النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: بناء القصيدة في شعر لسان الدين بن الخطيب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    53,307

    افتراضي بناء القصيدة في شعر لسان الدين بن الخطيب


    بناء القصيدة في شعر لسان الدين بن الخطيب

    غازي أحمد البنواني[1]





    الحمد لله حمد الشاكرين على نعمائه، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - القائل: ((إنَّ من الشِّعرِ لحكمةً، وإنَّ من البيانِ لسحرًا)).

    وبعدُ،
    فإنَّ للأندلس مكانة في قلوب المسلمين وعقولهم، فقد ارتبطوا بها ارتباطًا وثيقًا منذ دُخُولها على يد طارق بن زياد سنة 92 هـ؛ ولعلَّ هذا الارتباط راجع إلى الفترة التي قضاها المسلمون بالأندلس، والتي تجاوزتْ ثمانية قُرُون منَ الزمن من ( 92هـ - 898 هـ)، وفي تلك الفترة أَشَاد العربُ المسلمون في ربُوعها حضارة ورُقيًّا، وعدلاً وسموًّا، وأقاموا صروحًا شامخة مِن ألوان المعرفة المختلفة، ومنها الأدب العربي الذي يُعَدُّ أثرًا من آثار البيئة الأندلسية، ومع أن الأدب الأندلسي يُعَدُّ امتدادًا للأدب العربي في المشرق، الذي هو المنبع والأصل، إلاَّ أنَّه أضاف إلينا جديدًا، وتطورًا ملحوظًا في اللغة والأدب يثلج صدورنا كلما طالَعْناه، وقد كان المقرِّي محقًّا، حينما قال عن الأندلس: "لا تُسْتوفَى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنَّى تُجارى، وهي الحائزة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق؟!"[2].

    ابن الخطيب ومكانته:
    هو محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن سعيد بن علي بن أحمد التلمساني، يُكَنَّى: أبا عبدالله، واشتهر بـ(لسان الدين)، وهو منَ الألقاب المشرقية، وقد عاش ابن الخطيب في القرن الثامن الهجري في الأندلس والمغرب، ويُعَدُّ هذا العصر من أحفل العُصُور التاريخية والأدبية في المغرب الإسلامي عامة، وفي الأندلس خاصة، وكان لسان الدين مُفَكِّرًا لامعًا، وكاتبًا خصبًا، متَعَدِّد الجوانب، وشاعرًا مُبدعًا، ملأ الأندلس والمغرب بشعره الرصين الفائق في مختلف الأحداث والمناسبات، ويقول عنه أنخل جنثالث بالنيثيا: "ظهرتْ براعتُه في قرض الشعر، وتَجَلَّى عِلْمه الواسع بالأدب العربي، وإنه لأعظم شعراء العصر الغرناطي"[3]، وقد لقب بذي الوزارتين، وقد كان مزيجًا من عبقريات متعدِّدة، قلَّما تجتمع في شخص واحد، فقد بلغ القمة في كل منهما، مما جَعَلَهُ في مصافِّ أعلام الأندلس ومشاهيرها، فهو أفضل شخصيَّات الأندلس بعامة، وغرناطة بخاصَّة، "فهو طبيب وفيلسوف، وهو كاتب منَ الطراز الأول، وهو مؤرِّخ بارع، وأخيرًا وزير وسياسي ثاقب النظر، قوي الإدراك"[4].

    ولد ابن الخطيب بمدينة " لَوْشة"[5] في 25 رجب 713هـ، الموافق 16 نوفمبر 1313م، وقد نشأ في غرناطة التي انتقلتْ إليها أسرته، وفيها تلقى دراسته، وعاش بها حياة حافلة بالعلم والنشاط السياسي والفكري، إلى أن وافتْه المنية سنة (776هـ)، عن عُمر يناهز ثلاثة وستين عامًا، بعد أن سجل لنفسه صفحاتٍ مُشرِقةً في مجالات الحياة المختلفة، والتي ما زلنا نَقْتَبِس مِن مَعينها حتى يومنا هذا.

    والدّيوان الوحيد الذي يجمع شعر ابن الخطيب، ووصل إلينا هو ديوان: "الصيب والجهام، والماضي والكهام"، وقد حَقَّقه: د.محمد الشريف قاهر، ونشر في الجزائر عام 1975م، أما الديوان الذي اعتمد عليه الباحثُ هنا في دراسته، فهو الذي حَقَّقه د.محمد مفتاح بلغزواني، وجعله في مجلدين بعنوان: (ديوان لسان الدين بن الخطيب السلماني)، ويلاحظ أنه استقى مادته في المقام الأول من ديوان: "الصيب والجهام والماضي والكهام"، الذي سبق وأن حقِّق في الجزائر بمعرفة د.محمد الشريف قاهر، ومنه جاء أغلب الشعر، إلى جانب مصادر ابن الخطيب الأخرى.

    ولقد ترك لنا ابن الخطيب تراثًا حافلاً مِن طبٍّ، وسياسة، وتصوُّف، وغيرها، وقد بلغتْ مؤلفاته زهاء ستين مؤلفًا ما بين مطبوعٍ ومخطوط، فقد اغترفَ مِن كل بحر، وكتب في كثير منَ الفُنُون والآداب، واطَّلع على كثيرٍ مما ألِّف في العلوم والآداب والتاريخ والسياسة، مما جعل الباحثين يعدونه خزانة للعلم والأدب، "فقد كان عالمًا وفقيهًا وشاعرًا وكاتبًا، وإن لم يتفوق في شيء تفوُّقه في الأدب، حتى كان من أئمته"[6].

    وقد استحَقَّ ما قاله عنه المقري:
    "هو الوزير الشهير الطائر الصيت، المَثَل المضروب في الكتابة والشعر والمعرفة بالعلوم على اختلاف أنواعها"[7].

    وقد عقب على ذلك إذ قال:
    تَصَانِيفُ الوَزِيرِ ابْنِ الخَطِيبِ
    أَلَذُّ مِنَ الصِّبَا الغَضِّ الرَّطِيبِ

    فَأيَّةُ رَاحَةٍ وَنَعِيمِ عَيْشٍ
    تُوَازِي كُتْبَهُ أَمْ أَيُّ طِيبِ؟!



    ومن مُؤَلَّفاته:
    1- الإحاطة في أخبار غرناطة.
    2- اللمحة البدرية في تاريخ الدولة النصرية.
    3- الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة.
    4- نفاضة الجراب في علالة الاغتراب.
    5- أعمال الأعلام فيمن بُويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، وما يجر ذلك من شجون الكلام.
    6- السحر والشعر.
    7- ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب.
    8- جيش التوشيح.
    9- روضة التعريف بالحب الشريف.
    10- خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف.
    11- عمل من طب لمن حب.
    12- فن العلاج في صنعة الطب.
    13- معيار الاختيار في أهوال المعاهد والديار.

    أسباب اختيار الموضوع:
    ذكر الباحث الكريم أن من الأسباب التي دعته إلى اختيار موضوع "بناء القصيدة في شعر لسان الدين بن الخطيب":
    1- حبُّه للأدب العربي بوجْهٍ عام، والأندلسي منه على وجْهِ الخصوص، والرغبة في الكَشْف عن إبداعات شعراء الأندلس، وتفرُّدهم بسمات خاصَّة.

    2- التَّشجيع والحث الذي لَقِيه مِن أستاذه الدكتور/ علي الغريب، باختيار ابن الخطيب دون غيره، ودراسة بناء القصيدة في شعره؛ لما في هذه الدراسة من شموليَّة واستفاضة في الأدب، والنقد، والبلاغة، والعَروض، واللغة... إلخ، إضافة إلى أنه كان عالمًا وفقيهًا وكاتبًا، مما جَعَلَ الباحثين يعدونه خزانة للعلم والأدب على حدٍّ سواء.

    3- ومنها أيضًا أنه احْتَلَّ مكانة عظيمة في تاريخ الأندلس بعامَّة، ومملكة غرناطة بخاصة، فهو الأديب والوزير الذي حاز قصب السبق في مجالي الأدب والوزارة، فلقِّب بذي الوزارتين، وكان نموذجًا فريدًا، قلَّما يجود به زمان.

    4- أن ديوانه الشِّعري: "على ماله من قيمة أدبية ولغوية عظمى، فإنه يعدُّ مرآةً تعكس بجلاء الحياة السياسية والاجتماعية خلال نصف قرن من الزمان، فهو صورة للصراع الإسلامي الرومي، والصراع الداخلي بين سكَّان الأندلس أنفسهم، وصورة للصراع المريني نفسه، وهو أيضًا صورة للحياة المترَفة من قصور وحدائق ومنتزهات"[8].

    5- بيان مدى اتِّباعه للسابقين من عصور الأدب الزاهية، ومعارضته إياهم، من خلال إبداعاته الشعرية المتنوعة، ثم إبراز الجديد على بعض قصائده.

    6- الكشف عن أُسْلوب الأندلسيين في بناء قصائدهم، من خلال دراسة بناء القصيدة عند هذا الشاعر الغرناطي العظيم.

    حدود الدراسة:
    تَتَمَثَّل حُدُود الدراسة في بناء القصيدة في ديوان ابن الخطيب المكوَّن مِن جُزأين، ويضم الديوان ثنتين وعشرين ومائتي قصيدة، هذا دون المقطعات والموشَّحات لخلو الدراسة منها، وبخاصة في الباب الأول، الذي يتعامَل مع القصيدة دون سواها، وبلغ عدد أبيات هذه القصائد ( 6433) بيتًا، و"هذا العدد من الأبيات يكفي لأن يعطينا - والكلام للباحث - صورةً صادقة عن حياة المسلمين في الغرب الإسلامي".

    وبعدما ذكر بعضًا منَ الدِّراسات التي قامتْ على لسان الدِّين وتراثه الفكري، يلاحظ باحثنا أنها أغفلتْ بناء القصيدة في شعره؛ و"لذلك فقد جاءت هذه الدراسة "بناء القصيدة في شعر لسان الدين بن الخطيب" - حلقة جديدة تُضاف إلى حلقات الدرس الفني والنقدي لإبداع هذا الشاعر".

    ومما لا شك فيه أنَّ هناك بعض الصُّعوبات التي واجهتِ الباحث أثناء دراسته لبناء القصيدة، يأتي في مقدمتها غُمُوض بعض الأشعار، وخاصَّة أن المحقق لم يتناول القصائد بالشرح والتعليق عليها، وكذلك عدم الإشارة إلى الممدوح والتعريف به في بعض القصائد.

    منهج الدراسة:
    وتَتَبَنَّى هذه الدراسة - حسب ما رأى الباحث - "المنهج التكامُلي لبناء القصيدة، الذي يستعين بكافة المناهج والإفادة منها وَفْق المادة، وطبيعة رصدها، كما أنه ينظر إلى النص الأدبي، وظروف إعداده نظرة شمولية متكامِلة، لا يَتَغَلَّب فيها جانبٌ على جانب؛ ولذلك فإن هذا المنهج يمتاز بإقامته توازنًا فنيًّا بين المحتوى والشكل، ويحكم على العمل الأدبي بمقدار ما في صياغته ومضمونه من فن، ومن خلال هذا المنهج يتم تفسير العمل الأدبي في ضوء عصره، وظروفه الحضارية والتاريخية، وفي ضوء ظروف مبدع النص وأحواله الشخصية، مما يسهم في صحة النظرة، وسلامة الحكم".

    خطة الدراسة:
    وقدِ اقتضتْ طبيعة البحث أن يقسمه إلى بابين، كلّ باب منهما يشتمل على ثلاثة فصول، تسبقهما مقدمة، وتتبعهما خاتمة.

    أما عن المقدِّمة، فإنها تشتمل على بيان مكانة الأندلس حضاريًّا، وتعريف بابن الخطيب ومكانته، ثم أهم آثاره الأدبية، ثم بيان أسباب اختيار هذا الموضوع، ثم منهج وتقسيم الدراسة.

    وأما عن الباب الأول، وهو بعنوان "هيكل القصيدة عند ابن الخطيب فهو يأتي في ثلاثة فصول:
    الفصل الأول منها جاء بعنوان: "المطالع والمقدمات في شعر ابن الخطيب":
    أولاً: المطالع، وقسَّمَها حسب جودتها أو عدمها وفق مقياسين هما: المقياس النفسي، والمقياس الفني.

    ثانيًا: المقدمات، وأثبت بالإحصاء أن "مقدمات القصائد لديه قد تعددتْ وتنوعتْ، فمنها المقدمات الطَّلَلية، ومنها الغزلية والخمرية، ومقدمة وصف الطيف، ووصف الظعن، والشيب والشباب... إلخ، مما يدل على أنه خطا خطوات نحو شعرنا العربي القديم، وسار على نَهْجِهم في بدء القصيدة، ولكن ليس بصورةٍ كبيرةٍ في قصائده، إذا ما قيستْ مثلاً بمقدماته التي جاءتْ من وحْي المناسبة، وكأنه بمقدماته الطللية والغزلية الخمرية وغيرها التي استخدمها، إنما أراد أن يظهرَ قدرته وموهبته الشِّعريَّة في السَّير على نهجِ شعرائنا القدماء، وأنه لم يكتفِ بعصره وأسلوب الشُّعراء فيه، وإنما ليسلك طريق من سبقه، وقد أجاد، أما عنِ المقدمات التي جاءتْ من وحي المناسبة - وهي كثيرة - فهي التي أملاها عليه الموقف أو المناسبة، التي هو بصدد الحديث عنها؛ سواء أكان مدحًا، أم غزلاً، أم رثاءً... إلخ.

    والفصل الثاني جاء بعنوان: "التخلُّص في شعر ابن الخطيب"، وفيه تكلم عن معنى التخلُّص، وشروط النقاد التي وضعوها لاستحْسانِه؛ وذلك لما كان للتخلُّص من أهمية كبرى في بناء القصيدة العربيَّة، وفي ضوء هذه الشروط التي وَضَعَها النُّقَّاد حاول أن يدرس شعر ابن الخطيب، موضحًا إلى أي مدى "سهل له الانتقال منَ المقدمة إلى الغرض الرئيس في القصيدة، وهي في الغالب أساليب متنوعة لم تقفْ عند أسلوب واحد أو اثنين أو ثلاثة، وإنما تعددتْ بشكلٍ يدل على مدى تحكُّم ابن الخطيب وتملكه ناصية اللغة".

    كما جاء الفصل الثالث بعنوان "خاتمة القصيدة في شعر ابن الخطيب".

    وأما الباب الثاني، وهو بعنوان "بنية القصيدة عند ابن الخطيب فإنه يأتي في ثلاثة فصول يسبقها مدخل:
    أمَّا المدخل، فكان عن التجربة الشعرية، وفيه ميَّز بين التَّجربة الشعورية، والتجربة الشعرية؛ "إذ تظل التجربة شعورية ما دامت تتأجج داخل نفس الشاعر، وتملك عليه حسَّه ومشاعره، فإذا خرجت وصيغت في قالب شعري يترجم المشاعر والانفعالات، سميتْ حينئذ تجربة شعرية"، وأثبت بعد ذلك بما لا يدع مجالاً للشكِّ: أن التجربة الشعرية عند ابن الخطيب "جاءتْ صادقةً في أغلب قصائده، وبخاصة في قصائد المديح والرثاء، ووصف الطبيعة، والمدائح النبوية، والحث على الدِّفاع عن الدين، أما قصائده في الغزل والخمر، ومجالس الأنس والهجاء، فإنها بعدت عن الصدق الفني شيئًا ما، وقد برز في هذه الأغراض تقليده للشعراء، وقدرته علي نظم الشعر، والتجربة الشعرية فيها تتفاوَت من حيث القوةُ والضعف، والموقف الذي قيلتْ فيه".

    والفصل الأول جاء بعنوان: "اللغة والأسلوب في شعر ابن الخطيبوتحدث فيه عن المصادر التُّراثية في شعر لسان الدين، والتي تنوعتْ وتعددتْ ما بين القرآن الكريم والحديث الشريف، ونماذج من الشعر العربي القديم والأمثال والمأثورات النثرية، ولم تقف اقتباسات ابن الخطيب واستلهاماته عند المصادر الأربعة السابقة الذكر؛ بلِ امتدتْ لتشمل المعارف والعلوم العامة من أمثال النحو والصرف والعروض والفلك والمنطق... إلخ، حيث يقول مستلهمًا بعض المصطلحات النحوية[9]:
    هَنيئًا لِضَيفٍ فِي ذَرَاكَ قَرَارُهُ
    بِحَيْثُ النَّوَالُ الغُمْرُ والكَرَمُ الجَمُّ

    فَآمَالُهُ لِلْفِكْرِ نَصْبٌ وعَيْشُهُ
    كَما شَاءَهُ خَفْضٌ وطاعتُهُ جَزْمُ



    ويقول مُوَرِّيًا بالمصطلحات الفلكية[10]:
    هَابَتْ مَقَامَكَ فَاطَّبَبْتُ صِعَابَهَا
    حَتَّى غَدَتْ ذُلُلاً عَلَى التَّدْرِيبِ

    إنْ كُنْتُ قَدْ قَارَبْتُ فِي تَعْدِيلِهَا [11]
    لَا بُدَّ فِي التَّعْدِيلِ مِنْ تَقرِيبِ




    وعقب على ذلك بقوله: "غاية الأمر أننا نستطيع القول بأن علماء العربية ذهبوا إلى حتمية خلو اللغة الشعرية من مفردات العلم ومصطلحاته، حتى تبقى موحية متوترة، قادرة على الإثارة؛ لأنها تثير فينا الإحساس بالصور، وتستخدم الألفاظ استخدامًا مجازيًّا في نسق معين، كما أنها تصدر عن وجدان عميق".

    وجاء الفصل الثاني بعنوان: "الإيقاع الموسيقي في شعر ابن الخطيب"، وفي تناول دور الموسيقى الداخلية والخارجية في توضيح المعاني والدلالات جنبًا إلى جنب، مع الصور والأخيلة أيضًا، ولا شك أنها كانتْ من أبرز ما يُميز بنية القصيدة عند هذا الشاعر العظيم.

    كما جاء الفصل الثالث بعنوان: "الصورة الشعريةومن خلالهاحاول أن يتناول الصورة (الشعرية) لدى ابن الخطيب، ويدرسها وفق ما احتوتْه أشعاره مِن مضامين ذات مرجعيَّة تراثيَّة أو إبداعية، "محاولاً التعرُّف على مصادر الصورة في شعره، كما أحدد أصالة الشاعر في ذلك"، وحاول أيضًا أن يدرس الصورة الشعرية عند شاعرنا من وجهين: الأول الحسي، والثاني: البياني.

    وأخيرًا تأتي الخاتمة.

    خرج الباحثُ من هذه الدراسة إلى استخلاص مجموعة منَ النتائج المهمة، ومنها:
    1- جاءت مطالعه موافقة للمقياسين النفسي والفني، حسبما اشترطهما النقاد، ولم يشذَّ عن ذلك إلا نادرًا.

    2- برع ابن الخطيب في تخلُّصاته إلى الغَرَض الأساسي في القصيدة، عن طريق الربط الأسلوبي، باستخدام إحدى أدوات الربط، أو عن طريق الربط المعنوي على نحو ما أوضحناه في الدراسة.

    3- سار على نهج القُدماء في بعض قصائده، وقلَّت المقدمات الطلليَّة، وتنوَّعت المقدمات عنده ما بين طللية، وغزلية، ووصف الطيف، وغيرها من المقدمات.

    4- وجود قصائد بلا مقدمات، ونستطيع تسميتها بـ"قصائد من وحي المناسبة".

    5- تنوعت خاتمة القصيدة عنده من حيث الكمُّ؛ إذ تراوحت ما بين بيت إلى خمسةَ عشرَ بيتًا، وقد غلب عليها الكثرة في معظم الخواتيم.

    6- التجربة الشِّعرية عنده جاءت صادقة في الأعمِّ الأغلب، وهي صادرة عن حسٍّ مرهف، وبخاصة في قصائد المديح والرثاء والغزل، وقد تحققتْ في معظم قصائده الوحدة العضوية والشعورية معًا.

    7- اتسمتْ لغته بالسهولة والوضوح، والبُعد عن الغموض، والتعقيد، وجاءت ألفاظه ومعانيه معبرة تعبيرًا صادقًا عنْ أفكاره، وملبية لنداء بيئة حضارية لعبتْ دورًا كبيرًا في تهذيب أخلاقه، وصقل طباعه.

    8- وقد كان لعُمق ثقافته، وتنوع روافدها، وطبيعة الصراع الذي شهدته غرناطة طوال تاريخها - أثرٌ كبير في احتفاء معجمه الشعري بمفردات وتراكيب تنتمي لعدد من الروافد التراثية، التي راح ابن الخطيب يتَّكئ عليها، مستلهمًا إياها إشارة واقتباسًا وإعادة تشكيل، موظفًا إياها توظيفًا أثرى تجاربه الشعرية وبناء القصيدة عنده.

    9- ظاهرة التلوين الأسلوبي منَ الظواهر البارزة في شعره؛ كأسلوب الأمر، والنهي، والاستفهام، والنداء، والقصر، والتلوين في الأفعال بين المضارعة والمضي... إلخ، وقد كان لهذه الظاهرة أثرها في البناء الجيد للقصيدة عنده.

    10- تأثير عناصر إيقاع الموسيقى الخارجية والداخلية على بناء القصيدة عنده، جاء واضحًا وملائمًا للغرض الذي يتناوله، والجو النفسي للقصيدة.

    11- أبدى عنايته بالقافية لوعْيه بما لها من دور في إثراء الإيقاع، فآثر استخدام القافية المطلقة على القافية المقيدة.

    12- آثر بناء قصائده على الصور التامة للأبحر الشعرية، وقد جاء اعتماده على الصور المجزوءة للأبحر، محدودًا للغاية، وفي إطار ضيقٍ.

    13- جاءتْ ظاهرة التضمين في شعره وسيلة من وسائل الالتحام بين الأبيات بعضها البعض، حتى غدت القصيدة عنده كلاًّ لا يتجَزَّأ.

    14- تمتاز صور ابن الخطيب بالجدة والابتكار، وإن كان قد صار في بعضِها على منوال القُدماء في تشكيل الصُّورة، كما جمع بين التصوير الكلي القائم على الصوت واللون والحركة، والخيال الجزئي من تشبيه واستعارة، وكناية ومجاز، ومعظمها صور جديدة تعتمد على التشخيص، وبث الحياة في الكائنات الجامدة في بعض شواهده الشعرية.

    وهكذا، "فقد جاء بناء القصيدة في شعر ابن الخطيب متكاملاً؛ من حيث هيكلها المتمثِّل في المطالع والمقدمات، والتخلُّص، وخاتمة القصيدة، وكذلك بنيتها المتمثِّلة في اللغة والأسلوب، والإيقاع الموسيقي، والصورة: بيانيةً، وحسية".

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    [1] الباحث من مواليد محافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية، تَخَرَّجَ في دار العلوم 1984م، وقد عمل بالتربية والتعليم إلى أن وَصَلَ مُدَرِّسًا أول للغة العربية، ثم مختص تدريس اللغة العربية بجمهورية مصر العربيَّة، كما أنه الآن المُشرف التربوي على مجموعة "مدارس التوحيد الأهلية" في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

    [2] المقري: أحمد محمد التلمساني: "نفح الطيب من غُصن الأندلس الرطيب": 1/125، تحقيق/ إحسان عباس، دار صادر بيروت، 1388 هـ - 1968م.

    [3] "تاريخ الفكر الأندلسي"، ترجمة/ د. حسين مؤنس، ص 252، مكتبة النهضة المصرية: 1955م، وانظر: "الصيب والجهام والماضي والكهام"؛ لابن الخطيب، تحقيق/ د. محمد الشريف قاهر، ص 126 - 130، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1973م.

    [4] لسان الدين بن الخطيب، "الإحاطة في أخبار غرناطة"، 1/17، 18، محمد عبدالله عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1393هـ - 1973م، وانظر: محمد عبدالله عنان: "لسان الدين بن الخطيب" (حياته وتراثه الفكري) ص15، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1388هـ - 1968م.

    [5] لَوْشة - بالفتح ثم السكون وشين معجمة -: مدينة بالأندلس غربي البيرة قبل قرطبة منحرفة يسيرًا، وهي تقع علي نهر سنجل (نهر في غرناطة)، وبينها وبين قرطبة عشرون فرسخًا، وبين غرناطة عشرة فراسخ، انظر ياقوت الحموي: "معجم البلدان"، 5/26، دار صادر، بيروت، ط2/ 1995م.

    [6] أحمد ضيف: "بلاغة العرب في الأندلس"، ص 242، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، ط2 / 1988 م.

    [7] "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، 1/ 77 وما بعدها، 9/303.

    [8] لسان الدين بن الخطيب: "الديوان"، 1/7، تحقيق: محمد مفتاح بلغزواني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، 1409ه - 1988م.

    [9] الديوان: 2 /546.

    [10] الديوان: 1 /133.

    [11] تعديلها: الضمير هنا يعود على قصيدته في ممدوحه؛ أي: إنه قوَّمها فاستقامتْ، فخرجت إلى الممدوح في أبهى صورها، أما عن التعديل والتقريب، فهما من مصطلحات علم الحساب والفلك، الديوان: 1/331.





    التعديل الأخير تم بواسطة ابو وليد المهاجر ; 09-10-2011 الساعة 12:44 PM

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •