السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته


الحمدلله



قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ( 197 ) ) من سورة البقرة


الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَتَزَوَّدُوا أَمْرٌ بِاتِّخَاذِ الزَّادِ . قَالَ
ابْنُ عُمَرَ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ : نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ تَجِيءُ إِلَى الْحَجِّ بِلَا زَادٍ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يُطْعِمُنَا ، فَكَانُوا يَبْقَوْنَ عَالَةً عَلَى النَّاسِ ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَأُمِرُوا بِالزَّادِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : كَانَ النَّاسُ يَتَّكِلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالزَّادِ ، فَأُمِرُوا بِالزَّادِ ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا زَادٌ ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ ثَلَثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا قَالَ : ( يَا عُمَرُ زَوِّدِ الْقَوْمَ ) ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : تَزَوَّدُوا الرَّفِيقَ الصَّالِحَ ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَهَذَا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ ، وَالْأَوْلَى فِي مَعْنَى الْآيَةِ : وَتَزَوَّدُوا لِمَعَادِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ .

قُلْتُ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ الزَّادُ الْمُتَّخَذُ فِي سَفَرٍ الْحَجِّ الْمَأْكُولِ حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرْنَا ، كَمَا رَوَى
الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ : نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ .

قَالَ
الشَّعْبِيُّ : الزَّادُ التَّمْرُ وَالسَّوِيقُ . ابْنُ جُبَيْرٍ : الْكَعْكُ وَالسَّوِيقُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : " أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّزَوُّدِ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنْ كَانَ ذَا حِرْفَةٍ تَنْفُقُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ سَائِلًا فَلَا خِطَابَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَمْوَالِ الَّذِينَ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ : نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ وَالتَّوَكُّلُ لَهُ شُرُوطٌ ، مَنْ قَامَ بِهَا خَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنَ الْخَلْقِ وَهُمُ الْمُقَصِّرُونَ عَنْ دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ الْغَافِلُونَ عَنْ حَقَائِقِهِ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ " .

قَالَ
أَبُو الْفَرَجُ الْجَوْزِيُّ : وَقَدْ لَبِسَ إِبْلِيسُ عَلَى قَوْمٍ يَدَّعُونَ التَّوَكُّلَ ، فَخَرَجُوا بِلَا زَادٍ وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ وَهُمْ عَلَى غَايَةِ الْخَطَأِ . قَالَ رَجُلٌ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ عَلَى التَّوَكُّلِ بِغَيْرِ زَادٌ ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ : اخْرُجْ فِي غَيْرِ الْقَافِلَةِ ، فَقَالَ لَا ، إِلَّا مَعَهُمْ . قَالَ : فَعَلَى جُرُبِ النَّاسِ تَوَكَّلْتَ ؟ !

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ اتِّقَاءُ الْمَنْهِيَّاتِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضُمُّوا إِلَى التَّزَوُّدِ التَّقْوَى ، وَجَاءَ قَوْلُهُ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَتَزَوَّدُوا اتَّقُوا اللَّهَ فِي اتِّبَاعِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الْخُرُوجِ بِالزَّادِ : وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ مَا اتَّقَى بِهِ الْمُسَافِرُ مِنَ الْهَلَكَةِ أَوِ الْحَاجَةِ إِلَى السُّؤَالِ وَالتَّكَفُّفِ ، وَقِيلَ : فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ . قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَاتِ : ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى سَفَرَ الْآخِرَةِ وَحَثَّهُمْ عَلَى تَزَوُّدِ التَّقْوَى ، فَإِنَّ التَّقْوَى زَادُ الْآخِرَةِ . قَالَ الْأَعْشَى :

إِذْ أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ** وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَلَّا تَكُونَ كَمِثْلِهِ
**وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا

وَقَالَ آخَرُ :

الْمَوْتُ بَحْرٌ طَامِحٌ مَوْجُهُ **تَذْهَبُ فِيهِ حِيلَةُ السَّابِحِ
يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلٌ فَاسْمَعِي
**مَقَالَةً مِنْ مُشْفِقٍ نَاصِحِ
لَا يَصْحَبُ الْإِنْسَانَ فِي قَبْرِهِ
**غَيْرَ التُّقَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ

الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ خَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالْخِطَابِ - وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ يَعُمُّ الْكُلَّ - لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ ، وَهُمْ قَابِلُو أَوَامِرِهِ وَالنَّاهِضُونَ بِهَا ، وَالْأَلْبَابُ جَمْعُ لُبٍّ ، وَلُبُّ كُلِّ شَيْءٍ : خَالِصُهُ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْعَقْلِ : لُبٌّ .

قَالَ
النَّحَّاسُ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ : أَتَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ شَيْئًا مِنَ الْمُضَاعَفِ جَاءَ عَلَى فَعُلَ ؟ قُلْتُ نَعَمْ ، حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ يُونُسَ : لَبُبْتُ تَلُبُّ ، فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ : مَا أَعْرِفُ لَهُ نَظِيرًا .


الإمام أبوعبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى
تفسير القرطبي


والله أعلم