض وراء نفل. وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على الوجه الذي تصح به، وعالماً بكيفية شرائطها، كالوضوء والغسل على الوجه الصحيح، وإن لم يميز الأركان من غيرها.
    أحق الناس بالإمامة:
    ذهب الحنفية إلى أن:الإمام الراتب أحق بالإمامة من غيره، فإن لم يوجد فالأحق بالإمامة: الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة وفساداً بشرط اجتنابه للفواحش الظاهرة، وحفظه من القرآن قدر فرض: أي ما تجوز به الصلاة.
    ثم الأحسن تلاوة وتجويداً للقراءة.
    ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات، والتقوى: اتقاء المحرمات.
    ثم الأسن: أي أكبرهم سناً، لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة.
    ثم الأحسن خلُقاً (إلفة بالناس)، ثم الأحسن وجهاً (أي أكثرهم تهجداً)، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً.
    فإن كان بينهم سلطان، فالسلطان مقدَّم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل، ولو مستأجراً.
    وذهب المالكية إلى أنه: يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام راتب، ثم الإمام الراتب في المسجد، ثم رب المنزل فيه، ويقدم المستأجر على المالك؛ لأنه مالك لمنافعه. وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح للإمامة؛ لأن إمامتها لا تصح، والأولى لها استخلاف الأفضل.
    ثم الأفقه( الأعلم بأحكام الصلاة)، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً ورواية، ثم الأقرأ: أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في مخارج الحروف، ثم الأعبد: أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرها، ثم الأقدم إسلاماً، ثم الأرقى نسباً كالقرشي، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير، واللباس الحسن شرعاً: هو البياض خاصة، جديداً أو لا. فإن تساووا قدم الأورع والزاهد والحر على غيرهم، ويقدم الأعدل على مجهول الحال، والأب على الابن، والعم على ابن أخيه، فإن تساووا في كل شيء، أقرع بينهم، إلا إذا رضوا بتقديم أحدهم.
    وذهب الشافعية إلى أن: أحق الناس بالإمامة: الوالي في محل ولايته.
    ثم الإمام الراتب، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها.
    ثم يقدم الأفقه، فالأقرأ، فالأورع، ثم الأسبق إسلاماً، فالأفضل نسباً، فالأحسن سيرة، فالأنظف ثوباً، ثم نظيف البدن، ثم طيّب الصَّنْعة، ثم الأحسن صوتاً، فالأحسن صورة، أي وجهاً، فالمتزوج.
    وذهب الحنابلة إلى أنه الأولى: الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه وقدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة رضي الله عنهم. ومذهب أحمد تقديم القارىء على الفقيه.
    ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأجود قراءة فقط، وإن لم يكن فقيهاً، إذا كان يعلم أحكام الصلاة وما يحتاجه فيها، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة، ويقدم قارىء لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها، فإن استووا في عدم القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة.
    فإن استووا في القراءة والفقه، قدم أكبرهم سناً ثم الأتقى والأورع.
    ثم الأتقى والأورع، فإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم.
    ويقدم السلطان مطلقاً على غيره، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب، وفي البيت صاحبه إن كان صالحاً للإمامة:
    تكره إمامة:
    - الفاسق العالم، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه بالدين. واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد، فتصح إمامته للضرورة، وأجاز الحنفية إمامته لمثله.
    -المبتدع الذي لا يكفر ببدعته: كالفاسق، بل أولى.
    - أن يؤم قوماً هم له كارهون: والكراهة تحريمية عند الحنفية، لحديث:"لا يقبل الله صلاة من تقدم قوماً، وهم له كارهون" رواه أبو داود وابن ماجه.
    - الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأنه لا يتوقى النجاسة، واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم، فهو أولى.
    وأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة، فهو كالبصير، إذ الأعمى أخشع، والبصير يتجنب النجاسة، ففي كل مزية ليست في الآخر، وتصح إمامته عند الكل. والأعشى وهو سيء البصر ليلاً ونهاراً كالأعمى، والأصم كالأعمى عند الحنابلة، الأولى صحة إمامته.
    - انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية: يكره للإمام انتظار الداخل لأن انتظاره تشريك في العبادة، فلا يشرع كالرياء، ودفعاً للمشقة عن المصلين؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه، والذين مع الإمام أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق على من معه لنفع الداخل.
    - يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة وأذكار، والكراهة تحريمية عند الحنفية، سواء رضي القوم أم لا.
    واستثنى الشافعية والحنابلة: حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين فإنه تستحب الإطالة، لزوال علة الكراهة، وهي التنفير.
    - تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف، وتصح إمامته، سواء أكان أعجمياً أم عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا: إمامة التمتام (وهو من يكرر التاء) والفأفاء (وهو من يكرر الفاء)، وتصح الصلاة خلفهما؛ لأنها يأتيان بالحروف على الكمال، ويزيدان زيادة، وهما مغلوبان عليها، فعفي عنها، ويكره تقديمهما لهذا الزيادة.
    - تكره إمامة اللحان (كثير اللحن) الذي لا يحيل المعنى كجر دال"الحمد" ونصب باء"الرب" ونحوه من الفاتحة، وتصح صلاته بمن لا يلحن؛ لأنه أتى بفرضالقراءة.
    - تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم الناس، إذ ليس له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه، فيغلب عليه الجهل، ولنفرة الناس عنه. وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه جاهلاً، إذ لو كان عالماً تقياً لا تكره إمامته، لأن الكراهة للنقائص لا لذاته، كما قيد المالكية كراهة إمامته فيما إذا جعل إماماً راتباً، وأجاز الشافعية إمامته لمثله.
    - يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد. ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين عن مكان الإمام بقدر ذراع أيضاً، تتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل من المقتدين، فإن وجد معه واحد فأكثر لم يكره، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها على سطح المسجد باطلة، كما استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم للمأمومين كيفية الصلاة، فيجوز وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه الكبر، لمنافاته الصلاة.
    وتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام، لا بمن يساويه أ و هو أعلى منه، لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم.
    ولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر أي حوالي الشبر أو الذراع، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة، لحديث سهيل أن النبي صلى عليه الله وسلم صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر متفق عليه.
    ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين:
    اتفق العلماء: على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة على الإمام، فتفسد صلاته، وتظل صلاة المأمومين صحيحة.
    أما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث، وعلم بذلك المأمومون بعد الصلاة، فهل تفسد صلاتهم أم لا ؟ وذهب الحنفية إلى أن: صلاتهم فاسدة مطلقاً.
    وذهب المالكية إلى أنه: تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: صلاتهم صحيحة، إلا في الجمعة إذا كان المصلون مع الإمام أربعين فقط، فتفسد حينئذ.
    ومن فرق بين السهو والعمد، وهم المالكية، أخذ بظاهر الأثر الآتي: عن أبي بكرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح، فكبَّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جُنُباً" فظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم.
    تحمل الإمام عن المأموم:
    يتحمل الإمام سهو المأموم، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض الصلاة شيئاً عن المأموم ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك.
    ذهب المالكية والحنابلة إلى : أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به. وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع، ولا يقرأ إذا سمع.
    وذهب الحنفية إلى أنه: لا يقرأ معه أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية.
    وذهب الشافعية إلى: أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب (الفاتحة) وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط.
    ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنفية إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء.
    وذهب المالكية إلى أنه لا يؤمن الإمام، ولكن يؤمن المأموم فقط.
    تكبيرة الإحرام بالنسبة إلى الإمام:
    قال الجمهور: لا يكبر الإمام إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف.
    وذهب الحنفية إلى أن: موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيرة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
    نية مفارق الإمام وقطع القدوة:
    ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: إن أحرم الشخص مأموماً، ثم نوى مفارقة الإمام وإتمام صلاته منفرداً، جاز عند الشافعية سواء أكان لعذر، أم لغير عذر مع الكراهة، لمفارقته للجماعة المطلوبة وجوباً أو ندباً مؤكداً. وجاز لعذر فقط عند الحنابلة. واستثنى الشافعية الجمعة فلا تصح نية المفارقة في الركعة الأولى منها، والصلاة التي يريد إعادتها جماعة، فلا تصح نية المفارقة في شيء منها، وكذا الصلاة المجموعة تقديماً.
    ومن العذر: تطويل الإمام، أو تركه سنة مقصودة، كتشهد أول وقنوت، فله فراقه ليأتي بتلك السنة، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات ماله أو تلفه، أو فوت رفقته، أو من يخرج من الصف ثم لا يجد من يقف معه.
    ذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز مفارقة الإمام.



    شروط الاقتداء بالإمام:
    شروط صحة الجماعة وهي ما يأتي:
    1- نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب:
    أي أن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي.
    أما نية الإمام الإمامة: فلا تشترط عند الجمهور غير الحنابلة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.
    وذهب الشافعية والمالكية إلى أنَّ الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة، كالجمعة، والمجموعةللمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، فلابد فيها من نية الإمام الإمامة.
    واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الرجل الإمامة لصحة اقتداء النساء به.
    وقال الحنابلة: تشترط أيضاً نية الإمامة، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة. لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى معه، فنوى إمامته، صح في النفل.
    أما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد، فإنه يُحرم وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة.
    2- اتحاد صلاة الإمام والمأموم:
    ذهب الحنفية إلى أنَّ: الاتحاد أن يمكنه (أي المقتدي) الدخول في صلاته بنية صلاة الإمام، فتكون صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي. فلا يصلي المفترض خلف المتنفل.
    ويصلي المتنفل خلف المفترض، لأن فيه بناء الضعيف على القوي، وهو جائز، إلا التراويح في الصحيح، فلا يصح الاقتداء فيها بالمفترض لأنها سنة على هيئة مخصوصة، فيراعى وضعها الخاص للخروج عن العهدة.
    ويصح اقتداء متنفل بمتنفل ومنه ناذر نفل بناذر آخر، ومن يرى الوتر واجباً (وهم الحنفية) بمن يراه سنة، ومن اقتدى في العصر، وهو مقيم، بعد الغروب، بمن أحرم قبله، لاتحاد صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث.
    ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة، وقائم بقاعد يركع ويسجد، لا مومئ، فالمومئ يصلي خلف مثله، إلا أن يومئ المؤتم قاعداً، والإمام مضطجعاً، لأن القعود معتبر، فتثبت به القعدة، أما صلاة القائم بالقاعد فلأنه صلى الله عليه وسلم صلى آخر صلاته قاعداً، والناس قيام رواه البخاري ومسلم، وأبو بكر يبلغهم تكبيره، كما يصح اقتداء قائم بأحدب الظهر، وإن بلغ حدبه الركوع على المعتمد، وكذا الاقتداء بأعرج. ويصح اقتداء مومئ بمثله إلا أن يومئ الإمام مضطجعاً، والمؤتم قاعداً أو قائماً فإنه لا يجوز، لقوة حال المأموم.
    وذهب المالكية إلى أنه: يشترط الاتحاد في ذات الصلاة، فلا يصح اقتداء بصلاة ظهر خلف عصر مثلاً، وفي صفة الصلاة أداء وقضاء، فلا يصح أداء خلف قضاء ولا عكسه، وفي زمن الصلاة، وإن اتفقا في القضاء، فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء في صلاة صبح بعد طلوع شمس بمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس، لأنها للإمام أداء، وللمأموم قضاء.
    ويصح اقتداء نفل خلف فرض كركعتي الضحى، خلف صبح بعد الشمس، وركعتي نفل خلف صلاة سفرية، أو أربع خلف صلاة حضرية.
    وذهب الحنابلة إلى أن: الاتحاد في نوع الفرض وقتاً واسماً، فلا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما كالعشاء، وعكسه، كما لا تصح صلاة مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتاً واسماً، لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل، لهذا الحديث، ولأن صلاة المأموم لا تؤدى بنية الإمام، فأشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. ولا يصح أن يؤم من عدم الماء والتراب، أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما بمن تطهر بأحدهما.
    ولا يصح الاقتداء في صلاة تخالف الأخرى في الأفعال، كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما، وصلاة غيرهما وراء من يصليهما، لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال، وهو منهي عنه.
    ويصح اقتداء متنفل بمفترض، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في إعادة الصلاة جماعة: "من يتصدق على هذا ؟ فقام رجل فصلى معه" ويصح ائتمام متوضئ بمتيمم، لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي يلزمه، والعكس أولى. ويصح ائتمام ماسح على حائل بغاسل، لأن الغسل رافع للحدث.
    ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وعكسه، لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت.
    ولأنها حالة قعود الإمام، فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد.
    فإن صلوا قياماً خلف إمام الحي المرجو زوال علته، صحت صلاتهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل.
    والأفضل لهذا الإمام إذا مرض أن يستخلف، لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة.
    وذهب الشافعية إلى اشتراط توافق نظم صلاتي الإمام والمقتدي، فإن اختلف نظم صلاتيهما كصلاة مكتوبة وصلاة كسوف، أو مكتوبة وصلاة جنازة، لم تصح القدوة فيهما، لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما.
    وتصح قدوة المؤدي بالقاضي (الأداء خلف القضاء) وعكسه، والمفترض بالمتنفل، وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وكذا الظهر بالصبح والمغرب، ويكون المقتدي حينئذ كالمسبوق، يتم صلاته بعد سلام إمامه، ولا تضر في هذه الحالة متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب، وللمقتدي فراق الإمام إذا اشتغل بالقنوت والجلوس، مراعاة لنظم صلاته.
    وتجوز صلاة الصبح خلف الظهر في الأظهر، فإذا قام الإمام للركعة الثالثة، فإن شاء فارقه وسلم، وإن شاء انتظره ليسلِّم معه، وانتظاره أفضل. وإن أمكنه أي المقتدي القنوت في الركعة الثانية قنت وإلا تركه، وله فراق الإمام ليقنت.
    3- ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه (مؤخر قدمه)، أو بأليته (عجزه) إن صلى قاعداً أو بجنبه إن صلى مضطجعاً. فإن ساواه جاز وكره، ويندب تخلفه عنه قليلاً، وإن تقدم عليه لم تصح صلاته، وهذا شرط عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة)، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول.
    والعبرة التقدم بالعقب، فإن تقدمت أصابع المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام، ما لم يتقدم أكثر القدم، صحت صلاته.
    وذهب المالكية إلى أنه: لا يشترط هذا الشرط، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين، صحت الصلاة، لكن يكره التقدم لغير ضرورة، لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به، فأشبه من خلفه.
    4- متابعة المأموم إمامه:
    ذهب الحنفية إلى أن: المتابعة بإحدى صورها الثلاث المذكورة تكون فرضاً في فروض الصلاة، وواجبة في الواجب، وسنة في السنة. فلو ترك الركوع مع الإمام بأن ركع قبله أو بعده، ولم يشاركه فيه، أو سجد قبل الإمام أو بعده ولم يشاركه في السجود، تلغى الركعة التي لم تتحقق فيها المتابعة، ويجب عليه قضاؤها بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته. ولو ترك المتابعة في القنوت أثم، لأنه ترك واجباً، ولو ترك المتابعة في تسبيح الركوع مثلاً فقد ترك السنة.
    وأمّا المالكية فقالوا:
    المتابعة: أن يكون بفعل المأموم عقب فعل الإمام، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه. والمتابعة للإمام بهذا المعنى شرط في الإحرام والسلام فقط، بأن يكبر للإحرام بعده، ويسلم بعده. فلو ساواه بطلت صلاته، ويصح أن يبتدئ بعد الإمام ويختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح، ولا يصح أن يختم قبله.
    وأما المتابعة في غير الإحرام والسلام، فليست بشرط، فلو ساوى المأموم إمامه في الركوع أو السجود مثلاً، صحت صلاته مع الكراهة، وحرم عليه أن يسبق الإمام في غير الإحرام والسلام من سائر الأركان، لكن إن سبقه لا تبطل به الصلاة إن اشترك مع الإمام.
    وذهب الشافعية إلى أنه: تجب المتابعة في أفعال الصلاة لا في أقوالها، بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام من الفعل، وتندب المتابعة في الأقوال، لما في الصحيحين: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، فإن قارنه في فعل أو قول، لم يضر أي لم يأثم، لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها، بل هي مكروهة ومفوِّتة لفضيلة الجماعة، لارتكابه المكروه.
    إلا تكبيرة الإحرام، فإن قارن المأموم الإمام فيها، بطلت.
    وكذا تبطل الصلاة إن تقدم المأموم على إمامه أو تأخر بركنين فعليين بلا عذر أي أنه يشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه، وألا يتقدم أو يتأخر عن إمامه بركنين فعليين لغير عذر وألا يتقدم سلامه عن سلام الإمام.
    وعلى هذا لا تبطل الصلاة إن قارنه في غير التحرم، أو تقدم عليه بركن فعلي، أو تأخر عنه به، في الأصح، لكن المقارنة في السلام مكروهة فقط، والسلام قبل الإمام مبطل للصلاة، وإن سبق الإمام بركنين فعليين بلا عذر كأن سجد والإمام في القراءة، بطلت الصلاة. ولا يضر السبق بركنين غير فعليين كتشهد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يكره بلا عذر، ولا يضر السبق بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي كقراءة الفاتحة والركوع ولكن يحرم الركن الفعلي.
    وذهب الحنابلة إلى أن المتابعة: ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة، أو بتكبيرة الإحرام أو بالسلام، وألا يتخلف عنه بفعل من الأفعال.
    ويستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، للحديث السابق: "إنما جعل الإمام ليؤتم به...".
    فإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام، بطلت صلاته. وإن سبقه بركن غير الركوع كالهوي للسجود، أو القيام للركعة التالية، لم تبطل صلاته، ولكن يجب عليه الرجوع ليأتي بما فعله بعد إمامه. أما إن فعل شيئاً من ذلك سهواً أو جهلاً، فصلاته صحيحة، لكن يجب عليه إعادة ما فعله بعد إمامه.
    ويحرم سبق الإمام عمداً بشيء من أفعال الصلاة، للحديثين السابقين : "إنما جعل الإمام .." "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه ... " ولا يكره للمأموم سبق الإمام ولا موافقته بغير الإحرام والسلام، كالقراءة والتسبيح والتشهد.
    وإن سبقه بركنين عمداً بطلت صلاته، وإن سبقه سهواً لم تبطل لكنه يعيد ما أتى به، فإن لم يعده، ألغيت الركعة.
    ومقارنة المقتدي لإمامه في أفعال الصلاة مكروهة كالشافعية.
    وإن سبقه أو ساواه في تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، عمداً أو سهواً.
    وإن سبقه في السلام عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً، أتى به بعد سلام إمامه، وإلا بطلت صلاته.
    5- اشترط الحنفية أيضاً عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرماً في الصف، وإلا بطلت صلاة ثلاثة: المحاذي يميناً وشمالاً ومن خلفها.
    وتحقق الشروط: أن يقال: محاذاة مشتهاة، منوية الإمامة، في ركن، صلاة مطلقة، مشتركة تحريمة وأداء، مع اتحاد مكان وجهة، دون حائل ولا فرجة.
    والمرأة الواحدة: تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها، وآخر عن شمالها، وآخر خلفها إلى آخر الصفوف، ليس غير، لأن من فسدت صلاته يصير حائلاً بينها وبين الذي يليه.
    والمرأتان تفسدان صلاة أربعة: اثنان خلفهما إلى آخر الصفوف، واثنان عن يمين وشمال. والثلاث في الصحيح يفسدن صلاة واحد عن يمينهن، وآخر عن شمالهن، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف.
    وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: إن وقفت المرأة في صف الرجال، لم تبطل صلاة من يليها ولا صلاة من خلفها، فلا يمنع وجود صف تام من النساء اقتداء من خلفهن من الرجال، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولا صلاتها، كما لو وقفت في غير صلاة، والأمر بتأخير المرأة"أخروهن من حيث أخرهن الله" لا يقتضي الفساد مع عدمه؛ لأن ترتيب الصفوف سنة نبوية فقط، والمخالفة من الرجال أو النساء لا تبطل الصلاة، بدليل أن ابن عباس وقف على يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تبطل صلاته، وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم؛" زادك الله حرصاً ولا تَعُد".
    عند الجمهور ويكره أن يصلي وأمامه امرأة أخرى تصلي لحديث:" أخروهن من حيث أخرهن الله" أما في غير الصلاة فلا يكره، لخبر عائشة، وروى أبو حفص عن أم سلمة، قالت:" كان فراشي حيال مصلى النبي صلى الله عليه وسلم".
    كيفية وقوف المأمومين:
    أ- إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز، استحب أن يقف عن يمين الإمام، مع تأخره قليلاً بعقبه. وتكره عند الجمهور مساواته له، أو الوقوف عن يساره أو خلفه لمخالفته السنة، وتصح الصلاة ولا تبطل. وقال الحنابلة كما بينا: تبطل الصلاة إن صلى على هذا النحو المخالف ركعة كاملة.
    ب- إن كان رجل وامرأة، قام الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل.
    جـ- إن كان رجلان أو رجل وصبي، صفا خلف الإمام، وكذا إن كان امرأة أو نسوة، تقوم أو يقمن خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبين المقتدين عن ثلاثة أذرع.
    أما الرجل والصبي والمرأة والنسوة، فلما في الصحيحين عن أنس:" أنه عليه الصلاة والسلام صلى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا"، فلو حدثت مخالفة لما ذكر كره.
    وقال الحنابلة في الصبي والرجل: يقف الرجل عن يمين الإمام والصبي يقف عن يمينه أو يساره، لا خلفه.
    وقال الحنفية في هذا: لا تكره المساواة مع الإمام.
    د- إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث: صف الرجال ثم الصبيان، ثم الخناثى ولو منفردة، ثم النساء. ولو قام الإمام وخلفه صف كره إجماعاً.
    هـ- ويقف الإمام وسط القوم في الصف، لقوله صلى الله عليه وسلم:" وسطوا الإمام وسدوا الخلل"، والسنة أن يقوم في المحراب ليعدل الطرفان لأن المحاريب نصبت وسط المساجد، وقد عينت لمقام الإمام فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم، فقد أساء بمخالفة السنة، والإساءة عند الحنفية دون كراهة التحريم، وأفحش من كراهة التنزية. قال أبو حنيفة وقوله هو الأصح: أكره أن يقوم الإمام بين الساريتين، أو في زاوية أو في ناحية المسجد، أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة.
    وتقدم الإمام عند الحنفية أمام الصف: واجب.
    أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات:
    يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، وسد الخلل (الثغرات)، وتسوية المناكب، لحديث أنس:" اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري، قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" ويقول الإمام: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" لحديث أبي هريرة قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول:"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم".



  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي


    صلاة الجمعة
    فرضية الجمعة:
    صلاة الجمعة فرض عين، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي، وهي فرض مستقل ليست بدلاً عن الظهر، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالمسافر والمرأة، وهي آكد من الظهر، بل هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، وخير يوم طلعت فيه الشمس.
    قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".
    وأدلة فرضيتها القرآن: وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] أي امضوا إلى ذكر الله.
    وتاركها يستحق العقاب، لقوله صلى الله عليه وسلم لقوم يتخلفون عن الجمعة : "لقد همت أن آمرُ رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أحّرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" رواه أحمد ومسلم.
    وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة.

    متى ساعة الإجابة يوم الجمعة؟: وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال : فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار - أي النبي صلى الله عليه وسلم - بيده يقللها"، وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها - كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم - : أنها فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة.
    حكم البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند الجمهور عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر.
    وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول، وإن لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل في زمن عثمان رضي الله عنه.
    من تجب عليه الجمعة؟: تجب الجمعة على كل مكلف (بالغ عاقل) حر، ذكر، مقيم غير مسافر، بلا مرض ونحوه من الأعذار، سمع النداء، فلا تجب على صبي ومجنون ونحوه، وعبد، وامرأة، ومسافر، ومريض. وخائف وأعمى وإن وجد قائداً عند الحنفية، ويجب عليه إن وجد من يقوده عند المالكية والشافعية، ولو لم يجد قائداً عند الحنابلة، ومن لم يسمع النداء، على تفصيل آتٍ، ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج. لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس، أجزأهم ذلك عن فرض الوقت، لأنهم تحملوا المشقة، فصاروا كالمسافر إذا صام، ولأن كل من صحت ظهره ممن لا تلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع، لأنها إذا أجزأت عمن لا عذر له، فصاحب العذر أولى، وإنما سقطت عنه رفقاً به، فترك الجمعة للمعذور رخصة، فلو أدى الجمعة سقط عنه الظهر، وتقع الجمعة فرضاً، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة، أي أنه إن تكلف حضورها وجبت عليه، وانعقدت به، ويصح أن يكون إماماً فيها.
    الشروع بالسفر يوم الجمعة: ذهب الحنفية إلى أنه: لا بأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي الجمعة، ولا يكره قبل الزوال.
    وذهب المالكية إلى أنه: يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، ولكنه يكره لمن لا يدركها في طريقه ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقاً.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجباً كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته.
    كذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة.
    تجب الجمعة على من اتصف سلامة الأعذار: فلا بد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة، والأمن، والحرية، والبصر، والقدرة على المشي، وعدم الحبس، وعدم المطر الشديد والوحل والثلج ونحوها، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة.
    فلا تجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك، وممرِّض إن بقي المريض ضائعاً، وشيخ فانٍ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة، وعبد، لأنه مشغول بخدمة مولاه، وأعمى عند أبي حنيفة، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين إذا وجد أي الأعمى قائداً، ولا تجب على مفلوج الرِّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج. ولا تجب على قروي عند الحنفية.
    الجمعة كيفيتها ومقدارها:
    الجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها ولها ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعاً.
    والخطبة: فرض وهي خطبتان قبل الصلاة، وشرط في صحة الجمعة، وأقل ما يسمى خطبة عند العرب، تشتمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله، ووعظ في أمور الدين والدنيا، وقرآن. ويسن قبلها أربع ركعات اتفاقاً، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضاً.
    شروط صحة الجمعة:
    الشرط الأول: وقت الظهر:
    فتصح فيه فقط، ولا تصح بعده، ولا تقضى جمعة، فلو ضاق الوقت، أحرموا بالظهر، ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله أي قبل وقت الزوال.
    وآخر وقت الجمعة: آخر وقت الظهر بغير خلاف، ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق بها، لما بينهما من المشابهة.
    إدراك الصلاة جمعة:
    ذهب الحنفية إلى أنَّ: من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، صلى معه ما أدرك، وأكمل الجمعة، وأدرك الجمعة، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو.
    وذهب الجمهور إلى أنه: إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فقد أدرك الجمعة، وأتمها جمعة، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية، أتمها ظهراً.
    الشرط الثاني: البلد
    ذهب الحنفية إلى أنَّ كون البلد في مصر جامع، أو في مصلى المصر عند الحنفية وهو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. وهذا شرط وجوب وصحة، فلا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها.
    وذهب المالكية إلى كونها في موضع الاستيطان، وهو إما بلد أو قرية، مبنية بأحجار ونحوها، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر، لا خيم من شعر أو قماش، لأن الغالب على أهلها الارتحال، فأشبهوا المسافرين. وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية، لأن الصحيح عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط وجوب وصحة معاً، ولابد أن تستغني القرية بأهلها عادة، بالأمن على أنفسهم، والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم. ولا يحدون بحد كمائة أو أقل أو أكثر.
    وذهب المالكية إلى أنه: أن تقام الجمعة في بلد أو قرية، وإن لم تكن في مسجد.
    ولا تلزم الجمعة أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبداً، لأنهم على هيئة المسافرين أو المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلونها، وما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
    وذهب الحنابلة إلى كون إلى كون المكلفين: أن يكون المكلفون بالجمعة وهو أربعون فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء، بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر، ولا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر، ولا تصح منهم، لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً.
    الشرط الثالث: الجماعة
    وذهب أبو حنيفة إلى أن: أقلَّ الجماعة ثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو مرضى، لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، والجماعة شرط مستقل في الجمعة. ولابد من مذكر وهو الخطيب ويشترط بقاء المصلين الثلاثة مع الإمام حتى انتهاء الصلاة، فإن تركوا وجاء غيرهم صحت الصلاة وإلا فلا.
    وذهب المالكية إلى أنه: يشترط حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة.
    ولا بد- أن يكون العدد من أهل البلد، فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة، إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد.
    ولا بدَّ أيضاً أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها، فلو فسدت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، بطلت الجمعة، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة شرط.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاءً ولا صيفاً إلا لحاجة، ولو كانوا مرضى أو خرساً أو صماً، لا مسافرين، لكن يجوز كون الإمام مسافراً إن زاد العدد عن الأربعين، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين
    الشرط الرابع: وهذا الشرط عند الحنفية ولم يشترطه الجمهور وهو أن يكون السلطان ولو متغلباً أو نائبه، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها، لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة، فلابد منه تتميماً لأمره، ومنعاً من تقدم أحد.
    والشرط الخامس: وهو عند الحنفية ولم يشترطه الجمهور: وهو الإذن العام: وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذناً عاماً، بأن لا يمنع أحد ممن تصح الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه، لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور، ولأنه لا يحصل معنى الاجتماع إلا بالإذن، ولأنها من شعائر الإسلام، وخصائص الدين فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم.
    الشرط السادس: وهو عند المالكية: وهوأن تصلى بإمام مقيم، فلا تصح أفراداً، وأن يكون مقيماً غير مسافر، ولو لم يكن متوطناً، وأن يكون هو الخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء. ولا يشترط أن يكون الإمام والياً.
    وأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام، فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار، ولا في خان، ولا في ساحة من الأرض.
    الشرط السابع: عدم تعدد الجمع لغير حاجة:
    ذهب المالكية والشافعية والحنابلة لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد أو القرية، إلا لكبر وعسر اجتماع الناس في مكان، وتعسر الاجتماع: إما لكثرة الناس، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في وجوب الجمعة.
    فإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة، وما بعدها باطل.
    وقال الشافعية والاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته: أن يعيدها ظهراً، خروجاً من خلاف من منع التعدد، ولو لحاجة. وينوي آخر ظهر بعد صلاة الجمعة أو ينوي الظهر احتياطاً، خروجاً عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر.
    ذهب الحنفية إلى أنه: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعاً للحرج، لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليل على عدم جواز التعدد، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه، لا سيما في المدن الكبرى.
    الشرط الثامن الخطبة قبل الصلاة:
    ذهب الفقهاء إلى الاتفاق على أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة بدون الخطبة وتكون خطبتين قبل الصلاة.
    شروط الخطبة عند الفقهاء:
    ذهب الحنفية إلى أنه: يخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات، ويخفض جهره بالثانية عن الأولى، ويخطب قائماً، مستقبل الناس، على طهارة من الحدثين، وستر عورة، ولو كان الحاضرون صُمَّاً أو نياماً.
    ولو خطب قاعداً أو على غير طهارة، جاز، لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته الموروث، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته، فالطهارة والقيام سنة عندهم، والسبب في ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين، لأنها تنافي الصلاة، لما فيها من استدبار القبلة والكلام، فلا يشترط لها شرائط الصلاة.
    ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو كتهليلة أو تسبيحة، فقال: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة.
    شروط الخطبة عند الحنفية:
    وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنباً، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة.
    وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم.
    ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه.
    شروط الخطبة عند المالكية: تسعة شروط لخطبتي الجمعة وهي:
    - يجب أن يكون الخطيب قائماً.
    - أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز.
    - أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما عنه نهى وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله، وصلاة على نبيه، وأمر بتقوى، ودعاء بمغفرة وقراءة شيء من القرآن. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى وزجر، يغفر الله لنا ولكم، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء.
    - كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.
    - أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح الصلاة قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفاً، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا، لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر.
    - أن يحضرهما الجماعة: الإثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولها، لم يجزيا، لأنهما كركعتين.
    - أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل الصلاة بهما وليس من شرط الخطبتين الطهارة، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير والماء قريب.
    ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء.
    الخطبة عند الشافعية:
    للخطبة خمسة أركان: الأول: حمد الله تعالى، والثاني الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث الوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، والرابع قراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين، والخامس الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي.
    والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة.
    -شروط الخطبة عند الشافعية:
    -كونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة، وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحباباً، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون.
    الموالاة بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة.
    وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعاً للسنة، لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان.
    وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكراً، وأن تصح إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة.
    شروط الخطبة عند الحنابلة:
    يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر، لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.
    ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله، فلا يجزئ غيره.
    والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
    وقراءة آية كاملة، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس لم يكف للخطبة.
    ورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أو غفلة أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت الخطيب أو بعده عنهم، لم تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها. فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه كصمم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي، صحت الخطبة والصلاة.
    وأن تكون بالعربية، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، كقراءة القرآن، فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها.
    وإسماع العدد المعتبر للجمعة: وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب، لأنه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط العدد كتكبيرة الإحرام.
    وإن تكون الخطبة في الوقت، وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر.
    ولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، وإنما السنة أن يخطب متطهراً مزيلاً النجاسة ساتراً العورة.
    ولا يتشرط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر جاز.
    كما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلاً منهما منفصلة عن الأخرى، بل يستحب ذلك، خروجاً من الخلاف في كل ما ذكر.
    ويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم. ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة، صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه.
    سنن الخطبة:
    الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا.
    كونها على منبر، بالاتفاق، اتباعاً للسنة، ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب (أي مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين.
    فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فالتزمه أو مسحه.
    وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها، كما كان يفعل النبي عليه السلام.
    -الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة.
    -استقبال القوم بوجهه دون التفات يميناً وشمالاً، سنة بالاتفاق.
    -ولا يسلم على القوم عند الحنفية، لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه من الكلام.
    -ويسلم على الناس إذا صعد المنبر، اتباعاً للسنة، عند الشافعية والحنابلة، وحال خروجه للخطبة عند المالكية، ويجب رد السلام.
    - أن يؤذن مؤذن واحد، لا جماعة، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر وهذا هو الأذان الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    - البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والعظة والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وخطبتان، والجلوس بين الخطبتين. وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم، والنصر على الأعداء، والمعافاة من الأمراض والأدواء، والاستغفار.
    ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن، وختم الثانية بقول: يغفر الله لنا ولكم. كما يندب الترضي على الصحابة، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز الإسلام به.
    وقال الشافعية: يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله : أستغفر الله لي ولكم.
    - إسماع القوم الخطبة، ورفع الصوت بها : سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لأنه أبلغ في الإعلام.
    - اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس : سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية.
    - تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعاً: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصروا الخطبة".
    -ويسن أيضاً كون الخطبة بليغة مفهومة بلا تمطيط كالأذان، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ به الناس، ليحصل الانتفاع بوعظه.
    -الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية للحاضرين، ويكره لهم الكلام فيها.
    - ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة، وبمجرد صعود الإمام المنبر عند أبي حنفية، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب، ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس عند المالكية، ويكره تحريماً عند الحنفية الكلام من قريب أو بعيد، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً أو أمراً بمعروف، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وإشارة الأخرس المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره.
    - ويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقاً، وفي أثناء الجلوس بين الخطبتين عند الحنابلة والشافعية، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية.
    ويندب عند المالكية حمد الله تعالى سراً لعاطس حال الخطبة، ويجوز عندهم مع خلاف الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سراً إذا قل، حال الخطبة، ومنع الكثير جهراً، لأنه يؤدي إلى ترك واجب، وهو الاستماع.
    ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، كأن يأمر إنساناً لغا أو خالف السنة أو ينهاه، فيقول: أنصت، أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور إجابته إظهاراً لعذره. ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة، ولا يحصل ههنا. وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة.

    مكروهات الخطبة:
    مكروهات الخطبة: عند الحنفية والمالكية: هي ترك سنة من السنن المتقدمة، ومن أهمها تطويل الخطبة وترك الطهارة، فكلاهما مكروه، ومنها عند الحنفية: أن يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر.
    ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة، لأنه يؤذي الجالسين، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية، ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية،
    وليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهاً على إطلاقه، بل منه ما هو مكروه، ومنه ما هو خلاف الأولى.
    ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من مس الحصى فقد لغا"، ويكره الشرب ما لم يشتد عطشه.
    سنن الجمعة:
    يسن لصلاة الجمعة:
    - الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند الجمهور، مستحب عند المالكية.
    ووقت الغسل من فجر الجمعة إلى النزول، وتقريبه من ذهابه للصلاة أفضل، لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة.
    - والتطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل والمندوب لبس الأبيض يوم الجمعة، فالثياب البيض أفضل الثياب.
    - التبكير للجمعة ماشياً بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام، والاشتغال في طريقه بقراءة أو ذكر.
    - تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة: بتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك كإزالة الرائحة الكريهة بالسواك للفم وغيره من مواطن الرائحة في الجسم. ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء، اتباعاً للسنة، ولأنه منظور إليه.
    قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها.
    - الإكثار من الدعاء يومها وليلتها.
    - الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها وليلتها.
    - يقرأ الإمام جهراً بعد الفاتحة في الركعة الأولى "الجمعة" وفي الثانية "المنافقون" اتباعاً.
    - قراءة: آلم. السجدة، و هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح يوم الجمعة.
    - صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند الجمهور.
    وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان.
    - قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين بعد الجمعة.
    - يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه.
    السجود على الظهر ونحوه في الزحمة:
    ذهب الحنفية والشافعية والحنابلةإلى أنه: متى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدمه، لزمه ذلك وأجزأه.
    ولا يحتاج هنا إلى إذنه، لأن الأمر فيه يسير.
    وذهب المالكية إلى بطلان الصلاة.
    - مفسدات الجمعة:
    تفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى، ويضاف إليها مفسدات أخرى خاصة بها هي ما يلي:
    - خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية: لا تفسد، لأن الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت، وهو وقت الظهر، وخروج الوقت لا يفسد الصلاة.
    وكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد.
    - فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة، بأن نفر الناس عنه عند أبي حنيفة. أما فوت الجماعة أي انفضاضها بعد تقييد الركعة بالسجدة، فلا تفسد.
    فإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة، تصلى ظهراً.
    وإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك، تصلى جمعة عند وجود شرائطها.
    صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر:
    إذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة والركعتين، سقطت الجمعة، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء، وإنما تصلى ظهراً، لأن القضاء على حسب الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة، يتعذر تحصليها على فرد، فتسقط، بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها.


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    سجود السهو

    سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته.
    السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به.
    والفرق بين الناسي والساهي: أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي.
    مشروعية سجود السهو وحكمه:
    سجود السهو مشروع لحديث أبي سعيد الخدري فهو كما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً، أم أربعاً، فليطْرح الشك، وليَبْن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفَعْن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان" رواه مسلم.
    وشرع سجود السهو جبراً لنقص الصلاة، تفادياً عن إعادتها، بسبب ترك أمر غير أساسي فيها أو زيادة شيء فيها.
    ولا يشرع سجود السهو في حالة العمد لقوله صلى الله عليه وسلم:
    "إذا سها أحدكم فليسجد .. " فعلق السجود على السهو، ولأنه يشرع جبراناً للنقص أو الزيادة، والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي.
    ذهب الحنفية إلى أن سجود السهو واجب، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته، لأنه ضمان فائت، وهو لا يكون إلا واجباً، وهو يرفع الواجب من قراءة التشهد والسلام، ولا يرفع القعدة لأنها ركن.
    وإنما يجب على الإمام والمنفرد، أما المأموم (المقتدي) إذا سها في صلاته، فلا يجب عليه سجود السهو، فإن حصل السهو من إمامه، وجب عليه أن يتابعه، وإن كان مدركاً أو مسبوقاً في حالة الاقتداء، وإن لم يسجد الإمام سقط عن المأموم، لأن متابعته لازمة، لكن المسبوق يتابع في السجود دون السلام.
    ووجوب سجود السهو إذا كان الوقت (أو الحالة) صالحاً للصلاة، فلو طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، أو احمرت الشمس في صلاة العصر، سقط عنه السهو، لأن السهو جبر للنقص المتمكن كالقضاء، ولا يقضى الناقص.
    وإذا فعل فعلاً يمنعه من البناء على صلاته: بأن تكلم أو قهقه، أو أحدث متعمداً أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له، سقط عنه السهو ضرورة، لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة.
    والأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيهما جمع كبير، لئلا يشتبه الأمر على المصلين. وإذا سها في سجود السهو فلا سجود عليه.
    وذهب المالكية إلى أن: سجود السهو سنة مؤكدة للإمام والمنفرد. أما المأموم حال القدوة فلا سجود عليه بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين، لأن الإمام يتحمله عنه. فلو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام، سجد لنفسه.
    وأما المسبوق الذي أدرك ركعة مع إمامه، فيسجد مع إمامه السجود القَبلي المترتب على الإمام، قبل قضاء ما عليه، إن سجد الإمام، وإن لم يسجد الإمام، وتركه، سجد المأموم لنفسه، قبل قضاء ما عليه، وأخًّر السجود البَعدي الذي ترتب على إمامه، ويسجده بعد سلامه، فإن قدمه بطلت صلاته.
    وذهب الشافعية إلى أن: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يسجد لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر، ويتحمل الإمام عنه سهوه في حال قدوته، كما يتحمل عنه القنوت وغيره، أما المحدث فلا يتحمل عنه، ولا يلحقه سهوه، إذ لا قدوة في الحقيقة.
    ويجب سجود السهو في حالة واحدة: وهي حالة متابعة المقتدي لإمامه ولو كان مسبوقا، فإن سجد للسهو وجب أن يسجد تبعاً لإمامه؛ لأن المتابعة لازمة، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة، إلا إن علم المأموم خطأ إمامه في السجود للسهو، فلا يتابعه. ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه أو قبله، فإنه يسجد معه، ويستحب أن يسجد أيضاً في آخر صلاته، لأنه محل السهو الذي لحقه.
    وإذا ترك الإمام سجود السهو، لم يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب.
    وذهب الحنابلة إلى أن سجود السهو: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً.
    حالات الوجوب: لكل ما يبطل عمده في الصلاة بالزيادة أو النقص كترك ركن فعلي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في حديث أبي سعيد وابن مسعود، وقال:"صلوا كما رأيتموني أصلي".
    -للشك في الصلاة في بعض صوره كالشك في ترك ركن أو في عدد الركعات.
    -ترك كل واجب سهواً كترك التسبيح في الركوع أو السجود.
    -لمن لحن لحناً يغير المعنى، سهواً أو جهلاً.
    حالات الندب: إن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام سهواً أو عمداً كالقراءة في السجود أو القعود، وكالتشهد في القيام، وكقراءة سورة في الركعتين الأخريين.
    حالات الإباحة: سجود السهو لترك سنة من الصلاة.
    ويجب عل المأموم متابعة إمامه في السجود ولو كان مباحاً، فإن لم يتابعه بطلت صلاته. وعلى المسبوق أيضاً متابعة إمامه في السجود، وإن كان سبب السجود قبل أن يدركه، وإن سجد المسبوق إحدى سجدتي السهو مع إمامه، يأتي بالسجدة الثانية من سجدتي السهو إذا سلم إمامه، ليوالي بين السجدتين.
    ثانياً:أسباب سجود السهو
    ذهب الحنفية إلى أن: سجود السهو يكونبترك شيء عمداً أو سهواً، أو زيادة شيء سهواً، أو تغيير محله سهواً وذلك في الأحوال التالية:
    1ً-لا يسجد للسهو في العمد إلا في ثلاث: ترك القعود الأول أو تأخيره سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، أو تفكره عمداً حتى شغله عن مقدار ركن.
    2ً-يسجد للسهو بترك واجب من واجبات الصلاة سهواً إما بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقص، وهي أحد عشر واجباً، منها ستة واجبات أصلية، وهي ما يلي:
    -ترك التشهد في القعدة الأخيرة.
    -ترك قراءة الفاتحة أو أكثرها في الركعتين الأوليين من الفرض.
    -ترك سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة.
    -مخالفة نظام الجهر والإسرار: فإن جهر في الصلاة السرية نهاراً وهي الظهر والعصر، وخفت في الصلاة الجهرية ليلاً وهي الفجر والمغرب والعشاء، سجد للسهو.
    -ترك القعدة الأولى للتشهد الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية.
    -عدم مراعاة الترتيب في مكرر في ركعة واحدة، وهو السجدة الثانية في كل ركعة، فلو سجد سجدة واحدة سهواً، ثم قام إلى الركعة التالية، فأداها بسجدتيها، ثم تذكر السجدة المتروكة في آخر صلاته، فسجدها، فيجب عليه السهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهياً، فوجب سجود السهو.
    وكذلك ترك سجدة التلاوة عن موضعها، يوجب سجود السهو. وكل تأخير أو تغيير في محل فرض، كالقعود محل القيام وعكسه يوجب سجود السهو.
    -ترك الطمأنينة الواجبة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهياً وجب عليه سجود السهو.
    -تغيير محل القراءة في الفرض؛ بأن قرأ الفاتحة بعد السورة، أو قرأ السورة في الركعتين الأخريين من الرابعية، أو في الثانية والثالثة فقط، وجب عليه سجود السهو.
    -ترك قنوت الوتر؛ ويتحقق تركه بالركوع قبل الإتيان به، فمن تركه سجد للسهو.
    - وترك تكبير القنوت في الوتر أيضاً.
    - ترك تكبيرات العيدين أو بعضهما، أو تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنها واجبة، بخلاف التكبيرة الأولى.
    - زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها : كأن ركع ركوعين، فإنه يسجد للسهو.
    من عاد إلى ما سها عنه: من القعدة الأولى، ثم تذكر، وهو إلى حال القعود أقرب، عاد، فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو. ومن سها عن القعدة الأخيرة، فقام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو. فإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان عليه أن يضم ركعة سادسة ندباً. وإن قعد في الرابعة قدر التشهد، ثم قام ولم يسلّم يظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة، ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى استحباباً، وقد تمت صلاته لوجود الجلوس الأخير في محله، والركعتان الزائدتان: له نافلة.
    الشك في الصلاة:
    إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً ؟ فإن كان ذلك أول ما سها (أي أن السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط)، استقبل الصلاة، وبطلت، أي استأنفها وأعادها، والسلام قاعداً أولى. ولو بنى على الأقل ما أداه كاملاً. وإن حدث الشك المذكور بعد السلام، فلا إعادة عليه، كما لا إعادة عليه إن شك بعد قعوده قدر التشهد قبل السلام.
    فإن كان الشك يعرض له كثيراً، بنى على غالب ظنه، إذا كان له ظن يرجح أحد الطرفين، لأن في استئناف الصلاة مع كثرة عروضه حرجاً.
    وإن لم يكن له ظن أو رأي، أخذ بالأقل أي بنى على اليقين، لأنه المتيقن، ويقعد في كل موضع ظنه موضع قعوده، لئلا يصير تاركاً فرض القعود أو واجبه مع تيسر الوصول إليه، فإذا وقع الشك في صلاة رباعية أن الركعة هي الأولى أو الثانية عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل، فيجعلها أولى، ثم يقعد لجواز أنها الركعة الثانية، والقعدة فيها واجبة، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد.
    وذهب المالكية إلى أن أسباب سجود السهو: ثلاثة: نقص فقط، وزيادة فقط، ونقص وزيادة.
    أما النقص: فهو ترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة سهواً أو عمداً، كالسورة إذا تركها عن محلها سهواً، أو سنتين خفيفتين فأكثر كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الإحرام، أو ترك تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة. ومن أمثلة ترك سنة أيضاً: ترك جهر بفاتحة فقط ولو مرة، أو بسورة فقط في الركعتين بفرض كالصبح، لا نفل كالوتر والعيدين، مع اقتصار على حركة اللسان الذي هو أدنى السر، وترك تشهد ولو مرة لأنه سنة خفيفة. ويسجد للنقصان قبل السلام.
    فإن نقص ركناً عمداً بطلت صلاته، وإن نقصه سهواً أجبره ما لم يفت محله، فإن فات ألغى الركعة وقضاها.
    وأما الزيادة: فهي زيادة فعل غير كثير ليس من جنس الصلاة، أو من جنسها.
    مثال الأول: أكل خفيف أو كلام خفيف سهواً.
    ومثال الثاني: زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة كركعة أو ركعتين، أو أن يسلم من اثنتين. ويسجد للزيادة بعد السلام.
    أما زيادة القول سهواً: فإن كان من جنس الصلاة فمغتفر، وإن كان من غيرها سجد له.
    وأما الزيادة والنقص معاً: فهو نقص سنة ولو غير مؤكدة، وزيادة ما تقدم في السبب الثاني، كأن ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهواً، فقد اجتمع له نقص وزيادة. ويسجد للزيادة والنقصان قبل السلام،ترجيحاً لجانب النقص على الزيادة.
    ومن قام إلى ركعة زائدة في الفريضة، رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، وكذلك يسجد إن لم يذكر حتى سلم. أما المأموم: فإن اتبع الإمام عالماً عامداً بالزيادة، بطلت صلاته. وإن اتبعه ساهياً أو شاكاً، صحت صلاته. ومن لم يتبعه وجلس، صحت صلاته.
    ومن قام إلى ثالثة في النافلة: فإن تذكر قبل الركوع، رجع وسجد بعد السلام. وإن تذكر بعد الرفع من الركوع، أضاف إليها ركعة وسلم من أربع، وسجد بعد السلام لزيادة الركعتين.
    ومن ترك الجلسة الوسطى: فإن ذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه أمر بالرجوع إلى الجلوس، فإن رجع فلا سجود عليه، لخفته، وإن لم يرجع سجد. وإن ذكر بعد مفارقته الأرض بيديه، لم يرجع. وإن ذكر بعد أن استقل قائماً، لم يرجع وسجد للسهو، فإن رجع فقد أساء، ولا تبطل صلاته.
    ومن شك في صلاته، هل صلى ركعة أو اثنتين، فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.
    مذهب الشافعية: يسجد للسهو عند ترك مأمور به في الصلاة، أو فعل منهي عنه فيها. والسنة إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، فمن ترك التشهد الأول مثلاً، فتذكره بعد قيامه مستوياً، لم يعد له، فإن عاد إليه عالماً بتحريمه عامداً، بطلت صلاته، وإن عاد إليه ناسياً لم تبطل، وكذا إن عاد إليه جاهلاً ويسجد للسهو عنها.
    والذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان، وتنحصر أسباب السهو في ستة أمور.
    1-تيقن ترك بعض من الأبعاض: وهي التشهد الأول، وقعوده، والقنوت في الصبح وفي آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، والصلاة على الآل في التشهد الأخير.
    2- تيقن فعل منهي عنه سهواً مما يبطل عمده فقط: كأن يعيد الفاتحة في الجلوس، وأن يسلم في غير موضع السلام ناسياً، وكذلك نقل السنة القولية كأن يقرأ السورة في غير موضع القراءة، فيسجد للسهو، لأنه قول في غير موضعه، فصار كالسلام. ويستثنى من ذلك قراءة السورة قبل الفاتحة، فلا يسجد لها.
    3 - فعل شيء سهواً، يبطل عمده فقط: كتطويل الركن القصير، بأن يطيل الاعتدال أو الجلوس بين السجدتين. ومثله الكلام القليل سهواً، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين وكلم ذا اليدين، وأتم صلاته، وسجد سجدتين متفق عليه.
    وأما ما يبطل عمده وسهوه ككلام كثير وأكل، فيبطل الصلاة ولا يسجد له.
    وأما ما لا يبطل عمده ولا سهوه كالتفات بالعنق ومشي خطوتين، فلا يسجد لسهوه ولا لعمده.
    4 - الشك في الزيادة: فلو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً، أتى بركعة وسجد.
    ودليل السجود للشك في صلاته: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم اثِنْتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثاً، فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس، قبل أن يسلم سجدتين" رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه.
    5 - الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة: كأن شك في ترك القنوت لغير النازلة، أو ترك بعض مبهم (غير معين) كأن لم يدر هل ترك القنوت أو الصلاة على النبي في القنوت.
    6 - الاقتداء بمن يترك بعض الأبعاض: ولو في اعتقاد المأموم، كالاقتداء بمن ترك القنوت في الصبح، أو بمن يقنت قبل الركوع، أو بمن يترك الصلاة على النبي في التشهد الأول، فيسجد بعد سلام الإمام وقبل سلام نفسه.

    ذهب الحنابلة إلى أن: أسباب السهو ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك في بعض صوره.
    الأول: أما الزيادة في الصلاة: فمثل أن يزيد المصلي سهواً فعلاً من جنس الصلاة، قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة، أو ركوعاً، أو سجوداً، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة، فيسجد للسهو وجوباً في الزيادة الفعلية وندباً في الزيادة القولية.
    ومتى ذكر من زاد في صلاته، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير، لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها. وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أو رابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء، قطع تلك الركعة، بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير، وبنى على فعله قبل تلك الزيادة، ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد للسهو، وسلم، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة مسبوق.
    وإن كان الذي زاد إماماً أو منفرداً، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها - لزمه الرجوع، سواء نبهوه لزيادة أو نقص، ولو ظن خطأهما.
    والمرأة كالرجل في تنبيه الإمام.
    الثاني النقص في الصلاة: فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة ونحو ذلك سهواً، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره، ويجب أن يسجد للسهو في آخر صلاته.
    وإن نسي التشهد الأول، لزمه الرجوع والإتيان به جالساً، ما لم ينتصب قائماً، وهذا متفق عليه.
    وإن استتم قائماً، ولم يقرأ، فعدم رجوعه أولى، لحديث المغيرة السابق، ويتابعه المأموم، ويسقط عنه التشهد. وإن قرأ ثم ذكر التشهد، لم يجز له الرجوع، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع، وتبطل صلاة الإمام إذا رجع بعد شروعه فيها، إلا أن يكون جاهلاً أو ناسياً. وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين".
    وكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء "رب اغفر لي" بين السجدتين، وكل واجب تركه سهواً، ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل الاعتدال لا بعده.
    الثالث: الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره: فهو مثل أن يشك في ترك ركن من الأركان، أو في عدد الركعات، فيبني على المتيقن، ويأتي بما شك في فعله، ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوباً.
    ولا يسجد للسهو حالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أو السجود، وإنما يسجد لترك الواجب سهواً.
    كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة، لأن الأصل عدم الزيادة. أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود السهو. ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة، على هذا التفصيل.
    محل سجود السهو وصفته:
    سجود السهو عند الحنفيةبعد السلام، وقد يكون قبل السلام وقد يكون بعده، ويتخير المصلي بين الأمرين لدى الحنابلة.
    ذهب الحنفية إلى أن سجود السهو بعد السلام فقالوا: محل سجود السهو المسنون بعد السلام مطلقاً، سواء أكان السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ولا يعيده.
    وصفته: أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسليمة الأولى فقط، ثم يتشهد بعدها وجوباً، ويأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء في قعدة السهو لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة.
    وذهب المالكية إلى أن سجود السهو قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده فقالوا: محل السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان، أو النقصان والزيادة معاً. وبعد السلام إن كان سببه الزيادة فقط، وينوي وجوباً للسجود البعدي، ويكبر في خفضه ورفعه، ويسجد سجدتين جالساً بينهما، ويتشهد استناناً، ولا يدعو ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسلم وجوباً، فتكون واجباته خمسة: وهي النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.
    وإن أخر السجود القبلي عمداً كره ولا تبطل الصلاة، وإن قدم السجود البعدي على السلام أجزأه، وأثم أي يحرم تقديمه عمداً، وتصح الصلاة، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم يحرم.
    وذهب الشافعية إلى أنَّ: محل سجود السهو بين التشهد والسلام، فإن سلم عمداً فات، وإن سلم سهواً وطال الفصل فات أيضاً، وإن لم يطل الفصل، فلا يفوت، ويسجد، وإذا سجد صار عائداً إلى الصلاة في الأصح. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها، أتموا ظهراً وسجدوا.
    وصفته: سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل) والافتراش في الجلوس بينهما، والتورك بعدهما.
    ويحتاج لنية بقلبه، لا بلسانه، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته.
    ودليلهم على صفته: اقتصاره صلى الله عليه وسلم على السجدتين في قصة ذي اليدين، وغيرها من الأحاديث.
    وذهب الحنابلة إلى أنَّ: لا خلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده، وإنما الخلاف عندهم في الأفضل والأولى، والأفضل أن يكون قبل السلام، لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود صلبها، إلا في حالتين:
    إحداهما - أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته.
    الثانية - أن يشك الإمام في شيء من صلاته، ثم يبني على غالب ظنه، فإنه يسجد للسهو بعد السلام ندباً نصاً.
    وصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم يسجد سجدتين كسجود الصلاة، فإن كان السجود بعدياً يأتي بالتشهد كتشهد الصلاة قبل السلام ثم يسلم، وإن كان قبلياً لم يتشهد، ويسلم عقبه.
    ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، لأنه سجود مشروع في الصلاة، فأشبه سجود صلب الصلاة.
    ومن ترك السجود الواجب للسهو عمداً، بطلت صلاته بترك ما محله قبل السلام، لأنه ترك الواجب عمداً كغيره من الواجبات، ولا تبطل بترك ما محله بعد السلام، لأنه جبر للعبادة خارج منفرد عنهما، فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج.
    وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة، لأنه جابر للعبادة بعدها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج.
    وإن طال الفصل لم يسجد، وإلا سجد.

    سجدة التلاوة:
    1-حكم سجدة التلاوة
    ذهب الحنفية إلى أن سجدة التلاوة واجبة على السامع والمستمع والتالي.
    وذهب الشافعية إلى أنها سنة على السامع والتالي والمستمع وذهب المالكية والحنابلة إلى أنها سنه على المستمع التالي.
    والمستمع: هو الذي يقصد السماع.
    والسامع: هو الذي لا يقصد السماع
    - وجوب سجدة التلاوة على التراخي عند الحنفية.
    تجب سجدة التلاوة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلاً للوجوب،سواء قصد سماع القرآنأو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظاناً، ولو جُنُباً أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً أو صبياً مميزاً أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.
    أما في الصلاة فتجب وجوباً مضيقاً، لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد مستقلاً ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده.
    وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها سجوداً مستقلاً، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته.
    متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: ذهب الحنفية إلى أنه: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.
    وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم تجزه، ولم تفسُد صلاته، لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.
    وذهب الجمهور: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته، لأنه زاد فيها سجوداً.
    شروط سجود التلاوة:
    ذهب الحنفية إلى أنه يشترط لوجوب سجدة التلاوة: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء.
    وذهب المالكية إلى أن سجدة التلاوة لا تسن للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.
    وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبياً مميزاً، والمستمع رجلاً، أو محدثاً، أو كافراً، ولا تسن لقراءة جنب وسكران، لأنها غير مشروعة لهما.
    ويشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.
    ذهب الحنفية إلى أنه: لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة، وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.
    وذهب المالكية إلى أنه:لا إحرام فيها ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا:
    وذهب الشافعية إلى أنه: يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كما أخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياساً على الصلاة، ويشترط السلام بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد.

    مبطلات سجود التلاوة:
    يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والضحك، وعليه إعادتها.
    أسباب سجدة التلاوة وصفتها:
    تتردد أسباب سجود التلاوة بين التلاوة لآية سجدة، والسماع لها، والاستماع، كما هو موضح في المذاهب.
    ذهب الحنفية إلى أن: أسباب سجود التلاوة ثلاثة أمور:
    الأول- التلاوة: فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم.
    الثاني- سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد بخلاف السماع.
    الثالث- الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها.
    وصفة السجود عند الحنفية: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، واضعاً جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة.
    ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً.
    وذهب المالكية إلى أن: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: التلاوة والاستماع بشرط أن يقصده، كما ذكر في شروطها.
    وصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه استحباباً في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، إلا إذا كان مسافراً، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً. فيكون مذهب المالكية قريباً في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده: "اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود".
    وذهب الشافعية إلى أنَّ: سبب سجود التلاوة: التلاوة والسماع والاستماع، كما قال الحنفية.
    ولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب.
    وغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ويسن له التلفظ بالنية.
    وصفتها: أن يكبر للهوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده:"سبحان ربي الأعلى ثلاثاً"، ويضيف قائلاً:"سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين" ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"
    ويندب أن يقول: "سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً" ولو قال ما يقوله في سجوده فقط، جاز وكفى.
    ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع مرات:"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر".
    وذهب الحنابلة إلى أن سبب: التلاوة والاستماع. وبشرط ألا يطول الفصل عرفاً بينها وبين سببها. فإن كان القارىء أو السامع محدثاً، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى السجود متابعة للإمام.
    وأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام.
    وصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في حديث ابن عمر"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يفعله في السجود" متفق عليه. يعني رفع يديه، ويسلم إذا رفع.
    ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة: "سبحان ربي الأعلى ثلاثاً". ويقول أيضاً: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين". ويقول أيضاً: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود"
    نيابة الركوع عن سجدة التلاوة
    -وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يندب عن السجدة الركوع.
    -وذهب الحنفية إلى نيابة ذلك في الصلاة.
    6- المواضع التي تطلب فيها السجدة:
    ذهب الحنفية إلى أن عدد السجدات أربع عشرة سجدة: في سورة الأعراف الآية(206)، والرعد(15)، والنحل(49)، والإسراء(107)، ومريم(58)، وفي أول الحج(18)، وفي الفرقان(60)، وفي النمل(25)، وفي ألم السجدة(15)، وفي فصلت(38)، وفي ص(24) والنجم(62)، وإذا السماء انشقت(21) واقرأ باسم ربك الذي خلق(19).
    وذهب المالكية إلى أن عدد السجدات إحدى عشرة، وهم مثل الحنفية إلا في الثلاث الأخيرة: النجم(62)، الانشقاق(21)، العلق(19).
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، في أولها وآخرها(77)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها.

    7- تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟
    ذهب الحنفيةإلى أن: من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس.
    أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود.
    فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف.
    ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، والمسجد ولو كان كبيراً، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصلياً.
    ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارىء، فلو كررها راكباً يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام،لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارىء دون السامع على المفتى به، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين.
    وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجزه السجدة الأولى.
    وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، سجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة.
    وذهب المالكية إلى أنه: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين، فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد، ولو كانفي صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع.
    وذهب الشافعية إلى أنه: لو كرر آية في مجلسين، أو في مجلس، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر، لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة.
    وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك، لتعدد السبب.
    - سجدة الشكر:
    ذهب أبو حنفية إلى أنها: مكروهة لعدم إحصاء نعم الله تعالى.
    والمفتى به أنها مستحبة، لكنها تكره بعد الصلاة ؛ لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه. وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه إجماعاً؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة، وكل جائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره. وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، أجزأته.
    ويكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل، ولا يكره في غيره.
    وذهب المالكية إلى أنه: يكره سجود الشكر عند سماع بشارة، والسجود عند زلزلة، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة: صلاة ركعتين، لأن عمل أهل المدينة على ذلك.
    وذهب الشافعية إلى أن: سجدة الشكر لا تدخل في الصلاة. وتسن لهجوم نعمة، كحدوث ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره،أو رؤية عاص يجهر بمعصيته، ويظهرها للعاصي، لا للمبتلى.
    وهي كسجدة التلاوة، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول، فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة، جاز الإيماء على الراحلة قطعاً تبعاً للنافلة كسجود السهو.
    وذهب الحنابلة إلى أنّه:يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم.
    ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة. ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة، لأن سبب السجدة ليس منها، فإن فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك.
    قضاء الفوائت:
    1- معنى القضاء وحكمه الشرعي:
    والقضاء: فعل الواجب بعد وقته.
    أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر، وتأخير الصلاة من غير عذر معصية كبيرة لا تزول بالقضاء وحده، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء.
    وأمَّا تأخير الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه، ومن العذر: خوف العدو، وخوف القابلة موت الولد، أو خوف أمه إذا خرج رأسه، لأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق، قال ابن مسعود: "إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق".
    فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها، لزمه قضاؤها وهو آثم بتركها عمداً، والقضاء عليه واجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها"، فيجب القضاء بترك الصلاة عمداً أو لنوم أو نسيان أو لسهو، ولو شكاً.
    2- أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها:
    اتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس، كما لا قضاء على الكافر الأصلي والمجنون اتفاقاً.
    فذهب الحنفية إلى أن: الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إن استمر أقل من ذلك، خمس صلوات فأقل، وجب عليهما القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة. فلو لم يبق من الوقت ما يسع قدر التحريمة، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت. وأما المرتد: فلا يقضي ما فاته زمن الردة ولا ما قبلها إلا الحج، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي. ويعذر حربي أسلم بدار الحرب بالجهل، فلا يقضي ما عليه إذا مكث مدة، لأن العلم بالخطاب شرط التكليف.
    وذهب المالكية إلى أنه: لا تجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض والنفاس وفقد الطهورين.
    وذهب الشافعية إلى أنه: لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء والكافر وأما المرتد إذا أسلم: فيلزمه قضاء الصلاة.
    ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسبب مباح: فلا تجب عليه الصلاة ولا قضاء عليه.
    أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فزال عقله، فيجب عليه القضاء إذا أفاق، لأنه زال عقله بمحرم، فلم يسقط عنه الفرض...
    وذهب الحنابلة إلى أنه: لا تجب الصلاة على صبي والمجنون ولا كافر ولا حائض أو نفساء. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره.
    وأما المرتد: ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد:
    إحداهما كالحنفية: لا يلزمه: لأن عمله قد حبط بكفره ولو حج لزمه استئناف حجه. فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه.
    والثانية كالشافعية: يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ولا يجب عليه إعادة الحج، لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت.
    وأمَّا المغمى عليه: يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه، فحكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام. ومن شرب دواء فزال عقله به نظر: فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول فهو كالمجنون.
    وأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت: فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، بلا خلاف، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى.

    3-كيفية قضاء الفائتة:
    ذهب الحنفية إلى أن الصلاة: تقضى على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضراً أو سفراً، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر، قضاها ركعتين ولو في الحضر. ومن فاتته صلاة تامة في الحضر قضاها أربعاً ولو في السفر.
    أما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً، فيراعى نوع الصلاة: فإن كانت سرية كالظهر، يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماماً، ويخير بين الجهر والإسرار إن كان منفرداً.
    ويجب القضاء فوراً، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج، كما أن أداء سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق.
    وذهب المالكية إلى أن الصلاة: يقضيها بنحو ما فاتته سفراً أو حضراً، جهراً أو سراً، فوراً، ويحرم عليه تأخير القضاء، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، إلا وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لابد منه، وقضاء حاجة الإنسان، وتحصيل ما يحتاج له في معاشه.
    وعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر، وتقضى النهارية سراً ولو قضاها ليلاً، وتقضى الليلية جهراً ولو قضاها نهاراً، لأن القضاء يحكي ما كان أداء.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء، فيقضي المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، سواء فاتته في السفر أم في الحضر، فإن كان في الحضر فيقضي الرباعية أربعاً، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام، فيرجع إليه في الحضر، ولأن سبب القصر هو السفر وليس متوفراً في الحضر.
    ويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أسَّر، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر.
    ولكن قالت الحنابلة: إن كان القضاء ليلاً يجهر الإمام لشبه القضاء للأداء، فإن كان منفرداً أسر مطلقاً، قال الإمام أحمد: إنما الجهر للجماعة.
    وذهب الحنابلة إلى: أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، حينما فاتته صلوات أربع، فقضاهن في جماعة. ولا يكره قضاء السنن الرواتب قبل الفرائض، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة.
    4-القضاء على الفور:
    ويجب أن يكون القضاء فوراً باتفاق الفقهاء، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر.
    وذهب الشافعية إلى أنه: يبادر بالفائت ندباً إن فاته بعذر كنوم ونسيان، ووجوباً إن فاته بغير عذر، على الأصح فيهما، تعجيلاً لبراءة ذمته
    5- الترتيب في قضاء الفوائت
    ذهب الحنفية إلى أنَّ الترتيب: بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة.
    ومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مُرتّبةًً، ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها.
    وذهب المالكية إلى أنه: يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لا يكره على عدمه. والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان فمن تذكر الظهر وهو في أثناء العصر، فالعصر باطلة، وكذا العشاء مع المغرب، لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطاً. ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ويجعلها نفلاً.
    ويجب الترتيب مع الشرطين السابقين (التذكر والقدرة) بين الفوائت اليسيرة والصلاة الحاضرة، فتقدم الفائتة على الحاضرة، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح، يجب تقديمها على الصبح الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة، بتقديمه يسر الفوائت الواجب تقديمه عليها. وهذا واجب لا شرط، فلو خالفه لا تبطل المُقدَّمة على محلها، ولكنه يأثم، ولا إعادة عليه لخروج وقتها بمجرد فعلها، فإن قدمها ناسياً أو مكرهاً صحت ولا إثم عليه. ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها على يسير الفائتة ولو عمداً، بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر).
    ويسير الفوائت: خمس فأقل، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها.
    وذهب الحنابلة: في الصحيح إلى أن الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة، أو بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة، فإن لم يتسع سقط الترتيب. ولا يسقط الترتيب من أجل إدراك الجماعة للصلاة الحاضرة، لأنه آكد من الجماعة، بدليل اشتراطه لصحة الصلاة، بخلاف الجماعة، كما لا يسقط الترتيب بجهل وجوبه، لأنه ترتيب واجب في الصلاة، ولا عذر بالجهل بالأحكام الشرعية.
    وإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء ما لم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله.
    ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليلة، عند أكثر أهل العلم، لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس.
    وذهب الشافعية إلى أنه: يسن ترتيب الفائتة، وتقديمها على الحاضرة التي لا يخاف فوت وقتها، عملاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فترتيب الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين:
    الأول - ألا يخشى فوات الحاضرة، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت.
    الثاني - أن يكون متذكراً للفوائت قبل الشروع في الحاضرة. فإن لم يتذكرها حتى شرع في الحاضرة، وجب إتمامها، ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقداً سعة الوقت، فبان ضيقه عن إدراكها أداء، وجب قطعها لئلا تصير فائتة، والأفضل أن يقلبها نفلاً بعد أداء ركعتين. ولو خاف فوت جماعة حاضرة، فالأفضل الترتيب، للخلاف في وجوبه.
    وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديماً واجب، وأما تأخيراً فهو سنة.
    6- القضاء إن جهل عدد الفوائت:
    وذهب الحنفية إلى أنَّ: من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته. وعليه أن يعين الزمن، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، وذلك تسهيلاً عليه.
    وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه: يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته من الفروض، ولا يلزم تعيين الزمن، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلاً.




  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    النوافل أو صلاة التطوع
    التطوع في الأصل: فعل الطاعة. وفي الشرع: طاعة غير واجبة.
    وحكمها: أنه يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.
    والنوافل جمع نافلة، والنفل والنافلة في اللغة: الزيادة.
    والتنفل: التطوع، وشرعاً: عبارة عن فعل مشروع ليس بفرض ولا واجب ولا
    مسنون.
    وأفضل عبادات البدن: الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" رواه أحمد.
    النوافل عند الحنفية:
    ذهب الحنفية إلى تقسيم النوافل إلى قسمين: مسنونة ومندوبة.
    والسنة: هي المؤكدة التي واظب الرسول صلى الله عليه وسلم على أدائها، ولم يتركها إلا نادراً، إشعاراً بعدم فرضيتها.
    والمندوب: هو السنة غير المؤكدة التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً وتركها أحياناً.
    القسم الأول: السنن المؤكدة عند الحنفية:
    ركعتان قبل صلاة الفجر (الصبح)، وهما آكد (أقوى) السنن، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" رواه مسلم.
    وبناء عليه قالوا: لا يجوز أن يؤديهما قاعداً أو راكباً بدون عذر. ولا يقضى شيء من السنن سوى سنة الفجر، إذا فاتت معه، وقضاه من يومه قبل الزوال، فإن صلى الفرض وحده، لا يقضيان. ووقتهما وقت صلاة الصبح. والسنة أن يقرأ في أولاهما سورة الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص. وأن يصليهما في بيته في أول الوقت. وإذا قامت صلاة الجماعة لفرض الصبح قبل أن يصليهما: فإن أمكنه إدراكها بعد صلاتهما ولو في الركعة الثانية، فعل، وإلا تركهما، وأدرك الجماعة، ولا يقضيهما بعد ذلك. والإسفار بسنة الفجر أفضل.
    أربع ركعات قبل صلاة الظهر أو قبل الجمعة، بتسليمة واحدة، لحديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة" رواه البخاري أي سنة الفجر. وهذه آكد السنن بعد سنة الفجر، ثم الباقي سواء.
    ركعتان بعد الظهر، ويندب أن يضم لها ركعتين، وأربع بعد الجمعة بتسليمة واحدة، لقوله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للظهر: "من صلى أربع رَكَعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرَّمه الله على النار" رواه الترمذي وأبو داود.
    ركعتان بعد المغرب: ويسن إطالة القراءة فيهما.
    ركعتان بعد فرض العشاء: والدليل على تأكد هذه السنن قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى في يوم وليلة ثِنْتَي عشرة ركعة سوى المكتوبة بنى الله له بيتاً في الجنة".
    صلاة التراويح: التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين عليها، ويسن فيها الجماعة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها جماعة في رمضان في ليالي الثالث والخامس والسابع والعشرين، ثم لم يتابع خشية أن تفرض على المسلمين، وكان يصلي بهم ثمان ركعات، ويكملون باقيها في بيوتهم، فكان يسمع لهم أزيز كأزيز النحل. رواه البخاري ومسلم.
    ووقتها: في رمضان بعد صلاة العشاء إلى الفجر، قبل الوتر وبعده. ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه، ولا تكره بعده. ولا تقضى عندهم إذا فاتت أصلاً، فإن قضاها، كانت نفلاً مستحباً، وليس بتراويح، كسنة مغرب وعشاء، لأن القضاء من خصائص الواجبات كالوتر والعيدين.
    والجماعة فيها سنة على الكفاية، فلو تركها أهل مسجد أثموا، وكل ما شرع بجماعة، فالمسجد فيه أفضل، والمتخلف عن الجماعة إذا أقامها البعض تارك للفضيلة، لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلف.
    وتؤدى أيضاً فرادى، والأفضل فيها الجماعة، ويسن أن يختم فيها القرآن كله مرة خلال شهر رمضان. وإذا مل الناس سن قراءة ما تيسر من القرآن بقدر ما لا يثقل عليهم، كآية طويلة أو ثلاث قصار، ولا يكره الاقتصار على آية أو آيتين، بشرط الترتيل، والاطمئنان في الركوع والسجود مع التسبيح، ولا يترك دعاء الثناء والتعوذ والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل تشهد.
    وعدد ركعاتها عشرون ركعة، تؤدى ركعتين ركعتين، يجلس بينهما، مقدار الترويحة، بعشر تسليمات ثم يوتر بعدها، ولا يصلى الوتر بجماعة في غير شهر رمضان. ودليلهم على العدد فعل عمر رضي الله عنه كما أخرج مسلم في صحيحه، حيث إنه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة بعد ذلك، ولم يخالفهم بعد الراشدين مخالف. وقد سئل أبو حنيفة عما فعله عمر رضي الله عنه فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    القسم الثاني: السنن غير المؤكدة والمندوبات عند الحنفية: فهي ما يأتي، ولا يعني كونها غير مؤكدة تركها، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها غالباً، ويتركها أحياناً:
    ركعتان أخريان إلى سنة الظهر البعدية المؤكدة.
    أربع ركعات قبل العصر بتسليمة واحدة، لقوله صلى الله عليه وسلم : "رحم الله امرءأً صلى أربعاً قبل العصر" رواه أبو داود والترمذي.
    أربع ركعات قبل صلاة العشاء وأربع بعدها بتسليمة واحدة.
    صلاة الأوابين(1) : وهي ست ركعات بعد المغرب، بتسليمة أو ثنتين أو ثلاث، والأول أدوم وأشق، لما روي عن عمار بن ياسر: "من صلى بعد المغرب ست ركعات، غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر" رواه الطبراني.
    ____________________
    (1) الأوابين : جمع أواب أي رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار.

    صلاة الضحى:
    وهي أربع ركعات على الصحيح إلى ثمانية، وأقلها ركعتان. ووقتها: من بعد طلوع الشمس قدر رمح أي حوالي ثلث أو نصف ساعة إلى قبيل الزوال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله" [رواه مسلم].
    تحية المسجد: تندب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد تحية لرب المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين" رواه ابن ماجه. يصليهما عند الحنفية في غير وقت الكراهة، وأداء الفرض أو غيره ينوب عنهما بلا نية. وتكفيه لكل يوم مرة إذا تكرر دخوله لعذر، ولا تسقط بالجلوس عندهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما" [رواه ابن حبان].
    ويستثنى من المساجد المسجد الحرام، فإن تحيته الطواف.
    ومن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره يقول ندباً كلمات التسبيح الأربع: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
    ركعتا الوضوء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه، إلا وجبت له الجنة" رواه مسلم.
    صلاة التهجد (الليل): تندب الصلاة ليلاً خصوصاً آخره، وهي أفضل من صلاة النهار، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" [رواه مسلم].
    وعدد ركعاتها من ركعتين إلى ثمانية.
    ويندب إحياء ليالي العيدين (الفطر والأضحى)، وليالي العشر الأخير من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره، للأحاديث الواردة في ذلك.
    ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد وغيرها، لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة.
    كما يكره الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في أول جمعة من رجب، وإنها بدعة.
    وطول القيام أفضل من كثرة السجود، لقوله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الصلاة طول القنوت" رواه مسلم أي القيام، ولأن القراءة تكثر بطول القيام، وبكثرة السجود يكثر التسبيح، والقراءة أفضل منه.
    صلاة الاستخارة: أي طلب ما فيه الخير، وتكون في الأمور المباحة التي لا يعرف وجه الصواب فيها، وهي ركعتان، يدعو بعدهما بالدعاء المأثور، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته" أي عند قوله: "هذا الأمر" [رواه البخاري].
    ويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمدلة، والصلاة على النبي. ويقرأ في الركعة الأولى: الكافرون، وفي الثانية : الإخلاص.
    وينبغي - أي إذا لم يبن له الأمر - أن يكررها سبعاً، لما روى ابن السني: "يا أنس، إذا هممت بأمر، فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه". ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء.
    صلاة التسبيح: وفضلها عظيم، وفيها ثواب لا يتناهى.
    وهي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، وسورة، بتسليمة أو تسليمتين، يقول فيها ثلاثمائة مرة: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة.
    ويفعلها المسلم في كل وقت لا كراهة فيه، أو في كل يوم أو ليلة مرة، وإلا ففي كل أسبوع، أو جمعة، أو شهر، أو العمر. وحديثها حسن لكثرة طرقه، ووهم من زعم وضعه.
    فبعد الثناء: يسبح خمس عشرة، ثم بعد القراءة، وفي الركوع، والرفع منه، وكل من السجدتين، وفي الجلسة بينهما عشر تسبيحات، بعد تسبيح الركوع والسجود. وهذه الكيفية هي التي رواها الترمذي في جامعه عن عبد الله بن المبارك أحد أصحاب أبي حنيفة. وهي المختار من الروايتين.
    ولا يعد المصلي التسبيحات بالأصابع إن قدر أن يحفظ بالقلب.
    صلاة الحاجة: وهي أربع ركعات بعد العشاء، وقيل: ركعتان.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليُحسن الوضوء، وليصلّ ركعتين، ثم لُيثن(1) على الله، وليُصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك مُوجِبات رحمتك(2)، وعزائمَ مغفرتك(3)، والغنيمة(4) من كل برّ، والسلامة من كل إثم(5)، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا همَّاً إلا فرَّجته(6)، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" رواه الترمذي.
    _______________
    (1) أي يحمده.
    (2) موصلات باعثة إلى الجنة.
    (3) الأسباب التي يعزم له بها الغفران ويحققه.
    (4) الفوز.
    (5) النجاة من كل ذنب.
    (6) أزلته.

    أحكام فرعية لصلاة النافلة:
    ثالثاً: كيفية أداء نوافل النهار والليل: إن شاء صلى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أربعاً، وتكره الزيادة على ذلك (أي على الأربع من غير تسليمة). أما نوافل الليل: فقال أبو حنيفة: إن صلى ثمان ركعات بتسليمة واحدة جاز، وتكره الزيادة على ذلك (أي على الثمانية من غير تسليمة)، والأفضل عنده رباع أي أربعاً أربعاً ليلاً ونهاراً.
    وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: لا يزيد - من حيث الأفضلية - بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة، والأفضل في الليل مثنى مثنى، وفي النهار: أربع أربع. وبرأي الصاحبين يفتى عند الحنفية.
    القراءة واجبة في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر.
    رابعاً: الشروع في النفل صلاة أو صوماً ملزم عند الحنفية. ودليل الحنفية قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} فيحرم قطع الصلاة وغيرها.
    فيلزم النفل عندهم بالشروع في تكبيرة الإحرام، أو بالقيام للركعة الثالثة وقد أدى الشفع الأول صحيحاً، فإذا فسد الثاني لزم قضاؤه فقط، ولا يسري إلى الأول، لأن كل شفع صلاة على حدة.
    وبناء عليه: من دخل في صلاة النفل، ثم أفسدها، قضاها. وإن صلى أربع ركعات، وقعد في الأوليين، ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين.
    ويستثنى من ذلك ما لو شرع متنفلاً خلف مفترض ثم قطعه، أو شرع في فرض ظاناً أنه عليه، ثم تذكر أنه ليس عليه، فلا قضاء عليه.
    ثانياً: يقتصر المتنفل في الجلوس الأول من الرباعية المؤكدة (وهي التي قبل الظهر والجمعة وبعدها) على التشهد، ولا يأتي في الثالثة بدعاء الاستفتاح على الأصح. أما الرباعية المندوبة (غير المؤكدة)، فإنه يقرأ في القعود الأول التشهد والصلاة الإبراهيمية ويأتي بالاستفتاح والتعوذ في ابتداء الثالثة، أي في ابتداء كل شفع من النافلة.
    خامساً: إذا صلى نافلة أكثر من ركعتين، ولم يجلس إلا في آخرها، صح استحساناً، لأنها صارت صلاة واحدة من ذوات الأربع، وفيها الفرض وهو الجلوس الأخير، ويجبر ترك القعود الأول ساهياً بالسجود، ويجب العود إليه بتذكره بعد القيام ما لم يسجد.
    سادساً:صلاة النفل قاعداً أو راكباً يجوز - كما بينا في بحث القيام في الصلاة - النفل قاعداً لا مضطجعاً مع القدرة على القيام، لكن له نصف أجر القائم إلا لعذر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد" رواه البخاري.
    وكيفية القعود في النفل كالمتشهد، ويجوز للقادر على القيام إتمام نفله قاعداً، بعد افتتاحه قائماً، بلا كراهة على الأصح.
    ويصح أداء النوافل ولو كانت مؤكدة كسنة الفجر على الراحلة راكباً خارج البلد، ويومئ إلى الركوع والسجود، إلى أي جهة توجهت دابته، للحاجة، وإذا نزل عن الدابة أتم صلاته. ولا يشترط عجزه عن إيقافها لتكبيرة الإحرام. وإذا حرك رجله أو ضرب دابته، فلا بأس به، إذا لم يصنع شيئاً كثيراً.
    ويجوز للمتطوع الاتكاء على شيء إن تعب، بلا كراهة، وإن كان بغير عذر كره في الأظهر، لإساءة الأدب.
    سابعاً: صلاة الفرض والواجب على الدابة ولا يصح على الدابة صلاة الفرائض والواجبات، كالوتر والمنذور، وقضاء ما شرع فيه نفلاً فأفسده، ولا صلاة الجنازة، أو سجدة تليت آيتها على الأرض، إلا للضرورة أو العذر، كخوف لص أو سبع على نفسه أو دابته، أو ثيابه، لو نزل، أو وجود طين ومطر في المكان، أو لعجز لمرض أو كسر ولم يوجد من يركبه.
    ثامناً: الصلاة في السفينة، ومثلها الطائرة والسيارة: تجوز صلاة الفريضة في السفينة والطائرة والسيارة قاعداً، ولو بلا عذر عند أبي حنيفة، ولكن بشرط الركوع والسجود.
    وفي قول آخر: لا تصح إلا لعذر، وهو الأظهر. والعذر كدوران الرأس، وعدم القدرة على الخروج.
    ويشترط التوجه للقبلة في بدء الصلاة، ويستدير إليها كلما استدارت السفينة، ولو ترك الاستقبال لا تجزئه الصلاة، وإن عجز عن الاستقبال يمسك عن الصلاة حتى يقدر على الإتمام مستقبلاً.
    والسفينة المربوطة في لجة أو عرض البحر التي تحركها الريح الشديدة كالسائرة، فإن لم تحركها فهي كالواقفة على الأصح.
    والمربوطة بالشط أو المرفأ لا تجوز الصلاة فيها قاعداً اتفاقاً.
    والثابت في السنة وجوب القيام على من يصلي في السفينة، ولا يجوز له القعود إلا عند خشية الغرق، لقول ابن عمر: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم، كيف أصلي في السفينة ؟ قال : صلِّ فيها قائماً، إلا أن يخاف الغرق" رواه الدارقطني والحاكم.
    التطوع عند المالكية:
    ذهب المالكية إلى أن التطوعات عند المالكية ثلاثة أنواع: سنة، وفضيلة، ونافلة.
    النوع الأول: السنة: فهي عشر صلوات:
    الوتر، وهي ركعة يقرأ فيها بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وهي آكد السنن، وندب الجهر بوتر، وركعتا الفجر، وتسمى عند المالكية رغيبة: أي مرغب فيها، وهي ما فوق المندوب ودون السنة، ووقتها كالصبح من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ثم تقضى إلى الزوال فقط، فإن صلى الصبح قبلها كره فعلها إلى ما بعد طلوع الشمس بقدر رمح (12 شبراً متوسطاً) ولا يقضى نفل خرج وقت سواها، ويندب صلاتها في المسجد لمن أراد التوجه للمسجد لصلاة الفريضة، ويقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية الإخلاص.
    وصلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى، وصلاة كسوف الشمس، وكسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، وسجود التلاوة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام بالحج.
    وترتيبها: الوتر ثم العيد، ثم الكسوف، ثم الاستسقاء.
    النوع الثاني: الفضائل
    وهي ركعتان بعد الوضوء، وركعتان تحية المسجد لداخل يريد الجلوس به لا المرور فيه، وإن في وقت النهي، وتتأدى بفريضة، والضحى وهي مؤكدة وأقلها ركعتان وأكثرها ثمانٍ، وقيام الليل ويندب جهراً، وهو مؤكد، وأفضله الثلث الأخير، وهو عشر غير الشفع والوتر، وأكثره لا حد له، وقيام رمضان وهي التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة، يسلم من كل ركعتين، غير الشفع والوتر، وهي آكد من قيام الليل، وندب ختم القرآن فيها، بأن يقرأ كل ليلة جزءاً يفرقه على العشرين ركعة. وندب الانفراد بها إن لم تعطَّل المساجد عن صلاتها جماعة، فإن لزم على الانفراد بها تعطيل المساجد عنها، فالأولى إيقاعها في المساجد جماعة، فدل على أنه يندب لأعيان (وجهاء) الناس فعلها في المساجد، لأن الشأن الاقتداء بهم، فإذا لم يصلوها في المساجد تعطلت المساجد.
    ويتأكد النفل قبل صلاة الظهر وبعدها، وقبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب، والعشاء، بلا تحديد بعدد معين، فيكفي في تحصيل الندب ركعتان، والأولى بعد كل صلاة عدا المغرب أربع ركعات، وبعد المغرب ست ركعات.
    ويندب فصل الشفع (المراد به الركعتان قبل الوتر) عن الوتر، بسلام، وكره وصله به من غير سلام، وكره الاقتصار على الوتر من غير شفع، وصح الوتر من غير شفع، خلافاً لمن قال بعدم صحته إلا بشفع.
    ويندب القراءة في الشفع بسبّح اسم ربك الأعلى عقب الفاتحة في الركعة الأولى، والكافرون في الثانية.
    ويندب الإسرار بسنة الفجر وسائر نوافل النهار. ويندب الجهر بالوتر وفي سائر نوافل الليل.
    وتندب تحية المسجد قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم بمسجده عليه السلام، وتحية مسجد مكة: الطواف بالبيت سبعاً، إلا المكي فيكفيه الركعتان.
    النوع الثالث: النوافل فهي قسمين:
    1- ما لا سبب له: وهي التطوع في الأوقات الجائزة غير الخمسة المكروهة المذكورة سابقاً.
    2- وما له سبب: وهي عشر: الصلاة عند الخروج إلى السفر، وعند الرجوع منه، وعند دخول المنزل، وعند الخروج منه، وصلاة الاستخارة ركعتان، وصلاة الحاجة ركعتان، وصلاة التسبيح أربع ركعات، وركعتان بين الأذان والإقامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "بين كل أذانين صلاة" والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة.
    وأربع ركعات بعد الزوال، وركعتان عند التوبة، لقوله صلى الله عليه وسلم : "ما من رجل يُذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلّي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: "والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم ذكروا .. الآية" رواه الترمذي، زاد ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة: "ثم يصلي ركعتين".
    وزاد بعض المالكية ركعتين عند الدعاء، وركعتين لمن قدم للقتل.
    ما يكره في أداء النوافل عند المالكية:
    يكره تأخير الوتر للوقت الضروري وهو من طلوع الفجر لصلاة الصبح، بلا عذر من نوم أو غفلة أو نحوهما.
    وكره كلام بالأمور الدنيوية بعد صلاة الصبح، لا بعد سنة الفجر وقبل الصبح.
    وكره ضِجْعة: بأن يضطجع على شقه الأيمن بعد سنة الفجر قبل الصبح إذ لم يصحبها عمل أهل المدينة. وهذا متفق مع مذهب الحنفية.
    وكره جمع كثير لصلاة النفل في غير التراويح، لأن شأن النفل الانفراد به، كما يكره صلاة النفل في جماعة قليلة بمكان مشتهر بين الناس.
    ذهب الشافعية إلى أن النوافل نوعان:
    النوع الأول ما تسن له الجماعة: سبع صلوات مسنونات هي:
    العيدان أي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى، والكسوفان: أي صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر، والاستسقاء، والتراويح.
    وكان قد انقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى زمن عمر رضي الله عنه، وإنما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فرادى خشية الافتراض، كما مرَّ، وقد زال ذلك المعنى.
    والتراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، اتباعاً للسنة، مع مواظبة الصحابة عليها.
    وينوي الشخص بكل ركعتين: التراويح أو قيام رمضان، ولو صلى أربع ركعات منها بتسليمة واحدة لم تصح، ووقتها بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.
    وتندب الجماعة في الوتر عقب التراويح جماعة، إلا إن وثق باستيقاظه آخر الليل، فالتأخير أفضل، لخبر مسلم: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة" أي تشهدها ملائكة الليل والنهار.
    وهذا النوع أفضل مما لا تسن له الجماعة، لأنها تشبه الفرائض في سنة الجماعة، وأوكد ذلك صلاة العيد، لأنها راتبة بوقت كالفرائض، ثم صلاة الكسوف، لأن القرآن دل عليها، ثم صلاة الاستسقاء. لكن الأصح تفضيل الراتبة على التراويح، لمواظبته صلى الله عليه وسلم على الراتبة لا التراويح.
    النوع الثاني: ما لا تسن له الجماعة: وهو نوعان:
    أ- الرواتب مع الفرائض: أي السنن التابعة للفرائض، ويعبر عنها بالسنة الراتبة وهي سبع عشرة ركعة:
    ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وثلاث بعد العشاء يوتر بواحدة منهن. والواحدة هي أقل الوتر، وأكثره إحدى عشرة ركعة. ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، فلو أوتر قبل العشاء عمداً أو سهواً لم يعتد به.
    ويسن قبل الجمعة أربع كما قبل الظهر، وبعدها أربع وهو الأكمل.
    ب- غير الراتبة أي المستقلة عن الفرائض: وهي الصلوات التي يتطوع بها الإنسان في الليل والنهار. وأفضلها التهجد.
    والنفل المطلق في الليل أفضل من النفل المطلق في النهار، والنفل وسط الليل أفضل، ثم آخره أفضل، إذا قسم المسلم الليل أثلاثاً. فإن قسمه أنصافاً فالنفل في آخره أفضل منه في أوله. والأفضل من ذلك كله: أن يقسمه أسداساً، فينام ثلاثة أسداس، ويقوم السدس الرابع والخامس، وينام السادس ليقوم للصبح بنشاط.
    ويكره أن يقوم الليل كله.
    وأفضل تطوع النهار: ما كان في البيت.
    والسنة أن يسلم في تهجده من كل ركعتين.
    وإن جمع ركعات بتسليمة واحدة، جاز.
    وإن تطوع بركعة واحدة، جاز.
    ويستحب أن ينوي الشخص القيام عند النوم وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين. والسنة أن يتوسط في نوافل الليل بين الجهر والإسرار، وإطالة القيام فيها أفضل من تكثير عدد الركعات، وأن ينام من نعس في صلاته، ويتأكد بإكثار الدعاء والاستغفار في جميع ساعات الليل، وفي النصف الأخير آكد، وعند السحر أفضل.
    ومن غير الراتبة: صلاة الضحى، وأقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة.
    ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى زوالها.
    ومن غير الراتبة: تحية المسجد ركعتين، والأصح أنها تتكرر بتكرر الدخول في المسجد مراراً، ولأنه يحصل به التحية. وتحصل التحية بفرض أو نفل آخر، وإن لم تنو، لأن القصد بها ألا ينتهك المسجد بلا صلاة. وعلى هذا فإنها تكره إذا وجد المكتوبة تقام، أو إذا دخل المسجد الحرام ففعلها قبل الطواف، أو خاف فوت الصلاة. ولا تسن التحية للخطيب إذا خرج من مكانه للخطبة، ولا لمن لو فعلها فاته أول الجمعة مع الإمام.
    ومنها: صلاة التوبة: لخبر أبي داود وغيره وحسنه الترمذي: "ليس عبد يذنب ذنباً، فيقوم فيتوضأ، ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله، إلا غفر له".
    ومنها: صلاة التسبيح أربع ركعات، يقول في كل ركعة بعد القراءة: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر" خمس عشرة مرة، ويقول في كل من الركوع والرفع منه والسجدتين والجلوس بينهما وجلسة الاستراحة، وما قبل التشهد عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة رواه أبو داود.
    ومنها: صلاة الاستخارة ركعتان.
    ويقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
    ومنها: ركعتا الزوال عقبه، يقرأ فيهما بعد الفاتحة "الكافرون والإخلاص".
    ومنها: ركعتان عند الرجوع من سفره في المسجد قبل دخوله بيته. اتباعاً للسنة.
    ومنها: ركعتا الوضوء ولو مجدَّداً، لخبر الصحيحين "من توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين، لم يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه".
    ومنها: صلاة الأوابين وتسمى صلاة الغفلة لغفلة الناس عنها بسبب عشاء أو نوم أو نحو ذلك، وهي عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، وأقلها ركعتان لحديث الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء، كتب الله له عبادة اثنتي عشرة ركعة".
    السنن المؤكدة وغير المؤكدة عند الشافعية:
    ذهب الشافعية إلى تقسيم السنة إلى نوعين مؤكدة وغير مؤكدة
    النوع الأول السنة المؤكدة:
    أ- عشر ركعات من الراتب التابع للفرض: وهي ركعتا الفجر، وركعتان قبل الظهر أو الجمعة، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
    فيقرأ في أولى ركعتي الفجر والمغرب والاستخارة وتحية المسجد وركعتي الإحرام والزوال: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص.
    ويسن أن يفصل بين سنة الصبح وفرضه باضطجاع أو كلام أو نحوه، لحديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج" متفق عليه.
    ب- الوتر: وإذا أراد أن يصليه ثلاثاً فالأفضل أن يصليها مفصولة بسلامين لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه، ولكثرة العبادات، فإنه تتجدد فيه النية، ودعاء التوجه والدعاء في آخر الصلاة، والسلام وغير ذلك.
    جـ- ثلاث نوافل غير راتبة أي تابعة للفرائض : صلاة الليل (التهجد) وصلاة الضحى، وصلاة التراويح.
    ترتيب أفضليتها: وآكد السنن الراتبة مع الفرائض : سنة الفجر والوتر، لأنه ورد فيهما ما لم يرد في غيرهما.
    والوتر أفضل من الفجر.
    والأصح تفضيل الراتبة على التراويح، ثم أفضل الصلوات بعد الرواتب والتراويح: الضحى، ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، وركعتي الإحرام، وتحية المسجد، ثم سنة الوضوء.
    وقت الرواتب: ما يفعل قبل الفرائض من سنن الرواتب يدخل وقتها بدخول وقت الفرض، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفرض. وما كان بعد الفرض يدخل وقتها بالفراغ من الفرض، ويبقى إلى أن يذهب وقت الفرض، وبعد فعل القبلية بعد الفرض أداء، والاختيار ألا تؤخر عن وقتها إلا لمن حضر والصلاة تقام أو نحوه، وفعل البعدية قبله لا تنعقد. ويسن فعل السنن الراتبة في السفر، سواء أقصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد.
    قضاء النوافل: لو فات النفل المؤقت، ندب قضاؤه لأنها صلاة مؤقتة، فقضيت كالفرائض، سواء في السفر والحضر.
    النوع الثاني: السنة غير المؤكدة:
    أ- اثنتا عشرة ركعة: ركعتان قبل الظهر، سوى المؤكدتين، وركعتان بعدها كذلك، والجمعة كالظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، ويسن تخفيفهما وفعلهما بعد إجابة المؤذن لحديث "بين كل أذانين صلاة" والمراد الأذان والإقامة، وركعتان قبل العشاء.
    ب- كل النوافل الأخرى غير المؤكدة مما ذكر سابقاً في السنن غير الراتبة.
    جـ- النفل المطلق: وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب، أي لا حصر لعدده ولا لعدد ركعاته، قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع، استكثر أو أقلّ" رواه ابن ماجه.
    فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين، والصحيح منعه في كل ركعة. وإذا نوى عدداً، فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلهما، وإلا فتبطل، فلو نوى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة سهواً، فالأصح أنه يقعد، ثم يقوم للزيادة إن شاء الزيادة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته لزيادة القيام.
    ويسلم في النفل من كل ركعتين، ويكره قيام كل الليل دائماً، وتخصيص ليلة الجمعة بقيام، وترك تهجد اعتاده بلا عذر، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه" متفق عليه.
    ذهب الحنابلة إلى أن التطوعات قسمان:
    القسم الأول: ما تسن له الجماعة: وهو صلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح.
    القسم الثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معينة، ونافلة مطلقة.
    فأما السنة المعينة فتتنوع أنواعاً:
    النوع الأول - السنن الرواتب مع الفرائض أي المؤكدة: وهي ركعة الوتر: يتأكد فعلها، ويكره تركها، ولا تقبل شهادة من داوم عليه ثم تركه. لسقوط عدالته، قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل شهادته.
    وعشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. ويخير في السفر بين فعلها وبين تركها، لأن السفر مظنة المشقة، ولذلك جاز فيه القصر، إلا سنة الفجر وسنة الوتر، فيفعلان فيه، لتأكدهما.
    وفعل الرواتب في البيت أفضل، بل السنن كلها سوى ما تشرع له الجماعة، ويسن تخفيف ركعتي الفجر.
    ويسن الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن قبل الفرض.
    ويسن أن يقرأ في ركعتي الفجر والمغرب "الكافرون" و "الإخلاص" لما روى أبو هريرة وغيره في الفجر، وابن مسعود في المغرب، أو يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى:
    {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ..} [البقرة : 136]، وفي الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا .. } [آل عمران : 64]، للخبر المتقدم.
    ويجوز فعل ركعتي الفجر والوتر وغيرها راكباً، لحديث مسلم عن ابن عمر في الفجر، وللبخاري "إلا الفرائض".
    وآكد هذه الركعات: ركعتا الفجر، لحديث عائشة السابق: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر" متفق عليه.
    ووقت السنن الرواتب القبلية: وقت الفرض قبله، والبعدية بعده، ولا يقضى منها شيء إلا ركعتي الفجر، اختار أحمد أن يقضيهما من الضحى، أي كما قال الحنفية والمالكية، وقال : إن صلاهما بعد الفجر أجزأ. ويجوز قضاء السنن الراتبة بعد العصر، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها والاقتداء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم متعين، ولأن النهي بعد العصر خفيف.
    وتقضى جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعضها، وقسنا الباقي عليه، أي كما قال الشافعية.
    النوع الثاني - السنن غير الرواتب، وهي تطوعات مع الرواتب أي غير مؤكدة : وهي عشرون: أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل صلاة العصر، وأربع بعد صلاة المغرب، وأربع بعد صلاة العشاء. ويباح أن يصلي ركعتين قبل المغرب.
    ولا سنة راتبة للجمعة قبلها، وأقل السنة الراتبة بعدها: ركعتان، وأكثرها ست. وفعل سنة الجمعة في المسجد مكانه أفضل.
    أما صلاة ركعتين بعد الوتر: فظاهر كلام أحمد : أنه لا يستحب فعلهما، وإن فعلهما إنسان جاز. والصحيح أنهما ليستا بسنة، لأن أكثر من وصف تهجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرهما، منهم ابن عباس وزيد بن خالد وعائشة.
    ويسن أن يفصل بين كل فرض وسنة بقيام أو كلام، لقول معاوية: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة، حتى نتكلم أو نخرج".
    النوع الثالث - صلوات معينة مستقلة:
    أولاً: صلاة التراويح أو قيام شهر رمضان:
    عشرون ركعة، وهي سنة مؤكدة، وأول من سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ويجهر فيها الإمام بالقراءة لفعل الخلف عن السلف. وفعلها جماعة أفضل من فعلها فرادى.
    القراءة في التراويح:
    والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل.
    ويستحب أن يبتدئ التراويح بسورة العلق {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، لأنها أوّل ما نزل من القرآن، فإذا سجد للتلاوة في آخرها قام فقرأ من البقرة.
    نية التراويح:
    وينوي في كل ركعتين، فيقول سراً ندباً: أصلي ركعتين من التراويح المسنونة، أو من قيام رمضان.
    ولا بأس بترك الجلسة بعد كل أربع، ولا يدعو إذا استراح، لعدم وروده، ولا يكره الدعاء بعد التراويح لعموم قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: 7].
    وقت التراويح:
    ووقتها بعد صلاة العشاء وبعد سنتها قبل الوتر إلى طلوع الفجر الثاني، فلا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى العشاء ثم التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثاً، أعاد التراويح، لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء. وإن طلع الفجر، فات وقتها، ولا تقضى. وإن صلى التراويح بعد العشاء، وقبل سنتها، صح جزماً، ولكن الأفضل فعلها بعد السنة، على المنصوص.
    فعلها في المسجد:
    وفعلها في المسجد أفضل.
    وفعلها أول الليل أفضل، لأن الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله.
    الوتر بعد التراويح:
    ويوتر بعدها في الجماعة بثلاث ركعات.
    فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده استحباباً لقوله صلى الله عليه وسلم : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" متفق عليه. وإن لم يكن له تهجد صلى الوتر مع الإمام لينال فضيلة الجماعة. فإن أحب من له تهجد متابعة الإمام في وتره، قام إذا سلم الإمام، فشفعها أي ركعة الوتر بأخرى،ثم إذا تهجد أوتر، فينال فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته.
    ومن أوتر في جماعة أو منفرداً، ثم أراد الصلاة تطوعاً بعد الوتر، لم ينقص وتره أي لم يشفعه بركعة، وصلى شفعاً ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني، لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين"، ولم يوتر اكتفاء بالوتر الذي قبل تهجده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وتران في ليلة" رواه أبو داود وأحمد.
    التطوع بين التراويح وبعدها:
    ويكره التطوع بين التراويح، ولا يكره طواف بينها، ولا طواف بعدها، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً، ويصلون ركعتي الطواف. ولا يكره تعقيب التطوع بعد التراويح وبعد الوتر في جماعة، سواء طال الفصل أو قصر.
    ثانياً صلاة الضحى:
    وهي مستحبة أي غير مؤكدة وأكثرها ثماني ركعات.
    ووقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها.
    ___________________
    (1) حتى يجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء.
    ثالثا: صلاة التسبيح:
    ليست مستحبة عند الإمام أحمد إذ لم يثبت له الحديث المروي فيها، وإن فعلها إنسان فلا بأس بها، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها.
    رابعاً: صلاة الاستخارة: هي سنة عند الحنابلة.
    خامساً: تحية المسجد: هي سنة عند الحنابلة.
    سادساً: صلاة الحاجة: هي سنة عند الحنابلة.
    سابعاً:صلاة التوبة: هيسنة عند الحنابلة.
    ثامناً صلاة الزوال: هيمستحبة الحنابلة.

    النفل المطلق:
    تشرع النوافل المطلقة في الليل كله، وفي النهار، فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار.
    قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل. قال تعالى: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79].
    وأفضل التهجد جوف الليل الآخر.

    والتطوع في البيت أفضل، لحديث "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" رواه مسلم.
    ويستحب أن يتسوك قبل التهجد.
    ويستحب أن يفتح تهجده بركعتين خفيفتين.
    عدد التهجد:
    واختلف في عدد ركعات تهجد النبي صلى الله عليه وسلم: ففي حديثي زيد بن خالد وابن عباس: إنه ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً رواه مسلم، وفي حديث عائشة : إنه إحدى عشرة ركعة، منها الوتر ثلاثاً متفق عليه.
    ويحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة، وفي ليلة إحدى عشرة.
    قراءة المتهجد:
    يستحب أن يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن في تهجده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل.
    وإن كان قريباً منه من يتهجد أو من يستضر برفع صوته، فالإسرار أولى. وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء.
    قضاء التهجد:
    ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر.
    التطوع مثنى مثنى:
    وصلاة التطوع في الليل مثنى مثنى. وإن تطوع بأربع في النهار فلا بأس. والأفضل في تطوع النهار: أن يكون مثنى مثنى، كصلاة الليل.
    التنفل بين المغرب والعشاء:
    يستحب التنفل بين المغرب والعشاء
    التطوع جالساً:
    لا خلاف في إباحة التطوع جالساً، وإنه في القيام أفضل.
    ويستحب للمتطوع جالساً: أن يكون في حال القيام متربعاً، كما قال المالكية، لأن القيام يخالف القعود، فينبغي أن تخالف هيئته في بدله هيئة غيره، كمخالفة القيام غيره، وهو مع هذا أبعد من السهو والاشتباه.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    507

    افتراضي رد: الفقــــــــــــــــــــــــــــه الإســـــــــــــــــــــــــــــــلامي

    مبطلات الصلاة
    مبطلات الصلاة عند الفقهاء:
    1- الكلام: أي النطق بحرفين ولو لم يفهما أو حرف مفهم أجنبي عن الصلاة، عمداً أو سهواً.
    ذهب الحنفية إلى أنه:تفسد الصلاة بالكلام عمداً أو سهواً، أو جاهلاً، أو مخطئاً، أو مكرهاً، وذلك بالنطق بحرفين أو حرف مفهم، مثل "عِ" و "قِ"، وكما لو سلم على إنسان، أو رد السلام بلسانه، لا بيده، ويكره ذلك على المعتمد، أو شمَّت عاطساً، أو نادى إنساناً بقوله "يا" ولو ساهياً، لكن لو سلم ساهياً للخروج من الصلاة قبل إتمامها على ظن إكمالها، فلا تفسد الصلاة، ولو صافح بنية السلام، تفسد، لأنه عمل كثير. ولو استعطف كلباً أو هرة أو ساق حماراً بما ليس من حروف الهجاء لا تفسد صلاته، لأنه صوت لا هجاء له.
    ومن ارتفع بكاؤه لمصيبة بلغته، فسدت صلاته، لأنه تعرض لإظهارها.
    وتفسد بالتنحنح بحرفين بلا عذر، فإن وجد عذر، كأن نشأ من طبعه فلا تفسد، كما لا تفسد إن كان لغرض صحيح كتحسين الصوت، أو ليهتدي إمامه إلى الصواب، أو للإعلام أنه في الصلاة، فلا فساد على الصحيح، وهكذا فإن التنحنح عن عذر لا يفسد الصلاة. وتفسد بالدعاء بما يشبه كلام الناس: وهو ما ليس في القرآن ولا في السنة، ولا يستحيل طلبه من العباد، وبالأنين (هو قوله: أه)، والتأوه (هو قوله: آه) والتأفيف (أف أو تف)، والبكاء بصوت يحصل به حروف، لوجع أو مصيبة في الحالات الأربعة الأخيرة، إلا لمرض لا يملك نفسه عن أنين وتأوه، لأنه حينئذ كعطاس وسعال وجشاء وتثاؤب، وإن ظهرت حروف للضرورة.
    والنفخ بصوت مسموع يفسد الصلاة سواء أراد به التأفيف أو لم يرد.
    ولا تفسد بالدعاء لذكر جنة أو نار عند قراءة الإمام، فجعل يبكي ويقول: بلى أو نعم، لدلالته على الخشوع.
    وتفسد بكل ما قصد به الجواب، كأن قيل: هل مع الله إله ؟ فقال:لا إله إلا الله" أو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير. أو سئل: من أين جئت؟ فقال: وبئر معطلة وقصر مشيد.
    ولا تفسد الصلاة بالنظر إلى مكتوب وفهمه، غير أنه مكروه، أما القراءة من المصحف فتفسد الصلاة عند أبي حنيفة، لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، ولأنه يشبه التلقين مع الغير.
    وذهب المالكية إلى أنه: يشترط لصحة الصلاة ترك الكلام إلا ما هو من جنسها، أو مصلح لها. وتبطل بتعمد كلام أجنبي ولو كلمة، نحو "نعم" أو "لا" لمن سأله عن شيء، لغير إصلاح الصلاة، فإن كان الكلام لإصلاح الصلاة وبقدر الحاجة لا تبطل الصلاة إلا إن كان كثيراً، كأن يسلم الإمام بعد ركعتين في صلاة رباعية، أو يقوم لركعة خامسة، ولم يفهم بالتسبيح، فقال له المأموم: أنت سلمت من ركعتين أو قمت لخامسة، لم يضر.
    وتبطل أيضاً بتعمد تصويت خال عن الحروف، كصوت الغراب، وبتعمد نفخ بفم، لا بأنف، وبتعمد سلام في حال العلم أو الظن أو الشط بعدم إكمال الصلاة.
    وذهب الشافعية إلى أنه: تبطل الصلاة بالنطق بكلام البشر بحرفين مفهمين ولو لمصلحة الصلاة كقوله: لا تقم أو اقعد، أو بحرف مفهم، أو بمدَّة بعد حرف في الأصح، لأن الممدود في الحقيقة حرفان. والأصح أن التنحنح والبكاء والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان مبطل للصلاة. ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه إليه، أو نسي الصلاة عملاً بقصة ذي اليدين السابقة، أو جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام، وتبطل بكثير الكلام، ويعذر في اليسير عرفاً من التنحنح ونحوه كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان ولو من كل نفخة ونحوها، لغلبة كل ما ذكر عليه فلا تقصير منه، أو لتعذر القراءة الواجبة وغيرها من الأركان القولية في حال التنحنح للضرورة، والجهر بالقراءة لا يصلح عذراً ليسير التنحنح. ولو أكره المصلي على الكلام اليسير في صلاته بطلت صلاته في الأظهر، لأنه أمر نادر كالإكراه على الحدث.
    وذهب الحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بكلام الآدميين (وهو ما انتظم حرفين فصاعداً)، لغير مصلحة الصلاة، كقوله : يا غلام اسقني، ونحوه. ولا تبطل إن تكلم من سلَّم قبل إتمام صلاته سهواً بكلام يسير عرفاً لمصلحة الصلاة، عملاً بقصة ذي اليدين، سواء أكان إماماً أم مأموماً. ولا تبطل إن تكلم مغلوباً على الكلام، بأن خرجت الحروف منه بغير اختياره، كأن سلم سهواً أو نام فتكلم لرفع القلم عنه، أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة لا من القرآن، لأنه لا يمكنه التحرز عنه، أو غلبه سعال أو عطاس أو تثاؤب، فبان منه حرفان.
    وتبطل الصلاة بالنفخ إن بان منه حرفان، وبالنحيب (هو رفع الصوت بالبكاء) إذا بان منه حرفان، لا من خشية الله، وبالتنحنح من غير حاجة، فبان منه حرفان فإن تنحنح لحاجة لم تبطل.
    والقراءة أثناء الصلاة في المصحف، ويكره ذلك لمن يحفظ، لأنه يشغل عن الخشوع في الصلاة والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة، كما يكره في الفرض على الإطلاق، لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها، وتباح في غير هذين الموضعين للحاجة إلى سماع القرآن والقيام به.
    حكم الفتح على الإمام وغيره
    ذهب الحنفية إلى أنه: إذا توقف الإمام في القراءة أو تردد فيها، قبل أن ينتقل إلى آية أخرى، جاز للمأموم أن يفتح عليه أي يرده إلى الصواب، وينوي الفتح على إمامه دون القراءة على الصحيح، لأنه مرخص فيه، أما القراءة خلف الإمام فهي مكروهة تحريماً. فلو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى، تفسد صلاة الفاتح، وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة.
    وينبغي للمقتدي ألا يعجل الإمام بالفتح، ويكره له المبادرة بالفتح، كما يكره للإمام أن يلجئ المأموم إليه، بل يركع حين الحرج إذا جاء أوان التردد في القراءة، أو ينتقل إلى آية أخرى.
    وتبطل الصلاة إن فتح المأموم على غير إمامه إلا إذا قصد التلاوة لا الإرشاد، ويكون ذلك مكروهاً تحريماً.
    كما تبطل الصلاة بإرشاد غير المصلي له، أو بامتثال أمر الغير، كأن يطلب منه غيره سد فرجة، فامتثل وسدها، وإنما ينبغي أن يصبر زمناً ثم يفعل من تلقاء نفسه.
    وذهب المالكية إلى أنه تبطل: تبطل الصلاة بالفتح على غير الإمام سواء من المصلي أو من غيره، بأن سمعه يقرأ، فتوقف في القراءة، فأرشده للصواب، لأنه من باب المكالمة، أما الفتح على الإمام إذا وقف وتردد في القراءة، ولو في غير الفاتحة فجائز لا يبطل الصلاة، بل هو واجب، فإن وقف ولم يتردد كره الفتح عليه.
    وذهب الشافعية إلى أنه: الفتح على الإمام: هو تلقين الآية عند التوقف فيها. ويفتح عليه إذا سكت، ولا يفتح عليه مادام يردد التلاوة وسؤال الرحمة والاستعاذة من عذاب، لقراءة آيتهما. والفتح في حالة السكوت لا يقطع في الأصح موالاة قراءة المأموم، أما في حالة التردد فيقطع موالاة قراءته، ويلزمه استئناف القراءة.
    ولابد لمن يفتح على إمامه أن يقصد القراءة وحدها أو يقصدها من الفتح. فإن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئاً أصلاً، بطلت صلاته على المعتمد. أما الفتح على غير إمامه فيقطع موالاة القراءة.
    وذهب الحنابلة إلى أنَّ: للمصلي أن يفتح على إمامه إذا أرْتِج عليه (منع من القراءة) أو غلط في قراءته، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً. ويجب الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط في الفاتحة، لتوقف صحة صلاته على ذلك، كما يجب تنبيهه عند نسيان سجدة ونحوها من الأركان.
    وإن عجز المصلي عن إتمام الفاتحة بالإرتاج عليه، فكالعاجز عن القيام في أثناء الصلاة، يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه، ولا يعيدها.
    ويكره للمصلي الفتح على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة، لأن ذلك يشغله عن صلاته، ولا تبطل صلاته.
    2- الأكل والشرب: هذا مبطل للصلاة على تفصيل في جزئيات يسيرة بين الفقهاء.
    ذهب الحنفية إلى أنه: تبطل الصلاة بالأكل والشرب عامداً أم ناسياً، سواء أكان المأكول قليلاً أم كثيراً، لأنه ليس من أعمال الصلاة، إلا إذا كان بين أسنانه مأكول دون الحِمِّصة، فابتلعه، فلا تبطل صلاته لمشقة الاحتراز عنه دائماً، كما هو الحال في الصوم.
    أما المضغ الكثير بان كان ثلاثاً متواليات فمفسد، وكذا لو ابتلع ذوب سكر أو حلوى في فمه.
    وذهب المالكية إلى أنه: تبطل الصلاة بتعمد أكل ولو لقمة بمضغها، وتعمد شرب ولو قلّ، ولا تبطل بأكل يسير مثل الحبة بين أسنانه، كما لا تبطل بأكل أو شرب سهواً على الراجح، ويسجد له بعد السلام. فإن اجتمع الأكل والشرب، أو وجد أحدهما مع السلام سهواً، فتبطل الصلاة.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بتعمد تناول قليل الأكل، لشدة منافاته للصلاة، لأن ذلك يشعر بالإعراض عنها، ولا تبطل بتناول قليل الأكل ناسياً أو جاهلاً تحريمه، وتبطل بكثير الأكل ولو مع النسيان والجهل في الأصح، ولو مفرقاً، بخلاف الصوم، فإنه لا يبطل بذلك.
    كما تبطل بكثير المضغ، وإن لم يصل إلى الجوف شيء من الممضوغ.
    وتبطل في الأصح ببلع ذوب سُكَّرة بفمه، لمنافاته للصلاة.
    ولا يضر ما وصل مع الريق إلى الجوف من طعام بين أسنانه، إذا عجر عن تمييزه ومجه.
    3- العمل الكثير المتوالي:
    قال الحنفية: تبطل الصلاة بكل عمل كثير ليس من أعمالها ولا لإصلاحها، كزيادة ركوع أو سجود، وكمشي لغير تجديد الوضوء لمن سبقه الحدث. ولا تفسد برفع اليدين في تكبيرات الزوائد ولكنه يكره. والعمل الكثير: هو الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة. فإن اشتبه فهو قليل على الأصح.
    وقال المالكية: تبطل الصلاة بالفعل الكثير عمداً أو سهواً كحك جسد، وعبث بلحية، ووضع رداء على كتف، ودفع مارّ وإشارة بيد. ولا تبطل بالفعل القليل أو اليسير جداً كالإشارة وحك البشرة، أما المتوسط بين الكثير والقليل، كالانصراف من الصلاة، فيبطل عمده دون سهوه.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: تبطل الصلاة بكثير العمل عمداً أو سهواً، لا بقليله، وتعرف الكثرة بالعرف والعادة، فالخُطوتان والضربتان قليل، والثلاث المتواليات عند الشافعية كثير. ومعنى التوالي: ألا تعد إحداهما منقطعة عن الأخرى.
    وتبطل بالوثبة الفاحشة وهي النطة لمنافاتها الصلاة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه في سُبْحة أو عِقْد، أو حكّ أو نحو ذلك، كتحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه مرات متوالية، فلا تبطل بذلك.
    ولا يضر العمل اليسير عادة من غيرجنس الصلاة، لفتح النبي صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة، وحمله أُمامة ووضعها، كما لا يضر العمل المتفرق وإن كثر، ولا الحاصل بعذر كمرض يستدعي حركة لا يستطيع الصبر عنها زمناً يسع الصلاة.
    ويكره العمل الكثير غير المتوالي بلا حاجة.
    ولا يقدر عند الحنابلة العمل الكثير بثلاث ولا بعدد.
    وأضاف الشافعية: أن العمل الكثير في العرف يضبط بثلاثة أفعال فأكثر، ولو بأعضاء متعددة، كأن حرك رأسه ويده. ويحسب ذهاب اليد وعودها مرة واحدة، ما لم يسكن بينهما، وكذا رفع الرجل، سواء عادت لموضعها الذي كانت فيه أو لا. أما ذهابها وعودها فمرتان. وقد عرفنا أن الوثبة الفاحشة كالعمل الكثير، وكذا تحريك كل البدن، أو معظمه ولو من غير نقل قدميه.
    ولو تردد في فعل، هل هو قليل أو كثير، فالمعتمد أنه لا يؤثر.
    4- المشي في الصلاة: لا تبطل الصلاة إن مشى مستقبل القبلة بنحو متقطع يفصل بين تقديم كل رجل والأخرى بقدر أداء ركن، فيقف، ثم يمشي وهكذا وإن كثر ما لم يختلف المكان، بأن خرج من المسجد، أو تجاوز الصفوف إن كانت الصلاة في الصحراء.
    5- استدبار القبلة: بتحويل الصدر عنها بغير عذر، عند الحنفية والشافعية، فإن كان بعذر، كاستدبار القبلة للذهاب إلى الوضوء، فلا تبطل لأنه مغتفر.
    ومن العذر عند الشافعية: انحراف الجاهل والناسي إن عاد عن قرب.
    ولا تبطل الصلاة عند المالكية ما لم تتحول قدما المصلي عن مواجهة القبلة.
    وعند الحنابلة: ما لم يتحول المصلي بجملته عن القبلة.
    6- كشف العورة: ذهب الحنفية إلى أن كشف العورة عمداً أو انكشافها بنحو ريحٍ ومضي مقدار أداء ركن أو مقدار ثلاث تسبيحات تبطل الصلاة إذا انكشف ربع عضو من أعضاء العورة وإن سترها حالاً لم تبطل.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لو سترها حالاً لم تبطل.
    وذهب المالكية إلى أنه تبطل بمجرد انكشاف العورة المغلظة مطلقاً، ولا غيرها.
    7- ظهور الحدث الأصغر أو الأكبر ولو من فاقد الطهورين عمداً أو سهواً، ولو من دائم الحدث غير حدثه الدائم. لكن لو شك في الحدث استمر.
    ومن الحدث: نوم غير الممكن مقعدته من الأرض. والمفسد للصلاة عند الحنفية : هو الحدث العمد بعد الجلوس الأخير قدر التشهد، أو قبل ذلك، فإن سبقه الحدث قبل السلام بعد الجلوس الأخير صحت الصلاة عندهم. كما أنه يبني على صلاته إن سبقه الحدث من غير قصد في أثناء الصلاة: وهو ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل به بغير صنعه.
    8- حدوث النجاسة التي لا يعفى عنها في البدن والثوب والمكان: فمن تنجس جسده أو ثوبه، أو سجد على شيء نجس بنجاسة لا يعفى عنها، أو سالت نجاسة داخل فمه أو أنفه أو أذنه، بطلت صلاته. ولا تبطل الصلاة بالنجاسة التي يعفى عنها، ولا بما إذا وقع على ثوبه نجاسة يابسة فنفض ثوبه حالاً.
    9- القهقهة: أي الضحك بصوت، تفسد الصلاة إن ظهر بها حرفان فأكثر، أو حرف مفهم. فالبطلان فيها من جهة الكلام المشتملة عليه.
    وفرق الحنفية: بين الضحك والقهقه، فالضحك: هو ما يكون مسموعاً للمصلي فقط دون جيرانه، وحكمه أنه يفسد الصلاة فقط، ولا يبطل الوضوء.
    وأما القهقهة: فهي ما يكون مسموعاً للمصلي ولجيرانه.
    وحكمه: أنه يفسد الصلاة ويبطل الوضوء. أما التبسم من غير صوت فلا يفسد شيئاً.
    وذهب الحنفية إلى أنه تبطل الصلاة بالقهقهة كما تبطل بالحدث العمد إذا حصلت قبل القعود الأخير قدر التشهد، فإن كانت بعده فلا تبطل الصلاة التي تمت بها، وإن نقض الوضوء.
    10- الردة (وهي قطع الإسلام بقول أو فعل) والموت والجنون والإغماء.
    وتبطل الصلاة في الردة والموت والجنون والإغماء.
    11- تغيير النية: تبطل الصلاة بفسخ النية أو تردده فيها، أو عزمه على إبطالها أو نية الخروج من الصلاة، أو إبطالها وإلغاء ما فعله من الصلاة، أو شكه هل نوى أم لا، فعمل مع الشك عملاً. وهذا متفق عليه.
    وذهب الحنفية إلى أنه تبطل الصلاة بالانتقال من صلاة إلى مغايرتها، كأن ينوي الانتقال من صلاته التي هو فيها إلى صلاة أخرى: فمن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح بتكبير العصر أو التطوع، فقد نقض الظهر، لأنه صح شروعه في غيره، فيخرج عنه. ولو كان يصلي منفرداً في فرض، فكبر ناوياً الشروع في الاقتداء بإمام، أو نوى إمامة النساء، فسدت الصلاة الأولى، وصار شارعاً في الصلاة الثانية.
    12- اللحن في القراءة، أو زلة القارئ: ذهب الحنفية المتقدمون إلى أنه.
    تبطل الصلاة بكل ما غيَّر المعنى تغيراً يكون اعتقاده كفراً، وبكل ما لم يكن مثله في القرآن، والمعنى بعيد متغير تغيراً فاحشاً، كهذا الغبار مكان {هذا الغُراب}، وبكل ما لم يكن له مثل في القرآن، ولا معنى له، كالسرائل مكان {السرائِرْ}، وتبطل أيضاً في قول آخر بما له مثل في القرآن، والمعنى بعيد، ولم يكن متغيراً تغيراً فاحشاً. ولا تبطل في قول ثانٍ، لعموم البلوى.
    فإن لم يكن له مثل في القرآن، ولم يتغير به المعنى، كقيامين مكان {قوامين} فعكس الخلاف السابق: لا تبطل في القْول الأول، وتبطل في القول الثاني.
    وذهب الحنفية المتأخرون إلى أنه لو كان: إن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقاً، ولو كان اعتقاده كفراً، لأن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب.
    وإن كان الخطأ بإبدال حرف مكان حرف: فإن أمكن الفصل بينهما بلا كلفة، كالصاد مع الطاء، بأن قرأ الطالحات مكان {الصالحات} فتفسد الصلاة اتفاقاً. وإن لم يمكن الفصل إلا بمشقة، فالأكثر على عدم الفساد، لعموم البلوى، كالصاد مع السين، كالسراط بدل الصراط.
    ولا تفسد الصلاة بتخفيف مشدد وعكسه (تشديد مخفف)، كما لو قرأ "أفعيينا" بالتشديد، واهدنا الصراط بإظهار اللام، كما لا تفسد بزيادة حرف فاكثر نحو "الصراط الذين"، أو بوصل حرف بكلمة نحو "إيا كنعبد"، أو بوقف وابتداء، وإن غيَّر المعنى.
    لكن تفسد الصلاة بعدم تشديد {رَبِّ الْعَالَمِينَ} و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.
    وذهب الحنابلة إلى أنَّه لو: إن أحال اللحان المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمده، فتبطل صلاتهما. أما إن أحال المعنى في الفاتحة فتبطل الصلاة مطلقاً.
    13- ترك ركن بلا قضاء، وترك شرط بلا عذر:
    الأول: مثل ترك سجدة من ركعة، وسلم قبل الإتيان بها. والثاني: كترك ستر العورة بلا عذر، فإن وجد عذر كعدم وجود ساتر أو مطهر للنجاسة، وعدم قدرة على استقبال القبلة، فلا فساد.
    14- أن يسبق المقتدي إمامه عمداً بركن لم يشاركه فيه : كأن يركع ويرفع قبل أن يركع الإمام. فإن كان سهواً، رجع لإمامه ولا تبطل صلاته، لكن الحنفية قالوا: تبطل الصلاة ولو سبق سهواً إن لم يعد ذلك مع الإمام، أو بعده ويسلم معه، فإن أعاده معه أو بعده وسلم معه، فلا تبطل.
    وقال الشافعية: لا تبطل صلاة المأموم إلا بتقدمه عن الإمام بركنين فعليين بغير عذر، كسهو مثلاً، وكذا لو تخلف عنه عمداً من غير عذر، كبطء قراءة.
    15- محاذاة المرأة الرجل في الصلاة من غير فرجة تسع مكان مصلٍ، أو من غير حائل، سواء أكانت المرأة مَحْرماً كأخت أو بنت، أم غير محرم كزوجة.
    وتتحقق المحاذاة عند الحنفية بالشروط الآتية:
    أولاً - أن تكون المحاذاة بالساق والكعب.
    ثانياً - أن تكون الصلاة مشتركة بينهما في التحريمة، والأداء، ونية الإمام إمامتها، أو باقتدائها مع الرجل بإمام آخر، أو باقتدائها برجل، ولم يشر إليها لتتأخر عنه. فإن لم ينو الإمام إمامتها، لا تكون معه في الصلاة، وإن لم تتأخر بإشارته فسدت صلاتها هي، لا صلاته.
    ثالثاً - أن يكون مكانهما متحداً ولا حائل بينهما.
    رابعاً - أن تكون المرأة مشتهاة.
    ومقدار المحاذاة المفسدة: أداء ركن عند محمد، ويقدر بمقدار ثلاث تسبيحات عند أبي يوسف.
    16- إذا وجد المتيمم ماء قدر على استعماله وهو في الصلاة: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الصلاة تبطل بمجرد رؤية الماء، ولكن الحنفية قالوا: تبطل إذا رأى الماء قبل القعود الأخير قدر التشهد، وإلا فلا تبطل، لأن الصلاة تكون قد تمت عندهم.
    ولا تبطل الصلاة برؤية الماء عند المالكية والشافعية، إلا إذا كان عند المالكية ناسياً للماء الموجود معه، ثم تذكره، فتبطل الصلاة حينئذ إذا اتسع الوقت لإدراك ركعة من الصلاة بعد استعماله.
    17- القدرة على الساتر لعورته: إذا وجد العريان ثوباً ساتراً لعورته أثناء الصلاة واحتاج إلى عمل كثير لإحضاره، بطلت صلاته. إلا أن المالكية قالوا: لا تبطل إن كان بعيداً عنه أكثر من نحو صفين من صفوف الصلاة غير صفه، وإنما يكمل الصلاة، ويعيدها في الوقت فقط.
    18- أن يسلم عمداً قبل تمام الصلاة: فإن سلم سهواً، لم تبطل صلاته إذا لم يعمل عملاً كثيراً، ولم يتكلم كلاماً كثيراً على الخلاف السابق في بحث "السلام".
    متى يجب قطع الصلاة؟
    يجب قطع الصلاة لضرورة، وقد يباح لعذر.
    أما ما يجب قطع الصلاة له لضرورة فهو ما يأتي:
    - تقطع الصلاة ولو فرضاً باستغاثة شخص ملهوف، ولو لم يستغث بالمصلي بعينه، كما لو شاهد إنساناً وقع في الماء، أو هجم عليه حيوان، أو اعتدى عليه ظالم، وهو قادر على إغاثته.
    - وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى، أو صغير أو غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع النار واحتراق المتاع ومهاجمة الذئب الغنم، لما في ذلك من إحياء النفس أو المال، وإمكان تدارك الصلاة بعد قطعها، لأن أداء حق الله تعالى مبني على المسامحة.
    متى يجوز قطع الصلاة؟
    يجوز قطع الصلاة ولو كانت فرضاً عند:
    - سرقة المتاع، ولو كان المسروق لغيره، إذا كان المسروق يساوي درهماً فأكثر.
    - خوف المرأة على ولدها، أو خوف فوران القدر، أو احتراق الطعام على النار. ولو خافت القابلة (الداية) موت الولد أو تلف عضو منه، أو تلف أمه بتركها، وجب عليها تأخير الصلاة عن وقتها، وقطعها لو كانت فيها.
    - مخافة المسافر من اللصوص أو قطاع الطرق.
    - قتل الحيوان المؤذي إذا احتاج قتله إلى عمل كثير.
    - رد الدابة إذا شردت.
    - مدافعة الأخبثين (البول والغائط) وإن فاتته الجماعة.
    - نداء أحد الأبوين في صلاة النافلة، وهو لا يعلم أنه في الصلاة، أما في الفريضة فلا يجيبه إلا للضرر، وهذا متفق عليه.

    صلاة العيدين
    مشروعية صلاة العيد:
    جاءت مشروعيتها في الكتاب والسنة.
    أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] المشهور في التفسير : أن المراد بذلك صلاة العيد أي صلاة الأضحى والذبح.
    وأما السنة: قال ابن عباس: "شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم يصليها قبل الخطبة" وعنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة".
    وأجمع المسلمون على مشروعية صلاة العيدين.
    حكم صلاة العيدين:
    ذهب الحنفية إلى أن صلاة العيدين واجبة.
    وذهب المالكية والشافعية إلى أنها سنة مؤكدة.
    ذهب الحنابلة إلى أنها فرض كفاية. كصلاة الجنازة أي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.
    خروج النساء إلى صلاة العيد:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يرخص للشابات من النساء الخروج إلى الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة.
    وأما العجائز فلا خوف في أنه يرخص لهن الخروج لصلاة العيدين.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه: لا بأس بحضور النساء مصلى العيد غير ذوات الهيئات فلا تحضر المطيبات، ولا لابسات ثياب الزينة أو الشهرة، لما روت أم عطية، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العَواتِق والحُيَّض، وذوات الخدور في العيد، فأما الحيَّض فكن يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين".
    وإذا أراد النساء الحضور تنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن الشهرة من الثياب أي الثياب الفاخرة، ويعتزلن الرجال فلا يختلطن بهم، ويعتزل الحيَّض المُصلَّى للحديث السابق، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تَفِلات" أي غير معطرات، ولأن المرأة إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب، دعا ذلك إلى الفساد.
    وقت صلاة العيد:
    اتفق الفقهاء على أن وقت صلاة العيد: هو ما بعد طلوع الشمس قدر رمح أو رمحين، أي بعد حوالي نصف ساعة من الطلوع، إلى قبيل الزوال أي قبل دخول وقت الظهر، وهو وقت صلاة الضحى، للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، فتحرم عند الشروق، وتكره بعدها عند الجمهور، فإذا صلوا قبل ارتفاع الشمس قدر رمح لا تكون عند الحنفية صلاة عيد، بل نفلاً محرماً.
    قضاء صلاة العيد:
    ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، لم يقضها، لفوات وقتها، والنوافل لا تقضى، ولأنها لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، فلو أمكنه الذهاب لإمام آخر فعل، لأنها تؤدى بمواضع اتفاقاً. ولا تجوز للمنفرد وإنما تصلى جماعة.
    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، سنَّ له قضاؤها على صفتها، لفعل أنس، ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. وله قضاؤها متى شاء في العيد وما بعده متى اتفق، والأفضل قضاؤها في بقية اليوم.
    وتجوز صلاة العيد للمنفرد والعبد والمسافر والمرأة، كما بينا.
    موضع أداء صلاة العيد:
    ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن: موضعها في غير مكة: المصلى (الصحراء خارج البلد، على أن يكون قريباً من البلد عرفاً عند الحنابلة) لا المسجد، إلا من ضرورة أو عذر.
    أما في مكة: فالأفضل فعلها في المسجد الحرام، لشرف المكان، ومشاهدة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين.
    وذهب الشافعية إلى أن: فعل صلاة العيد في المسجد أفضل، لأنه أشرف وأنظف من غيره، إلا إذا كان مسجد البلد ضيقاً، فالسنة أن تصلى في المصلى.
    فإن كان في الناس ضعفاء، استخلف الإمام في مسجد البلد من يصلي بهم.
    كيفية صلاة العيد:
    صلاة العيد ركعتان بالاتفاق
    كيفية صلاة العيد عند الحنفية:
    ينادى "الصلاة جامعة"، ثم ينوي المصلي إماماً أو مقتدياً صلاة العيد بقلبه ولسانه قائلاً: "أصلي صلاة العيد لله تعالى" إماماً للإمام، ومقتدياً للمؤتمين، ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يضع يديه تحت سرته، ثم يقرأ الإمام والمؤتم الثناء: "سبحانك اللهم وبحمدك .. الخ"، ثم يكبر الإمام والقوم ثلاثاً تسمى تكبيرات الزوائد، لزيادتها على تكبيرة الإحرام والركوع، رافعاً يديه في كل منها، ثم يرسلها، ويسكت بعد كل تكبيرة مقدار ثلاث تسبيحات، ولا يسن ذِكْر معين، ولا بأس بأن يقول: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ثم توضع اليدان تحت السرة.
    ثم يتعوذ الإمام ويسمي سراً، ثم يقرأ جهراً الفاتحة، وسورة بعدها، وندب أن تكون سورة "الأعلى" تماماً، ثم يركع الإمام والقوم.
    فإذا قام للركعة الثانية: ابتدأ بالبسملة، ثم بالفاتحة، ثم بالسورة ليوالي بين القراءتين، وهو الأفضل عندهم، وندب أن تكون سورة {الغاشية}.
    ثم يكبر الإمام والقوم تكبيرات الزوائد ثلاثاً مع رفع اليدين كما في الركعة الأولى، ثم تتمم الركعة الثانية إلى السلام.
    فإن قدم التكبيرات في الثانية على القراءة جاز، وكذا إذا كبر زيادة على الثلاث إلى ست عشرة تكبيرة، فإذا زاد لا يلزم المؤتم المتابعة.
    وإن نسي الإمام التكبيرات وركع، فإنه يعود ويكبر، ولا يعيد القراءة، ويعيد الركوع.
    كيفية صلاة العيد عند المالكية:
    المالكية كالحنفية في أداء صلاة العيد ركعتين جهراً بلا أذان ولا إقامة، واستحباب قراءة {سَبِّح} ونحوها، وسورة {والشَّمْس} ونحوها، إلا أن التكبير في الركعة الأولى ست بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس غير تكبيرة القيام، قبل القراءة ندباً، فإن أخر التكبير عن القراءة صح، وخالف المندوب. ولا يتبع المؤتم الإمام في التأخير عن القراءة ولا في الزيادة عن هذا القدر.
    ويندب موالاة التكبير إلا الإمام فيندب له الانتظار بعد كل تكبيرة، حتى يكبر المقتدون به، ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط، ولا يرفع يديه مع التكبيرات في المشهور، ويكره الرفع. ويسكت المكبر. ويكره أن يقول شيئاً من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو غيرها.
    والتكبيرات سنة مؤكدة، فلو نسي الإمام شيئاً منها، وتذكره في أثناء قراءته أو بعدها، كبَّر، ما لم يركع، وأعاد القراءة، وسجد بعد السلام سجود السهو، لزيادة القراءة الأولى.
    وإن تذكره بعد أن ركع، استمر في صلاته وجوباً، ولا يرجع له، إذ لا يرجع من فرض لنفل، وإلا بطلت الصلاة، ويسجد الإمام للسهو ولو لترك تكبيرة واحدة، إذ كل تكبيرة منها سنة مؤكدة. وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.
    وإذا لم يسمع المقتدي تكبير الإمام تحرّى تكبيره وكبر.
    كيفية صلاة العيد عند الشافعية:
    الشافعية كالحنفية في دعاء الافتتاح والتعوذ والجهر بالقراءة، إلا أن التكبير عندهم سبع في الأولى، خمس في الثانية، قبل القراءة مع رفع اليدين في الجميع، يقف بين كل اثنتين كآية معتدلة، يهلل ويكبر ويمجِّد (أي يعظم الله)، واضعاً يمناه على يسراه بينهما، تحت صدره، ويحسن في ذلك: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ثم يتعوذ ويقرأ. والتكبير ليس فرضاً ولا بعضاً من أبعاض الصلاة، وإنما هو سنة أو هيئة كالتعوذ ودعاء الافتتاح، فلا يسجد للسهو لتركهن عمداً ولا سهواً، وإن كان الترك لكلهن أو بعضهن مكروهاً.
    والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: "ق"، وفي الثانية: "اقتربت"، بكمالها جهراً، بدليل ما رواه أبو واقد الليثي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفطر والأضحى بـ: ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة"، والجهر بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.
    ولو قرأ في الأولى: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الثانية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، كان سنة أيضاً، لثبوته أيضاً في صحيح مسلم. وله أن يقرأ أيضاً في الأولى "الكافرون" وفي الثانية "الإخلاص".
    كيفية صلاة العيد عن الحنابلة:
    الحنابلة كالجمهور غير المالكية في دعاء الافتتاح والتعوذ قبل القراءة، وكالمالكية في عدد التكبير: في الأولى ستاً زوائد، وفي الثانية خمساً، وعدوا السبع مع تكبيرة الإحرام، خلافاً للشافعية.
    ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين زائدتين: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً". وإن أحب قال غير ذلك من الذكر، إذ ليس فيه ذِكْر مؤقت أي محدود. ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين بذكر أصلاً.
    والتكبير والذكر بين التكبيرات سنة، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً. فإن نسي التكبير وشرع في القراءة، لم يعد إليه، لأنه سنة فات محلها، كما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ، حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع.
    خطبة العيد:
    تسن عند الجمهور وتندب عند المالكية خطبتان للعيد كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات، بعد صلاة العيد خلافاً للجمعة، بلا خلاف بين المسلمين يذكِّر الإمام في خطبة عيد الفطر بأحكام زكاة الفطر، وفي عيد الأضحى بأحكام الأضحية وتكبيرات التشريق ووقوف الناس بعرفة وغيرها، تشبهاً بالحجاج، وما يحتاجون إليه في يومهم ويحسن تعليمهم ذلك في خطبة الجمعة السابقة على العيد. وإذا صعد على المنبر لا يجلس عند الحنفية، ويجلس عند الحنابلة والمالكية والشافعية ليستريح.
    تكبيرات الخطبة:
    ذهب جمهور العلماء إلى أن الخطيب يكبر تسع تكبيرات متوالية في الخطبة الأولى في الثانية يكبر سبع تكبيرات متوالية.
    وذهب المالكية إلى أن التكبير في خطبة العيد غير محدَّد، فيكبر في أولها وأثنائها.
    ويستحب عند الحنفية أن يكبر الإمام قبل نزوله من المنبر، أربع عشرة تكبيرة.
    حكم التكبير في العيدين:
    اتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة، وفي إدبار الصلوات أيام الحج. أما التكبير في الغدو إلى صلاة العيد: فذهب أبو حنفية إلى الندب في: التكبير سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى، ويقطعه إذا انتهى إلى المصلى في رواية، وفي رواية: إلى الصلاة.
    وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يكبر جهراً، واتفقوا على التكبير جهراً في عيد الأضحى في الطريق.
    وذهب الجمهور إلى أنه: يكبر في المنازل والمساجد والأسواق والطرق أي عند الغدو إلى الصلاة جهراً، إلى أن تبدأ الصلاة.
    وعند الحنابلة: إلى فراغ الخطبة، وهو في الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى ولما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير.
    ويندب التكبير المطلق( وهو ما لا يكون عقب صلاة) عند الشافعية والحنابلة: من غروب شمس ليلتي العيد لاما قبلهما. ولا يسن التكبير المقيد(وهو المفعول عقب الصلاة) ليلة الفطر عند الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، لعدم وروده.
    صيغة التكبير:
    ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن صيغة التكبير في العيدين هكذا: " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".
    وذهب المالكية والشافعية إلى أن الصيغة هكذا: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر"، وهذا هو الأحسن عند المالكية، فإن زاد"لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد" فهو حسن، ويستحب أن يزيد عند الشافعية بعد التكبيرة الثالثة:"الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً" كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا. ويسن أن يقول أيضاً بعد هذا:"لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر". ويختمها بقوله:"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وسلم تسليماً كثيراً".
    التكبيرات في إدبار الصلوات:
    ذهب الحنفية إلى وجوب تكبير:الرجال والنساء تكبير التشريق في الأصح مرة، وإن زاد عليها يكون فضلاً، عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة (كالخروج من المسجد أو الكلام أو الحديث عامداً) ويؤدى بجماعة أو منفرد، ولو قضاء، ويكون التكبير للرجال جهراً، وتخافت المرأة بالتكبير، ولا يكبر عقب الوتر وصلاة العيد.
    ومدته: من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد عند أبي حنيفة، وإلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند الصاحبين، وبقولهما يفتى، فهي ثلاث وعشرون صلاة.
    والتكبير واجب عقيب الصلوات المفروضات على كل من صلى المكتوبة، ولو منفرداً أو مسافراً أو مقتدياً؛ لأنه تبع لها، على المفتى به من قول الصاحبين. والمسبوق يكبر وجوباً كاللاحق، بعد قضاء ما فاته من الصلاة مع الإمام، ولو ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي.
    وذهب المالكية إلى الندب: للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من خمس عشرة فريضة وقتية، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع.
    ولا يكبر بعد نافلة، ولا مقضية من الفرائض، وإن نسي التكبير كبَّر إذا تذكر إن قرب الزمن، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً. وكبّر مؤتم ندباً ترك إمامه التكبير، وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.
    وذهب الشافعية: يكبر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر، لأنها أول صلاته بمنى ووقت انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى، كما قال المالكية، وغير الحاج كالحاج في الأظهر، لأن الناس تبع للحجيج وقيل: من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق، والعمل على هذا، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي، لأن التلبية شعاره، والمعتمر يلبي إلى أن يشرع في الطواف.
    والأظهر أنه يُكبَّر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو المقيدة، وذات السبب كتحية المسجد، لأنه شعار الوقت.
    وذهب الحنابلة إلى سنية: التكبير مطلقاً في العيدين، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل والطرق، حضراً وسفراً، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله، ويسن الجهر به لغير أنثى، من كل من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار، عقب كل فريضة ولو مقضية، تصلى في جماعة في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق. والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في مدة التكبير، لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي، لأن التكبير من جنس الصلاة.
    ولا يكبر من صلى وحده. ويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.
    ويأتي بالتكبير الإمام مستقبلاً الناس، ويكبر غير الإمام مستقبلاً القبلة، لأنه ذكر مختص بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويجزئ التكبير مرة واحدة، وإن زاد على مرة فلا بأس، وإن كرره ثلاثاً فحسن. والأولى أن يُكبَّر عقب صلاة العيد، لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت صلاة الفجر، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.
    ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات.
    مندوبات العيد:
    -يندب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير، أيام عشر ذي الحجة، من ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، لأنها أفضل الأيام.
    - ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة، لما ورد في صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً".
    - إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل، والأولى إحياء الليل كله. ويقوم مقام ذلك: صلاة العشاء والصبح في جماعة.
    والدعاء في ليلتي العيد مستجاب، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي أول رجب ونصف شعبان.
    - الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على الجمعة، وإظهاراً لنعمة الله وشكره، ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل، وعند المالكية : بالسدس الأخير من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى المصلى، وهو غسل عند الحنفية للصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر، وكان علي وعمر رضي الله عنهما يغتسلان يوم العيد.
    وكان عليه السلام يتطيب يوم العيد، ولو من طيب أهله. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم بردة حمراء يلبسها يوم العيد. وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلا طيب خشية الافتتان بها.
    ويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة، والإمام بذلك آكد، لأنه منظور إليه من بين سائر الناس.
    - تبكير المأموم ماشياً إن لم يكن عذر إلى الصلاة بعد صلاة الصبح ولو قبل الشمس بسكينة ووقار.
    وأما الإمام فيسن له التأخر إلى وقت الصلاة.
    ولا بأس بالركوب في العودة. وقال الحنفية: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل في حق من يقدر عليه.
    - ويندب للإمام الإسراع في الخروج إلى صلاة الأضحى والتأخر قليلاً في الخروج إلى صلاة الفطر.
    - أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، وأن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر الأكل في الأضحى حتى يرجع من الصلاة، والأكل في الفطر آكد من الإمساك في الأضحى.
    - أن يؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولا بأس بأدائها قبل العيد بأيام، تمكيناً للفقير من الانتفاع بها في العيد.
    - التوسعة على الأهل، وكثرة الصدقة النافلة حسب الطاقة زيادة عن عادته، ليغنيهم عن السؤال.
    - إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين، وزيارة الأحياء من الأرحام والأصحاب، إظهاراً للفرح والسرور، وتوثيقاً لرابطة الأخوة والمحبة.
    التنفل قبل العيد وبعده:
    ذهب الحنفية والحنابلة إلى: كراهيةالتنفل قبل صلاة العيد مطلقاً في المصلى والبيت وبعدها في المصلى فقط، ويجوز في البيت.
    وذهب المالكية إلى كراهية: التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى لحديث ابن عباس وابن عمر لا في المسجد، ففي المسجد لا يكره قبلها ولا بعدها، أما عدم كراهته قبلها فلأن السنة الخروج بعد الشمس، والتحية حينئذ مطلوبة اتفاقاً، وأما عدم كراهته بعد صلاتها، فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.
    وذهب الحنابلة إلى كراهيته.
    وذهب الشافعية إلى عدم كراهة: النفل قبل صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام.




صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •