شعار الإصلاح بين المضمون الإسلامي والمضمون العلماني
عبدالوهاب آل غظيف


وهذا التدافع كما هو سنة قدرية فله سننه الشرعية، وتتعلق به مطالب عبادية لا يهتدي إليها إلا الموفقون المصطفون، فموقف الحق من بين هذه المواقف المتدافعة له قيمة وثمن، وليس موقفاً يقفه كل من هب ودب، ولا مطلوباً سهلاً ينال بالدعاوى والشعارات، إنما يُفتٍّش عن مضمونه من محض الإخلاص في طلبه




من تجليات العبودية التي خلق الله لأجلها الإنسان أحواله فيما يتصل بفطرة التدافع، فلقد فطر الله الناس على التدافع والتضاد تماماً كما فطر الطبيعة على المتقابلات المتضادات، فأتباع الحق في صراع مع أتباع الباطل، كما تتصارع المعاني الجميلة مع ضدها من معاني القبح [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا] {الملك:2}


وهذا التدافع كما هو سنة قدرية فله سننه الشرعية، وتتعلق به مطالب عبادية لا يهتدي إليها إلا الموفقون المصطفون، فموقف الحق من بين هذه المواقف المتدافعة له قيمة وثمن، وليس موقفاً يقفه كل من هب ودب، ولا مطلوباً سهلاً ينال بالدعاوى والشعارات، إنما يُفتٍّش عن مضمونه من محض الإخلاص في طلبه، ويثبت عليه من ذاق بلسان فؤاده حلاوته، وخالطت بشاشة قلبه الإيمان ومضامين الصلاح والفلاح [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ] {محمد:31} [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ] {العنكبوت:2} [لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ] {الأنفال:37} .


وفي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك الترابط بين معنى العبودية لله، وبين معنى التدافع، من وجوه كثيرة :
- فيترقى العبد في مراتب العبودية، وضريبة ذلك صبره في ميادين التدافع، وما ينتج عنها من بلاء وأذية (يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ؛ يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه ) .
- والعبادة في زمن يشتد فيه التدافع أعظم أجراً لعظم معناها ( عبادة في الهرج كهجرة إلي ) .
- وعبادة الأعمال المتصلة بالتدافع أعظم مما سواها في الجملة، كما تفيد نصوص فضائل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، الذي يتعلق بمدافعة أهل الباطل.

ومن خصائص التدافع بين بني آدم أنهم يخوضونه وكلهم يرفع شعار الإصلاح ويتمسك به، رغم ما ينتاب مضامين مواقفهم من التناقض والتضاد، ويوم القيامة ينكشف الغطاء، ويعلم المحق من المبطل [قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى] {طه:135} ويغبن الظالمون الذين كانوا يدافعون بباطلهم الحقَّ، وفي ذلك اليوم يعلمون كم كانوا في خسارة عظيمة [وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ] {الزُّمر:47} [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا] {الكهف: 105- 104}


فالأمر بالغ الخطورة، ومن تغره الشعارات وتستلبه الدعاوى على حساب المضامين فلربما توبق هذه السذاجة أخراه، وتنكشف له خسارته الأبدية في يوم لات حين مناص، فالحق ثمنه أغلى من الشعار، ومآله جدير بأن يتعنى المرء لأجله ويتفكر.

وفي عصرنا هذا كان التدافع المحتدم بين الحق والباطل، ممثلاً في سطوة المادية الغربية على دين الله عز وجل، حيث فتن بها كثير من الناس، وسلكوا في شبهاتها وشهواتها، معرضين عن دين الله عز وجل، بعد أن غرتهم الحياة الدنيا وغرهم بالله الغرور.
ومن نظر إلى المضامين التي ترفع شعار الإصلاح في الساحة الفكرية اليوم وجدها مختلفة في منطلقاتها وأهدافها، فمنها ما هو إسلامي، ومنها ما هو علماني مادي.
فالمضمون الإسلامي هو ما يتوافق مع دين الإسلام، وما يتسق مع تصوارته حول الدنيا – حقيقتها وغايتها – وأنها محط ابتلاء واختبار مآلاها إلى فناء، ومهمة الإنسان فيها تحقيق العبودية لله عز وجل، والآخرة خير وأبقى.
والمضمون العلماني قاصر عن الحقيقة الإسلامية، لا يعرف إلا الدنيا وشهواتها، ولا يجيد إلا عمارتها وبنائها وحدها، دون اعتبار لحق الله ولا عبادته ولا اعتبار للآخرة والمعاد.
وقد تسرب المفهوم العلماني إلى كثير من المسلمين، سواء منهم من تمثله بوعي، أو أولئك الذين غرتهم الشعارات، وأهملوا تفتيش المضامين، فراجت عليهم سيئات الفكر الغربي، وخضعوا لشروط السطوة العلمانية، دون وعي.
ولعل من أجلى شواهد هذا التسرب العلماني الخطير أن صارت مضامين الإصلاح في كثير من الدعوات مرتكزة على المادية، هدفها تحصيل المال، وتحقيق التنمية، والمساواة، كل ذلك بمعايير مادية خالصة، وفي المقابل لا تفطن لأس الإصلاح وأساسه، أعني إصلاح العقائد والتصورات، ذلك الإصلاح الذي لو تخلف فلا انتفاع بما سواه، بل إن الإصلاح المادي (سواء منه السياسي والاقتصادي وغيرها) ليس له قيمة في الإسلام إذا جاء مع فساد الأديان وخراب التصورات [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] {الرُّوم:7} [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ] {هود:15}
لقد صار الهم الإصلاحي عند كثير من الناس مرتبط بالحقوق المادية، مطالبة بها وتعظيماً لشأنها، بينما ينظر بعين الازدراء إلى الإصلاح العقدي والديني، أو على الأقل لا يلتفت لكونه إصلاحاً، وهذا تبع لتعلمن الإصلاح في فهمه .
وإذا انتهك حق إنسان ثارت ثائرة بعضهم – وهي ثورة محمودة – واستشعروا واجبهم تجاهه، ولكنهم حينما تنتهك حقوق الله لا يحركون ساكناً، ولا يلتفتون لمطلوب الشريعة منهم في الإنكار والحسبة، وكأن التسربات العلمانية قد حققت المهمة على أكمل وجه، وأضرت بوعيهم بمعنى الإصلاح الإسلامي الشامل الذي يرمي لحفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها ضرورة الدين.
ولا يتوقف الأمر عند عدم الغيرة لحقوق الله، حتى تجد من بعضهم غيرة غالية لحقوق المخلوقين، تطغى على حساب حقوق الله، فهو يغار ويثور لأجل إيقاف كاتب زنديق يجدف بحق الدين، منطلقاً من حقه في التعبير، وتلك انطلاقة صارخة في التعلمن، لا تعتبر لله حقاً ولا تنظر لغير الدنيا والإنسان في غفلة عن الدين والآخرة .
ومن التسربات العلمانية في مضامين الإصلاح، أن تجد بعضهم يفهم كليات مما يسميه العدل ( الحريات والحقوق ) بمعزل عن الشريعة، فالشريعة عنده قدر زائد عن الحقوق والحريات، ولذا يعبرون بالأسبقية، أو يوافقون على التصويت في الشريعة ولا يوافقون على التصويت في الحقوق والحريات، وهذا ضرب من علمنة مفهوم العدل، فالعدل في الإسلام هو في الشريعة كلها، واتباع الكتاب الذي أنزله الله تعالى، والحقوق والحريات في الإسلام هي مستفادة من الشريعة كما قال تعالى [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ] {الحديد:25} فقيام الناس بالقسط والعدل متوقف على اتباع الرسل والكتب التي أنزلها الله تعالى معهم .
ومن علمنة مفهوم الإصلاح أن صار بعضهم إلى تشرب نظرة سلمية علمانية، تناقض سنن الله في التدافع، وتطرح الجهاد وتجرمه، فرمى ببصره إلى استبعاد قتال أعداء الله، واستبعاد عقوبات الخارجين عن شريعة الله، ليستبدل ذلك بالحل السلمي،رغم أن الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمته من أركان الإصلاح وأجل مراتبه وفق المضمون الإسلامي.
ومن آيات علمنة المفهوم الإصلاحي ما يتعلق بالدافع نحو الإصلاح، فإنه في الإسلام عمل جليل تقتضيه طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ثواب الآخرة، وأما من دافعه مكاسب مادية، أو منطلقات إنسانية بحتة فهذا مضر بإصلاحه وربما يذهب أجره وبركته ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) .
وتطول قائمة مظاهر العلمنة في مضامين الإصلاح الموجود على الساحة الفكرية اليوم، وتتنوع تأويلات أصحابها وتبريراتهم، مما يستدعي نشاطاً مكثفاً في بيان المفاهيم الإسلامية، وتصحيح الأفكار والتصورات، خاصة في ظل هذه الأجواء التي تدفع الناس دفعاً نحو السياسة، وتلك سوق راجت فيها بضاعة أعداء الحق.
ولعل من أكبر التحديات التي تواجه البيان الشرعي، وتمثل عقبة أمامه في تصحيح المفاهيم، أن يستمر بعض الشرعيين من الرسميين لا في التوقف عند حدود الساسة فحسب، بل في التماهي معهم، وتبرير سياساتهم المخالفة للشرع، ويظل هذا التسييس في حدوده المكشوفة طالما لم يتأخر بقية الشرعيين في إنكاره، والقيام بمهمة البيان، فإن تأخروا أو تلكأوا فلربما أدى ذلك إلى تشويه عظيم لمضامين الشريعة، يسهم بدوره مع التيار الجارف نحو مضامين العلمنة المشؤومة.

وأخيراً ..
فإن دفع المضمون العلماني الذي تسربل بشعار الإصلاح، واجب عظيم لا بد من القيام به بكل حزم ووضوح ومبادرة قبل فوات الأوان، ومن اللافت للنظر تلك الرؤية التي تتحايل على التدافع محاولة الاعتراف بالمضامين المختلفة تحت شعارٍ جديد (الإصلاح الوطني) الذي هو مجموعة من الرؤى الإصلاحية الرائجة، وهذا موقف غير معقول ولا متسق مع الفطر، لأن من يحمل مضمون الإسلام ويفهم الإصلاح كما هو في الإسلام يعتقد أن ترك الإسلام غاية الفساد، وكذلك من تشبع بالمفاهيم العلمانية فإنه يزعم أن تركها فساد، فكل من الموقفين يبطل الآخر ضرورة، والإصلاح لا يمكن أن يكون مضموناً متناقضاً بهذه الصورة.
فلا تشكل هذه الرؤية التلفيقية المهادنة غير كونها مظهرا من مظاهر المضامين المأزومة في تناول شعار الإصلاح .