ارحموا عزيز قوم ذل
أحمد المنسي



قيل إن الرسول - عليه الصلاة والسلام - في إحدى الغزوات قال: ((ارحموا عزيز قوم ذل، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال)).
بحثت في أصل هذا الحديث وعن صحته فوجدت مما جاء فيه أنه قد رواه العسكري وابن حبان بسند فيه منكر عن أنس، ورواه الخطيب بسند فيه مجهول عن أنس مرفوعاً مثله، لكن بلفظ: ((وفقيها يتلاعب به الصبيان الجهال)).
ورواه القضاعي عن ابن مسعود رفعه بلفظ: ((وعالماً يلعب به الحمقى والجهال)).
ورواه ابن حبان في تاريخه بسند فيه كذاب عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعاً، بلفظ: ((وعالم يتلاعب به الصبيان))، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: إنما يعرف من كلام الفضيل بن عياض، وساقه من جهة الحاكم عن الفضيل بن عياض أنه قال: ((ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيا افتقر، وعالما بين جهال)).
وقال في الدرر: "وأخرجه ابن حبان في تاريخه من حديث ابن عباس والديلمي في حديث أبي هريرة بأسانيد واهية، والسلماني في الضعفاء عن أنس وضعفه"ا. هـ (كشف الخفاء).
وقال ابن حبان في المجروحين: "فيه وهب البختري كان يضع الحديث. وقال ابن معين: كذاب. انتهى.
مما سبق يتبين لنا أن الحديث على أغلب قول أهل العلم موضوع، أو فيه ضعف، أو مكذوب، أو جاء بأسانيد واهية".
ولكن إذا سلمنا بأن العقل يقبل هذا الكلام، وتستحسنه القريحة، إذ أن الرحمة تُطلب لكل شيء وهي قيمة إنسانية عالية، تستحقها الخلائق كلها، لاسيما عزيز القوم الذي ذل، فإن لنا في ذلك كلام.
إن هذه الكلمة إنما تطلب لعزيز قد ذل بعد عز، وضعف بعد قوة، وافتقر بعد غنى، ولكن من هو العزيز هذا ؟ هل الغني الفاجر عزيز؟ هل القوي الظالم عزيز؟ هل صاحب السلطة الفاسد عزيز؟ إن العزيز لا يأتي إلا بمكارم الأخلاق، ولا ينادي إلا بالعدل، ولا يطلب للناس إلا الخير، وما كان دون ذلك فليس بعزيز وإنما هو ذليل استذله الشيطان ونأى به عن الجادة، فإذا سقط بظلمه وتعس بفساده وذل بجبروته واستبداده، فلا كرامة له، ولا رحمة، إذ كيف يتفق طلب الرحمة لصاحب عز ظالم مع قول الحق - سبحانه -: (قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، ألم تكن السيادة والعزة لهذا الباطل قبل أن ينتصر الحق عليه؟ وعندما هزم الله - سبحانه - هذا الباطل صار ذليلا مخذولا حقيرا؟ وكيف يتفق مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من لا يرحم لا يُرحم))؟ أو مع قوله ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها))؟ وهي سيدة نساء الأمة -رضي الله عنها- البتول الطاهرة.
ولو كانت الرحمة تُطلب لكل عزيز قد ذل حتى وإن كان ظالما لفسدت الدنيا كلها، إذ أن كل عربيد متكبر ظالم فاجر عليه أن يستمر في ظلمه وجبروته حتى إذا ضعف وذل ووهن استحق الرحمة لما أصابه من ذل وضعف، وهذه إن كانت كذلك لفسدت الدنيا بأسرها، وهلك الناس جميعا، واستقوى بعض الناس على بعض، وصار البقاء للأقوى وحكمنا قانون الغاب، وسادت المناهج الشيطانية.
إنما جُعل الإنسان في الأرض خليفة لله - عز وجل - يقيم فيها العدل بأمره ويحكم بما يرضي الحق - سبحانه - وينشر في الأرض النور والعدل والسلام.
((ارحموا عزيز قوم ذل)).. كلمة أطلقها البعض بزعم أنها حق ولكنه يريد بها باطل، فقالوا مما قرأت وسمعت، إن حسني مبارك يستحق الرحمة؛ لأنه عزيز قوم ذل، وقالوا لقد وصل عمره (83) سنة وإن الله يستحي من العبد إذا أصابه الشيب فلماذا لا يستحي الناس من محاكمته؟ وقالوا إنه فقد سلطانه وأصابه الضعف والشيب فهو يستحق الرحمة: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) إن مبارك الآن يبكي على سلطة ضاعت وبدن تهالك ونفس قد اهترأت.
وأقول لهؤلاء: إن كلامكم مردود عليه، ولن تخدعونا به، فمبارك ليس بعزيز، وقد فسرنا هذا آنفا، أما قولكم إن الله يستحي من العبد إذا أصابه الشيب فنعم، لكنكم تفهمونها بفهمكم القاصر، فإن الله يستحي من العبد إذا أصابه الشيب أن يراه الله مهينا حقيرا يقترف الذنوب والمعاصي على كبر سنه وضعف نفسه وذهاب شهواته، يستحي أن يعاقبه على كبر سنه، ولكن إذا اقترف المعاصي على كبر سنه فسيعاقبه الله - عز وجل -، بل سيكون غضبه عليه أشد وأقوى من غضبه على شاب لم يستطع الصبر على شهوات نفسه. فإن مما جاء في الحديث من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة: (أشيمط زاني) يعني شيخا زاني، وأما قولكم أنه فقد سلطانه وأصابه الوهن والضعف فهو يستحق الرحمة، فنقول لكم هل كان سلطانه إلا بمشيئة الله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء؟ وهل كان سلطانه حقا ملكا خاصا له أم أن الله ابتلاه بالملك ليرى كيف يحكم؟ هل يحكم بالعدل أم بالجور والظلم والفساد والاستبداد؟ وهل كانت مصر وشعبها وأرضها من ممتلكاته الخاصة فنزعت منه وحرم منها، أم كانت أمانة ولاه الله عليها فخانها واستبد بشعبها وسرق أموالهم وجلب عليهم الهم والمرض والنكد، وقتل الشباب وأفسد في الأرض وظلم واستبد وجعل الناس شيعا وسلط طائفة على طائفة مازال أثرها موجودا في الناس وسيظل إلى وقت غير قريب حتى يأذن الله بقطع دابره؟
أذل العلماء، وهجر العقول، وجعل المال والسلطة هي الحكم بين الناس، الضعيف فيهم لا حق له، سخر من الدين وأهله، وباع الأرض والعرض، وجعل المصريين أضحوكة العالم، فتجرأ عليهم الناس، وسمح لكل قبيح أن يعلو ويظهر، واضطهد كل جميل يدعو لمكارم الأخلاق، لم يرحم أحد، ولم يرق قلبه لأحد، شبع والناس جوعى، وعاش والناس موتى، وسلم وفقد الناس الأمان، جمع المال والناس فقراء يشكون لله مرارة العيش، لم تتحرك فيه شعرة لنصرة مظلوم وهو الحاكم، ولم يغضب لقتل مسالم وهو صاحب السلطة، ولم يعترض على سجن بريء وقد أطلق اللصوص والقتلة والمجرمين أحرارا، كلما اشتد ظلم إنسان ارتفعت أسهمه عنده وأسند إليه المناصب، قرب إليه الظالمين وأبعد المخلصين الشرفاء، اغتر بقوة نظامه وبطشه وتنكيله بالناس ونسي أن الله هو القوي العزيز، حتى الفن في عهده لم يكن إلا فسقا وفجورا وانحطاطا وإباحية، فسد في عهده كل شي، كل شيء، التعليم والصحة والفن والأدب والصحافة والإعلام والأمن والسياسة والاقتصاد والأخلاق، ضاق الناس من كل شيء، وأصابهم اليأس والمرض، ما ترك سوءا إلا وجلبه لمصر، إن أسوأ حقبة في تاريخ مصر الحديث هي فترة حكمه، وسنظل نعاني منها كثيرا، إن حسني مبارك يا سادة ليس عزيز قوم ذل، إن الظالم الفاسد الفاجر هو الذليل الحقير وإن كان حاكما، ولن تخدعنا تلك الأقاويل التافهة، إن العز لا يكون إلا في طاعة الله، لا يكون إلا في العدل والخير والصلاح، ولا يكون عزيزا يستحق الرحمة إن ذل أو لم يذل إلا من كان نافعا للناس، عادلا إذا حكم، كريما إذا أعطى، رحيما بكل ضعيف، يفزع للمظلوم فينصره، وللمجروح فيداويه، يأخذ على يد الظالم حتى يرده عن ظلمه، ويعاقب الفاسد، ويحترم الدين وأهله، ويجل العلم والعلماء، هذا هو العزيز، أما مبارك فليس بعزيز يا سادة، ولو كان فيه خير لنفع نفسه وطلب من الله المغفرة، ولكن كل إناء بالذي فيه ينضح، وقد مليء مبارك ظلما وضلالا وكبرا إلى مُشاشه، ولن يجد في نفسه اليوم ما ينفعه، فكفوا عن هذا الكلام، فإن الذي يستحق الرحمة هو هذا الشعب الذي عانى عشرات السنين من الظلم والاضطهاد والوحشية، هذا الشعب الذي استشهد منه الكثير وفقد الكثير من الأمهات فيه أبناءهن، انه الشعب الذي استضعفه الظالم أكثر من ثلاثين عاما، لهو اليوم الذي يستحق أن يعيش مرفوع الرأس كريما عزيزا، وهو الذي يستحق الرحمة بحق، وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد أرسل الله رسائل تحذيرية كثيرة لمبارك وعصابته، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، يقول الحجاج لعجوز، والله لأقتلن ابنك، قالت لو لم تقتله مات، وهذا من ذكاء العجوز، ولكن الطغاة لا يفهمون الرموز، هؤلاء الطغاة الذين استذلهم الشيطان فعبدوا أنفسهم وعبدوا السلطة والمال والهوى، وشاء الله أن يجعل كل طاغية ذليلا مهانا حقيرا حتى يكون عبرة للناس فيتعظوا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون