حكم الأضحية (1/2)
الدكتور حسام الدين عفانه


اختلف الفقهاء في حكم الأضحية على قولين :


القول الأول : الأضحيةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، وهذا قول أكثر العلماء ، وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وسويد بن غفلة وأبو مسعود البدري وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري وابن المبارك وعطاء وعلقمة والأسود ومالك في القول المشهور عنه والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد والزعفراني من الحنفية وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن حزم الظاهريان وابن المنذر وغيرهم (1) .

القول الثاني : الأضحيةُ واجبةٌ ، وبهذا قال جماعة من أهل العلم على اختلافٍ بينهم في حق من تجب :
فقال ربيعة الرأي والليث بن سعد والأوزاعي ومالك في قولٍ عنه ، الأضحيةُ واجبةٌ على المقيم والمسافر الموسر إلا الحاج بمنى فلا تجب عليه وإنما المشروع في حقه الهدي (2) .
وقال أبو حنيفة الأضحيةُ واجبةٌ في حق المقيم الموسر ، وهو قول زفر والحسن ورواية عن أبي يوسف ومحمد . واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول بوجوب الأضحية (3) .


سبب اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية :

ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية إلى أمرين :
الأول : هل فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم محمول على الوجوب أم على الندب ؟
حيث إنه قد ثبت عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يضحي كل عام كما ذكره ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقام بالمدينة عشر سنين يضحي ) وسيأتي .

وهذا يعني أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يترك الأضحية قط ، حتى إنه كان يضحي في السفر ، كما ثبت في حديث ثوبان رضي الله عنه قال ذبحَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ضحيته ثم قال : يا ثوبان أصلح لحم هذه . فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة ) رواه مسلم (1) .
الثاني : اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في الأضحية ، حيث إنه قد ثبت من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئاً ) رواه مسلم .
فقوله ( وأراد أحدكم أن يضحي ) فيه دليل على أن الأضحية متروكة لإرادة المسلم ورغبته ، وما كان كذلك لا يكون واجباً .
ولمَّا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم أبا بردة بن نيار رضي الله عنه بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل صلاة العيد حيث قال صلّى الله عليه وسلّم من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد ) رواه البخاري ومسلم (2) .
فهم جماعة من الفقهاء من أمره صلّى الله عليه وسلّم الوجوب (3) .

أدلةُ الجمهور على أنَّ الأضحيةَ سنةٌ مؤكدةٌ ، وليست واجبة :
1. حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً ) (4) .
قال الإمام الشافعي :[ هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم ( وأراد ) ، فجعله مفوضاً إلى إرادته ولو كان واجباً لقال صلّى الله عليه وسلّم ( فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي )(5).

2. ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : ( ثلاث هن عليَّ فرائض ولكم تطوع ، النحر والوتر وركعتا الضحى ) رواه أحمد و البيهقي ، وفي رواية أخرى عند البيهقي عن ابن عباس رفعه قال كُتِبَ عليَّ النحرُ ولم يكتبْ عليكم ) (6) .
والحديث ضعيف كما قال الإمام النووي (1) .
وقال الحافظ ابن حجر :[ ومداره على أبي جناب الكلبي عن عكرمة ، وأبو جناب ضعيف ومدلس أيضاً ، وقد عنعنه وأطلق الأئمة على هذا الحديث الضعف كأحمد والبيهقي وابن الصلاح وابن الجوزي والنووي وغيرهم … الخ ] (2) .
وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر بعد أن ذكر طرق الحديث :[ فتلخص ضعف الحديث من جميع طرقه ] (3) .

3. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى بالناس يوم النحر فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: باسم الله ، الله أكبر اللهم عني وعمَّن لم يضح من أمتي ) رواه أحمد وأبو داود وسكت عليه والترمذي وابن ماجة والبيهقي واللفظ له والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الشيخ الألباني أيضاً (4) .
والحديث احتج به صاحب المنتقى على عدم الوجوب حيث قال :[ باب ما احتج به في عدم وجوبها بتضحية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أمته ] (5) ثم ساق حديث جابر السابق وحديث أبي رافع وهو الحديث التالي :

4. عن أبي رافع أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول :
اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول : هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعاً المساكين ويأكل هو وأهله منهما فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المئونة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم والعزم ) رواه أحمد (6) .
قال الشوكاني عن الحديث السابق بأن الحافظ سكت عنه في التلخيص (1) والأمر
كذلك (2) .
وقال الهيثمي :[ رواه البزار وأحمد بنحوه ، ورواه الطبراني في الكبير بنحوه … وإسناد أحمد والبزار حسن ] (3) . وصححه الشيخ الألباني (4) .
قال الشوكاني :[ ووجه دلالة الحديثين وما في معناهما على عدم الوجوب ، أن الظاهر تضحيته صلّى الله عليه وسلّم عن أمته وعن أهله ، تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكناً من الأضحية أو غير متمكن ] (5) .

5. قال الشافعي :[ وبلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يُرَى أنها واجبة ] (6) .
وقد روى ذلك عنهما أيضاً البيهقي بإسناده عن الشعبي عن أبي سريحة :[ أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان . في بعض حديثهم - كراهية أن يقتدى بهما - أبو سريحة الغفاري هو حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (7) .
قال الإمام النووي :[ وأما الأثر المذكور – عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما – فقد رواه البيهقي بإسناد حسن ] (8) .
وقال الهيثمي :[ ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ] (9) .
وصححه الشيخ الألباني (10) .

6. ذكر الإمام الشافعي أنه قد بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه اشترى بدرهمين لحماً فقال : هذه أضحية ابن عباس (1) .
ورواه البيهقي بإسناده عن عكرمة مولى ابن عباس : كان إذا حضر الأضحى أعطى مولىً له درهمين فقال : اشتر بهما لحماً وأخبر الناس أنه أضحى ابن عباس (2) .

7. وروى البيهقي بإسناده عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال :[ إني لأدعُ الأضحى وإني لموسر مخافةَ أن يرى جيراني أنه حتمٌ عليَّ ] (3) .
ورواه سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح كما قال الحافظ ابن حجر (4) .
وصحح إسناده الشيخ الألباني (5) .

8. وقالوا : إن التضحية لو كانت واجبة ، لما سقطت بفوات إلى غير بدل ،كالجمعة وسائر الواجبات . ووافقنا الحنفية على أنها إذا فاتت لا يجب قضاؤها (6) .
9. واحتجوا من القياس بأنها إراقة دم لا تجب على المسافر، فلا تجب على الحاضر كالعقيقة ولأن من لم تجب عليه العقيقة ، لم تجب عليه الأضحية كالمسافر ، ولأنها أضحية لا تجب على المسافر ، فلم تجب على الحاضر ، كالواجد لأقل النصاب (7) .

أدلة القائلين بوجوب الأضحية :


1. احتجوا بقوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) سورة الكوثر الآية 2 .
قال الكاساني :[ ولنا قوله عز وجل ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، قيل في التفسير: صل صلاة العيد وانحر البدن بعدها .

وقيل صل صلاة الصبح بجمعٍ – مزدلفة – وانحر بمنى ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي صلّى الله عليه وسلّم يجب على الأمة لأنه قدوة الأمة ] (1) .
قال التهانوي :[ ومما يدل على وجوبها ما رواه الطبري في تفسيره : حدثنا ابن حيمد … عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ينحر قبل أن يصلي فأُمِرَ أن يصلي ثم ينحر - أراد قوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) - وسنده حسن … .… قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى … عن قتادة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، قال : صلاة الأضحى ، والنحر نحر البدن ، وسنده صحيح .

وحدثنا ابن حميد … عن الربيع ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، قال : إذا صليت يوم الأضحى فانحر ، وسنده حسن …


ودلالتها على وجوب صلاة العيد ونحر البدن ظاهرة ، ولولا أنه صلّى الله عليه وسلّم قال من وجد سعة فلم يضح فلا يقربنَّ مصلانا ) وفيه تقييد الوجوب بالسعة لقلنا بوجوبها على كل مسلم بالأمصار مثل الصلاة ] (2) .


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :[ وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها أيضاً ، فإنها من أعظم شعائر الإسلام ،وهي النسك العام في جميع الأمصار ،والنسك مقرون بالصلاة ، في قوله تعالى( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين ) ، وقد قال تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة .

وقد قال تعالى :( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) وقال تعالى :( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ).
وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته ، وبها يذكر قصة الذبيح ، فكيف يجوز أن المسلمين كلهم يتركون هذا لا يفعله أحد منهم ، وترك المسلمين كلهم هذا أعظم من ترك الحج ، في بعض السنين (1) .

2. واحتجوا بما ورد في الحديث عن البراء رضي الله عنه قال ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم : أبدلها . قال : ليس عندي إلا جذعة – قال شعبة: وأحسبه قال هي خيرٌ من مسنَّة – قال : اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك ) رواه البخاري ومسلم(2).
قال التهانوي :[ … بل الظاهر من الأمر بالإبدال دلالته على الوجوب ](3).


3. واحتجوا بحديث جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال شهدتُ مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم النحر، فقال : من ذبح قبل أن يصلي فليعدْ مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح ) متفق عليه .
قالوا : قوله ( فليعد ) وقوله ( فليذبح ) كلاهما صيغة أمر وظاهر الأمر الوجوب .


4. احتجوا بما روي في الحديث ضحوا فإنها سنَّةُ أبيكم إبراهيم عليه الصلاة السلام ) رواه ابن ماجة والبيهقي.
قال الكاساني :[ أمر عليه الصلاة والسلام بالتضحية والأمر المطلق عن القرينة يقتضي الوجوب في حق العمل ] (4) .


5. واحتجوا بما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من وجد سَعَةً فلم يضح فلا يقربنَّ مصلانا ) رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (1) .
قال الكاساني :[ وهذا خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية ، ولا وعيدَ إلا بترك
الواجب ] (2) .


6. واحتجوا بحديث عامر أبي رملة عن مخنف بن سليم قال ونحن وقوف مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرفات قال : يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد (3) .
وقال الترمذي :[ هذا حديث حسن غريب ، لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون ] (4) .
ووجه الشاهد فيه أن كلمه على للإيجاب كما هو الأصل (5) .


7. واحتجوا بما ورد في الحديث عن علي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أيها الناس ضحوا واحتسبوا بدمائها ، فإن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله عز وجل ) رواه الطبراني في الأوسط (6) .
وفيه الأمر بالأضحية وأصله للوجوب (7) .


8. واحتجوا بما ورد في الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمر أن نضحي ويأمر أن نطعم منها الجار والسائل ) والأمر يدل على الوجوب (8) .


9. واحتجوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله : أأستدين وأضحي؟
قال : نعم فإنه دينٌ مقضيٌ ) رواه الدار قطني والبيهقي (1) .


10. واحتجوا بمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأضحية ، والمواظبة على الفعل تدل على الوجوب .
قال التهانوي :[ ومما يدل على الوجوب قول ابن عمر رضي الله عنه أقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة عشر سنين يضحي ) رواه الترمذي وحسنه .
وقوله ( ضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون بعده ) كما تقدم .
والمواظبة على فعل دليل الوجوب لا سيما إذا أقرنت بالوعيد على تركه ، وأيُّ وعيدٍ أشدُ من قوله صلّى الله عليه وسلّم من وجد سَعَةً فلم يضح فلا يقربنَّ مُصلانا ) ] (2).


11. قالوا إن الأضحية قربة يضاف إليها وقتها ، يقال يوم الأضحى ، وذلك يؤذن بالوجوب ، لأن الإضافة للاختصاص ، ويحصل الاختصاص بالوجود ، والوجوب هو المفضي إلى الوجود ظاهراً بالنظر إلى جنس المكلفين ، لجواز أن يجتمعوا على ترك ما ليس بواجب ، ولا يجتمعوا على ترك الواجب ، ولا تصح الإضافة باعتبار جواز الأداء فيه ، ألا ترى أن الصوم يجوز في سائر الشهور ، والمسمى بشهر الصوم رمضان وحده ، وكذا الجماعة تجوز في كل يوم ، والمسمَّى بيوم الجمعة يوم واحد ، ولأن الإضافة إلى الوقت لا تتحقق إلا إذا كانت موجودة فيه بلا شك ، ولا تكون موجودة فيه بيقين ، إلا إذا كانت واجبة (3) .


مناقشة وترجيح:


بعد إجالة النظر والفكر في أدلة العلماء في هذه المسألة ، يظهر لي رجحان قول جمهور أهل العلم بأن الأضحية سنةٌ مؤكدةٌ ، وليست واجبة .


ويوضح هذا الترجيح الأمور التالية :


1. إن الاستدلال بقوله تعالى:( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) ، على وجوب الأضحية غيرُ مُسلَّم ، لأن الآية محتملة ، وقد اختلف العلماء في تفسيرها فمنهم من قال : أقم الصلاة المفروضة عليه كذا رواه الضحاك عن ابن عباس .

وقال قتادة وعطاء وعكرمة ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) ، صلاة العيد يوم النحر ( وَانْحَرْ ) نسكك
وورد عن علي رضي الله عنه أن المعنى : ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة .
وقيل إن المعنى يرفع يديه في التكبير إلى نحره .
وقيل إن المعنى استقبل القبلة بنحرك .
وقيل إن المعنى ارفع يديك بالدعاء إلى نحرك . نقل كل هذه الأقوال وغيرها البيهقي والقرطبي (1) .

وقال الشوكاني :[ بأن المراد تخصيص الرب بالنحر له لا للأصنام ، فالأمر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر ] (2).
وخلاصة الأمر أن الآية محتملة كما سبق ، ولو سلمنا بدلالتها على النحر ، فهي دالة على أن النحر بعد الصلاة فهي تعيين لوقت الذبح لا لوجوبه ، كأنه يقول إذا نحرت فبعد صلاة العيد (3) .

2. وأما الاستدلال بما ورد في حديث البراء ، لما ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبي
صلّى الله عليه وسلّم أبدلها ) .

وما ورد في حديث جندب بن سفيان من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذبح قبل الصلاة فليعد … ومن لم يذبح فليذبح ) .
فالجواب ما قاله الإمام الشافعي فاحتمل أمره بالإعادة أنها واجبة ، واحتمل على معنى أنه أراد أن يضحي ، فلما قال عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره شيئاً ) دل على أنها غير واجبة .
وبلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يُرَى أنها واجبة ، وعن ابن عباس أنه اشترى بدرهمين لحماً فقال : هذه أضحية ابن عباس ] (1) .
وقال الحافظ ابن حجر :[ بأن أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بردة بإبدالها ، لا دلالة فيه على وجوب الأضحية ، لأنه ولو كان ظاهر الأمر للوجوب ، إلا أن قرينة إفساد الأولى ، تقتضي أن يكون الأمر بالإعادة لتحصيل المقصود ، وهو أعمُ من أن يكون في الأصل واجباً أو مندوباً ] (2).
وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر :[ وقد استدل من قال بالوجوب بوقوع الأمر فيهما بالإعادة .
وأجيب بأن المقصود بيان شرط الأضحية المشروعة ، فهو كما لو قال لمن صلى راتبة الضحى مثلاً قبل طلوع الشمس : إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك ] (3) .

وقال الحافظ ابن حجر في موضع ثالث :[ واستدل بقوله ( اذبح مكانها أخرى ) وفي لفظ ( أعد نسكاً ) وفي لفظ ( ضح بها ) وغير ذلك من الألفاظ المصرحة بالأمر بالأضحية ، على وجوب الأضحية ، قال القرطبي في المفهم : ولا حجة في شيء من ذلك . وإنما المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية ، لمن أراد أن يفعلها أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأً أو جهلاً ، فبين له وجه تدارك ما فرط منه .
وهذا معنى قوله ( لا تجزئ عن أحدٍ بعدك ) أي لا يحصل له مقصود القربة ولا الثواب كما يقال في صلاة النفل لا تجزئ إلا بطهارة وستر عورة ] (4) .

3. وأما استدلالهم بالحديث ضحوا فإنها سنَّةُ أبيكم إبراهيم … ) على وجوب
الأضحية .

فالجواب : إن هذا الحديث رواه ابن ماجة بإسناده عن زيد بن أرقم قال قال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال: سنةُ أبيكم إبراهيم . قالوا : فما لنا فيها . قال : بكل شعرة حسنة . قالوا : فالصوف يا رسول الله ؟ قال : بكل شعرة من الصوف حسنة ) .
وفي إسناده عائذ الله عن أبي داود عن زيد بن أرقم .

قال في الزوائد :[ في إسناده أبو داود واسمه نفيع بن الحارث وهو متروك ، واتُهِمَ بوضع الحديث ] (1) .
ورواه البيهقي بإسناده وباللفظ السابق ، وفيه أيضاً عائذ الله بن عبد الله المجاشعي عن أبي داود السبيعي عن زيد بن أرقم .
ونقل البيهقي عن البخاري قوله :[ عائذ الله المجاشعي عن أبي داود روى عنه سلام بن مسكين لا يصح حديثه ] (2) .
والحديث رواه الحاكم وقال :صحيح الإسناد ! فردَّه الذهبي بقوله : قلت عائذ الله ، قال أبو حاتم : منكر الحديث .
وقال الشيخ الألباني :[ وهذا تعقب قاصر، يوهم أنه سالمٌ ممن فوق عائذ . قال المنذري بعد أن حكى تصحيح الحاكم : بل واهيه ، عائذ الله هو المجاشعي وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى وكلاهما ساقط . وأبو داود هذا قال الذهبي فيه :يضع .

وقال ابن حبان: لا تجوز الرواية عنه ، هو الذي روى عن زيد بن أرقم .. فذكر الحديث]
وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع (3) .

إذا تقرر كلام أهل الحديث في الحكم على هذا الحديث فلا يصح الاستدلال به مطلقاً .