لقد عُني العلماء قديما وحديثاً بمحاولة الوقوف على خصائص اللغة العربية، وقد ذكر الكثيرون أن من بين هذه الخصائص أن اللغة العربية تتألف من ثمانين ألف مادة، المستعمل منها عشرة آلاف فقط، والمهجور من ألفاظها سبعون ألف مادة لم تستعمل إلى اليوم، وهذه الإشارة على اختلاف أرقامها، وتعدد مصادرها تكشف عن طبيعة اللغة العربية وتاريخها، دون حاجة إلى أي قدر من الإشادة أو المبالغة، وهي في مجموعها تعطي صورة الثناء والغنى في الحصيلة اللغوية، وتكشف عن البعد التاريخي والنمو الحيوي في نفس الوقت.

كما ذكروا أن من بين هذه الخصائص أن اللغة العربية هي اللغة القومية لمائة مليون من العرب، وإنها لغة الفكر والثقافة والعقيدة لألف مليون من المسلمين، وهي لم تتراجع عن أرض دخلتها لتأثيرها الناشئ من كونها لغة دين ولغة مدنية، وساعد على النماء أنها كانت لغة السياسة والتجارة، ولغة العلم والفكر قرابة ألف سنة، وقد كان لها أثرها الواضح في الفارسية والتركية وغيرها من اللغات.

ولم تلق لغة أوربية واحدة لم يصلها شيء من اللسان العربي المبين، حتى إن اللغة اللاتينية الأم الكبرى قد صارت وعاء لنقل المفردات العربية إلى بناتها.

كما ذكر هؤلاء العلماء أيضاً أن من بين خصائص اللغة العربية أنها لغة اشتقاق تقوم على أبواب الفعل الثلاثي التي لا وجود لها في جميع اللغات الهندية الأوربية وغيرها من الفصائل اللغوية، وهي اللغات التي تُكتب بالحروف اللاتينية وغيرها.

فإذا قابلنا العربية باللغات الاشتقاقية (كالإنكليزية والفرنسية) نجد أن العربية امتازت بخصائص أكفل بحاجة العلوم، فمن ذلك سعتها فعدد كلمات اللغة الفرنسية خمسة وعشرون ألفاً (25000)، وكلمات اللغة الإنكليزية مائة ألف (100000)، أما العربية فعدد موادها أربعمائة ألف مادة (400000)، ولسان العرب يحتوي على ثمانين ألف مادة (80000) لا كلمة، ومواد اللغة العربية تتفرع إلى كلمات وهكذا وفقاً لما ذكره العلماء في ذلك.

كذلك ذكروا أيضاً أن من خصائصها أنها تتميز بتنوع الأساليب والعبارات فالمعنى الواحد يمكن أن يؤدى بتعبيرات مختلفة كالحقيقة، والمجاز، والتصريح، والكناية، وهي تحسب حساب الفكرة والخاطر والمثال، فمن أهم خصائصها قدرتها على التعبير عن معانٍ ثانوية لا تعرف الشعوب الغربية كيف تعبر عنها، فالفرنسية مثلاً لا تُعنى إلا بالتعبير الواحد، أما في العربية فالمذاهب والأساليب المختلفة تعبر عن مختلف الأحاسيس، فضلاً عن استعمال العربية للحركات.

كذلك ذكر العلماء أيضاً أن من خصائص اللغة العربية أنها لغات الدنيا إلى قواعد المنطق، بحيث أن عبارتها سليمة طيعة، تهون على الناطق الصافي الفكر، أن يعبر بها عما يريده من دون تصنع أو تكلف.

كما ذكر أيضاً العلماء أن من بين خصائصها، أنهم ذكروا رقماً قياسياً في الكمال، حيث تقدمت للفكر بكل المخططات الصوتية الممكنة، وميزت مفاصل الفكر تمييزاً واضحاً مبيناً، قد توصل علم اللغات المقارن إلى حقيقة ثابتة بالنسبة للغة العربية بأنها معبرة بالأمور النفسية للعلوم الباطنة والظاهرة، وذكروا أن جميع مشتقاتها تقبل التصريف إلا فيما ندر، وهذا يجعلها طوع أهلها وأكثر من غيرها مرونة، وأوفى بحاجة المتكلمين، وقد وضع علماء اللغة العربية باجتهادهم أبنية اللغة الكلاسيكية، وكذلك مفرداتها في حالة كمال تام على كثير من الآراء.

كذلك ذكروا أن أسباب الترادف في اللغة العربية، أعمق مما يتصور بعض الباحثين، بل إن هناك من علماء اللغة كابن فارس وابن عال الفارسي، وأبو علي الفارسي، مَن أنكر المترادفات أصلاً، وعدها ألفاظاً جديدة لها معانٍ، تختلف في قليل أو كثير بعضها عن بعض، وكان الإمام الرازي يرى وجوب تحديد الترادف بعدم التباين في المعنى، لكن محاولة الوقوف عند هذا الحد في أن الترادف يعد خاصة، أو يعد ميزة، أو يعد نقصاناً في اللغة، أمرٌ ناقشناه في موضوع الترادف، ولا يقدم ولا يؤخر في قضية خصائص اللغة.

كذلك ذكر العلماء أن خزائن المفردات في اللغة العربية غنية جداً، ويمكن لتلك المفردات أن تزاد بلا نهاية، ذلك أن الاشتقاق يُسهل إيجاد صيغ جديدة من الجذور القديمة، بحسب ما يحتاج إليه كل إنسان على نظام معين، وأن اللغة العربية فيها نحو مائة ألف كلمة مستقلة، ومعظم هذه الكلمات تولدت بالاشتقاق منها ألفاظ كثيرة بنفس المعاني، أو بمعانٍ مختلفة.

كما ذكر العلماء أيضاً أن غاية ما أخذته العربية من غيرها من اللغات بعض ألفاظ مفردة من باب الأسماء، لا يتجاوز بعض المئيين، وقضية الأخذ والعطاء في اللغات المختلفة سنة لغوية عامة لا يمكن أن نجعلها خاصة من خصائص العربية، أو منقصة في اللغة العربية.

كما إن علماء العربية حين أخذوا علم المنطق من اليونان، إما رأساً أو نقلاً من السريانية، لم يأخذوا ألفاظ هذا العلم كما هي عند اليونان، بل قالوا: موضوع ومحمول، وقضية وقياس، واستنتاج ومقدمة صغرى ومقدمة كبرى، ونتيجة، والمقولات العشر، والقول الشارح والتصوير والتصديق، وكلي وجزئي، وقضية كلية، وقضية كلية مهملة، وقضية كلية مسورة وهلم جرّا، لذلك استغنت العربية عن اصطلاحات اللغة اليونانية بألفاظ من ألفاظها أدت معانيها تمام التأدية، أي في إطار قضية ما عُرف بــ"التعريب".

كذلك من أبرز خصائص اللغة العربية التي أشار إليها العلماء أن أبنائنا اليوم وبعد ألف وخمسمائة سنة يفهمون أسفار الجاهلية والمخضرمين، كما يفهمون أشعار أبي تمام والبحتري، والمتنبي، أو كما يفهمون أشعار أبي العلاء والشريف الرضي، ويفهمون أشعار فحولٍ متقدمين.

كذلك من بين الخصائص التي يشير العلماء إليها أن اللغة العربية لها سيطرة كاملة على الفكر الإسلامي و أصبحت هي لغة العلم والثقافة، فتلاشت الآرامية في مناطق الشام والعراق، وتخلت الفارسية لوقت ما عن مكانها للغة العربية، وانمحت القبطية واليونانية والبربرية، واضطر رجال الكنيسة إلى تعريب مجامعهم وصلواتهم، وقد رفع القرآن من شأن اللغة العربية حتى صارت إحدى اللغات الرئيسية الهامة في العالم، غنيةً في مفرداتها، غنية في صيغ قواعدها على النحو الذي أشرنا إليه في خصائص اللغة العربية، وأثر الإسلام في اللغة العربية.

منقول للفائدة