صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 43

الموضوع: اليكم أخواني تفريغات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    اليكم أخواني تفريغات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اليكم أخواني تفريعات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم
    سوف تضاف بواسطة أخوانكم بطريق السلف نسأل الله أن يكرمنا في الدنيا والاخرة وان يعلي قدر علمائنا من الدعوة السلفيه وان يشفي شيخنا الشيخ الجبل ياسر برهامي وشيخنا الفاضل الواعظ سعيد عبدالعظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    من آداب المجلس

    من آداب المجلس

    بُعث النبي عليه الصلاة والسلام ليتمم مكارم الأخلاق، فعلّم أمته آداباً عظيمة، فيها خيرات كثيرة، ومصالح عديدة، ومن تلك الآداب: آداب المجلس، فينبغي على المسلم أن يتأدب بذلك في مجالسه؛ حتى تكون مجالسه مباركة خيرة.

    سبب نزول قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ..) الآية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين. أما بعد: فيقول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:7-10]. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله سبحانه: (ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) قال: اليهود، وكذا قال مقاتل بن حيان ، وزاد: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ [المجادلة:8]. وهذه روايات نذكرها من باب جمع ما قيل في الآية وإن لم نقف على من صححها، ومن ذلك ما روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا والمحتسبون وأهل النوب؛ فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: ما هذه النجوى؟ ألم تُنهوا عن النجوى؟ قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله! إنا كنا في ذكر المسيح -يعني: المسيح الدجال - قال: فرقاً منه؟ فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يعمل لمكان الرجل)، قال ابن كثير : هذا إسناد ضعيف؛ فيه بعض الضعفاء. على أي الأحوال الآية في حق قومٍ نهوا عن النجوى ثم لم يمتثلوا هذا النهي، وإنما عادوا لما نهوا عنه؛ فهذا يكفينا إذا لم يصح في سبب النزول حديث. وقوله سبحانه: ((وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)) أي: يتحدثون فيما يختص بأحوالهم، ويكون فيه إثم ومعصية، أما العدوان فهو إثم يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفته، حيث كانوا يصرون عليها ويتواصون بها. ......

    حكم تحية الرسول بغير ما حياه الله

    قوله تعالى: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8] عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم! فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك -يعني: الموت- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوما سمعت أني قلت: وعليكم، فأنزل الله: (( وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ))[المجادلة:8]). وفي رواية في الصحيح: (أنها رضي الله عنها لما قالوا: السام عليك يا محمد! قالت: عليكم السام والذام واللعنة، فنهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا). ونستفيد من هذا أن الجواب يكون هكذا في رد تحية أهل الكتاب؛ لأنهم يلحنون في القول، وربما ذكروا مثل هذه الأشياء، كقولهم: السام عليكم، أو السام عليك، وهم يقصدون بذلك الدعاء على المؤمنين بالموت والهلكة، فعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نجيبهم فقال: (وعليكم) يعني: نفس الشيء الذي تدعون به علينا فنحن ندعو به عليكم، فإن كان قال: السام، فعليه السام -أي: الموت- أيضاً. ويحتمل أنه أراد أنها من الدعاء على حسب نية القائل، ويحتمل أنه أراد أن يذكرهم بأن هذا أمر مقدور عليه وعليهم لا يستوجب الشماتة أو الدعاء؛ لأن الموت من سنن الله تبارك وتعالى، فكل الناس صائر إلى الموت، فكأنه قال: وعليكم، أي: أن الموت مكتوب عليكم كما هو مكتوب علينا، لكن إن كان قصدهم الدعاء ثم أجاب بقوله: وعليكم، فإنه بين أنه يستجاب لنا فيهم إذا دعونا عليهم، أما إذا دعوا هم على المؤمنين فلا يجيب الله تبارك وتعالى لهم في المؤمنين. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه إذا أتى عليهم يهوديٌ فسلم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما قال؟ قالوا: سلم يا رسول الله! قال: بل قال: سأم عليكم، أي: تسأمون دينكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوه، فردوه عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: أقلت: سأم عليكم؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم عليكم أحدٌ من أهل الكتاب فقولوا: عليك) يعني: عليك ما قلت، وهذا مخرج في الصحيح. ......

    معاملة اليهود والمنافقين للنبي صلى الله عليه وسلم

    قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8]، جاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا يحيونه بما لم يحيه به الله، فكانوا يقولون: السام عليكم، وهو يقول: السلام عليكم، كما حياه الله بذلك، وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8] فهذا يدل على أنهم في الباطن مكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإما أن يكونوا منافقين، وإما أن يكونوا من اليهود، كما جاء في تفسير هذه الآية، فإنهم حينما يفعلون ذلك يستبطئون نزول عذاب الله، ويقولون: لو كان هذا نبياً حقاً لنزل العذاب. وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8] أي: أنهم يحرفون الكلام وفيه إيهام السلام وليس بسلام، وإنما هو شتمٌ في الباطن، وهذه عادتهم، كما كانوا يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام راعينا، وإنما يقصدون بذلك وصفه بالرعونة، ولذلك نهينا عن أمثال هذه العبارات، وإنما أمرهم الله أن يقولوا: انظرنا، ولا يقولوا: راعنا. والملاحدة يعرفون في لحن القول الذي يلحنونه ليؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهم يشتمونه في الباطن، ويقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبياً لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأنهم يخفون هذه النوايا الخبيثة، والله يعلم ما يسرون، ويقولون: لو كان هذا نبياً حقاً لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تبارك وتعالى: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة:8]، وأما الدنيا فيحصل فيها الاستدراج والإمهال،، فليس التفسير الوحيد لعدم نزول العذاب أنه ليس نبياً؛ لأن عدم نزول العذاب قد يكون لأسباب كثيرة، وقد يكون رحمةً بهم أنفسهم، لعلهم يتوبون، أو لوجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، فلا يحول ذلك دون نزول العذاب، أو لغير ذلك من الأسباب، لكنهم يعلقون على عدم نزول العذاب الدنيوي هذا الأمر فقط، فقال عز وجل: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ [المجادلة:8] أي: يكفيهم جهنم، وهل بعد ذلك عذاب؟ حيث يخلدون في عذاب الله أبد الآبدين، فهي تكفيهم؛ لأنهم في الدار الآخرة يصلونها فبئس المصير. روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سامٌ عليك، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول: فنزلت هذه الآية: (( وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ))[المجادلة:8]). قالابن كثير : إسناده حسن. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة:8] قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حيوه: سام عليك، قال الله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8]. ......

    النهي عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول

    قال الله عز وجل مأدباً عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:9] يعني: كما يتناجى الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، فلا تتناجوا مثلهم على الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ولا تفعلوا فعلهم، وإنما: وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9] أي: حين يحشركم يخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. ......

    النجوى يوم القيامة، وبيان ستر الله على عباده المؤمنين

    روى الإمام أحمد بسنده عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضي الله عنهما إذ عرض له رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟)، فالأمر كما قال عز وجل: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] فالإنسان تمر السنوات الطويلة فينسى المعاصي، لكنها محصية عند الله بمنتهى الدقة، كما جاء في بعض الروايات: (حتى فثاثة التين بأصبعه) أي: إذا كان الإنسان جالساً وفت التين بإصبعه فسوف يسأل عنها، ويذكر بها، فكيف بالآثام؟ وكيف بالكبائر العظام؟! فيقرره الله بجميع ذنوبه، حتى الابتسامة والضحكة تحفظ عليه في كتابه فيقول له ربه: (أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18])، وهذا الحديث أخرجه الشيخان في الصحيحين. ففي هذا الحديث تفصيل لمعنى الحساب اليسير المذكور في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [الانشقاق:7-9]، فالحساب اليسير كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم هو العرض، وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عذب)، والحساب اليسير فسره صلى الله عليه وسلم بما يجب المصير إليه، فحينئذٍ لا ينظر في خلافه؛ فإذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير فلا يجوز النظر فيما يخالفه؛ فإنه أعلم الناس بكلام الله تبارك وتعالى، فقد فسر الحساب اليسير بأنه مجرد عرض الأعمال، كما جاء في الحديث السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يضع كنفه على المؤمن ويستره من الناس، ثم يقرره بذنوبه، فيذكره بجميع ذنوبه) وتأمل يوماً مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وهو يقرره بذنوبه: أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ وهو يقول: بلى يا رب! بلى يا رب! ويقر على نفسه بجميع المعاصي، حتى إذا وصل إلى آخرها، وظن أنه هالك لا محالة، حينئذٍ يقول الله تبارك وتعالى له: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) وهذا من كرم الله تبارك وتعالى؛ لأنه ستير يحب الستر، ومن رحمته تبارك وتعالى على عباده أنه عز وجل يوجب عليهم أن يستروا أنفسهم، وينهاهم أن يفضحوا أنفسهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، قيل: ومن المجاهرون يا رسول الله؟! قال عليه الصلاة والسلام: هو العبد الذي يبيت في الليل، فيعمل المعاصي، ثم يصبح في الناس فيقول: قد فعلت، وقد فعلت)، فهذا يعاقب؛ لأنه لم يستر نفسه، فمن ابتلي بشيء من القاذورات -المعاصي- وسترها الله عليه، فيجب أن يستر نفسه، حتى لو كانت المعصية تستوجب حداً، فيستر نفسه، ولا يفضحها، ولا يكشف ستر الله عليه، فإذا منَّ الله عليه بالستر في الدنيا فيرجى أن يستر عليه في الآخرة، كما في هذا الحديث، أما أن يجاهر بالمعاصي فهذا من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك، كما في قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19]، فمما حرمه الله إشاعة الفاحشة بأي صورة من صور الإشاعة، كأن يجهر الإنسان بالمعاصي التي سترها الله عليه. فعلى المسلم أن يستر نفسه، ويستر إخوانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، ويجب ألا يتداول الإنسان في كلامه وفي مجالسه ما يفضح نفسه من الحوادث والأشياء البشعة، فلا يجوز للإنسان أن يحكيها، وبعض الناس يتساهلون في هذا، ويظنون أنهم لا يرتكبون شيئاً محظوراً!......

    نشر الحوادث والجرائم في الجرائد والتلفزيون من إشاعة الفاحشة بين المسلمين

    ما ينشر في الجرائد من حوادث القتل والانتحار والفواحش، وأن هذا فعل كذا وفعل كذا؛ هذا كله مما يخدم مقاصد الشيطان في إفساد المسلمين؛ لأن الأشياء إذا اعتادت الأذن على سماعها هانت على القلوب، وخف استعظامها في القلوب، فبالتالي تعين على ارتكاب المعاصي، وربما فتحت حكاية هذه الشرور أبواباً من الحيل للوصول إلى الحرام لم تكن تخطر ببال الناس، بل كان الناس منها في عافية، فإذا علم الإنسان -مثلاً- أن هذا الشخص كان في ضائقة، وحصلت له محن شديدة، فانتحر بالطريقة الفلانية، ويأتون بالتفاصيل، فربما يخلو الشيطان بالإنسان، فيهلكه بهذه الحيلة المحرمة! وإذا أراد أن يسرق يقول: فلان عمل كذا، فيفعل مثله، ولذلك تجد الأولاد الصغار يفسدون بسبب هذه الأشياء، وهذا من بلاء التلفزيون الذي هو دجال هذا الزمان، الذي اخترق على المسلمين بيوتهم، وصار يعيث فيها فساداً. حكي لي أن صبيين صغيرين دخل عليهما أبوهما فوجدهما ماسكين كوبين من الماء، ويتخبطان ببعض، ويقول أحدهما للآخر: الكلام ذا يقال في صحتك! فهما يقلدان السكارى، ولا يلوم الأب إلا نفسه؛ لأنه هو الذي أدخل التلفزيون إلى بيته، فهذا أقل شيء يمكن أن يقع من الفساد، ولولا أني لا أحب أن أشيع الفاحشة لحكيت أشد من ذلك مما يقع في البيوت من جراء وجود هذا الجهاز الخبيث في بيوت المسلمين. فالرجل يظهر أنه غيور، وأنه رجل شهم، وإذا دخل الرجال إلى بيته يحجزهم عن نسائه، ثم يأتي بأفسق الفساق في العالم كله ويدخلهم بيته؛ لتتعلم بناته الرقص! وكيف تعمل المرأة مع معشوقها! وكيف يتكلمون! وفي أثناء ذلك يحصل نوع من تعويد قلوب المسلمين على استمراء هذه المنكرات، وإظهار المرأة الناشز الفاسقة التي تتمرد على زوجها وتفسق عن أمر ربها بأنها مظلومة؛ لأن الشخص الذي يعمل التمثيلية أو يضع هذه القصة هو الذي يتحكم، والناس لا ينتبهون إلى هذا، فهو يريد أن يصل إلى القلوب بطريقة شيطانية ملتوية؛ حتى يغير وينشئ فكرة معينة، فتجد -مثلاً- أنهم في القضايا التي تتعلق بالأمور الشرعية يحاولون أن يظهروا المجرم على أنه مظلوم، حتى المجرم الذي تعدى حق الله تبارك وتعالى! فيقولون: إن المرأة مظلومة ومقهورة، وربما يأتون بالزوج حتى يتمكنون من الطعن في الحكم شرعي، والطعن في أحكام الطلاق، والطعن في تعدد الزوجات، والطعن في أي شيء من الأمور الشرعية، فمن أجل ذلك لا ينبغي أبداً للمسلم بأي حال من الأحوال أن يوجد مثل هذا الجهاز في بيته. وأنا لا أدري كيف يفعل الأخ حينما ينظر هذه المناظر القذرة أمام بناته ونسائه وأبنائه في هذا الدجال الجديد! هل يغلق التلفزيون أم أنه يظل جالساً مع بناته ينظر إلى هذه الفواحش؟! نسأل الله العافية.

    الحكمة في الأمر بالستر والنهي عن إشاعة الفاحشة

    الإنسان منهي عن إشاعة الفاحشة بأن يحكي ما ستره الله عليه؛ فالإنسان إذا ستر على نفسه في الدنيا يجازى أن يستره الله في الآخرة، أما إذا هتك ستر نفسه فليبشر بالفضيحة في الدنيا وفي الآخرة. والحكمة من ذلك: أن المجاهرة بالمعاصي تهون استعظامها في القلوب، وتجرئ الناس عليها؛ بحيث تجعل المعصية شيئاً طبيعياً جداً، فالمرأة -مثلاً- تقتل زوجها وتضعه في أكياس! والأولى أن الناس تستفظعه، لكن تكراره يجعل القلوب تألفه، وتتعود عليه، وربما تتفتق هذه الفكرة في ذهن امرأة أخرى ما كانت تخطر ببالها هذه الحيلة! فهذا كله من إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فمن أجل ذلك حرم الله تبارك وتعالى كشف الستر عن المسلم، فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

    تحريم الخوض في أعراض المسلمين

    بعض الناس يظنون أن الخوض في أعراض الناس بطولة، وأن المتكلم في ذلك إنسان متابع لأخبار الناس، ويعرف ما لا يعرفه الآخرون، فيخوضون في أعراض الناس بأدنى أدنى شبهة، أو بأضعف أضعف قرينة، ويظنون أنهم يسلمون من العاقبة الوخيمة في الآخرة! ينبغي للإنسان ألا يخوض في عرض أحد من المسلمين؛ فإن الربا من أعظم الجرائم ومن أعظم الكبائر، بل إن أقل وأهون درجة من الربا مثل أن ينكح الرجل أمه والعياذ بالله! ذكر ذلك عليه الصلاة والسلام، ثم في نفس الحديث قال: (وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فأهون الربا وأقل درجة من الربا ذنبها يساوي أن ينكح الرجل أمه، لكن أعلى درجة من الربا -وهي أقبح وأغلظ في العقوبة- هي استطالة الرجل في عرض أخيه! فينبغي أن يفطن المسلمون لذلك، فالإنسان لا يصغي سمعه ولا يرهف سمعه لمن يخوض في عرض أي رجل من المسلمين، وكلمة العرض أعم من المعنى الضيق الذي يتبادر إلى أذهان الناس في هذا الزمان، فالعرض ليس متعلقاً فقط بمسألة الإحصان والفروج، وإنما العرض: كل موضع في الإنسان قابل للمدح أو القدح، سواء ملابسه.. شكله.. هيئته.. مشيته.. كلامه.. أموره الخاصة.. أولاده، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في عرض أخيه؛ فعرض أخيه: كل موضع فيه يقبل المدح أو القدح، فهذا هو العرض، وليس هو المعنى الضيق الذي يتبادر إلى أذهان الناس.

    تقرير الله عز وجل لعبده على ذنوبه يوم القيامة

    يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، فيستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18])، وفي الحديث الآخر: (من نوقش الحساب عذب)، أما مجرد العرض: أتذكر كذا؟ أتذكر كذا؟ فهذا هو الحساب اليسير، أما الحساب العسير فهو المناقشة، فمن نوقش حسابه فلابد أن يعذب، وفي بعض الأحاديث أن العبد ينكر هذه الذنوب، فيقول: ما فعلت، ويحلف على ذلك، فالله تبارك وتعالى يقول: (إنني لن أقبل لك شهيداً دون نفسك، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول: ويلٌ لكنَّ إنما عنكنَّ كنت أناضل)، فتنطق جوارحه بما فعل من المعاصي، كما قال تبارك وتعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وقال تبارك وتعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

    تعريف النجوى وحكم التناجي

    قال تبارك وتعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10] النجوى هي: المسارة، بأن يسر الإنسان في أذن صاحبه كلاماً، ويخفضان الصوت، هذه هي المسارة، وقد يتوهم الناظر إليهما أنهما يريدان به ومصدر هذه النجوى هو الشيطان، يعني: يصدر هذا الفعل من المتناجيين عن تسويل الشيطان وتزيينه، فهو الذي يزين لهم ذلك. وقوله: لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10] أي: ليسوءهم، ولكن: وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة:10] ومن أحس من ذلك شيئاً فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء بإذن الله، وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، إذا كان في ذلك إيذاء للمؤمن. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا وكيع حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجين اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه)، وأخرجه الشيخان وغيرهما. ورواه الإمام مسلم بلفظ آخر: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه).......

    حكم القيام للقادم

    قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11]، في هذا الموضع من كتب التفسير يذكر العلماء أموراً مهمة من الآداب الشرعية، فعامة العلماء المفسرين حينما يصلون إلى هذا الموضع في سورة المجادلة يذكرون الأمور الشرعية المتعلقة بآداب المجلس. قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11]. وهنا مسألة من أحكام القرآن، وهي: حكم القيام للقادم، فهل يشرع إذا دخل عليك إنسان -لاسيما إذا كان كبير السن أو من أهل العلم والمنزلة والفضل- أن تقوم له على سبيل الإكرام والتعظيم؟ اختلف العلماء في ذلك خلافاًَ كبيراً، ومن أشهر من ألف في هذه المسألة شيخ الإسلام الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي، والأفضل ألا نقول: محيي الدين ؛ لأنه كان يكره ذلك، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كان يكره أن يلقب بـتقي الدين ، لكن جرت عادة اللسان بذلك، فـالنووي قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين، واسم كتابه (الترخيص في القيام لذوي المزية والفضل من أهل الإسلام) وهذا الكتاب للإمام النووي ، ونعرض الأدلة التي اعتمد عليها في هذه المسألة باختصار إن شاء الله: ......

    فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم القيام للقادم

    نختم الكلام بفتيا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في القضية؛ فإنه رحمه الله تعالى سئل عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قدوم شخص معين معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطناً، وربما أدى ذلك إلى بغضٍ وعداوة ومقت، وأيضاً المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم... إلى آخر السؤال؟ يقول رحمه الله: الحمد لله رب العالمين، لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك)، لكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له. أي: إذا قدم مسافر -مثلاً- فيمكن أن تقوم لتحييه أو تلتزمه وتسلم عليه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لـعكرمة ، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ : (قوموا إلى سيدكم)، وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة؛ لأنهم نزلوا على حكمه. يقول شيخ الإسلام : والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل أحدٌ عن هدي خير الورى وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع ألا يقر ذلك مع أصحابه؛ بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد. وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة؛ فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة للتباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له. يعني: من كان يعلم أن هؤلاء الناس إذا دخل عليهم قادم لا يقومون؛ لأنهم سنيون سلفيون، ولأنهم يعلمون الحديث، ويقصدون بذلك معنىً شرعياً، وهو: الاقتداء بالسلف وبالصحابة بفعلهم، وهو يعلم أنهم يفعلون ذلك تديناً؛ فلا يجوز له أن يكره ذلك منهم، ولكن كلام شيخ الإسلام فيمن إذا دخل ولم تقم له، وهو لا يعلم هذا الحكم، ولا يعلم هذه الأحاديث، ولا يعلم أنهم يتدينون بذلك، بل يرى هذا تنقص، وأنهم لا يحترمونه؛ فأجاز شيخ الإسلام حينئذ القيام إذا كان في تركه فسادٌ لذات البين. يقول شيخ الإسلام : وليس هذا القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)؛ فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد. هذا تأويل شيخ الإسلام لهذا الحديث، يعني: أن يكون جالساً وهم يقفون على رأسه، وليس المراد أن يقوموا لمجيئه إذا جاء، ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه، وقمت له، فالقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد. وقد ثبت في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعداً في مرضه صلوا قياماً فأمرهم بالقعود، وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً)، فنهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد، وإن كان هذا الحكم نسخ فيما بعد، وقال: (لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً)؛ لأنه كان جالساً وهم كانوا قائمين، فنهاهم عن ذلك، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبهوا بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. يقول شيخ الإسلام : وجماع ذلك كله الذي يصلح: اتباع عادات السلف وأخلاقهم، والاجتهاد عليها بحسب الإمكان؛ فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة؛ فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما. وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    قول الألباني في حكم القيام للقادم

    هناك مذهب آخر في هذه المسألة، ونحن نذكر هذه الأدلة من باب أن الإنسان يكون على معرفة بمذهب من يخالفه، وأنه يعتمد على أدلة لا على هوى؛ حتى يفرق بين الإنكار في المسائل المتفق عليها والمسائل المختلف فيها، ويرتفع أفق الإنسان بمعرفة مآخذ المذهب المخالف، فمن العلماء من يمنعون القيام للقادم مطلقاً، وممن ينتصر لهذا القول العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله، واستدل بحديث أبي مجلز قال: دخل معاوية بيتاً فيه عبد الله بن الزبير و عبد الله بن عامر ، فقام ابن عامر وثبت ابن الزبير ، وكان أدربهما -وفي بعض النسخ: أرزنهما، لكن الأصح أدربهما- فقال معاوية : (اجلس يا ابن عامر !). فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، قال الألباني : صحيح، رجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، قال: وللحديث شاهد مرسل في قصة طريفة، أخرجه الخطيب من طريق عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد ، قال: سمعت أبي يقول: لما أحضر المأمون أصحاب الجواهر فناظرهم على متاعٍ كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، فقام كل من كان في المسجد إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه -أي: خلا به- فقال له: يا شيخ! ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك، قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وما هو؟ قال: علي بن الجعد : سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار). قال: فأطرق المأمون متفكراً في الحديث، ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار. يقول الألباني : فصدق في علي بن الجعد -وهو ثقة ثبت- قول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]؛ لأنه إذا خالف التجار الآخرين خشي ذهاب البيع عليه، ولكنه خشي أن يخالف نهي النبي عليه الصلاة والسلام، وعومل الآخرون بنقيض قصدهم، وفاتتهم البيعة! ونحو هذه القصة ما أخرجه الدينوري في المنتقى من المجالسة قال: حدثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن العدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم إلا أحمد بن العدل ، فقال المتوكل لـعبيد الله : إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا -يعني: أنه لم يقم لي لأنه لا يعتبرني، ولا يعتد بإمامتي- فقال له: بلى يا أمير المؤمنين! ولكن في بصره سوء، يعني: نظره ضعيف فلم يرك، فقال أحمد بن العدل : يا أمير المؤمنين! ما في بصري من سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله تعالى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فجاء المتوكل وجلس إلى جنبه! وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن الأوزاعي قال: حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة، فلما رأيناه قمنا، فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا، ولكن توسعوا. يقول الألباني رحمه الله في فقه الحديث: دلنا هذا الحديث -يشير إلى حديث: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)- على أمرين: الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له، وهو صريح الدلالة؛ بحيث إنه لا يحتاج إلى بيان، يعني: أن الوعيد الذي فيه (فليتبوأ مقعده من النار) وعيد شديد جداً، كما في قوله: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فهذا من الكبائر القلبية الغليظة، ولا خلاف في هذا. الثاني: كراهة القيام من الجالسين للداخل ولو كان لا يحب القيام، وذلك من باب التعاون على الخير، وعدم فتح باب الشر، وهذا معنىً دقيق دلنا عليه راوي الحديث معاوية رضي الله عنه، وذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه له، واحتج عليه بالحديث، وذلك من فقهه في الدين، وعلمه بقواعد الشريعة التي منها سد الذرائع، ومعرفته بطبائع البشر، وتأثرهم بأسباب الخير والشر. يعني: أنه يعتمد على قاعدة سد الذرائع؛ ولذلك قال بالكراهة ولم يقل بالتحريم، يقول: فإنك إذا تصورت مجتمعاً صالحاً كمجتمع السلف الأول لم يعتاد القيام لبعض فمن النادر أن تجد فيهم من يحب هذا القيام الذي يرديه في النار، وذلك لعدم وجود لما يذكره به، وهو القيام نفسه، وعلى العكس من ذلك: إذا نظرت إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم قد اعتادوا القيام المذكور، فإن هذه العادة -لا سيما مع الاستمرار عليها- تذكره به، ثم إن النفس تتوق إليه، وتشتهيه؛ حتى تحبه، فإذا أحبه هلك، فكان من باب التعاون على البر والتقوى أن يترك هذا القيام، حتى لمن نظن أنه لا يحبه؛ خشية أن يجره قيامنا له إلى أن يحبه، فنكون قد ساعدنا على إهلاك نفسه، وهذا لا يجوز. ومن الأدلة الشاهدة على ذلك: أنك ترى بعض أهل العلم -الذين يظن فيهم حسن الخلق- تتغير نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على فردٍ لم يقم لهم! هذا إذا لم يغضبوا عليه، ولم ينسبوه إلى قلة الأدب، ويبشروه بالحرمان من بركة العلم؛ بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم، بل إن فيهم من يدعوهم إلى القيام، ويخدعهم بمثل قوله: أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم ولحم، وإنما تقومون للعلم الذي في صدري! وكأن النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يكن لديه علم؛ لأن الصحابة كانوا لا يقومون له، أو أن الصحابة لا يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام التعظيم اللائق به، فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم؟! ثم يقول الشيخ رحمه الله: ومن أجل هذا الحديث وغيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير، كما في فتح الباري. ثم قال: ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس، ولو كان في شغل نفسه؛ فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها؛ فتتلقاه وتنزع ثيابه، وتقف حتى يجلس؟ أي: أن الإمام مالك سئل عن امرأة حينما يدخل عليها زوجها تبالغ في إكرامه؛ فأول شيء أنها تتلقاه وتقابله، ثم تنزع ثيابه، ثم تقف حتى يجلس؛ إكراماً لزوجها، فقال: أما التلقي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس فلا؛ فإن هذا من فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز . يقول الألباني : قلت: وليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلاً، والذين خالفوا فذهبوا إلى جواز هذا القيام بل استحبابه استدلوا بأحاديث بعضها صحيح وبعضها ضعيف، والكل عند التأمل في طرقها ومتونها لا ينهض للاستدلال على ذلك. ومن أمثلة القسم الأول: حديث: (قوموا إلى سيدكم)، ففيه زيادة في الحديث: (فأنزلوه). لأنه كان مجروحاً. ومن أمثلة القسم الآخر الضعيف: حديث قيامه صلى الله عليه وسلم حين أقبل عليه أخوه من الرضاعة، فأجلسه بين يديه. فهو حديث ضعيف معضل الإسناد، ولو صح فلا دليل فيه أيضاًَ. ثم ذكر في موضع آخر حديث أنس رضي الله عنه قال: (ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما كانوا يعلموا من كراهيته لذلك). قال: إسناده صحيح على شرط مسلم. ثم قال الألباني رحمه الله: وهذا الحديث مما يقوي ما دل عليه الحديث السابق من المنع من القيام للإكرام؛ لأن القيام لو كان إكراماً شرعاً لم يجز له صلى الله عليه وسلم أن يكرهه من أصحابه، وهو أحق الناس بالإكرام، وهم أعرف الناس بحقه صلى الله عليه وسلم، وأيضاً فقد كره الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القيام له من أصحابه، فعلى المسلم -خاصة إذا كان من أهل العلم وذوي القدوة- أن يكره ذلك لنفسه؛ اقتداءً به صلى الله عليه وسلم، وأن يكرهه لغيره من المسلمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)، فلا يقوم له أحد، ولا هو يقوم لأحد، بل كراهتهم لهذا القيام أولى بهم من النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنهم إن لم يكرهوه اعتادوا القيام بعضهم لبعض، وذلك يؤدي بهم إلى حبهم له، وهو سبب يستحقون عليه النار، كما في الحديث السابق، وليس كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه معصوم من أن يحب مثل هذه المعصية، فإذا كان مع ذلك قد كره القيام له؛ كان واضحاً أن المسلم أولى بكراهته له.

    إكرام الناس على حسب مراتبهم وإنزالهم منازلهم

    ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أطرافاً مما جاء في تنزيل الناس منازلهم، وإكرامهم على حسب مراتبهم، وما جاء في احترام وإكرام فضلاء المسلمين، وتوقير أولي السن والورع والعلم والدين، والرفق بطلبة العلم وأولي الفضل والفهم؛ تعظيماً لحرمات المؤمنين المسلمين، ومسارعةً إلى رضا رب العالمين، قال: وهو دليل لما قدمته، وعاضد لما أسلفته: قال الله عز وجل: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، وقال تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]. ثم روى حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً). وعن عامر بن إبراهيم قال: كان أبو الدرداء رضي الله عنه إذا رأى طلبة العلم قال: (مرحباً بطلبة العلم)، وكان يقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بكم). وذكر حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) أي: الحاكم العادل. وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا). وهناك حديث ضعيف ذكره عن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزلوا الناس منازلهم)، ولكن ميموناً لم يدرك عائشة . وذكر أيضاً عن عائشة أنها قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم)، وهذا رواه مسلم في مقدمة الصحيح. وعن إسحاق الشهيدي قال: كنت أرى يحيى القطان رحمه الله تعالى يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني و الشاذكوني و عمرو بن علي و أحمد بن حنبل و يحيى بن معين وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحدٍ منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً وإعظاماً. وذكر أيضاً عن الإمام البغوي أنه قال: وكذلك تجوز إقامة الإمام والوالي الرجل على رأسه في موضع الحرب، ومقام الخوف. يعني: أن بعض الأئمة يحملون حديث: (من أحب أن يتمثل الناس أو الرجال له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) على أن يكون الإنسان جالساً والناس قيام على رأسه، كالجنود والحراس ونحوهم، ويستثنون حالة الحرب والخوف؛ حتى يدخل الرعب في قلوب الأعداء، كما حصل في صلح الحديبية حينما كان يقف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائماً على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر. يقول النووي : هذا الذي قاله البغوي رحمه الله تعالى متفق عليه. يعني: استثناء هذه الحالة، وهو أن يقف على رأس السلطان بالهيبة والسلاح إرهاباً للأعداء في حالة الخوف والحرب، والحديث مشهور في الصحيح.

    أدلة المانعين من القيام للقادم

    ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى الباب الثاني في الأحاديث التي يستدل بها على النهي عن القيام وما أجاب به عنها أهل المعرفة والحذق والأفهام. ثم روى حديث أنس رضي الله عنه قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك)، وهذا الحديث صحيح. الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار). الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) وهو حديث ضعيف. ثم أجاب الإمام النووي رحمه الله عن هذه الأحاديث فقال: أما الجواب عن الحديث الأول -وهو أقرب ما يحتج به- فمن وجهين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف عليهم وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث الآخر: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله)، فقوله هذا من نفس هذا الباب؛ لسد الافتتان به والغلو في تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامهم له لهذا المعنى، ولم يكره قيام بعضهم لبعض، بل قام صلى الله عليه وسلم لبعضهم، وقاموا لغيره بحضرته، ولم ينكر ذلك، بل أقره، وأمر به في حديث القيام لـسعد . يقول: وقد قدمنا في الباب الأول بيان هذا كله، وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا جاهلٌ أو معاند. الوجه الثاني في الجواب عن هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أصحابه رضي الله عنهم من الأنس وكمال الود والصفا ما لا تحتمل زيادته بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصود، بخلاف غيره، فإن فرض صاحبٌ للإنسان قريبٌ من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام. أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، يعني: فليجلس على مقعده من النار- فقد أولع أكثر الناس بالاحتجاج به، والجواب عنه من أوجه، والأصح والأولى والأحسن، بل الذي لا حاجة إلى ما سواه: أنه ليس فيه دلالة؛ وذلك أن معناه الصريح الظاهر منه: الزجر الأكيد والوعيد الشديد للإنسان أن يحب تمثل الناس قياماً له، وليس فيه تعرض للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه. يعني: يحرم على الإنسان أن يحب قيام الناس له، فالإمام النووي يقول: هذا ليس فيه دلالة على المسألة التي نتكلم فيها؛ فالكلام ليس على حب القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فهذا حرام، لكن الكلام في القائم نفسه، فهل في هذا الحديث وعيد له أم لا؟ فمذهب الإمام النووي أنه ليس هناك تعرضٌ لحال الذي يقوم، وإنما فيه تعرض لتحريم محبة القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فالمنهي عنه هو محبته للقيام. يقول: وليس فيه تعرضٌ للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه، وهو أنه لا يحل للآتي أن يحب قيام الناس له، والمنهي عنه هو محبته القيام، ولا يشترط كراهيته لذلك، وخطور ذلك بباله، حتى إذا لم يخطر ذلك بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا ذم عليه، وإذا كان معنى الحديث ما ذكرناه فمحبته أن يقام له محرم، فإذا أحب ذلك فقد ارتكب التحريم، سواءً قيم له أو لم يقم له. يعني: لو أن رجلاً يحب أن يقوم الناس له -وهذا عمل قلبي-، وهم لم يقوموا له؛ فهو يأثم، حتى لو لم يقوموا له. قال: فمدار التحريم على المحبة، ولا تأثير لقيام القائم، ولا نهي في حقه بحال، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث. فإن قال من لا تحقيق عنده: إن قيام القائم سببٌ لوقوع هذا في المنهي عنه، قلنا: هذا سؤال فاسدٌ لا يستحق سائله جواباً؛ فإن تبرع عليه قيل ما قدمناه: إن الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحسب. الجواب الثاني: أنه حديث مضطرب، والاضطراب يوجب ضعف الحديث، وهذا الجواب فيه نظر كما قال الإمام النووي رحمه الله. ثم ذكر عن بعض الأئمة أنهم قالوا: إنما كره القيام على طريق الكبر، فأما على طريق المودة فلا، فكل من أحب أن تقوم له فلا تقم له. أي: إذا علمت أنه يحب أن تقوم له فلا تقم له، وأظن أن من هذا -والله أعلم- ما يحصل في المدارس؛ حيث إن المدرس يحب أن يقوم التلاميذ له. قال: من يغلظ على من لا يقوم، مخالف لسمت السلف، وهذا دليل على أنه يحب القيام له، حيث يغضب على من لا يقوم له، فالخوف عليه أكثر؛ لأنه وقع في الوعيد بما لا يحتمل التأويل؛ لأنه أحب أن يتمثل الناس له قياماً، فهذه من الكبائر القلبية. وبعض العلماء قالوا: إن هذا الوعيد فيمن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على طريق النخوة والكبر. وأما أبو موسى فقال: معنى الحديث: أن يقوم الرجال على رأسه، كما يقام بين يدي الملوك. أما الحديث الثالث -وهو: (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً)- فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والوجه الثاني أنه على سبيل التعظيم، فهذا هو المذموم. أي: إذا كان على سبيل النخوة والكبر والتعظيم. أما حديث أبي بكرة -وهو: (لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه)- فأيضاً ضعيف، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقم من مجلس صلاة وسماع الوعظ والتذكير والعلم ونحو ذلك، على سبيل الإيثار فيما لا إيثار فيه، فلا يقوم الرجل للرجل من مجلسه إذا كان في مجلس علم، ولا يضح بموقعه الأحسن ويؤثر غيره به، فلا ينبغي الإيثار في هذا الموضع، وهذا التأويل ذكره بعض العلماء، وهكذا ما أشبه هذا من القربات التي يكره الإيثار فيها، فمن القصور أن تقام الصلاة وهناك مكان فارغ في الصف المقدم فيقول الإنسان لأخيه: تفضل، فيقول: تفضل أنت! هذا جهل، بل ينبغي أن يتسابقا في أعمال الآخرة التي فيها تنافس، كما قال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]. أما حديث: (ولا تنافسوا) فهذا في الدنيا، أما في الآخرة فكان الصحابة يبتدرون السواري إذا أذن المأذن، وكانوا إذا أقيمت الصلاة يتسارعون إلى الصفوف الأولى، والنبي عليه الصلاة والسلام رغبهم في هذا، وبين أنهم يستهمون إذا حصل النزاع على الأذان والصف الأول، فيقترعون على ذلك أيهم أولى، وهكذا الدور في التسميع على الشيخ لا ينبغي الإيثار فيه، فإذا جاء دور الطالب وآثر غيره به، فهذا من الزهد في الخير، فينبغي أن يحرص الإنسان أن يكون مقدماً في مجالس العلم ومجالس الفضل، والإيثار يكون في الطعام والشراب وحظوظ النفس ومتاع الدنيا، فيهدي إخوانه، ويؤثر على نفسه، كما في قوله تبارك وتعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فهو محتاج إلى الطعام ويتصدق، ومحتاج إلى الملابس ويعطي ولا يلبس هو، فهذا الإيثار محمود في أمر الدنيا، وحظوظ النفس، أما أمور الدين ومعالي الأمور فلا. كان بعض الصحابة إذا كانوا اثنين يجلس واحد منهما في البيت والآخر يجاهد، ويقول الابن لأبيه: يا أبت! لولا أنها الجنة لآثرتك على نفسي! فهكذا ينبغي أن نكون، فالحق في التقرب لله تعالى لا يجوز تفويته، بخلاف الطعام ونحوه؛ فإن الحق فيه للنفس، وإن كان لله تعالى فيه حقٌ في بعض المواطن فنفعه ومقصوده يعود إلى الآدمي، وقد أوضحت هذا الفرق بشواهده وما يرد عليه من أكل الميت عند المخمصة، وجوابه في باب التيمم من شرح المهذب، وهذا القدر هنا كافٍ، والله أعلم. ثم أنهى الإمام النووي الكتاب بقوله: نختم الباب ببيتين على عادة الأئمة والحفاظ: قيامي والعزيز إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيم فهل أحدٌ له عقلٌ ولبٌ ومعرفةٌ يراك ولا يقوم هذا ما تيسر من تلخيص كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.

    أدلة المجيزين القيام للقادم

    يقول رحمه الله: الله تعالى أمر باللطف بالمسلمين، وإكرام أهل العلم والورع والدين، فقال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، ومن اللطف بهم والإكرام: أن يحترموا بإلانة القول لهم، والقيام لا على طريق الرياء والإعظام، بل على ما ذكرناه من التكريم والاحترام، وعلى هذا استمر ما لا يحصى من علماء الإسلام وأهل الصلاح والورع وغيرهم من الأفاضل الأعلام، فالذي يختار: القيام لأهل الفضل والمزية من أهل العلم وقرابته والوالدين والصالحين وسائر أخيار البرية، فقد جاءت بذلك جمل من الأخبار، وأقوال السلف الكرام الأبرار، وأفعال العلماء والصلحاء أهل الورع والزهاد وغيرهم من الأخيار. ثم عقد باباً فيما ورد في الترخيص من الآثار والأخبار، وما قال فيه الأعيان من العلماء والأخيار. وذكر بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن يهود نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلما بلغ قريباً من المسجد قال النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى خيركم أو سيدكم)، وهناك رواية مشهورة على ألسنة الناس بلفظ: (قوموا لسيدكم)، لكن الوارد: (قوموا إلى سيدكم)، وأضف إلى قرينة وجود (إلى) كلمة (أنزلوه)؛ لأنه كان على حمار، وكان مجروحاً رضي الله عنه. وروى الحافظ البيهقي و أبو موسى الأصبهاني بسندهما عن الإمام مسلم قال: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثاً أصح من هذا، وهذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم. يقول النووي : وقد أفصح الإمام مسلم رضي الله تعالى عنه بحقيقة المطلوب في هذا الكلام المختصر رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. وقال الخطابي و البغوي بعد رواية حديث أبي سعيد رضي الله عنه السابق: في هذا الحديث أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والوالي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غير مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف هذه الصفات، فيحمل كراهة القيام للقادم فيمن كان فاجراً أو فاسقاً أو غير ذلك من الصفات الدنيئة، أو إن كان قيامه من أجل الدنيا أو الرياء. قال البغوي و الخطابي : وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الرجال صفوفاً...) فهو إذا كان يأمرهم بذلك، ويلزمهم به على مذهب الكبر والنخوة. وعن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده كعب رضي الله عنه في حديث توبته الطويل المشهور فذكره... إلى قوله: (وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت المسجد -يعني: لما بشر بنزول التوبة من الله عليهم- فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله! ما قام إليَّ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لـطلحة)؛ لأنه قام يهنئه بالتوبة، وهذا حديث متفق على صحته. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته، وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود و الترمذي و النسائي ، وحسنه الترمذي، يقول النووي : وهذا الحديث من أصرح الأدلة في المسألة. وروى النووي رحمه الله حديثاً مثل حديث عائشة ، وهو: أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً يوماً، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه -يعني: من الرضاعة- فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه)، وهذا الحديث ضعيف. وروى النووي أيضاً بسنده عن ابن شهاب : أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل ، فأسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه ، هكذا رواه الإمام مالك مرسلاً، وهذا والحديث الذي قبله وإن كانا مرسلين يصح الاحتجاج بهما في هذه المسألة؛ وذلك لأن أكثر الفقهاء قالوا بجواز الاحتجاج بالمرسل، وقال الشافعي وأكثر أهل الحديث: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ومذهب الشافعية هو التساهل في الأخذ بالحديث المرسل، لاسيما إذا كان عن كبار التابعين، وقال الشافعي رحمه الله كلاماً حاصله: إذا روي المرسل مسنداً أو مرسلاً من طريق أخرى، وقال به بعض الصحابة أو عوام أهل العلم؛ جاز الاحتجاج به. وقوله: عوام أهل العلم ليس المقصود عوام الناس؛ فالعامي مأخوذ من العمى، وهو الذي يقوده غيره، لكن المقصود بعوام أهل العلم: عامة أهل العلم. قال النووي : وقد وجد في هذا الحديث ما يجوز الاحتجاج به، وهو ما قدمناه من الشواهد له، وما سنذكره بعده من أقوال العلماء. والله أعلم. وأيضاًَ ذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه)، وهذا الحديث إن صح، ليس له تعلق كبير بالمسالة، فكلامنا على القيام للقادم، أما كون جماعة من الناس يجلسون، وبعدما فرغوا قاموا، فليس في هذه المسألة، إلا أن يقال: إنهم قاموا إكراماً له عليه الصلاة والسلام، يقول الإمام النووي : إسناد هذا الحديث إسنادٌ صحيح، ورواته كلهم مشهورون بالعدالة، إلا هلالاً فإنه ليس بمشهور. وروى أيضاً عن أبي هشام الرفاعي قال: قام وكيع لـسفيان ، فأنكر عليه قيامه، فقال: أتنكر عليّ قيامي وأنت حدثتني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم) يعني إن من تعظيم الله أن تعظم المسلم الذي شاب في الإسلام، فأخذ سفيان بيده، فأجلسه إلى جانبه. وعن محمد بن الصلت قال: كنت عند بشر بن الحارث -يعني: الحافي الزاهد رضي الله عنه- فجاءه رجل فسلم عليه، فقام إليه بشر ، فقمت لقيامه، فمنعني من القيام، فلما خرج الرجل قال لي بشر : يا بني! تدري لما منعتك من القيام له؟ قلت له: لا، قال: لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة، وكان قيامك لقيامي، فأردت ألا يكون لك حركة إلا لله عز وجل خالصة. وعن أبي أحمد بن عدي الحافظ عن عبد المؤمن بن أحمد بن حوثرة قال: كان أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى لا يقوم لأحد، ولا يجلس أحداً مكانه إلا ابن وارة، فإني رأيته يفعل ذلك معه. يعني: لمكانته في الإمامة والعلم. وقال الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه (آداب الصحبة): ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين، ولا يقعد إلا بقعودهم، وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا حللنا الحبى وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له فإن الكريم يجل الكراما وروى الحافظ أبو موسى بإسناده عن الإمام أبي سعيد النقاش قال: النبلاء من الرجال والعلماء يكرهون قيام الرجل لهم؛ لكراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مباحٌ لبعض الناس أن يقوم للناس. ثم قال النووي : هذا ما تيسر ناجزاً من الأحاديث وأقوال الأئمة في الترخيص في القيام، وحاصله: أنه ثبت ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة، وبأمره بذلك الأنصار، وبتقريره حين فُعل بحضرته، ومن فعل جماعة من الصحابة والسلف رضي الله تعالى عنهم في مواطن وجهات مختلفة، وفعل أئمة الناس في الحديث والفقه والزهد في أعصارهم.


    شبكـــة طـريــق السـلــــف الشبكــــة الإســلاميـــــة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    المنهج العلمي 1 للشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    المنهج العلمي

    للشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    آداب طلب العلم

    هناك بعض النصائح التي نحتاج -أيضاً- للكلام فيها بين يدي الكلام في موضوع طلب العلم. ......

    1- تصحيح النية
    أول هذه النصائح هو تصحيح النية، فالذي لا يصحح نيته يتعب نفسه، ويكون تعبه هباء منثوراً، فلا بد أولاً من تصحيح النية، بأن يريد بالعلم وجه الله عز وجل ونيل فضائله.

    2- مراعاة فقه الأولويات
    وأمر مهم آخر فيما يتعلق بموضوع طلب العلم، وهو مراعاة الأولويات في المقاصد التي يطلبها الإنسان في العلم، وفقه الأولويات معناه أن هناك من العلوم ما هو علوم خادمة وهي علوم الوسائل، وعلوم مخدومة وهي علوم المقاصد، فلابد للإنسان من أن يبتدئ أولاً بالانشغال بهذه العلوم المخدومة، فيعطي أولوية لنوعين من العلوم، وهي فقه الإيمان وفقه الأحكام، أو بعبارة أخرى: الفقه والتوحيد. وفقه الإيمان يعني أمور العقيدة ومسائل التوحيد والإيمان، أن يفقهها ويتعلمها على مذهب السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فالأولوية المطلقة هي للتوحيد الذي هو فقه الإيمان والعقيدة. ثانياً: فقه الأحكام، وهو فقه العبادات الذي به يصحح الإنسان عبادته ويعبد ربه تبارك وتعالى، فالعلوم إذاً علوم غاية وعلوم وسيلة. فعلوم الغاية هي التوحيد والفقه. وعلوم الوسيلة هي العلوم الخادمة، كاللغة والنحو والصرف، وغير ذلك من العلوم التي تكون خادمة ووسيلة لخدمة ما عداها من العلوم. والنجاة في فقه الإيمان أن يكون على مذهب السلف، والنجاة في فقه الأحكام أن لا يتعصب الإنسان لآراء الرجال ويخالف الدليل إذا ثبت لديه، حتى ولو تمذهب لا يكون متعصباً، فلا يقدم آراء الرجال على حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    3- الشمولية والتوازن
    ومن النصائح المهمة في هذا الباب الشمولية والتوازن. والتوازن معناه أن الإنسان يأخذ من العلم حسب وظائفه؛ لأن الناس تتفاوت أشغالهم، فمنهم التاجر، ومنهم طالب العلم، ومنهم طالب في الكلية، وهكذا تتفاوت الظروف، وبالتالي يتفاوت حظ الإنسان من هذه العلوم بقدر تفاوت وظائفه الأخرى، فالمطلوب أن يكون عند الإنسان نوع من التوازن بين هذه الواجبات، حتى لا يضيع حق أي طلب، وفي الحديث: (إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه)، فحتى لا ينقطع الإنسان ينبغي أن يوجد من البداية نوع من التبادل بين وظائفه، ويختار الدرجة من العلم التي تناسب ظروفه حتى لا يحدث اضطراب يؤثر على سيره في طلب العلم.

    4- التدرج في طلب العلم
    ولابد من التدرج في سلم التعلم، فيتلقى المبادئ الأولية من كل علم، خاصة علمي التوحيد والفقه، فلابد من المبادئ الأولية أولاً، ولا يقفز مباشرة إلى المراجع الكبيرة أو إلى العلوم التي يمكن تأجيلها، فلا ينشغل بشيء أهم عما هو أهم منه.

    5- تلقي العلم عن الشيوخ
    الأصل في العلم أن يتلقاه الإنسان عن الشيوخ مشافهة، فهذه هي الطريقة الصحيحة مطلقاً لطلب العلم. أما عند العجز عن ذلك فنضطر في مثل هذا الزمان إلى البدائل، فالإنسان يطلب العلم عن الشيوخ، فإذا لم يجد شيوخاً يرحل إلى أقرب بلد فيها شيوخ ويطلب العلم على أيديهم ويلازمهم ويكثر الجلوس إليهم، فإن لم يجد فالبديل أن يترقب الأمثل فالأمثل، وهو الأقرب نسبياً للشخص الذي يمكن أن يكون أعلم منه ويفيده في توجيهه في طلب العلم، فإن لم يجد فالبديل هو التلقي عن طريق الكتب، لكن لابد من الأخذ عن شيخ يعلمه مبادئ العلوم الخادمة كعلوم اللغة العربية ومنها علم النحو، وأغلب من يصل اليوم إلى مرحلة الثانوية العامة في الغالب له شيخ -بل شيوخ- في اللغة العربية؛ لأنه يدرسها في المدرسة بصورة تؤهله لأن يستفيد من هذه الدراسة في العلوم الشرعية. فالأصل هو تلقي العلم عن الشيوخ، إلا إذا تعذر أو تعثر ذلك فيبحث عن بديل، والبدائل -كما ذكرنا- طالب علم أقوى منه أو أسبق تجربة فيفيده، أو أشرطة الشيوخ، وهناك بعض المتون والكتب قد شرحها كثير من الشيوخ الأفاضل فينبغي الرجوع إليها للإستفادة منها والاقتباس من نورهم، أو قراءة الكتب.

    6- احترام العلماء
    حتى لا يحرم الإنسان من بركة العلم فإنه محتاج لبعض التوجيهات، وأهمها احترام العلماء، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]. ويقول تبارك وتعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] فهذه علامة التقوى في القلب، تعظيم شعائر الله، والشعيرة: هي كل ما أذن الله به وأشعر بفضله وتعظيمه. كل شيء أذن الله به وأشعرنا بفضله وتعظيمه فهذا هو الشعيرة، وتعظيم أهل العلم وأهل الخير من شعائر الإسلام، فإهانتهم إهانة للإسلام، وفي الحديث السالف الذكر: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط). ويقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: (اعلم -يا أخي، وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة). يعني أن لحوم العلماء من أكلها بالغيبة سم ومات وهلك، قال: (أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالسب ابتلاه الله قبل موته بموت في القلب). ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين ولا تستبيحوا عوراتهم؛ فإن من يتتبع عورة أخيه يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في عقر داره) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (ليس منا) هذا تبرؤ من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ليس على طريقنا ولا من أهل هدينا. وكان السلف يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. وقال بعضهم: أعراض العلماء حفرة من حفر جهنم. وقال الله عز وجل في الحديث المعروف: (من عادى لي ولياً فقد بارزته بالحرب)، ولذلك جاء عن الأئمة أبي حنيفة والشافعي: (إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي). إن لم يكن أهل العلم أولى الناس بالله وبنصرة الله ومحبته فلم يبق في هذه الأرض أولياء، فالأولياء ليسوا مجانين وليسوا أطفالاً يسيل لعابهم من أفواههم كما يقول بعض المعتوهين من أمثالهم: هذا ولي. ويبنون عليهم الأضرحة بعد أن يموتوا، والواحد منهم يكون معتوهاً -أي: يكون مريضاً بالعته ونقص العقل- يمشي متجرداً من ثيابه، أو يسيل لعابه في الطرقات، أو يفعل هذه الأشياء وهو في الحقيقة معذور؛ لأنه ليس عنده عقل، وهو غير مكلف، ثم يقولون: هذا ولي من أولياء الله، ويبالغون في ذلك، خاصة في الأرياف فإنه معروف وكثير، فهذا لا يمكن أبداً أن يصدق، بل أولياء الله ليس فيهم مجنون، ولابد من أن يكون أولياء الله عقلاء، بل هم أعقل الناس على الإطلاق. فهذا الأمر من ضمانات الفلاح في طلب العلم، أن يراعي الإنسان حرمة أهل العلم ولا يطعن فيهم ولا يتطاول عليهم، وإلا نزعت منه بركة هذا العلم. ......

    7- الحذر من الاشتغال باختلافات العلماء
    أيضاً من النصائح التي أهداها العلماء في مثل هذا الموضوع ما قال بعضهم: على طالب العلم أن يحذر في ابتداء أمره الاشتغال بالاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقاً. فينبغي لطالب العلم إذا حدد لنفسه هذا الهدف أن يبني على هذا الهدف ويبعد نفسه تماماً عن الاختلافات والصراعات، ومن ذلك الاختلافات في الأمور الفقهية والأمور العلمية، لا يفتح عينه أول ما يفتحها على أمور تتناطح فيها الجبال ويقوم فيها العمالقة من العلماء والمجتهدين، فعليه أن يحذر في ابتداء أمره الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقاً، سواء في العقليات أو السمعيات، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل عليه أن يتقن أولاً كتاباً واحداً في فن واحد -أو كتباً في فنون إن كان ذلك أحسن له- على طريقة واحدة يرتضيها له شيخه، فإما أن يبقى على كتاب واحد ويتقنه تماماً حتى يحفظه ويترك الشيخ يمتحنه فيه مثلاً، وإما أن يشتغل بأكثر من فن إذا كان الشيخ يرجح له أنه يناسبه أن يشتغل بأكثر من فن في وقت واحد حسب الأمثل له، فالمهم أن يبقى على شيء ولا يشتت نفسه.

    8- الحذر من القراءة العشوائية
    ينبغي أن يحذر الإنسان من القراءة العشوائية، وهذه آفة الآفات، فالموضوع عند بعضهم تسلية، فلا يؤديه بصورة مسئولية أو عبادة عظيمة أو فرض كفاية، لكن المسألة عنده عبارة عن قراءة عشوائية يجمع الكتب ويحسنها ثم لا يقرأ من هذه الكتب شيئاً إلا أنه يأخذ ما يروق لمزاجه، فالشيء الذي يأتي على هواه يقرأ فيه، أما الشيء الصعب عليه فلا يصبر عليه، فهو يتبع ما يوافق هواه فقط وما يحبه من العلوم، أما العلوم الصعبة فإنه يذاكرها إن كان في الجامعة فقط، فإذا كان هناك في الجامعة مادة صعبة فإنه يسهر الليالي ويبتدع كل وسيلة ممكنة كي يفهم هذه المسألة، يذهب إلى المدرس، ويذهب إلى زميله يأتي بالكتب والمراجع، ويكد الليل والنهار في سبيل أن يفهم ما صعب عليه فهمه. أما العلوم الشرعية فهو إما أن يقرأها على السرير إلى أن ينام، أو يقرأ الشيء الذي يروق له ويبتعد تماماً عن الشيء الذي يجده صعباً، فمثل هذا لا يأتي بنتيجة، هذه قراءة جرائد ليست قراءة طالب العلم. فليحذر -كما قال العلماء- في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات، فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه، تمر سنوات وسنوات وفي النهاية يجد نفسه ما حصل شيئاً؛ لأنه لم يحقق بل شتت نفسه. فعليه أن يعطي الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يدرسه كُلِّيته حتى يتقنه، فيهتم به ولا يشتت نفسه في قراءة المجلدات وفي قراءة الكتب في العلوم الأخرى. وطالب العلم ينبغي أن يكون في سلوكه وفي منهجه مختلفاً تماماً عمن عداه، ولماذا نعذر الطالب الذي يكون في كلية أو في معهد أو مدرسة ونقول: لا أحد يزوره؛ فعنده امتحانات ويكون في حالة طوارئ لا أحد يقترب من البيت ولا يزوره؟ وهو عذر كل الناس تقبله، فلماذا طلب العلم الشرعي لا يكون فيه هذا التعظيم؟ وهو أولى بالتعظيم والتركيز وقطع العلائق في سبيل تحصيل هذا الهدف ولو إلى حين. كذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح، فالانتقال من كتاب لكتاب من غير ما يوجب ذلك هو علامة الضجر، ومثل هذا لا يفلح ولا يأتي منه خير، هذا إذا كان مبتدئاً، أما إذا تحققت أهليته وتأكدت معرفته فالأولى أن لا يدع فناً من الفنون من العلوم الشرعية إلا نظر فيه، فإن ساعده القدر وطول العمر على التعمق فيه فذاك، وإلا فقد استفاد منه ما يزيل به عداوة الجهل بذلك العلم، ويعتني من كل علم بالأهم فالأهم، ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم.

    9- طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها
    فطلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، فالإنسان لا يقفز على السلم، فلا ينبغي تعديتها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً ذل. فأول ما ينبغي الاشتغال به في العلم حفظ كتاب الله تبارك وتعالى وتفهمه وكل ما يعين على فهمه، وهذا ما سنفصله إن شاء الله تعالى، لكن قبل ذلك أيضاً نشير إلى أمر مهم جداً بالنسبة لطالب العلم، وقد أشرنا إليه من قبل، وهو أنه لابد من أمرين: لابد من المنهجية ولابد من المرحلية، لابد من أن يتوافق الأمران منهجياً، لابد من أن يكون هناك منهج محدد في كل علم من العلوم تدرسه، وحبذا لو تقرأه على شيخ، فلابد من المنهجية، لابد من منهج يحصر في كتب محددة يتم انتقاؤها بعناية، ولا تتجاوزها ولا تقرأ في غيرها، وتسهر فيها الليل والنهار تلخص وتحفظ وتذاكر وتسمع وتتعاون مع إخوانك في حفظها ومذاكرتها، فلابد أولاً من المنهجية، ثم لابد من المرحلية الزمنية، بأن يكون هناك جدول زمني للقراءة في مادة معينة أو في فن معين أو في كتاب معين، فقد تمر الأيام الطويلة ولا تحاسب نفسك ولا تشعر بأن مراحل العمر تطوى وأنت لا تشعر ولم تحصل بعد شيئاً، فلابد من الأمرين: منهجية ومرحلية زمنية. وأهمية هذا الموضوع الذي نتكلم فيه تنشأ وتتسرب إلى الذهن بمجرد أن الإنسان يزور معرضاً من معارض الكتب، فنحن عندنا الآن في هذا الزمان ما يصح أن نطلق عليه -إذا لم يكن في العلوم الشرعية- أنه نوع من إسهال تأليفي كما يقول بعضهم، فقد كثرت الكتب كثرة غير عادية، حتى وصل بعض الخبثاء والشياطين في هذه الأيام إلى أن أعادوا طباعة كتب السحر، وتجد جناحاً مستقلاً في كثير من معارض الكتب لكتب تعليم السحر، والعياذ بالله تبارك وتعالى، وهذا -بلا شك- كفر، ويجب على كل مسلم في معرض من هذه المعارض أن يكلم صاحب تلك الكتب، فعلى الأقل إن لم يكن يخاف من الله ويستحيي يخاف على تجارته أن تبور، فقل له: هذا حرام وهذا كفر. ولو أن كل أخ دخل وأنكر عليه فإنه سيتشكك في مسلكه، وعلى الأقل يبعد هذه الكتب التي يمكن أن تفتن الناس وتعصف بإيمانهم عصفاً وتقتلعه من جذوره. فينبغي على أي أخ مسلم يوجد في مثل هذه المعارض أن يتوجه إلى من يبيع تلك الكتب وينصحه في الله ويتلو عليه الآيات في سليمان عليه السلام ويقول له: قال تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102] وأنت بهذا تساعد على تعليم الناس السحر، والمال الذي تأخذه من هذا حرام، وهذا السحر كفر. ونحو هذا.

    10- طالب العلم وموقفه من العلوم ومعارض الكتب
    فمعارض الكتب لو أن إنساناً صاحب اتجاه علمي أو فكري محدد دخل معارض الكتب في هذا الزمان تصيبه حيرة وملالة الله بها عليم، فكيف يكون الشاب الذي ليست عنده خلفية أصلاً؟ أو طالب العلم الذي ليس عنده خلفية؟ أو أي أحد يرغب في طلب العلم ولا يعرف أي اتجاه يسلك، أيسلك اتجاهاً سلفياً أو اتجاهاً خلفياً صوفياً أو أشعرياً أو سنيّاً أو بدعياً؟ وهل يقرأ في كتب الفكر أو الفقه، لا يعرف شيئاً وما عنده خبرة، لاشك أن هذا يكون أشد ملالة وأشد تشتيتاً إذا دخل معارض الكتب، فهذا يعكس تأكيد النصيحة فيما يتعلق بالاهتمام بمنهج محدد في طلب العلم. وأيضاً يحذر الإنسان -كما أشرنا ضمناً- أن يميل فيقرأ العلوم التي يميل إليها فقط، بل على طالب العلم أن لا يقتصر على العلوم التي يميل إليها، فهذه العلوم التي يميل إليها يمكن أن يكون لها وقت آخر إذا أصابه ضجر أو ملالة، لكن لابد من أن يدرس العلم بصورة منهجية، حتى وإن كانت هناك بعض العلوم التي لا يميل إليها، أو يجد فيها صعوبة كأصول الفقه مثلاً أو غيره من العلوم التي يكون فيها شيء من الجفاف أو الصعوبة، فعليه أن يصبر ويحتال حتى يعرف طريقة حلَّ رموزها أو الاستعانة بمن هو أخبر منه في طلب العلم حتى يفرغ منه مع مرور الوقت ومرور الزمن.



    طـريـق السـلـف
    ومع الجزء الثاني

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    المنهج العلمي2 الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    المنهج العلمي2
    الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    قضيتان حول كتب العلم
    إن الكتب المؤلفة ليست كتباً معصومة، فنضطر أحياناً في بعض الفروع أو بعض العلوم أن نختار المتيسر من الكتب ونحاول علاجه ونحن ندرسه، فننبه إلى الأخطاء الموجودة في كل كتاب حتى يكون الإنسان منها على بينة، لأنه لا يوجد كتاب معصوم بعد كلام الله عز وجل وبعد القرآن الكريم، بل أحياناً يضطر الإنسان للقراءة في كتب بعض المبتدعة ممن يكون قد فتح عليه في هذا الباب، فنستفيد منه ونحذر من ضلاله أو بدعته التي ابتدعها أو التقصير الذي وجد في كتابه؛ لأنه لم يوجد بديل نقي خالص نعتمد عليه. وليس بشرط أن يكون الكتاب الذي تأخذه كتاباً معيناً، بل يمكن أن أي كتاب يصلح أن يكون بديلاً مع خلاف في المبدأ، فلا تتكلف شراء كتاب جديد وعندك نفس الكتاب مع خلاف في المبدأ، وإن اختلف معه في الأسلوب، فننبه إلى أنه قد توجد مآخذ في بعض هذه الكتب نحاول التنبيه عليها ما استطعنا، وإن لم ننبه فينبغي أن ينتبه الإنسان إلى أن هذه الكتب ليست معصومة وليست معتمدة كلها، بل لا يكاد يخلو كتاب من مؤاخذة. و كذلك حينما نجيب على السؤال: لمن تقرأ؟ فإننا إذا استقصينا كل أنواع أو أسماء المؤلفين والعلماء في القديم وفي الحاضر فهم آلاف وآلاف من العلماء جزاهم الله خيراً، وحينها سنضطر إلى الاقتصار على أسماء بعض المؤلفين وليس كلهم، فلا يعتبر أحد أن عدم ذكر أسماء بعض المؤلفين يتعمد لسبب الأخذ، وإنما المسألة أننا لابد من أن نقتصر على بعض منهم دون بعضهم الآخر؛ لأنهم لا يحصون كثرة. ......

    طالب العلم والقرآن الكريم

    العلم الأول الذي سنتكلم فيه والذي ذكره العلماء أنه أول العلم هو حفظ كتاب الله عز وجل وفهمه وفهم كل ما يعين على فهمه، وأهم ذلك على الإطلاق بالنسبة لعلوم القرآن الأمور الآتية: أولاً: الحفظ. ثانياً: ما يعين على فهم القرآن من لسان العرب. ثالثاً: الأحاديث الواردة في التفسير. رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن. خامساً: دراسة آيات الأحكام واختلاف العلماء في ذلك.......

    وظائف طالب العلم مع القرآن الكريم

    لابد لكل طالب علم من ثلاث وظائف مع القرآن الكريم، والمفروض أنها لكل مسلم وليست فقط لطالب العلم. فلابد أولاً من ختم القرآن الكريم، أن تكون له دورة مستمرة يختم فيها القرآن باستمرار لا تنقطع، وهي التي تسمى الأوراد أو الأحزاب، وهذه ليست تسمية صوفية، فكلمة (الورد) وكلمة (الحزب) كلمة شرعية خالصة، فالرسول عليه السلام حينما تأخر عن بعض الناس الذين كانوا يطلبونه خرج إليهم وهو يقول: (إنه قد حضر حزبي من القرآن فكرهت أن آتيكم حتى أقضيه -أو حتى أتمه-) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وفي الأثر: (كان الصحابة يحزبون القرآن على كذا وكذا). وفي الحديث أيضاً: (من فاته ورده من الليل فليقرأه من النهار ..) إلخ الحديث المعروف. وكلمة (الورد) أو (الحزب) في الأصل هي النوبة في ورود الماء، فالعرب كانوا يأتون بالجمال -مثلاً- فيردون بها الآبار يستقون الماء، لكن كل واحد يأخذ نوبة، أي: يأخذ دوراً. فهذا هو الورد، فالورد: أن يأتي عند البئر ويأخذ دوره ويأخذ الحزب والنوبة من الماء. فلابد من أن يكون هناك حد لارتباطه بالقرآن، حتى لو قرأ عشر آيات في اليوم، أو ربع حزب في اليوم، لكن لا يترك أبداً يوماً وليلة من قراءة كتاب وكلام الله عز وجل. إذاً هناك ثلاث وظائف: ختم القرآن، ومراجعة المحفوظ، وحفظ غير المحفوظ. فالبنسبة لختم القرآن الكريم -كما أشرنا- لابد من أن يعين لنفسه حزباً يومياً من القرآن العظيم طبقاً لظروفه، ويفضل أن أي مسلم لا يمر عليه شهر إلا وقد ختم القرآن، وفي الحقيقة ختم القرآن باستمرار أعظم وسيلة تسهل الحفظ، وتعينك على تسهيل الفهم فيما بعد. وذكرنا من قبل تحزيب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا يقرءون ثلاثاً فخمساً فسبعاً فتسعاً فإحدى عشرة فثلاث عشرة سورة، ثم الحزب المفصل وحده. وأيضاً -كما ذكرنا- لا يختم في أقل من ثلاث، للنهي عن ذلك، وللأسف الشديد نحن في هذا الزمان لا نحتاج للتكلم في هذه النقطة كثيراً؛ لأنه يندر من يختمه حتى في ثلاثين! ولا يزيد عن شهر بقدر المستطاع، وهذا ليس أمراً واجباً متحتماً، لكن حسب الظروف؛ لأن لبعض الناس أحياناً ظروف الكسب والعمل قد لا تعينهم على ذلك، لكن على الأقل لا يزيد عن شهر بقدر المستطاع. أما الكتاب المتعلق بهذا الموضع فإن أول كتاب نرشحه -ولابد لطالب العلم من أن ينشئ علاقة متميزة مع القرآن- فهو الكتاب المبارك لذلك الإمام المبارك الإمام النووي رحمه الله كتاب (التبيان في آداب حملة القرآن) وهو كتاب معروف ومبارك من كتب الإمام النووي رحمه الله العظيمة النفع والبركة. ثانياً: المراجعة، وهناك أحاديث كثيرة جداً تأمر المسلم بتعاهد القرآن؛ لأنه يمحى من ذاكرة الإنسان إذا لم يتعاهده باستمرار، خاصة الآيات المتشابهة في الألفاظ، فلابد من أن يكون له ورد في المراجعة، وينبغي أن يكون أكثر من ورد الحفظ، ويقدم المراجعة على الاشتغال بحفظ ما لم يحفظه. أما فيما يتعلق بالحفظ -وهي الوظيفة الذهبية فيما يتعلق بالقرآن فنقول باختصار: يدرس كتيباً مباركاً لفضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله، وهذا الكتاب المبارك اسمه (القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم)، وهنا نذكر هذه القواعد على شكل عناوين فقط إذ قد شرحها بالتفصيل: أولاً: الإخلاص. ثانياً: تصحيح النطق والقراءة. ثالثاً: تحديد نسبة الحفظ كل يوم وترديده مع التغني. رابعاً: لا تجاوز مقررك اليومي حتى تجيد حفظه تماماً. خامساً: حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك؛ لأن الحفظ يكون بالبصر والسمع، فحافظ على نسخة معينة من القرآن وواظب عليها، كطبعة الملك فهد مثلاً، حافظ على طبعة واحدة تحفظ فيها، وقد يختلف الحجم، لكن لابد من أن تكون نفس الطبعة؛ لأن الإنسان يحفظ بعينه وبسمعه. سادساً: الفهم طريق الحفظ ومعرفة وجه ارتباط الآيات ببعض، فهناك ارتباط بين الآيات في المعاني يساعد على الحفظ، ولذلك تجد الإنسان يحفظ الآيات التي فيها قصة بأسرع من غيرها، لأن فيها ارتباطاً في المعاني وتسلسلاً. سابعاً: لا تجاوز سورة حتى تربط أولها بآخرها. ثامناً: التسميع الدائم والعرض على حافظ آخر أو متابع في المصحف. تاسعاً: المتابعة الدائمة حتى لا يتفلت. فلابد من متابعة دائمة للمراجعة عن طريق الورد اليومي كما ذكرنا، والحد الأدنى يكون جزءاً، والحد الأقصى عشرة أجزاء في اليوم. عاشراً: العناية بالمتشابهات، والمقصود بهذا التشابه هو التشابه في الألفاظ في الآيات التي يكون فيها تشابه في خواتمها أو في ألفاظها، فإن ثلث آيات القرآن فيها تشابه. الحادي عشر: اغتنم سني الحفظ الذهبية التي هي من خمس سنوات إلى ثلاث وعشرين سنة، فلا تفتك هذه السنوات الذهبية، وكلما كان الأمر مبكراً جداً كلما كانت درجة الحفظ قوية جداً، خاصة عند الأطفال، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى، أن يطيق قلب الطفل الصغير الذي لم يتعلم شيئاً أن يحمل كلام الله سبحانه وتعالى بين أضلعه وبين جوانحه تصديقاً لقوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] فهل هناك تيسير أكثر من هذا؟ كلام الله عز وجل يطيق حمله الصبي الصغير الذي لم يتجاوز سبع سنوات أحياناً أو أقل.

    معرفة طالب العلم شرف حفظ القرآن الكريم

    فالمسألة في الحقيقة تحتاج إلى همة عظيمة جداً، فالإنسان لابد من أن يضع هذا في مقدمة مشاغله، أن يتم حفظ القرآن، وهذا شرف ليس بعده شرف، إذا شرفك الله تبارك وتعالى بأن جعل صدرك مستودعاً لكلامه فهذا أعظم من مليون شهادة دكتوراه، ومن أن تكون ملك ملوك الدنيا وإمبراطور الإمبراطورات وأغنى الأغنياء، فإن هذا هو الغنى الحقيقي، ففي الحديث: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) وأحد وجوه تفسير أن كلمة (يتغن) تعني: يستغني به عما عداه. فأعظم شرف هو لحامل القرآن والشريعة، لذلك وضعت أحكام خاصة بحامل القرآن وبيان عظمته، كما نعرف من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يؤمر أميراً على مجموعة من الناس، فاستعرض ما معهم من القرآن فاختار واحداً معه سورة البقرة وأمره عليهم، فقال: (أنت أميرهم)؛ لأنها أفضل سورة في القرآن، كذلك الأحكام تفاوتت بموضوع الحفظ، فالذي يلي الإمام من اليمين أولوا الأحلام والنهى، فيلي الإمام أكثر الناس حفظاً للقرآن، كذلك عند الدفن يقدم أكثرهم قرآناً، إذاً هذا هو الشرف الذي يرفع الله عز وجل به أقواماً ويضع بالإعراض عنه آخرين كما بينا من قبل. فالنصيحة هي لأبناء المسلمين لاغتنام سني الحفظ الذهبية من سن خمس سنوات، وربما بعض الأطفال يظهر فيهم النبوغ مبكراً قبل حد خمس سنوات، فمتى ما تفتق ذهن الصبي وعرفت منه أنه يطيق الحفظ فأعطه ما استطعت وقربه لذلك، واجتهد في أن تشغله بالقرآن لا بالأناشيد ولا بالإعلانات وبالأغاني والكتب الفارغة، بل اجتهد في أن تحفظه كلام الله تبارك وتعالى. هذه خلاصة القواعد الذهبية لحفظ كتاب الله تبارك وتعالى.

    أهمية جعل جدول زمني لحفظ القرآن الكريم

    فيما يتعلق بجدول زمني لحفظ القرآن الكريم هناك كتاب وضعه أخ فاضل من اليمن يدعى مزاحم طالب العاني ، كتاب اسمه (دليل الحيران لحفظ القرآن)، وهو تجربة لا بأس بها لعلها تفيد كثيراً جداً، حيث إنه وضع جدولاً زمنياً لحفظ القرآن ومراجعته، بحيث يتم في أربع سنوات تقريباً إذا كان لا يحفظ شيئاً على الإطلاق، فيحفظ شيئاً قليلاً جداً من الآيات لكن مع الوقت يكمل حفظه، كما قال عليه السلام: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَّل)، فإذا داومت والتزمت بهذا الجدول فهو موجود ومطبوع اسمه (دليل الحيران لحفظ القرآن) لـمزاحم طالب العاني.


    أهمية أخذ القرآن عن طريق المشافهة عن الشيوخ

    ننبه تنبيهاً مهماً جداً، وهو أن المشافهة هي الأصل في تعلم القرآن؛ لأن معنى القرآن القراءة، ولا يسمى قارئاً إلا بالمشافهة، فلابد حتماً من أن تتعلم القرآن على يد شيخ، حتى الأشرطة لا تفيد إذا كنت تريد طلب العلم بدقة، فموضوع الأشرطة أو الكتب كل هذا ليس مما يصح مع القرآن، وقد يصلح مع غيره من العلوم، لكن في القرآن لابد من المشافهة، لابد من أن تتأكد أن كل حرف قد ضبطته وقرأته قراءة صحيحة وأخرجته من مخرجه مع شيخ يعلمك ويشرف على تعليمك هذا الأمر. وهناك بديل لكن لا يكفي، وهو سماع الأشرطة، لكن إلى حد كبير يصيب في تصحيح السماع وتصحيح النطق بالآيات، خاصة المصحف المعلم للشيخ الحصري رحمه الله تعالى أو غيره من المشايخ، فيمكن الاستفادة من سماع الأشرطة كبديل مؤقت، أو يكون بجانب التعلم من الشيوخ.

    أهمية معرفة الآيات المتشابهة في القرآن الكريم

    بالنسبة لمعرفة الآيات المتشابهة في الحفظ العلماء خصوها ببعض الكتب، فالإمام السنحاوي رحمه الله تعالى له منظومة في الآيات المتشابهة في القرآن من حيث الألفاظ، وعليها شرح يسمى (التوضيحات الجلية شرح المنظومة السنحاوية في متشابهات الألفاظ القرآنية)، وهناك كتاب صغير جداً، وطباعته جميلة جداً ومفيدة؛ لأن الحروف المتشابهة في الكلمة تتميز باللون الأحمر بحيث تتميز تماماً عما يشبهها، وهو يسمى (تنبيه الحفاظ للآيات المتشابهة في الألفاظ) للشيخ محمد بن عبد العزيز المسلم.

    الكتب والعلوم المتعلقة بالقرآن الكريم

    العلم الأول الذي سنتكلم فيه والذي ذكره العلماء أنه أول العلم هو حفظ كتاب الله عز وجل وفهمه وفهم كل ما يعين على فهمه، وأهم ذلك على الإطلاق بالنسبة لعلوم القرآن الأمور الآتية: أولاً: الحفظ. ثانياً: ما يعين على فهم القرآن من لسان العرب. ثالثاً: الأحاديث الواردة في التفسير. رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن. خامساً: دراسة آيات الأحكام واختلاف العلماء في ذلك.......

    كتب تجويد القرآن الكريم

    وفيما يتعلق بالتجويد لابد -كما ذكرنا- من المشافهة والقراءة على الشيخ، لابد في التجويد من أن تتعلمه على شيخ، وننصح بمحاولة الالتصاق بالشيوخ الأزهريين في هذا الفن؛ لأن الأزهريين يتقنون هذا الفن اتقاناً شديداً، ويمكن أن يتفق الإنسان مع شيخ ممن تعلم في الأزهر أو شيخ في المعهد الديني أو مجموعات من الإخوة يتفق معهم ويعلمهم التجويد ويشرف على هذا الأمر، وهذا الأمر حتمي ليس فيه خيار. وأما مؤلفات التجويد فيحفظ (متن تحفة الأطفال)، وله شروح وأبسط هذه الشروح ولعله أفضلها مع صغر حجمه (بغية الكمال شرح تحفة الأطفال) للشيخ أسامة عبد الوهاب ، وتحفة الأطفال ليس هو للأطفال الصغار فحسب، وإنما للكبار أيضاً، أي: بالنسبة لابتدائهم في طلب العلم وليس شرطاً أن تأخذ نفس الاسم ونفس الكتاب، بل من الممكن أن يكون عندك بديل ثانٍ لشرح تحفة الأطفال، فالشروح كثيرة فلا بأس بأي كتاب. وكذلك حفظ متن الجزرية، كذلك -إن أمكن- حفظ (إغاثة الملهوف) في صفات الحروف، فهذا بالنسبة للمتن في التجويد، ومن الممكن أن يدرس علم التجويد بتوسع أكثر في طبقة أعلى أو في مرحلة فيما بعد، بدراسة عدد من الكتب منها: كتاب (فتح المريد في علم التجويد) للشيخ عبد الحميد يوسف منصور، وهو في جزأين صغيرين، وهذا الكتاب هو أحد الثلاثة الكتب وهو أحسنها، وهناك كتاب جيد كذلك، هو (العميد في علم التجويد)، أو (غاية المريد في علم التجويد) وهذا أيضاً مفيد جداً، فيأخذ واحداً من هذه الثلاثة وليس كلها.

    أهم الكتب في علوم القرآن

    بالنسبة لعلوم القرآن نحتاج إلى كتاب في علوم القرآن يعطينا فكرة أولاً عن علوم القرآن وأنواعها والأرضية أو الخلفية التي لا يليق بطالب العلم أن يكون خالياً عنها، وهناك عدة كتب، والكتاب الأساسي المرشح -لأنه أبسطها وفيه فوائد جمة- (لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير) لأستاذنا الدكتور محمد الصباغ حفظه الله، أو (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح أو (التبيان في علوم القرآن) للشيخ محمد علي الصابوني، والشيخ الصابوني عليه ملاحظات كثيرة على منهجه في (صفوة التفاسير)، وهذه الأشياء لكونه متحمساً جداً لمذهب الأشاعرة في موضوع الصفات، ولكن أنبه على أن بعض المؤلفين قد تكون هناك بعض الملاحظات على كتبه، لكن يكون متخصصاً في هذا المجال فيفيدنا. أو كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني وهو وإن كان أشعرياً -للأسف الشديد، والكتاب يحتاج لمن يهذبه وينقيه من هذه الأشياء- إلا أن طريقة الترتيب والجمع مفيدة جداً في بعض المواضع، فلذلك اخترت أولاً كتاب الدكتور الصباغ لأنه أنقاها من حيث هذه الملحوظة، وهو (لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير) يليه (مباحث في علوم القرآن) ثم (التبيان في علوم القرآن) (مناهل العرفان في علوم القرآن).

    أهم الكتب في علم التفسير

    بالنسبة لعلم التفسير هناك الجزء الأول من محاسن التأويل للقاسمي، ويسمى (تمهيد خطير في علم التفسير) للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، لكن الكتاب المعتمد أو الذي نوصي به مع هذا كتاب مفيد جداً للشيخ خالد عبد الرحمن العك، وهو (أصول التفسير وقواعده) فهذا من أفضل الكتب وأقواها. وأيضاً هناك كتاب مفيد وفيه بحث عظيم جداً للدكتور محمد حسين الذهبي اسمه (التفسير والمفسرون)، فهذا فيما يتعلق بعلوم التفسير.

    أهم الكتب في أسباب النزول

    بالنسبة لأسباب النزول، وبالنسبة للأحاديث التي صحت في تفسير بعض الآيات ولابد للإنسان من أن يكون على إلمام بها هناك كتاب جديد اسمه (الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم) للشيخ سيد إبراهيم أبو عمة . وفي أسباب النزول هناك كتاب (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل بن هادي الوادعي . وفي القراءات كتاب (القراءات أحكامها ومصدرها) للدكتور شعبان محمد إسماعيل . وفي موضوع إعجاز القرآن هناك دراسة معاصرة اسمها (المعجزة الخالدة) للدكتور حسن ضياء الدين . وبالنسبة لاستطلاع مواقف المفسرين -على اختلاف تفسيراتهم- من الآيات والصفات هناك بحث مفيد للشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي اسمه (المفسرون بين التأويل والإثبات).



    طـريـق السـلـف
    ومع الجزء الثالث


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    افتراضي رد: اليكم أخواني تفريعات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم

    المنهج العلمي 3
    للشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    كتاب (بدع التفاسير) للغماري

    هناك علم ابتكره الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ومعروف عنه أنه من أعداء السلفية، وإذا أمسكت كتاباً له ففتش عن شتيمة ابن تيمية ، لكن مع ذلك له بحوث جيدة جداً منها هذا الكتاب؛ لأنه في الحقيقة ابتكر هذا الكتاب وليس فيه محاكاة لغيره ممن سبقه، كتاب (بدع التفاسير)، واحذر جداً من أخطائه والمؤاخذات عليه، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة السلفية أو نيله من بعض العلماء الأفاضل، لكن مع ذلك هو كتاب فيه فوائد عظيمة.

    أهم الكتب المؤلفة في معرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير
    بالنسبة لمعرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير فهناك كتاب للدكتور محمد أبو شهبة (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير).

    الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأهم الكتب المؤلفة في ذلك
    وبعد ذلك يبقى نوع آخر من علوم القرآن وهو الناسخ والمنسوخ، وهو من أهم العلوم، وهذا الموضوع فيه كلام طويل جداً، وموضوع النسخ فيه نقاش واختلافات، خاصة في العصر الحديث، فكثير من الناس تطاولوا في هذه القضية، واتبعوا كلاماً كثيراً، وهناك كتاب يناقش موضوع النسخ اسمه (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) للدكتور شعبان محمد إسماعيل ، وهو كتاب جيد. والكتب التي تتناول الناسخ والمنسوخ تستعرض الآيات التي فيها النسخ، وهناك كتب في الناسخ والمنسوخ، ككتاب لـابن العربي وجمال الدين البذوري أو ابن الباذري وقتادة بن دعامة و هبة الله بن سلامة وغيرهم، وفي الحقيقة الكلام كثير جداً في موضوع الناسخ والمنسوخ، فهناك آيات كثيرة يزعم أنها فيها ناسخ ومنسوخ وهي ليست كذلك، والإمام السيوطي رحمه الله قد اختصرها جداً، ونظمها في قصيدة في صفحة واحدة، هذه القصيدة ضمنها العلامة القرآني الشنقيطي رحمه الله كتابه (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وعمل حاشية على قصيدة السيوطي ، فالآن يستطيع الطالب أنه يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها للشنقيطي رحمه الله، فيكون قد جمع علماً في هذا الباب، وهو معرفة الناسخ والمنسوخ، وهو علم أساسي، فيستطيع الطالب أن يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها المكون من صفحتين، فهي عبارة عن ثلاث صفحات: صفحة قصيدة، وصفحتان شرح، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ......

    الكتب المختارة في بعض علوم القرآن
    الكتاب المعتمد الذي ننصح به: تفسير المشكل من القرآن العظيم على الإيجاز والاختصار، لـأبي محمد مكي القيطي ، يفضل أن يلحق به كتاب أيضاً عظيم جداً من كتب التراث لا يقل عنه أهمية للإمام بدر الدين بن جماعة وهو: غرر التبيان فيمن لم يسم في القرآن، كلامنا يكمل بعضه بعضاً. لنفرض أن الكتابين غير متوفرين، فما المخرج؟ هناك كتب بسيطة أي كتاب في غريب القرآن، مثلاً: كتاب كلمات القرآن توضيح وبيان، وهو كتيب صغير جداً لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف رحمه الله، أو: مختصر معاني مفردات القرآن الكريم للشيخ محمد سند الطوخي . أما المرجع في مفردات القرآن الكريم فهناك المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ، مجلد واحد كبير، وهذا المرجع إن تمكن طالب العلم من حفظه واستظهاره فهذا جيد، وإن كان الراغب الأصفهاني يقال إنه شيعي إمامي، لكن الله أعلم بصحة ذلك، لكن الكتاب جيد من حيث اللغة، لكن يكون الإنسان على حذر؛ لأنه أحياناً تشم هذه الرائحة الشيعية في مواضع قليلة جداً. وهناك علم آخر يسمى: مشكل القرآن، أي: الآيات التي يتعارض ظاهرها في نظر من لم يحكم دراسة القرآن وفهمه، يقوم بعض العلماء بتوضيحها والجمع بينها وإزالة هذا الإشكال، فأشهر كتاب ألفه السلف في ذلك هو عبارة عن رسالة هي أوراق قليلة جداً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في الرد على الزنادقة والجهمية. وهناك كتاب قيم جداً في هذا الباب وهو كتاب: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" للعلامة الشنقيطي رحمه الله. وهناك علم من العلوم الخطيرة جداً والمهمة، بل يعتبر أهم علوم القرآن هو: علم أحكام القرآن وآيات الأحكام، هذا علم مهم جداً، وهو باختصار: عبارة عن الآيات التي تضمنت أحكاماً فقهية، وأفضل كتاب نرشحه في هذا هو: روائع البيان تفسير آيات الأحكام، للشيخ محمد علي الصابوني ، والكتاب عليه مآخذ من حيث تساهله في أحاديث ضعيفة، وعدم إتقانه لتخريج الأحاديث، فهذه مآخذ معروفة لأنه غير متضلع من علم الحديث، لكن كناحية تنظيمية كتاب "روائع البيان" من أحسن الكتب في التنظيم والترتيب وحسن التسهيل في التدريس، فالكتاب الذي يعتمد: "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام في القرآن الكريم" للصابوني . وهناك مراجع أخرى يحتفظ بها الإنسان مثل: جامع أحكام القرآن للقرطبي أو لـابن العربي ، وكذلك: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي رحمه الله تعالى. ......

    الكتب المختارة في التفسير
    أخيراً تفسير شامل للقرآن ككل، ما هو التفسير الذي يرشح بأن يدرس كتفسير شامل؟ في هذه المرحلة نحن نركز على أن نختار مصدراً للحجم الأقل بحيث يستطيع الطالب أن يأخذ خلفية في كل العلوم، وبالنسبة لأفضل كتاب تفسير على الإطلاق هو جامع البيان في تفسير آيات القرآن للإمام الطبري ، والإمام الطبري شيخ في السنة على الإطلاق، وأفضل كتاب في الإسلام كله في تفسير القرآن هو كتاب الإمام ابن جرير الطبري وقد حققه العلامة أحمد شاكر لكن لم يتمه للأسف الشديد، لكن دراسته تحتاج وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى بداية مبكرة عن البداية التي يبدأ منها أغلب الإخوة. بالنسبة للمرجع المختار في موضوع التفسير الشامل للقرآن بحيث إذا أنهيته تنتقل إلى مرحلة أعلى منها -فهناك مرحلة أولى من كل علم وبعد ذلك مرحلة أخرى- هو: تفسير الجلالين للجلال السيوطي و الجلال المحلي ، وهو كتاب جيد وميسر للفهم، ويكفي أنه شرح في مجلدات، وكل كلمة فيه موضوعة بهدف وبدراسة، ليس مسألة عشوائية، فهو تفسير مركز جداً بحيث يصلح أنك تحفظه، تحفظ التفسير وتتقنه. وهناك بعض المؤاخذات على تفسير الجلالين: أولاً: وجود أحاديث ضعيفة فيه. ثانياً: تأويل الآيات والصفات بما يخالف منهج السلف رحمهم الله تعالى. ثالثاً: وجود بعض الإسرائيليات. فاحذر من هذه الثلاث، وقد حاول كثير من العلماء تهذيبه حتى يخلو من هذه المآخذ، ويكون صافياً نقياً، وأنجح محاولة حتى الآن قام بها القاضي محمد كنعان، وهو موجود في مجلد واحد كبير يسمى: قرة العينين على تفسير الجلالين، وهو موجود متوفر، فهذا التفسير شامل لكل القرآن بإيجاز، فهو يجمع أحياناً بين أشهر القراءات فيعطيك فائدة في معرفة القراءات، ويعطيك أحياناً أسباب النزول، وأحياناً يذكر أحاديث في تفسير الآيات، وكذلك توضيح غريب اللغة، والربط بين الآيات بعضها ببعض، وقرة العينين مع تفسير الجلالين هذا أفضل لصغر حجمه وتركيزه، وهناك أيضاً كتاب مدرسي يفيد جداً لو أن مجموعة تأخذ التفسير كدراسة في معهد في مدرسة أو في مجموعات، وهو كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري حفظه الله تعالى، في كتاب مدرسي، خاصة إذا كان الإنسان يحفظ فقرة ثم يدرس تفسيرها بمنتهى البساطة. أو تفسير القرآن العظيم لـابن كثير ؛ لأن تفسير ابن كثير يعتبر تلخيصاً لتفسير ابن جرير الطبري وزاد عليه فوائد كثيرة، فإذا كنت تدرس كتاباً أكبر أو فرغت من مرحلة قرة العينين على تفسير الجلالين، فليكن تفسير القرآن العظيم لـابن كثير أو أحد مختصراته، وأفضل مختصر لـابن كثير على الإطلاق هو: عمدة التفاسير أو عمدة التفسير للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فهو أروع اختصار على الإطلاق، وقد حافظ فيه على روح ابن كثير، فالاختصار لم يخل بروح المؤلف الأصلي، وصدر منه للأسف فقط خمسة أجزاء، فيمكن للطالب أن يدرس أولاً هذه الخمسة الأجزاء الأولى للشيخ أحمد شاكر ثم يتم ذلك بمختصر آخر، ولعل أيسرها: تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير، للشيخ محمد نسيب الرفاعي رحمه الله، لكن الشيخ رحمه الله اشترط في مقدمة التفسير أنه اقتصر على الصحيح، ولم يوفق في هذا، فكثير من الأحاديث التي يرمز لها بالصحة أو الحسن تكون ضعيفة! فإما أن تدرس تفسير ابن كثير أو أحد مختصراته كما أشرنا، أو تدرس أيضاً تفسيراً نقياً جداً في الحقيقة هو محاسن التأويل للقاسمي، والحقيقة أنك إذا قرأت في محاسن التأويل تشعر أنك تقرأ في حوالي عشرة أو عشرين مرجعاً، فعنده رحمه الله القدرة على الجمع وامتصاص الرحيق من الأزهار في التفاسير الأخرى ويضمها، وأحياناً يتوسع في بعض البحوث فيخرج بحثاً مفيداً جداً. إذاً يمكن الاقتصار إما على تفسير القرآن العظيم لـابن كثير في هذه المرحلة، أو على محاسن التأويل للقاسمي . هذا فيما يتعلق بأهم الكتب التي نرشحها فيما يتعلق بعلوم القرآن، والكتب كثيرة جداً، فلا يعترض أحد بأن بين الكتب الأخرى كتباً بديلة؛ لأن هذا تنبيه على بعض الأنواع، فقد يكون نفس الكتاب وقد يكون ما يقوم مقامه، إذاً هذه أسماء الكتب المرشحة فيما يتعلق بعلوم القرآن، وفيما بعد سيأتي الكلام على موضوع المنهجية والمرحلية. أولاً: التبيان في آداب حملة القرآن، القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم، دليل الحيران لحفظ القرآن، تنبيه الحفاظ بالآيات المتشابهة في الألفاظ، حفظ تحفة الأطفال، دراسة بغية الكمال، شرح تحفة الأطفال، حفظ الجزرية، دراسة فتح المريد في علم التجويد، لمحات في علوم القرآن لهذا التفسير، أصول التفسير وقواعده، قصيدة السيوطي في الناسخ والمنسوخ وشرحها للشنقيطي ، تفسير المشكل من القرآن العظيم لـمكي القيطي ، قرة العينين على تفسير الجلالين للشيخ القاضي محمد كنعان ، دراسة روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني . ولا تزال عندنا بعض التنبيهات فيما يتعلق بهذا الموضوع.

    طـريـق السـلـف
    ومع الجزء الرابع

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    192

    افتراضي رد: اليكم أخواني تفريعات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم

    المنهج العلمي 4
    للشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم

    العلوم الشرعية التي ينبغي أن يلم بها طالب العلم

    كنا شرعنا في موضوع المنهج العلمي بالنسبة لقراءة الكتب المختارة أو المرشحة في بعض العلوم، ولابد من إتمام الوفاء بالوعد؛ لأن بعض الإخوة لاحظوا أننا معتدلون جداً في هذه المحاضرة من حيث الكلام وعدم التفصيل، وبعض الإخوة اقترح أن يكون ذلك بعد رمضان، لكن مبادرة بالأعمال ووفاء بالوعد فإننا نتم ما بدأناه، ونرجو أن تكون هناك فرصة أخرى لمزيد من التفصيل في هذا الأمر. ونحن نتكلم على العلوم الشرعية التي ينبغي أن يلم بها الإنسان أو الداعية أو طالب العلم، من مثل التفسير وعلوم القرآن، الحديث والسنة، التوحيد والفرق، أصول الفقه، البدع، السيرة، التاريخ والتراجم، الرقائق والأخلاق والآداب الشرعية، اللغة العربية، الفكر والدعوة، هذه عموماً المجالات أو الفروع التي ينبغي الاطلاع عليها بصورة أو بأخرى، وقد تكلمنا عن التفسير وعلوم القرآن وسوف نتكلم الآن إن شاء الله عن الحديث. ......

    المنهجية في دراسة علم الحديث

    بالنسبة للحديث هناك قاعدة عامة للطالب عند اختيار الكتب أن يراعي ويتحرى الكتب المحققة والطبعات المحققة، خاصة إذا كان من قام على تحقيقها من أهل العلم المشهود لهم، والذين اشتهروا بالتدقيق في تحقيقهم وبذل أقصى وسعهم.

    عدم الاشتغال بالحديث قبل حفظ القرآن

    أيضاً: مازال العلماء ينصحون الإنسان أن لا يشتغل بالحديث قبل أن يحفظ القرآن ويولي القرآن اهتماماً، فكان العلماء إذا أتاهم طالب يطلب سماع الحديث سألوه: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، أبوا أن يقرءوا عليه أو يسمعوه الأحاديث حتى يفرغ من قراءة القرآن وحفظ القرآن، فإذا جاءهم حافظ للقرآن اختبروه فيه، وحينئذ يبدءون في تسميعه، لكن اليوم في الحقيقة هناك آفة منتشرة جداً: أن بعض الناس يهجرون القرآن تماماً ويركزون فقط على علم الحديث، وليس على كل فروع علم الحديث، إنما في أبواب معينة أو علوم معينة من علوم الحديث، فيركزون عليها ويهملون سائر العلوم بما في ذلك التوحيد أو الفقه أو غير ذلك، وللأسف الشديد ظهر هذا كشعار لمن ينتسبون إلى الدعوة السلفية في كثير من بقاع الأرض، ظنوا أن السلفية هي هذا النموذج! أن يشتغل الطالب ليل نهار في علم الرجال وعلم الحديث ويهجر القرآن تماماً، ويهجر العلوم الشرعية الأخرى بما في ذلك الفقه وغيره من العلوم، حتى وصل الأمر ببعض الناس ممن ينتسبون إلى السلفية أن أنكروا علم أصول الفقه تماماً! والبعض يقول: التجويد هذا ليس له أي أصل، وما نعترف بعلم التجويد.. وهكذا!! وهذا من الخطأ في فهم هذه المسألة، فالسلف رحمهم الله تعالى كانوا يراعون هذا الأمر، وكانوا يرفضون قراءة الأحاديث على من لم يفرغ من حفظ القرآن الكريم.

    عدم الاشتغال بفروع تخصصية في علم الحديث مع إهمال ما هو أهم منها

    وكذلك هناك اشتغال بعض الإخوة أحياناً بفروع تخصصية في علم الحديث، وهذه الفروع قد خدمها من هم أعلم منهم وأقدر على خدمتها، لكن ينبغي الاشتغال بالسنة؛ ولهذا نجد الآن بعض الإخوة قد وصل إلى سن الأربعين أو الثلاثين مثلاً وبدأ الآن يحفظ الكتب بأسانيدها، هذا شيء طيب بلا شك، لكن إذا تقدم بك العمر وأنت ما زلت بعد بادئاً مبتدئاً في طلب العلم فلا تضمن امتداد العمر يكون إلى متى، فإذا أنفقت عمرك في حفظ الأسانيد الآن فمتى تنتهي؟ وما جدواها؟! والآن في الغالب يكون بعضهم مسئولاً عن نشاط دعوي معين يُسأل في العلم الشرعي، وهو في سلوكه وفي حياته يحتاج إلى معرفة حكم الشرع في مسائل كثيرة، فإن لم يكن عنده علم ووسائل لطلب العلم في هذه الفروع فإنه سيتكلم بدون علم، فالشاهد: أن هناك فروعاً في علوم الحديث قد كفينا شأنها، ليس المطلوب أن يكون جميع الإخوة طلاب العلم محققين للأحاديث، فالعلماء المحققون متواترون، ولا بأس من التدرب على تصحيح الأحاديث: أن يأخذ حديثاً من الأحاديث وتدرس أسانيده، وتنظر في كتب الرجال والتراجم، وتحاول أن تطبق ما تقرؤه على سبيل التدريب والتجربة، أما أن تستقل بتصحيح وتضعيف الأحاديث وأنت مازلت تخطو الخطوات الأولى في علم الحديث، فهذا ما لا يكون أبداً، وعلى أي الأحوال فإن هذا حديث المتون، ولكن الشاهد أنا قد كفينا ولله الحمد، سواء من علمائنا السابقين، أو العلماء المعاصرين الذين محضوا حياتهم لخدمة الأحاديث وتحقيقها.

    التقليد في تصحيح وتضعيف الأحاديث ليس مذموماً

    فطالب العلم وخصوصاً من يبدأ متأخراً ربما يكون أقصى ما يحتاجه الآن في الواقع العملي أن يعرف الحديث هل هو حسن أم صحيح أم ضعيف، وهذا يسهل جداً الرجوع إليه من خلال كتب العلماء في ذلك، فالذي يبدأ بهذه الصورة لا يصلح لأن يكون مستقلاً في الحكم على الأحاديث، فعليه أن يقلد، كما قال الحافظ العراقي رحمه الله في شأن علم الحديث: ولا تأخذ بالظن، ولا تقلد غير أهل الفن، أي: فن الحديث، فهذا ليس من التقليد المذموم الذي أشرنا إلى ذمه في مسألة الفقه ومخالفة الدليل، لكن هذا من باب قبول خبر العدل؛ لأن الجهبذ مثل الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث رحمه الله تعالى، حينما يقول في الحديث مثلاً: إنه حسن أو صحيح، فهذا ليس مجرد كلمة تقال، بل هذه خلاصة بحث طويل، وربما سهروا الليالي والشهور وبذلوا جهداً جهيداً في دراسة الأسانيد، وتتبع طرق الحديث، والنظر في السند والنظر في المتن وغير ذلك، حتى توصل في النهاية إلى كلمة (حسن) فهي تساوي أن يخبرك هذا الحافظ أو هذا الإمام: بأني قد تتبعت طرق هذا الحديث وتتبعت رجال الأسانيد، وبحثت عن شروط الصحة والحسن، وانتهيت إلى أنه حديث حسن، فهي كلمة لا تقال جزافاً، وإنما هي ثمرة بحث طويل من ورائها، فهذا من باب قبول خبر العدل، عدل يخبرك بخبر فأنت تصدقه، وليس من باب التقليد المذموم المعروف. فهناك -كما ذكرنا- من العلماء من قدم السنة وسهلها وقربها من هذه الأمة، وما من شك أنه لا يستطيع أي إنسان أن ينكر أو يجحد فضل محدث الديار الشامية العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى، فعامة طلاب العلم في هذا العصر، بل ومن الخواص أيضاً من هم على كتبه وخدمته العظيمة والجليلة التي أداها إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا شك أنه جدير بأن يلقب بالفعل بمحدث العصر، بشهادة أئمة العلم وأئمة الهدى في مشارق الأرض ومغاربها، فمصنفات الألباني ما يكاد يستغني عنها أحد، حتى الذين يغيبون الألباني يستدلون من كتبه وإن جحدوا في الظاهر، فقل أن يستغني إنسان عن مؤلفات العلامة الألباني حفظه الله تعالى.

    الكتب المختارة في الحديث وعلومه

    هناك مجموعة من الكتب في علم الحديث مرشحة إن شاء الله: أولاً: رياض الصالحين، وهو كتاب مبارك، وتظهر في مؤلفات الإمام النووي رحمه الله تعالى علامات إخلاص هذا الرجل، فقد وضع لكتبه نوع من القبول ليس له تفسير إلا أن هذا الرجل كان يبتغي بها وجه الله عز وجل، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فتتعامل مع كتبه كأنك تتعامل مع كائن حي لا تتعامل مع ورق وحبر، تشعر بروح ونفس لهذا العلامة الجليل في كتبه، وبالذات في هذا الكتاب المبارك الذي وضع له القبول في الأرض وفي كل الأعصار بصورة لا تكاد تتوفر في كتاب آخر مما ألفه العلماء، فرياض الصالحين كتاب أساسي جداً، وينبغي أن يعطى اهتماماً خاصاً، وهناك بعض المساجد في بعض البلاد يومياً بعد العصر لابد أن يقرأ باب في رياض الصالحين، فهذه سنة حسنة ينبغي المحافظة عليها وإحياؤها وتجديدها في الناس، أن يقرأ من رياض الصالحين حتى ولو ثلاثة أحاديث في اليوم تتلى على الناس، ثم شرح مبسط جداً لها يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهديه، فرياض الصالحين يتربع في قلة كتب السنة الجامعة التي ينبغي الاهتمام بها. ومنها أيضاً: كتاب الترغيب والترهيب للحافظ ابن رجب، وقد حقق العلامة الألباني قسماً كبيراً منه في كتابه: صحيح الترغيب والترهيب. ومنها: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، وهو عبارة عن الأربعين النووية، ثم أضاف إليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عشرة أحاديث أيضاً، ثم شرحها في هذا الكتاب: جامع العلوم والحِكم، بكسر الحاء لا بضمها؛ لأن بعض الإخوة كانوا معتقلين، وكان أقاربهم يفتشون إذا أحضروا لهم كتباً، فأحد العباقرة قرأها: الحُكم! فمنعوا الكتاب وصادروه، قال: هذا يتكلم عن الحكم!! ومثله أيضاً أن عبقرياً آخر منع الأربعين النووية، قال: هذا يتكلم عن القنابل النووية!! ومنها أيضاً: كتاب مبارك قيم جداً للعلامة الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى هو: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. وفي هذه المرحلة لابد من حفظ الأربعين النووية، هذا أقل ما ينبغي، ومن القبيح جداً أن الإنسان لا يكون قد حفظ الأربعين النووية، وإذا أضاف إليها العشر الرجبية فتكون خمسين، وهي أحاديث أمهات الإسلام، وبعد حفظ الأربعين النووية، إن وجدت همة واستطعت أن تحفظ رياض الصالحين بعدما تكون حفظت العشر الرجبية فهذا أمر عظيم جداً. ومنها أيضاً: مختصر الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وهو يتكلم باختصار عن شمائل الرسول عليه الصلاة والسلام وخصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وأحواله، وقد حققه العلامة الألباني بهذا الاسم: مختصر الشمائل للترمذي، فهذه كتب عامة في السنة لابد من الإلمام بها: رياض الصالحين، الترغيب والترهيب، جامع العلوم والحكم، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، مختصر الشمائل للترمذي.

    الكتب المختارة في حجية السنة والدفاع عنها

    وهناك موضوع آخر، أو نوع من القضايا الأخرى في السنة: وهي كتب تتكلم عن حجية السنة والدفاع عنها، وهذا مما نحتاجه في هذا العصر الذي انطلقت فيه كثير من الدعاوى المعادية لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كانت صدى لبدعة ظهرت في قرون سابقة، أو لبدع حديثة ناشئة، فهذا الموضوع من الموضوعات المهمة جداً: حجية السنة والرد على أعدائها والدفاع عنها، وفي هذا كتب كثيرة لكن نرشح كتابين أساسيين في هذا الموضوع: الكتاب الأول: زوابع في وجه السنة قديماً وحديثاً، للشيخ صلاح الدين مقبول من علماء باكستان، والكتاب طبع هناك لكن ما أظن أنه متوفر هنا، ولكن إن وجد فيكون فيه خير كثير إن شاء الله، وهذه الكتب التي يصعب توفرها لعلنا نجتهد في تدريسها إن شاء الله فيما بعد، والذي يهمنا كثيراً جداً في هذا البحث هو كلمة (حديثاً)؛ لأنه تطرق بجهد جيد جداً للدعاوى الحديثة ضد السنة، وذكر من هؤلاء الناس الذين كان لهم شيء من التخبط في بعض المواقف من السنة الغزالي ، وهذا الكتاب قد كتبه قبل أن يطبع كتاب الغزالي المشئوم الأبتر الذي هو: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، وهو يأخذ على الغزالي مآخذ ويراه في مصاف الذين انحرفوا عن السنة، وهاجموا أحاديث صحيحة قبل أن يطبع، فما بالك لو كان قد طبع. أيضاً انتقد بعض مواقف المودودي رحمه الله تعالى في بعض القضايا في السنة وغير ذلك، فهو استقرأ وتتبع كثيراً من مواقف بعض المشاهير غير الحميدة فيما يتعلق ببعض القضايا المتعلقة بالسنة والحديث. الكتاب الثاني: السنة ومكانتها في التشريع، للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى، فهذان هما الكتابان المرشحان في هذا، وهناك كتب أخرى جيدة لا بأس إن توفر منها شيء بديل فهو يغني، مثلاً: حجية السنة، للشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله تعالى فهو كتاب قيم جداً، وكتاب دفاع عن السنة، للدكتور محمد أبو شهبة رحمه الله، وهناك كتاب السنة قبل التدوين لـمحمد عجاج الخطيب . وهناك رسالة مختصرة ولطيفة الحجم ولكنها تحوي علماً غزيراً في هذه القضية بالذات، وهي: الأضواء السنية للدكتور عمر الأشقر، وقد سبق أن نوهنا أن فضيلة الدكتور عمر الأشقر إذا وجدت اسمه على كتاب فلا تنظر في عنوان الكتاب، إنما خذ الكتاب ما زال اسمه عليه، وإلا تكون قد خسرت خيراً عظيماً، فهو من المؤلفين الذين يجيدون في الكتابات، ولعل القبول الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لكتبه ناشئ عن الإخلاص إن شاء الله، كما ترون في المجموعة المباركة: مجموعة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، وكتابه المبارك: "مقاصد المكلفين" هو من أروع الكتب في مسألة النيات، وسنتكلم عنه إن شاء الله تعالى. وهناك رسالة للشيخ ناصر الألباني لطيفة الحجم تدعى: الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، فيما يتعلق بقضية خبر الواحد، وهناك أيضاً رسالة جيدة للشيخ سليم الهلالي تدعى: الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد. وأخيراً فيما يتعلق بمشكلات الأحاديث: الأحاديث التي أشكل معناها على كثير من الناس كيف يتم التأليف بينها ودفع التعارض عنها؟ هناك كتاب جمعه الشيخ زكريا علي يوسف رحمه الله من علماء أنصار السنة يدعى: دفاع عن الحديث النبوي ومشكلات الأحاديث، وهذا الكتاب شطر منه في حجية السنة والدفاع عنها، والشطر الآخر في دفع التعارض عن الأحاديث المشكلة، إذاً حجية السنة والدفاع عنها أيسر من هذه الكتب الأساسية، وبالذات لو أمكن كتاب: زوابع في وجه السنة قديماً وحديثاً، والسنة ومكانتها في التشريع، فنحن نحتاج بعد هذه الزوبعة التي أثارها الغزالي في كتابه: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث إلى التنبيه لبعض الكتب التي ردت عليه؛ لأن لصوته صدىً عالياً، وأحياناً تنتشر الضلالة فنحتاج للرد عليه، وأشهر كتاب معروف في الرد عليه هو كتاب: حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي للشيخ سلمان العودة ، أو كتاب: "جناية الغزالي على السنة وأهلها" للأخ أشرف عبد المقصود وهو جيد ولا بأس به، أو كتاب: المعيار لعلم الغزالي، لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ، أو كتاب: أزمة الحوار الديني، وهذا من أفضل الردود للشيخ جمال سلطان ، وإلا فهناك عشرات الكتب ألفت في الرد على الغزالي ، لكن أوجزها من حيث التركيز والقوة مع صغر حجمها هما هذان الكتابان: المعيار لعلم الغزالي، وأزمة الحوار الديني، لـجمال سلطان .
    الكتب المختارة في علم مصطلح الحديث

    بالنسبة للمصطلح: فإنه يحفظ فيه أي متن في مصطلح الحديث، مثلاً: نزهة النظر في مصطلح أهل الأثر" للحافظ ابن حجر العسقلاني ، أو " القصيدة البيقونية" أو قصيدة "غرامي صحيح" هي قصيدة في ظاهرها أنها قصيدة غزلية، ولكنها استوعبت أحكام الحديث، أو يحفظ "متن التقريب" للنووي ، وفي الحقيقة فإن عامة الكتب التي تناولت علم المصطلح إنما هي فرع على كتاب ابن الصلاح في مصطلح الحديث، فإما اختصروه وإما هذبوه وإما شرحوه، فعامة الكتب الموجودة في المصطلح سواء هذه الكتب التي ذكرناها أو غيرها يدور حول كتاب الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى. وهناك ألفية السيوطي، وألفية العراقي ، من وجد همة فالباب مفتوح، ولكن هذه من أخصر المتون، لو حفظت البيقونية ودرست شرحها فهذا جيد، أو نزهة النظر، أو غرامي صحيح، أو التقريب للنووي، وعلى حسب الكتاب الذي ستدرسه، فإن كنت مثلاً ستدرس "تدريب الراوي" للسيوطي فتحفظ معه متن التقريب للنووي ، كذلك أيضاً كتاب الباعث الحثيث وهو شرح "مختصر علوم الحديث" للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى كذلك قواعد التحديث للقاسمي ، وتوضيح الأفكار للصنعاني ، هذه كلها كتب في المصطلحات، إن كان ولابد من كتاب واحد مختصر على الطريقة المدرسية المبسطة والمجدولة، فليأخذ كتاب تيسير مصطلح الحديث للشيخ الطحان ، لكن الكتاب الذي يرشح هنا أن يحفظ متن تقريب النووي ويدرس شرحه تدريب الراوي فهذا يكفي، أو نزهة النظر أو الباعث الحثيث -كما ذكرنا- أو قواعد التحديث للقاسمي أو توضيح الأفكار. ويمكن أن تقرأ رسالة موفقة جداً في الناسخ والمنسوخ وهي: إخبار أهل الرسوخ بالناسخ والمنسوخ للإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى.

    الكتب المختارة في علم التخريج ودراسة الأسانيد

    وهناك فرع آخر من علوم الحديث هو علم التخريج ودراسة الأسانيد، فأول كتاب ألف هو كتاب للدكتور الطحان أيضاً اسمه: أصول التخريج ودراسة الأسانيد للشيخ محمود الطحان، وهو شقيق الشيخ عبد الرحيم الطحان وهناك كتاب آخر اسمه "طرق تخريج أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الكتاب المختار والمرشح في هذا الفن هو كتاب قيم ومفيد جداً، وهو أوسع كتب التخريج كتاب يدعى: كشف اللثام عن تخريج أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقع في مجلدين.


    أحاديث الأحكام

    فرع آخر من فروع علم الحديث: أحاديث الأحكام، كما أن في القرآن آيات الأحكام فهناك كتب متخصصة ألفت في آيات الأحكام، كذلك في السنة هناك أحاديث الأحكام، وهي التي يمكن أن نعبر عنها بفقه الحديث أو فقه السنة؛ لأن البعض يقرأ ويحصل عندهم خلط، فبعض الإخوة إذا قلت له: ماذا تدرس في الفقه؟ يقول لك مثلاً: أدرس سبل السلام أو غيره من كتب أحاديث الأحكام، وأحسن منها دلالة فقه السنة، لكن الذي يحصل في أحاديث الأحكام هو أن الأئمة العلماء يجمعون أمهات الأدلة في المسائل الفقهية المشهورة في طريقة أبواب، ثم يشرحها عالم آخر أو هو نفسه، فهذا الفقه مقيد بفقه السنة مثل آيات الأحكام، فأنت إذا درست آيات الأحكام لا تكون قد ألممت بالفقه كله، وإنما ألممت فقط بالآيات التي تتعلق بالأحكام، كذلك أحاديث الأحكام هناك فرق بين دراسة الفقه، وبين دراسة فقه الحديث أو فقه السنة أو أحاديث الأحكام، فهذا خاص، أما الفقه ككل فهو لا يحتوي فقط على الأحكام من القرآن والأحكام من السنة، إنما يحتوي أيضاً جملة أخرى من الأدلة، سواء كانت أدلة متفق عليها أو أدلة مختلف فيها، هناك قياس، هناك الإجماع، هناك قول الصحابي، سد الذرائع، المصالح المرسلة، شرع من قبلنا.. وغير ذلك من الأدلة حسب الاختلاف في المذاهب في بعض هذه الأدلة من القرآن أو المذكورة أخيراً. إذاً: الفقه أوسع وأعم من فقه الحديث، أو فقه القرآن، أو آيات الأحكام، أو أحاديث الأحكام، ومن القصور: أن يقتصر في دراسة الفقه فقط على القضايا التي وردت فيها أدلة من القرآن أو أدلة من السنة ولا شك أن هذه أمهات المسائل، والأصول هي: القرآن والسنة، لكن علم الفقه يشمل أوسع من ذلك، يشمل اجتهادات الفقهاء، وحكايات الخلاف والتفريق .... إلخ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


    طـريـق السـلـف
    ونتمنى من الله التوفيق




  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    3,210

    افتراضي رد: اليكم أخواني تفريعات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم

    بارك الله فيكم
    يقول الشيخ الامام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ( . وَحَيْثُ يَظْهَرُ الْكُفّارُ وَيَغْلِبُونَ فَإِنّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِذُنُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الّتِي أَوْجَبَتْ نَقْصَ إيمَانِهِمْ فَإِذَا تَابُوا نَصَرَهُمْ اللّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
    .............
    يقول الشيخ سليمان العلوان فك الله أسره وفرج كربه وثبته ( ونشكوا الى الله ما حل بنا في هذا العصر الغريب , فقد انقلبت الموازين فأصبح الكثير يتعاملون مع الاسماء دون المسميات ومع الدعاوى دون البينات, فعدو الله الذي يحارب الدين ليلا ونهارا سرا وجهاراقد صار مؤمنا موحدا عند هؤلاء الجهال المغفلين وأهل الشهوات بدعوى انه يتلفظ بالشهادتين وما يغني عن تلفظه بالشهادتين وقد صار جنديا من جنود إبليس وحربا على الدين بالنفس والمال فالله المستعان ) اهـ التبيان شرح نواقض الاسلام

    يقول شيخ الاسلام ابن تيمية الحراني رضى الله عنه
    ( من كان في الله تلفُه , كان على الله خلفُه )
    قال الإمام أحمد لإ براهيم بن هانيء
    ( ليس ينبغي أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في الرخاء ويترك في الشدة).
    قال رقبة بن مصقلة : (وأما المرجئة فعلى دين الملوك) أخرجه ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص/163).
    ....

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    الدولة
    في أرض الله الواسعة
    المشاركات
    3,583

    افتراضي رد: اليكم أخواني تفريغات للشيخ العلامه محمد إسماعيل المقدم


    جزاكَ الله خيرااااااا




    اللهم إليك أشكو ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين
    وأنت ربي إلى من تلكني! إلى بعيد يتجهمني . أم إلى عدو ملكته أمري
    إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي . ولكن عافيتك أوسع لي .أعوذ بـ نور وجهك الذي أشرقت له الظلمات



    ** أروع ما قال الحكـماء **
    **صمتي لا يعني أبدا جهلي **
    ** لكن مــا يدور حولـي **
    ** لا يستـحق الكــلام **


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    كفى من جزائه إياكـ على الطاعة أن جعلكـ أهلا لها
    المشاركات
    10,321

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    الدولة
    :: أرض الكنانة ::
    المشاركات
    1,175

صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •