إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
أ.د. ناصر العمر



الصَّلاة هي الرُّكن الثَّاني، من أركان الإسلام، بعد التوحيد، ومع ذلك لا نراها تجد اليوم ما تستحقّهُ من الاهتمام اللائق بها، من قبل بعض الدعاة وطلاب العلم والخطباء، وذلك بسبب كونها شعيرة اعتاد الناس على أدائها، ولأنها من أمور الدين المشهورة، والتي يعلمها ضرورةً كلّ المسلمين، فلذلك لا يرى البعضُ حاجةً إلى الوقوف عندها، وهذا في الحقيقة فهم خاطئ وخلل كبير، فأهمية الصلاة ومكانتها في الدّين، من البدهيّات التي لا تحتاج إلى إثبات، وكان الصَّحابة رضي الله عنهم، لا يرون عملاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، سواءُ كان تركها جحداً أو تهاوناً وكسلاً، وهذا هو الرّاجح، واختلفوا في تركها تهاوُناً، ولكن أجمعوا على أنّ ترْكها مع الجحود لوجوبها كفر، وأوَّلُ ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة من عمله صلاته، فإن كانت صالحة مستقيمة، نُظر في بقيّة عمله، وإن كانت فاسدة وناقصة، لم يُنظر في بقيّة عمله.

ومما يدلُّ على عِظم مكانة الصَّلاة، وأهميتها في الإسلام، أنَّ الله تعالى أوحى بها لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلم، مباشرةً، في السَّماء السَّابعة، ليلة الإسراء والمعراج.

وعندما قابل نبينا الكريم ربَّه، أمره بالصَّلاة كلَّ يوم خمسين مرة، ونزل النَّبي صلى الله عليه وسلم من عند ربِّه، فقابله موسى عليه السلام وسأله: بماذا أمرك ربُّك؟ قال له: أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة، قال له: ارجع إليه، واسأله التخفيف لأمتك، فإنهم لا يطيقون ذلك، فإني بلوت قومي بني إسرائيل وخبرتهم من قبلك، فرجع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربِّه، وسأله التخفيف لأمته، وكلَّما خفَّف خمساً رجع إلى موسى عليه السلام، ويطلب منه موسى عليه السلام أن يرجع ويطلب التخفيف من ربِّه، حتى بلغت خمساً، وعندما مرَّ بموسى عليه السلام قال له: ارجع إلى ربِّك وسله التخفيف لأمتك، فإني بلوت وخبرت قبلك قومي، فإنَّ أمتك لا يطيقون الخمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد استحييت من ربي.

فأُقرَّت خمس صلوات في العدد، وتكتب عند الله خمسونَ في الأجر والثواب، والفضل يعود لموسى عليه الصلاة والسلام، في التخفيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بما خبره وبلا به قومه، فانظر إلى أثر الخبرة وأهميّتها وفائدتها، فلذا يجب تقدير أصحاب الخبرة.

هذه مكانة وأهمية الصلاة في الإسلام، ومع ذلك تجد بعض المسلمين يتهاونون بأمر الصلاة، إما تركاً بالكلية، أو تقصيراً في الأداء، أو لا يحافظون على أدائها في جماعة المسلمين، والكثير منهم لا يؤدي صلاة الفجر في جماعة، مؤثراً الراحة والدَّعة والنَّوم على مرضاة ربه، وبعض المناطق لو صلّيت الصبح في مساجدها تُفاجأ بقلة عدد المصلّين، فتظنّ أنّ أهلها لم يُرزقوا من البنين إلا قليلاً، ولكن عندما يحين ميعاد بدء الدراسة، ترى الشوارع مكتظّة بالبنين.

التقى رجل مسلم بأحد أحبار اليهود، فقال له المسلم: لن تقوم السَّاعة حتى نقاتلكم، وسننتصر عليكم، فقال له اليهوديّ العالِم بالتوراة: نعم ستقاتلوننا وتنتصرون علينا، لكن عندما يكون عددكم في صلاة الفجر، كعددكم في صلاة الجمعة.

قابلت رجلاً ثقةً، قدم من غزة في فلسطين، قبل أيَّام، فبشرني بانَّ عدد المصلين في المساجد يكون أكثر ما يكون في صلاة الفجر، وأنّ أكثر المصلين من الشباب.
فقلت: الحمد لله، قرب النصر والتمكين لهذه الأمة، إن شاء الله، وذكر لي الرجل: أنَّ عدد سكان غزة قبل سنواتٍ، كان مليوناً ونصفَ نسمة، والآن يزيد تعدادهم عن المليونين.

والشاهد أنَّ كثيراً من المسلمين يؤدُّون الصلاة، على أنها مجرد شعيرة من شعائر الإسلام، غافلين عن أسرارها وفوائدها العظيمة، والتي منها:
1- الصلاة ملاذ المسلم عند نزول المصائب والهموم:
فالصلاة لها أثر عظيم على المسلم، من حيث يدري أو لا يدري، أثر على نفسه، وأهله، وأولاده، وأقربائه، وتجارته، وعلاقاته كلها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يفزع للصلاة عند الشَّدائد والمدلهمات والكروب، ويقول لبلال: أرحنا بالصَّلاة يا بلال، والله عزّ وجلّ يقول لنا: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة : 45].

فهل نحن نفزع للصلاة، عند نزول المصائب والهموم والكروب؟ كثيرٌ منا يوصي غيره من المصابين عند المصيبة بالصبر، وهذا لا بأس به، ولكن لماذا لا يوصيه بالصلاة؟ قل لأخيك المصاب: قم صلِّ لربك ركعتين، وسله أن يخفَّف عنك مصابك.

كلٌّ منَّا تنزل به المصائب في نفسه من مرض أو معصية، أو مشكلة مع زوجته، وأخرى مع ولده، وأخرى مع جاره، فهل نفزع إلى الصلاة عند نزول هذه المصائب، وحدوث هذه المشاكل؟ القليل منّا هم الّذين يفعلون ذلك، إلى درجة أن الشخص يستحي من نفسه، عندما يرى النبي صلى الله عليه وسلم في كلِّ وقت وحين وحالةٍ، يفزع إلى الصلاة، وهو النَّبيّ الخاتم المؤيّد بحفظ الله عزّ وجلّ ورعايته.

بل العجبُ كلُّ العجب، أنّك تجد من أصابه همٌّ أو غمٌّ أو مصيبة، يتثاقل عن الصلاة، أو يؤخرها، ولربَّما ترك أداءها في وقتها، وصلاها قضاء، ويرى أنَّ ما نزل به من بلاء ومصيبة، يمنحه عذراً في تأخيرها عن وقتها، مع أنَّه لو عقل لعلم أنَّ الصلاة هي أُنسه وسعادته، وفيها شفاؤه من الهموم والغموم!

أبونا إبراهيم عليه السلام، عندما ترك أمَّنا هاجر، وولدها إسماعيل، في وادٍ غير ذي زرع وذهب، فلحقت به أم إسماعيل قائلة: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يردّ عليها، فقالت: آللهُ أمرك بهذا؟ فقال: نعم. قالت: إذاً لا يضيِّعنا!

هل تطنُّون أنَّ إبراهيم عليه السلام كان ضعيف العاطفة على ولده وأهله؟ كلا، وكيف لا يكون حنوناً عليهم، وقد جلس يدعو ربَّه مائة وعشرين سنة، أن يرزقه ولداً، فلما رجعت أمُّ إسماعيل إلى ولدها، وانطلق إبراهيم عليه السلام لأمر ربه، فابتعد عنهم، وستره الجبل، وأصبحوا لا يرونه، وقف يصلي ويدعو ربَّه قائلاً: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] أراد إبراهيم بفعله هذا ألا تتعلق زوجته به، بل أن يتعلق قلبها بالله عز وجل، فهو جلَّ وعلا خالقنا ورازقنا، وببركة صلاة إبراهيم عليه السلام ودعائه في الآية، حلَّت البركاتُ والخيراتُ على أم إسماعيل، ولا زالت بركة صلاته ودعائه إلى الآن تغدق على الناس في هذه البقعة المباركة من الخيرات والثمرات، ولا زالت أفواج الناس من كلّ فجّ عميق تهوي أفئدتُهم إليها!

وقبل ذلك عندما أراد إبراهيم عليه السلام دخول مصر، قالوا له: إنَّ في مصر ملكاَ، إذا رأى امرأة جميلة أخذها لنفسه، وكانت معه زوجته سارة، وهي وضيئة وجميلة، فعلم جلاوذة الملك بقدوم إبراهيم عليه السلام وزوجته الجميلة، فقالوا للملك: قدم رجلٌ إلى مصر، ومعه امرأة جميلة لا تصلح إلا لك، فأمر بإحضارها، فعندما أرادوا أخذها، قال لها إبراهيم عليه السلام: إذا سألوك فقولي: أنا أخته، ويقصد: أخته في الإسلام، وهذا ذكاء وفراسة منه عليه الصلاة والسلام، فعندما حضرا عند الملك، سألها الملك: من يكون هذا؟ قالت: أخي! لأنها لو قالت زوجي، لأخذت منه العداوة والانتقام مأخذها، فلربما قتل إبراهيم عليه السلام، ليستفرد بها، أمَّا كونه أخوها، فهذا أدعى لأن يُكرمه ويتودّد إليه، القصة طويلة، الشاهد منها: أنَّ إبراهيم عليه السلام فزع إلى الصلاة والدعاء، وببركة صلاته ودعائه وحكمته، أنقذ الله له زوجته من الملك، فعندما أدخلوها عليه، حاول عدة مرات وَطْأها فلم يقدر، فعرف الملك أنَّه ليس بقادر عليها فتركها، وأهدى لسارة جارية تخدمها، وهي هاجر عليهما السلام. فأتت سارة إلى إبراهيم عليه السلام، وهو يصلي تبشره!

نعم بالصلاة تنحلّ العقد والمشكلات وتُدفع الكروب، يُحدِّثُ أحد العلماء ويقول: كنا مجموعة من طلاب العلم، نعالج أمراً ممّا يهمُّ الأمّة، فاستعصى علينا هذا الأمر، وتأزّم الموقف حتّى صار البعض يبكي من شدّة معاناة الأمر، فقال رجل منهم: قوموا لنصلِّ، فلما فرغوا من الصلاة ورجعوا للمداولة في الأمر، إذا بالعقبة الكؤود التي وقفت في طريقهم تُذلّل، في دقائق معدوداتٍ، واتفق الجميع على حلٍّ رَضوا به جميعاً وتوافقوا عليه، وذلك كلّه مصداقٌ لقول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة : 45].

2- الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر:
في سورة العنكبوت يقول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [آية رقم: 45] جملة اسمية، تدلُّ على الثبات والاستقرار، أُكِّدت فيها الصلاة بحرف التوكيد (إنّ)، وخبرها الجملة الفعلية: {تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} فللصلاة دور في النَّهي عن المنكرات والمعاصي، ولكن كيف يمكن الجمع بين هذا المعنى، وما نراه من حال بعض من يصلي ويرتكب المنكرات والفواحش؟

هناك استنباط دقيق لأحد العلماء يقول: إذا أردت أن تعرف ما إذا كنت قد أدّيت صلاتك كاملةً أو لا فانظر إلى مقدار مخالفتك لأمر الله، فبقدر ما تقع في معصية الله، يُنقص لك في صلاتك، وبقدر ما تؤدي الصلاة كاملةَ الأركان والواجبات والسنن والخشوع، بقدر ما تنهاك عن المعاصي والفحشاء والمنكرات، فالصلاة الكاملة لا بدَّ من أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمقدار النقص في الصلاة، هو مقدار فعل المنكر.

والنّقص إنما يكون في خشوعها خاصّةً، فأنت تجد اثنين في صفِّ الصلاة بجوار بعضهما يصليان، هذا خاشع متذلِّل لربِّه، والآخر ساهٍ في صلاته، ولذلك يُكتبُ للمرء من صلاته ما عقل منها، بعضُهم تُكتب له كلُّها، وبعضهم نصفُها، وبعضهم ربعها، وبعضهم تُلفُّ كالثوب الخلق ثم تُرمى بوجه صاحبها.

ولنتأمّل فيمن يصلون صلاة العشاء، ثم ينطلقون بعدها لمشاهدة ما حرَّم الله في القنوات الفضائية، فهؤلاء لم يصلوا صلاة كاملة، لأنهم لو صلوا صلاة كاملة لنهتهم الصلاة عن الوقوع في هذا المنكر.

يُروى أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله استعمل رجلاً على أمرٍ ما، فقال له الرجل: لِم وليتني؟ قال له: لأني رأيتك وأنت تحسن صلاتك، ورأيتك خاشعاً فيها، وما دمت أديت حقَّ الله عليك وأحسنت أداءه، فمن باب أولى أن تؤدي الحقوق والواجبات الأخرى.

إذاً لا يولى في ولايات المسلمين إلا أهلُ الصلاة، الذين يؤدُّونها في وقتها، كاملةَ الأوصاف الشرعية، لأنها أمانة، ومن خان أمانة الصلاة، فهو لما سواها خائن ومضيع، ومن حافظ على الصلاة، فهو لما سواها من الحقوق أحفظ.

3- الصلاة تعلِّمنا الأخلاق والآداب الكثيرة:
فمن ذلك أنها تعلِّمنا الاجتماع على الخير، والترابط والتكاتف، والتراحم والتعاطف، وضبط الوقت والمحافظة عليه، ابتداءً من صلاة الفجر، وانتهاء بصلاة العشاء، وما بين ذلك، والصلاة تطهرنا من أدران الباطن، من البغض والحسد والمعاصي والآثام القلبية، والصلاة تعلمنا الصبر على الشدائد والمحن، ولذلك شُرعت في الحضر والسفر، والسلم والحرب، والصلاةُ رحمة من الخالق للمخلوق، لأنها صلة بين العبد وربه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإذا دخل حبُّ الصلاة في قلوبنا، وزاد قربُنا من ربِّنا، هانت علينا عظامُ الأمور، فهذا عروة بن الزبير يقرر الأطباء قطعَ رجله، ونصحوه بشرب المُخدِّر ليخفَّ عنه الألم، فرفض وقال لهم: دعوني أُصلِّي، فإذا رأيتمُوني استغرقتُ في صلاتي؛ فافعلوا ما بدا لكم.

ولأهمية الصلاة في تعليم الآداب والأخلاق، أُمِر الآباءُ بضرب أبنائهم عليها، إذا بلغوا العاشرة من عمرهم، وآخر كلمة نطق بها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، وما ملكت أيمانكم".

فالصلاة نور وحياة وراحة، يقول الله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29 ] فتجد في وجوه المصلين النور والوضاءة، وتجد في وجوه المنافقين الظلمة والكآبة.
والله تعالى أعلم وأحكم، وصلَّّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.